محمد شعير - «نقوش لا تفنى» على حائط القصة القصيرة

◙ أحب فن القصة القصيرة. وكنتُ قد بدأتُ به - مثل كثيرين- طريق الكتابة. بدأتُ به كلعبةٍ في الطفولة. لازمتني اللعبة شابًّا لفترة حتى هجرتُها!

هجرتُ كتابة القصة لكنني ظللتُ أحنُّ إليها قارئًا. أقرأ أغلب ما تقع عليه يدي منها، لا سيما مما يُهدى إليَّ من أعمال كُتَّابها الآن، لكنني - للأسف- كثيرًا ما أبحث في هذه الأعمال عن شيءٍ ما؛ شيءٍ ربما لا أستطيع وصفه أو تعريفه لأنني لستُ ناقدًا، فلا أجده.

منذ فترة طويلة لم أقرأ مجموعة قصصية تأسرني، تحفر في نفسي فتبقى فيها، مثلما فعلتْ «نقوش لا تفنى»، للكاتب الطبيب خالد العجماوي، ففيها وجدتُ بُغيتي، ومتعتي، وتأملاتي، كما أمكن لي تحديد الشيء الذي كنتُ أبحث عنه.

الكلمات التالية للشيخ أمين الخولي، التي كتبها في وصف القصة القصيرة ضمن تعليقه على قصة للكاتب الأمريكي إرنست همنجواي، ربما تكشف شيئًا عن المراد المفتقد.

قال: القصة القصيرة ليست ديباجة مرصعة، ولا ألفاظًا منمقة، ولا أحداثًا لافتة، ولا حركة عنيفة، ولا هي عقدة دقيقة، ولا حبكة متينة، بل هي همسة، أو لمسة، أو خفقة، أو مسقط ظل، أو شعاع ضوء، أو فتنة لون، أو ما إلى ذلك من إيحاء الفن.. ومن هنا لا تكون كما يبدو عملًا هينًا.

أما أستاذنا، الناقد الدكتور حسين حمودة، فكتب في مجلة «الشارقة الثقافية»، عدد أغسطس 2026، تحت عنوان «القصة القصيرة.. والتحرر من النموذج»، قائلًا: «إن كتابة القصة القصيرة، الغربية والعربية، تحررت خلال تاريخ طويل من فكرة الالتزام بقواعد مسبقة، وقوالب جامدة، وظلت أشبه بمغامرة مشرعة على مجهول، موصولة باستكشافات مبدعها الفرد.. ويتصل هذا التحرر، فيما يتصل، بنوع من الاستجابة الطبيعية لما تُمليه، أو تقترحه، العوالم القصصية المتغيرة من صياغات فنية وبنائية مناسبة لها ومرتبطة بها».

وبالنسبة لي؛ فقد وجدتُ هذا كله في مجموعة «نقوش لا تفنى». وجدتُ مغامرات سردية متواصلة، متنوعة، متباينة العوالم والأساليب المستخدَمة بين قصة وأخرى، بلغة راقية ورؤى عميقة، بما لا يدع القصة الواحدة تغادرك بمجرد الانتهاء منها.

«تغيرت حياتي كثيرًا بعد أن عرفتُ الشيخ هلال. أستطيع أن أقول إنها قد بدأت. انتشلني شيخي من ظلمات الجهل المدقع الذي كنتُ أرتع فيه قبل أن أراه. من مجرد صبي في قهوة إلى مؤذن في مسجد».

بهذا تبدأ قصة «وجه العنكبوت»، التي تمضي أحداثها سريعًا في أقل من ثلاث صفحات دون إسهاب في الوصف أو استعراض للمشاعر الداخلية بإفراط.

لكن المشكلة تبدأ بحلم، يراه «الصبي/ المؤذن» في نومه، إذ يرى عنكبوتًا ضخمًا مخيفًا بنى لنفسه بيتًا في أحد أركان المسجد، برغم أنه ينظف المكان دائمًا بأمانة، ومهما يدهسه الصبي ويلقيه خارجًا فإنه يكبر كل يوم، فما العمل؟

«لا بد أنه غضب من الله.. لا بد أن ثمة ملعونين يدخلون المسجد»، هكذا فكَّر الشيخ والصبي المؤذن، وقررا؛ قررا أن يطردا من المُصلين كل من يظنان أنه السبب بما يعرفانه من أفعاله، حتى لم يبقَ في الصلاة غيرهما!

لم يختفِ العنكبوت من أحلام الصبي، إنما صار أكبر، صار بحجم كلب أسود، دهسه الشاب مرات عديدة بكل قوته، وحاول كنسه بالمقشة، لكنه وجده مثبتًا في الأرض. استيقظ عندئذٍ فزِعًا، وركض نحو الشيخ هلال لاهثًا مضطربًا، فكانت المفاجأة.. وجد الشيخ «ملقى على الأرض، مضرجًا في دمائه، وفوقه المقشة».

«اقرأ».. عنوان قصة أخرى، تدور حول كتابٍ يراه الطبيب والعالِم والشيخ والراقصة، وكذلك السيدة العجوز في الشارع ضمن المارة، مجرد صفحات بيضاء لا كتابة بها تُقرأ.

يكاد البطل يُجن: «بيديْن مرتعشتيْن، أدرتُ الكتاب نحوي. أحسستُ بالدوران. كأنه الطوفان وقت نوح. كأنه البحر يطبق على فرعون. كأنها الصاخة. كأنها الطامة الكبرى. فتحتُ الكتاب، فلم أرَ سوى صفحة بيضاء».. شخص واحد فقط أمسك الكتاب وتمكن ببساطة من القراءة.. ذلك الشخص كان طفلًا!

«لماذا تبكي أمي بينما يذهب أبي إلى حفل التكريم؟! لماذا تغرورق مقلتاها وتنكسر بكل هذا الحزن العميق؟».. سؤال أوَّلي تنطلق به قصة «أبطال الأخدود».

الأب، الضعيف المترهل هزيل الأطراف، جاءه خطاب التكريم، مفتتحًا بعبارة: «السيد البطل العظيم»، ورسالة على هاتفه المحمول، كما حضر اثنان إلى المنزل ليتأكدا من إخطاره باختياره مع قليلين للتكريم في «المحفل السنوي العالمي».

عند أبواب المحفل، وقف سيدهم بوجه عاجي أملس، كان وجهه كأفعى، ضحوكًا كذئب، «وبلسان ينطق عربيةً بدت مشقوقة، قال إن هؤلاء الذين يقفون عند حافة الأخدود أبطال، يضحون بأنفسهم في سبيل بقاء البشر على الأرض»!

الأب، كان واحدًا من هؤلاء الأبطال الذين نالوا الشكر، وفي لحظات.. «صدر الأمر. ارتموا في الأخدود. علت قرقعة النيران».

الآن.. عزيزي القارئ الكريم.. هذا بعضٌ من كل. ولستُ ناقدًا - كما قلت- كي أحلل وأفسر. إنما أنا قارئ متذوق. تجذبني الفكرة واللغة. أغوص متأملًا في بحر الأولى وأهيم محلقًا في سماء الثانية. ومن هنا؛ فقد بدت لي المجموعة، كما اسمها، في صورة «نقوش لا تفنى» على حائط القصة القصيرة في مصر.. فانتبهوا لها!

أما النقاد فقد قالوا وكتبوا.. الكاتبة والناقدة التونسية فتحية دبش كتبت في ظهر غلاف مجموعة الكاتب الطبيب خالد العجماوي قائلة: «لغة دقيقة وأصيلة ومن ثيمة تنزع نحو الفلسفة ومحاولة فهم الوجود دون حذلقة. إنه كاتب لا يكتب لمجرد الكتابة بل يفتح مجالًا للاستمتاع بالشكل والتفكر في المضمون ويمد حروفه جسرًا نحو عالم أكثر عقلانية وعمقًا وأقل صخبًا».

والكاتبة والناقدة السورية كنانة عيسى كتبت: «نقوش لا تفنى، نموذج قصصي متفرد يُطلع جمهور التلقي على فن إتقان الدهشة، إنها السهل الممتنع الشيق، والرمزي الرشيق الوجودي. قلم مبدع مجدد لا يشبه إلا نفسه».

وعندما طلب مني الكاتب الكريم أن أشارك الناقدتيْن الكبيرتيْن ظهر غلاف مجموعته بكلمة، فكَّرتُ، وتأملت، فعرفتُ ذلك الشيء الذي كنتُ أبحث دومًا عنه، وهو ما أختم هنا به.

«قليلون هم من يعرفون كيف تُكتب القصة القصيرة، حيث الرشاقة والمفارقة؛ اللطمة المدهشة النابعة من رؤية عميقة.. خالد العجماوي واحدٌ من هؤلاء دون شك».

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى