أحمد رجب شلتوت - رواية ساحة التحرير

[HEADING=2]عن وهم الخلاص.. من الثورة إلى السوق الحرة[/HEADING]
نقد أدبي | عن وهم الخلاص.. من الثورة إلى السوق الحرة




لا يحكي الكاتب السلوفيني "أندريه بلاتنيك" في روايته "ساحة التحرير" ( نقلها إلى العربية محمد رمضان وصدرت عن المرايا 2026) عن تلك الساحة نفسها، فهي الحدث المستمر، وقد يتغير اسمها وأسماء الحكام، وحتى الذين يعبرونها يتغيرون، بينما تظل هي في مكانها، شاهدة التاريخ.
تضعنا الصفحات الأولى أمام مظاهرة منتظرة. وحينما تتدفق الحشود وتمتلئ الساحة يكتشف أحد الشباب، للمرة الأولى، أنه ليس فردًا معزولًا، هنا تلتقط الرواية لحظة اكتشاف العدد. السلطة تبدو قوية فقط حينما يعتقد المرء أنه وحده؛ هنا يقول رجل عجوز إن الساحة كانت يومًا «ساحة الثورة»، ويرد آخر بأنها كانت قبل ذلك «ساحة الكونجرس»، وربما تعود إلى الاسم القديم مرة أخرى. ثم يأتي السؤال: «متى ينتهي التحرير؟»، ولا أحد يجيب.

الساحة نفسها تبدلت أسماؤها ونصبها التذكارية، واستوعبت الاحتفالات الرسمية والمظاهرات والمناسبات العامة. حتى النصب الذي ظل فيها لم يعد هو الأصل؛ نُقل الأصل إلى المتحف وبقيت نسخة منه في المكان. وتأتي العبارة الدالة: «يتلاشى الأصل، وتبقى النسخ».
فما الذي يبقى من الثورة بعد عقود؟ صورة لها. شعار. ذكرى سنوية. مقال في صحيفة. حكاية يرويها رجل عجوز. أما الحدث نفسه فقد ابتعد، وأصبح قابلًا لإعادة التفسير.
ومن هنا تكتسب شخصية الأب أهميتها، فهو يقص الأخبار من الصحف ويلصقها في ألبومات ضخمة. إنه لا يجمع الذكريات بقدر ما يحاول مقاومة محوها وإعادة ترتيبها. لكن هذا الأرشيف الشخصي قد لا يقول الحقيقة أيضًا. فالصحيفة يمكن أن تكذب، والوثيقة قد تصبح، وسيلة للترهيب. تسأل الرواية صراحة عن تقارير المخبرين: هل كان أحد يقرأها أصلًا، أم أن وجودها وحده كان كافيًا لتحقيق الغرض منها؟
اقرأ الأخبار


إن بلاتنيك لا يثق في الذاكرة، لكنه لا يثق في الوثيقة كذلك. ولذلك يبني نصه من الشظايا، مقاطع من الحياة اليومية، وثائق، صحف، حوارات، ذكريات، انتقالات زمنية، وأحداث كبرى تمر أحيانًا من طرف المشهد، فالمهم هنا ليس وقائع تاريخ سلوفينيا، وإنما إثر هذه الوقائع على الأشخاص.
فالسياسة في الرواية لا تظهر فقط مع خروج الجماهير إلى الشوارع. إنها تؤثر في العلاقة بين الأب والابن. فحين يعود الابن من المظاهرة، لا يحتاج الأب إلى سؤاله صراحة عما فعل. فهو يعرف أين كان، لكنه يحيط السؤال بطبقات من الحذر، حتى يصبح الحديث عن البطاطس في القبو لغة سياسية كاملة. فالرواية تعرف أن الاستبداد لا يحتاج إلى رجل شرطة يقف عند الباب؛ يكفي أحيانًا أن يسكن الشرطي داخل الجملة.

كذلك لا يفصل بلاتنيك السياسة عن العلاقات العاطفية. فالمرأة التي يلتقيها الرجل في أجواء الاحتجاج ليست مجرد «حبيبة»، وحذاؤها الأزرق، الذي يبدو في البداية تفصيلًا صغيرًا، يصبح علامة على الفردية. لكن الرواية لا تجعل الفردية خلاصًا سهلًا. فالمرأة أكثر وعيًا بمسألة الحرية من الرجل، وأكثر قدرة على السخرية من شعاراتها. وفي علاقتها به لا تتصرف باعتبارها موضوعًا لحريته، وإنما باعتبارها شخصًا يختبر حريته هو أيضًا.
لا تنتهي الحكاية بسقوط النظام القديم. هذه نقطة كان يمكن لرواية أقل طموحًا أن تتعامل معها بوصفها نهاية سعيدة. لكن بلاتنيك يعرف أن سقوط نظام سياسي لا يعني سقوط المنطق الذي أنتجه. وحين تصل الرواية إلى استقلال سلوفينيا، فإنها لا تتوقف عند لحظة الإعلان والاحتفال. الاستقلال يتحقق، والدولة الجديدة تولد، لكن أسئلة الملكية والنفوذ والامتياز تبدأ فورًا. وحتى «السوق الحرة» تدخل الرواية بوصفها تحريرًا آخر. وفي حوار بين شخصيتين، تظهر السخرية بوضوح: لقد كان الناس في نهاية الثمانينيات يتحدثون عن السوق باعتبارها الشيء الذي «سيحررهم». ثم يسأل أحدهما: أي سوق؟ وإذا كان اسمها «حرة»، فهل يعني ذلك أنك لا تكون حرًا إلا عندما تكون فيها؟

لقد كان الخلاص في مرحلة ما هو الثورة. ثم صار الاستقلال. ثم الديمقراطية. ثم السوق. لكن الإنسان الذي انتقل من قاموس إلى آخر لم يتغير بالضرورة. وهنا تحديدًا تتجاوز «ساحة التحرير» الرواية السياسية التقليدية. فهي لا تبحث عن بطل تاريخي. لا يوجد فيها شخص يستطيع أن يمثل الثورة كلها، الشخصيات نفسها متورطة في تناقضاتها، وتتعلم أحيانًا أن تعيش داخل النظام الذي كانت ترفضه، أو أن تستفيد من التغيير الذي حلمت به بطريقة لم تكن تتوقعها. إنها باختصار رواية لا تثق في نقاء المواقف، لأن التاريخ نفسه لم يكن نقيًا.
وهذا ما يجعل اختيار الساحة عنوانًا للرواية موفقًا على نحو أبعد من الدلالة الرمزية المباشرة. الساحة هي المكان الذي يلتقي فيه المختلفون، لكنها أيضًا المكان الذي يتصارعون فيه، كل سلطة تريد أن تضع تمثالها فيها، وكل جيل يريد أن يترك أثره، لكن المكان يقول لهم جميعا، لقد مررتم كلكم من هنا.

وفي النهاية يعود بلاتنيك إلى الرجل والمرأة، وبعد كل ما جرى من تحولات سياسية وتاريخية، يأتي الحوار الذي تبدو بساطته مضللة: «دعنا نتقدم إلى الأمام». ثم: «وإلى أين نذهب؟». والجواب: «هذه المرة أنت من تختارين». ربما لهذا لا تنتهي الرواية بتحرير الساحة. لكن تنتهي بإخلائها من المعنى الواحد.
-------------------------
بقلم: أحمد رجب شلتوت
7e7b72a5d7ce0c938b8d88237bf9e0b8.jpeg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى