الصراع بين صاحب الأرض وصاحب النفوذ في رواية "بخلاف ما سبق" لـ "عزت القمحاوي"

في روايته "بخلاف ماسبق" تمكن عزت القمحاوي ببراعة من تناول الصراع بين الذين يدركون قيمة الطبيعة الجميلة، وبين الذين لا يتحرجون من القضاء على الجمال والنماء من أجل إقامة مباني يتم حصد الأموال الطائلة من ورائها.



يتسلل هذا المعني إلى القارئ من خلال ما جرى مع "سامي" الذي سبق أن كان بطلا لروايته "ما رآه سامي يعقوب"، وإن كان القارئ لا يحتاج للعودة إلى الرواية السابقة، فما يهمنا مما جرى فيها قد تم الإشارة إليه ضمنيا عبر سطور رواية "بخلاف ما سبق" التي تبدأ بخروج سامي من عزلته عندما أتيح له امتلاك أرض للأسرة في الريف بداخلها السرايا التي كانت مقر إقامة الأهل فيما مضى. فتجدد لديه الأمل في أن يعانق الدنيا بصفاء.

هذا الأمل يرصده عزت القمحاوي عبر قلمه الذي يتمتع بقدرات كاميرا سينما متطورة تقف خلفها عين فنان يجيد نقل الصورة بدون الاكتفاء بنقل التفاصيل التسجيلية، إنما ينشغل باختيار الزاوية المناسبة للمشهد، ومراعاة الإضاءة والظل والنور، محققا للقارئ متعة الاستمتاع بجمال الأسلوب الذي يصل بالقارئ إلى الشعور بالانتقال إلى المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية.

فعند تجديد السرايا وما حولها نقرأ وصفه للتجمل الذي فاز به المكان على لسان البطل قائلا: "تأمل سامي خط النخيل بعد تقليمه فرأى قممه مثل رؤوس بشرية قامت لتوها من تحت يد الحلاق".

كما نقرأ وصفا جميلا حول البطل المحب للقراءة: "أخذ فرصته للقراءة والاسترخاء مثل سباح مستلق على سطح الماء مستمتعا بهدهدة الموج".

وخلال بداية اعتقاد البطل بالتصالح مع الأيام نقرأ: "في أوقات الخوف والحزن أدرك سامي كيف تصبح اللحظة دهرا. لكنه اكتشق أخيرا أن الأوقات السعيدة كذلك بوسعها أن تتمدد".



حب وأشرار​

ثم إذا الدنيا كما نعرفها وإذا الأشرار يتحركون من طريق إلى طريق.

فبعد أن أحب سامي الريف بشدة واندمج مع كل ما يتعلق بتربية الحيوانات، بما في ذلك المساومات والغش خلال البيع والشراء في الأسواق، وبعد أن نقل المؤلف ملامح هذا الحب بتفاصيل رومانسية، فيها ملامح من صفات الحيوانات التي يربيها، وفيها تأمل لعظمة الله سبحانه وتعالى في كل مخلوقاته.

وبعد أن يفرح معه القارئ بزواجه من حبيبته القديمة التي ترحب بالإقامة معه في السرايا بالريف هي وأبيها وابنتيها من زواج سابق.

وبعد أن يعيش القارئ مع بهجة الصبايا وكل أفراد الاسرة بجمال الريف، تتوالى مكائد الجار الجديد للاستيلاء على الأرض بعد مكائد الجيران القدامى.

فبعد شهر العسل السعيد مع الريف ظهرت مشاكل من الجيران القدامى الذين يريدون الأرض، من بعدها المشاكل الأشد من الجار الجديد "أمين عسكر"، الذي باع له الجيران القدامى جزء من أرضهم الملاصق له لكي يستعينوا به في إيذاء سامي اعتمادا على ما يتمتع به أمين عسكرمن نفوذ. لكن إذا به يؤذيهم هم أيضا ويستولي على أرضهم بطرقه الملتوية من أجل أن يقيم مشروعا استثماريا فخما. فترصد وقائع الرواية كيف يقضي الظالم الكبير على من هم دونه من الظالمين عقب استفادته من استعانتهم به، وكيف لا ينشغل هذا النوع من الظالمين بقيمة الجمال والأشجار، فما يشغلهم هو فقط تحقيق أكبر عائد مادي بأية وسيلة. وكانت إحدى وسائل أمين عسكر هي محاولته لإقناع سامي بأن كل منهما يمكن أن يقيم "كمباوند" في أرضه.

لكن جاء رد سامي القاطع "لا أظن أنني يمكن أن أقطع شجرة".

فرد أمين عسكر بطريقته الإستثمارية: "بوسعك أن تحتفظ بأشجار المانجو بين فيلات الكمباوند، وستكون سمة تميزه: "إمتلك فيلتك في بستان مانجو. واو".



على الورق وعلى الأرض​

أكتب هذه السطور حول رواية "عزت القمحاوي" "بخلاف ما سبق" التي صدرت عن الدار المصرية اللبنانية في بداية عام 2026 بينما أنا أجلس في شقتي التي كانت تطل على فيلا بحديقة لطيفة في حي المهندسين بالقاهرة، ثم تم هدم الفيلا وإقامة عمارة كبيرة مكانها. كما كانت تجاور عمارتنا فيلا أخرى، تم هدمها أيضا، والقضاء على أشجارها، ويتم الآن حفر الأرض لدق أساسات عمارة أخرى.

صوت البلدوزر الذي سبق أن قطع العديد من الأشجار في الحي وفي كثير من أحياء القاهرة يرافقني بينما أقرأ كلمات عزت القمحاوي في الرواية حول كيف أن "سامي يعقوب" في إحدى الليالي بينما كان جالسا في غرفته بسرايا الأجداد التي انتقل للإقامة فيها بالقرية قد أحس من مكانه بدهس عربات النقل للورد أمام السرايا، ثم ضجة نداءات العمال الذين أحضرهم أمين عسكر للتفريغ والتحميل.

كما أقرأ عبر سطور الرواية قوله: إرتفعت ضجة المناشير وصارت الأشجار 3 أكوام من الأخشاب المقطعة حملتها عربات النقل. وهو مشهد في الرواية ومشهد مشهود على الأرض يجعلنا نتعاطف مع سامي بطل الرواية ضد عسكر الذي صار جارا له بالغصب وبالحيل الشريرة. وقدأجاد المؤلف استخدام وصف "المستوطن" ليصف به ذلك الجار، كأن في الصفة ما يستدعي من الذاكرة طريقة التدرج التي استخدمها المستوطن الإسرائيلي إلى أن اغتصب الأرض.



"أم الغلام"​

أكثر من كان يدرك خطورة التدرج في خطوات الاستيلاء على الأرض هي "أم الغلام" تلك القروية ذات الشخصية القوية، وصاحبة القرارات الجريئة، فهي صاحبة قرار منح الأرض والسرايا لـ"سامي"، وكانت قد امتلكتهما هبة من والده منذ زمن طويل. ثم عندما تم قتل ابنها الوحيد قررت أن تهبها هي بدورها إلى سامي، بحيث لا يرثها جيرانها من الأهل قتلة ابنها.

إنها "أم الغلام" التي يجيد المؤلف وضع الكلمات العامية على لسانها، فعند وصول شخص لا تميل إليه هو "كامل بدوي" تستقبله بقولها: "ياقاعدين يكفيكم شر الجايين".

وحين يقترح عليها سامي أن يذهب بها للطبيب ترد: "ابن يومين ما يعيش ثلاثة".

وعندما يسألها سامي عنا إذا كانت تعرف أن جده كان وزيرا، ترد عليه: "في أيامه كان الوزراء متواضعين، الآن ملازم في النقطة شايف نفسه رئيس ديوان".

وتقول تعليقها الرائع على محاولات الفاسد "سيد زكي" في عقد جلسة عرفية يرأسها للصلح بين الخصوم: "طالما كان الضلالية قضاة، فكل شئ جائز".

إنها "أم الغلام" صاحبة المبدأ الثابت بأنه لا صلح ولا تفاوض.

فبخبرتها الحياتية رفضت التنازل للمستوطن عن أية أشياء تبدو بسيطة، كما رفضت تماما أية محاولات للصلح سواء مع الجيران القدامى من الأهل المعتدين، أو مع المستوطن "أمين عسكر" والذي استولى بالتدريج على أرض الجيران الآخرين عقب أن باعوا له القطعة المجاورة للسرايا كي يستعينوا بنفوذه ضد أسرة سامي.

لكن برحيل "أم الغلام" استجاب سامي وأسرته للطلبات الملحة المتوالية من أجل الصلح.

ثم إذا بالصلح يتحول إلى ما يشبه الرمال المتحركة التي تحاول أن تسحب الأرض من تحت أقدام سامي بسبب أن أمين عسكر قد توالت ألاعيبه الملتوية ضده.



ويلاحظ القارئ عقب الصلح كيف أن الاطمئنان إلى العدو الذي تظاهر بأنه قد صار صديقا هو أمر خطير حيث بدأت ألاعيب "أمين عسكر" بأن طلب من سامي المشاركة في تعاقد على مد مواسير للمياه، وإذا به بعد فترة يستخدم هذا التعاقد لاتهامه زورا بأنه قد تعدى على حقوقه في المياه. بما ترتب على ذلك من قضايا ومحاكم.

أما الاشتباك المباشر مع أمين عسكر فلم يجرؤ عليه كل الذين يحسبون الأمور ويتخوفون من شرور ونفوذ "عسكر"، إنما تحقق ذلك الاشتباك المباشر على يد "سمعان"، فهو لم ينشغل بالاحتمالات التي قد يقوم بها عسكر، إنما هو رأى إهانة وجهها عسكر لزوجته "رفقة" فضربه بشومة على رأسه، أذله وكسر هيبته. صحيح أن "أمين عسكر" قد قدم بلاغا ضده، إنما لم تترتب نتائج على البلاغ لأن الكشف الطبي على "سمعان" أكد عدم مسئوليته عن تصرفاته لظروفه العقلية. إنه الستر واللطف الخفي الذي ينساه من يحسبون الأمور بالمعطيات الظاهرة.

وبعد إصابة أمين عسكر نقرأ في فقرة أخرى من الرواية حول ابتسامة سامي التي يخشاها البعض باعتبارها تعبير عن الثقة في النفس أن أمين عسكر لم يكن يخشى هذه الابتسامة لكن يخشى عصا سمعان.



"دخلك يا طير الوروار"​

وعلى قدر نجاح المؤلف في أن يجذب القارئ تجاه متابعة تطورات التصرفات الشريرة للجيران، بقدر نجاحه في أن يجذب القارئ إلى متابعة أمور رومانسية تظهر في علاقة سامي بالحيوانات التي لم يتعامل معها باعتبارها مجرد مصدرا للدخل بل مخلوقات تحتاج إلى من يعطف عليها ويداوي أوجاعها، وقد نجح عزت القمحاوي في أن يجعل القارئ لا يمل من متابعة تفاصيل مشاهد اهتمام سامي بالحالة الصحية لحيوانات مثل الجمل والمعزة.

أما مشاهد العثور على طائر وروار جريح وانشغال الصبية "هند إبنة زوجة سامي به فهي الأشد عذوبة، حيث تجمع بين رومانسية العلاقة بالطيور مع تأملات في معاني الحرية والحنان والوفاء والامتنان.

فبمجرد اكتشاف هذا الطائر اختبر سامي الجناحين فعثر على كسر بأحدهما، صنع جبيرتين للجناح والساق من أعواد الكبريت، وأحضرت زوجته فريدة حليبا وسقته بمحقن، ثم بحثت على الإنترنت عن كيفية العناية به فاكتشفت أنه يحتاج للماء واللحم المفروم، مع معالجة الجرح، ووضعه في مكان قليل الإضاءة ليهدأ.

أخذت "هند" المهمة على عانقها، هيأت له فراشا تحت سريرها، وأخذت تهتم بسقايته وإطعامه ثلاث وجبات يوميا، وتضع المرهم على جرحه.

إلى أن شفى، ولم يلبث أن غطاه الزغب فلم تعد تتبين مكان الكسر.

وعندما بدأ يقف على قدميه ويحاول ضم جناحه المصلوب على الجبيرة دار بينها وبين جدها حوار أنقله كاملا لما يتضمنه من أفكار راقية، وكنموذج للحوارات التي يجيد عزت القمحاوي صياغتها كمباراة بينج بونج تتنقل الكرة فيها بسلاسة بين طرفين.

قال جدها "فهمي": لقد شفى تماما، سنرفع عنه الجبيرتين ونتركه يطير.

فطلبت من جدها أن تحتفظ به في قفص لأنها أحبته.

رد عليها: نحن نحبك أكثر مما تحبين العصفور، ولم نحاول أن نحبسك، فلماذا تحبسينه؟

ــ أنا لا أطير، لكنه يطير، ولن يعود.

ــ وربما يعود. ووقتها ستفرحين لأنه عاد إليك باختياره.

بعد هذا الحوار العميق والرقيق يجد القارئ نفسه أمام هذا المشهد المبهر: "أطلق العصفور. وظلت عينا هند معلقتين به تتابع رفرفة جناحيه مبتعدا، حتى صار نقطة صغيرة لم تلبث أن اختفت، فبكت.

بعد دقائق ظهر خيط ملون في الأفق، وأخذ يقترب. تبين أنه سرب وروار يرتفع وينخفض في تقدمه دون أن يختل نظامه، ثم حط على شجرة الجوافة أمام الفرندا. أخذ يغرد لثوان ثم ذهب في استعراض طيران جديد وعاد إلى الشجرة.

عدت هند خمس مرات من الذهاب والإياب لسرب الوروار، قبل أن يحلق مرة أخيرة ويبتعد. تخلف عصفور وحيد. غرد ورقص، ولوح لها برفرفة جناحيه، ثم طار في أثر جماعته، ثم عاد في اليوم التالي.

وظل يأتي يوميا ليودعها قبل أن تذهب إلى المدرسة، ويستقبلها عندما تعود".

مثل هذه الشخصيات التي تقطر إنسانية، وتنتصر للحرية، تضطر لمواجهة مكائد "أمين عسكر" الذي اختار لغرفة مكتبه إضاءة صناعية قوية، وخزنة سلاح في كنبة سحارة ضمن أثاث صاخب الألوان، وجدران بلا نوافذ.

وعندما استقبل سامي في هذه الغرفة محاولا إقناعه بأن يبيع له ممتلكاته وأن يأخذ بنصائحه التي تتضمن عدم تكرار أخطاء أبيه الذي أفنى عمره في المحاكم كي يرد شرف جده. زأر سامي بالرد العميق: هذه اشياء لا تُشترى ولا تفهمها أنت ياعسكر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى