أحمد رجب شلتوت يكتب عن رواية سنوات النمش

البراءة المعطوبة والنجاة المؤجلة في "سنوات النمش"
أحمد رجب شلتوت
النمش علامة على الجلد، قد لا تكون الشمس منتجة لها، لكنها تكشفها. وهذا يشبه إلى حد بعيد ما يفعله "وحيد الطويلة" في روايته البديعة "سنوات النمش"، فهو لا يحكي عن طفل يحمل وجهه تلك العلامة، ولا يؤرخ لقرية منسية وتعسة، بقدر ما يكتب نصًا كثيفًا عن آليات العيش داخل عالم مختل.
ومن هنا لا يصبح النمش مجرد علامة جسدية تميز الطفل عن الآخرين، بل يتحول إلى عدسة لرؤية العالم كله. فكل شخص في الرواية يحمل "نمشَه" الخاص، الأب يحمل نمش السلطة، والنساء يحملن نمش القهر، واللصوص يحملون نمش الحيلة، والقرية نفسها تحمل نمش عزلتها وبؤسها. ولهذا تبدو القرية، بموقعها المعزول "على شمال السماء"، نموذجا مصغرا لعالم أكبر، تتجسد فيه آليات السلطة والخوف والقهر في صور يومية شديدة البساطة.
والخوف هو الخيط السري الذي يربط عناصر الرواية بعضها ببعض. وهو نظام متجذر يعاد إنتاجه كل يوم، عبر تفاصيل الحياة الصغيرة. الأب يمتلك رصيدًا من الخوف يكفي لإخضاع من حوله؛ المرأة يسكنها الخوف فيضبط حركتها؛ والطفل يتعلم تدريجيًا أن يتوقع ردود الأفعال. وهذا الخوف يُعاد تدويره داخل البنية نفسها، من الأب إلى الابن، من الجماعة إلى الفرد، حتى يصبح عملة متداولة، يدفعها الجميع ويحصلون عليها في الوقت ذاته. الأب يورثه للأبناء، والجماعة تعيد توزيعه على أفرادها، والمقموع قد يتحول، في لحظة ما، إلى أداة لمواصلة القمع
والعائلة، في هذا السياق، ليست ملاذًا بقدر ما تبدو نظامًا مغلقًا يعيد إنتاج نفسه. حضور الأب وحده يمكن أن يصنع الرعب، والصمت يتحول إلى أداة قمع، والنظرة قد تقوم مقام العقاب. وهكذا ينتقل القهر من جيل إلى آخر، باعتباره سلوكًا يتعلمه الأبناء بالمشاهدة والتكرار.
وفي قلب هذا النظام تحتاج الرجولة دائمًا إلى ما يثبتها، فالشارب، والصوت العالي، والقدرة على السيطرة، وإظهار العنف، كلها علامات خارجية تستدعى لتأكيد حضور يبدو في جوهره قلقًا ومهددًا باستمرار، فهي ليست حقيقة مستقرة بقدر ما هي أداء يحتاج إلى علامات وطقوس متكررة لإثباته.
لذلك يبدو مشهد حلق الشوارب اعتداء على علامة رمزية يقوم عليها جزء من النظام الاجتماعي.
النساء في «سنوات النمش» لا يملكن القوة التي تمكنهن من تغيير قواعد اللعبة، لكنهن يملكن الحيلة والسخرية والصبر والقدرة على المناورة. إنهن لا يهزمن النظام، لكنهن يعرفن كيف يلتففن حوله، وكيف يفتحن لأنفسهن ممرات ضيقة داخل جداره. فمثلا، فريال، تسعى لحياة أخرى رغم القيود، وتدفع ثمن محاولتها، لكن مجرد البحث نفسه يكشف أن النظام، مهما بدا محكمًا، يُمكن اختراقه.
كل ذلك نعرفه من خلال طفل، وهو ليس راوياً تقليديًا بقدر ما هو جهاز تسجيل، إنه يرى أكثر مما ينبغي، ويسجل دون أن يفسر، فيقدّم لنا عنف دون تعليق، ورغبة بلا تفسير، قهر بلا تبرير، هذه "البراءة المعطوبة" هي ما يمنح السرد قوته، فاكتفاء الطفل بالرؤية، يجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، عليه أن يملأ الفراغات، وأن يفهم ما استعصى على إدراك الطفل.
ويتوافق بناء الراوي مع طبيعة الزمن في الرواية. فالزمن في هذا العالم، متعفّن، يتراكم أكثر مما يتقدم، الأحداث تتكرر دون تحول حقيقي، الشخصيات تعيش دون أن تتغير جذريًا، وكأن الجميع محبوسون داخل طبقات من الماضي تتكاثر فوق بعضها البعض، هذا الركود يخلق شعورًا خانقًا بأن الحياة تغرق في نفسها، إنها حياة ثابتة تراكم آثارها، ولهذا يحضر الماضي باستمرار، وكأن الشخصيات لا تعيش في زمن جديد، وإنما في طبقات متراكمة من أزمنة لا تنقضي، وهذا الركود يجعل من الزمن نفسه أداة لإعادة إنتاج القهر، وبالتالي فإن كل سنة تضيف نمشًا جديدًا إلى الجسد والروح.
ولا يمكن فصل هذه الرؤية عن لغة وحيد الطويلة. فاللغة هنا جسد آخر للحكاية. إنها لغة حسية يمكن أن نشمها ونلمسها ونسمعها؛ تزاوج بين الجملة القصيرة المكثفة، والإيقاع الشفاهي، والصورة الشعرية المفاجئة، دون أن تفقد صلتها بخشونة العالم الذي تصفه، إنها تومئ، وتثق في قدرة القارئ على ملء الفراغات وإدراك المسكوت عنه
وداخل هذا العالم القاسي تظهر الفكرة الأكثر امتدادًا في الرواية، فكرة "النجاة المؤجلة"، فالرواية تقدم سلسلة من اللا-سقوط، الكل ينجو، لكن النجاة ليست حدثًا، بقدر ما هي مهارة يومية، أن تعرف متى تصمت، متى تناور، متى تنحني لتمر العاصفة. النجاة هنا تكتيك تحتاجه الحياة حين تتحول إلى تدريب طويل على تقليل الخسائر، هي نوع من التكيف وليس الخلاص، لذلك فالشخصيات لا تنجو نجاة كاملة، إنها فقط تستمر، ومن هنا تتصل البراءة المعطوبة بـالنجاة المؤجلة، فما يفسد البراءة هو نفسه ما يُمكن صاحبها من النجاة.
وعندما نصل إلى الغناء في نهاية الرواية، يبدو وكأنه اختراق ما لهذا العالم، فالجسد المقموع يصدر صوتا، فيبدو كثغرة صغير في جدار سميك، الصوت هنا تعبير عن الألم، وتأكيد للوجود، لهذا لا يزول النمش، فحين يبدو أن الروح قد تصالحت، تظل العلامات باقية، بهذا المعنى، تبدو "سنوات النمش" رواية عن تلك القدرة الغامضة لدى البشر على الاستمرار، لأنهم لا يملكون رفاهية التوقف.
وهكذا لا يكون النمش مجرد علامة على وجه طفل، بقدر ما هو استعارة لبنية الحياة نفسها، آثار صغيرة، متكررة، قد تبدو في انفرادها بلا قيمة، لكنها حين تتراكم تصنع الملامح.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى