لا تمثل قصة 'الجمع العثماني' مجرد إجراء إداري لضبط القراءة كما تسوقها السرديات الوعظية التقليدية، بل هي في جوهرها لحظة مفصلية شهدت تحول القرآن من نص شفهي متكثف بالتعدد والسيولة إلى مؤسسة نصية خاضعة لرقابة الدولة المركزية. إن عملية إحراق المصاحف المنافسة لم تكن فعلاً لحفظ النص بقدر ما كانت...
يقول ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة ص 32 "لا يطلق حكم الله تعالى على ما لا يعلم العبد"، وقوله: "فإن سألوك على أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" فيه حجة ظاهرة على أنه لا إطلاق حكم الله على ما لا يعلم العبد أن الله حكم به يقينا من مسائل...
يشكّل حضور الأعراب في الخطاب القرآني لحظةً دلالية كثيفة يتقاطع فيها الاجتماعي بالسياسي، والأنثروبولوجي بالروحي. فالمسألة لا تتعلق بمجرد توصيفٍ جغرافي لفئةٍ تسكن البادية، بل بموقفٍ قرآنيٍّ من بنيةٍ ثقافية تقف على هامش مشروع التمدن الديني والسياسي الذي دشّنه الوحي في المدينة المنوّرة. إنّ الآيات...
تُعدّ مسألة العدالة الإلهية ومسؤولية الإنسان الفردية من القضايا المحورية التي شكّلت أساس التفكير العقدي والأخلاقي في الإسلام. فهي تمسّ جوهر العلاقة بين الإنسان وربه، وتحدّد طبيعة الجزاء الأخروي في ضوء مبدأٍ قرآنيٍّ صارمٍ لا لبس فيه: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، الذي يقرّر أن كل نفس مرهونة بعملها،...
حين أصدر جيل دولوز وفليكس غواتري عملهما المشترك «أوديب مضادًا» عام 1972، كانا يعلنان ثورة فكرية ضد التحليل النفسي الفرويدي وضد النظام الرمزي الذي جعل من عقدة أوديب المفتاح الأوحد لفهم الذات والرغبة. لم يكن الكتاب مجرد نقد للمدرسة التحليلية، بل كان مشروعًا لتفكيك بنية السلطة الحديثة التي تربط بين...
من بين أبرز الأسماء التي تركت أثراً في دراسة النصوص الدينية القديمة يبرز جان بوتيرو (Jean Bottéro)، المستشرق وعالم الآشوريات الفرنسي، الذي كرّس حياته العلمية لفكّ شيفرات النصوص المسمارية وفهم علاقتها بالتراث الديني التوراتي. ويُعَدّ كتابه «ولادة إله: التوراة والمؤرخ» واحداً من أهم المحطات في...
حين ألقى جاك لاكان محاضرته الشهيرة والقصيرة "انتصار الدين" عام 1974، لم يكن بصدد صياغة عقيدة جديدة أو تقديم قراءة لاهوتية، بل أراد أن يفتح نافذة لفهم البنية النفسية والاجتماعية التي تجعل الدين حاضرًا في كل زمان ومكان. مقولته الصادمة بأن "الدين سينتصر لأنه يقدّم كلامًا فارغًا للجميع" لم تكن سخرية...
ينطلق جاك دريدا في كتابه "تاريخ الكذب" من ملاحظة أولى تبدو بسيطة، لكنها في العمق تفتح على إشكال فلسفي واسع: رغم أن الفلسفة الغربية منذ بداياتها قد انشغلت بالحقيقة والصدق باعتبارهما قيمتين مركزيتين في التفكير، فإنها لم تمنح الكذب مساحة مكافئة من الاهتمام. فالكذب كان حاضرًا دومًا، لكن على نحو...
يأتي هذا المقال بمناسبة ذكرى وفاة المفكر الجزائري محمد أركون في 14 سبتمبر 2010، أحد أبرز الأسماء التي تركت بصمة عميقة في ميدان الفكر الإسلامي النقدي والدراسات القرآنية الحديثة. رحيله لم يُنهِ الجدل الذي أثاره، بل جعل من مشروعه الفكري مرجعًا دائمًا لكل من يسعى لفهم العلاقة بين الدين والحداثة،...
يُعتبر جورج طرابيشي من أبرز المفكرين العرب الذين خاضوا مغامرة نقد التراث والفكر العربي المعاصر من منظور مركب يجمع بين التحليل النفسي والفلسفة ونقد الفكر الديني. فقد انشغل في مشروعه الفكري الطويل بتفكيك البنى العميقة التي تحكم علاقة المثقف العربي بماضيه، محاولاً تجاوز القراءات التقليدية التي...
الملخص التنفيذي
هذا البحث يتناول تحليلًا لسانيًا دلاليًا للجذر "قتل" في القرآن الكريم، عبر مقاربة تربط بين التحليل الصرفي والدلالي والتداولي من جهة، ومنهج تحليل الخطاب من جهة أخرى. ينطلق البحث من فرضية أن معاني الجذر "قتل" ليست ثابتة، وإنما تتشكل وفق السياق والمقام الخطابي، مما يجعل الفعل يتراوح...
يحتل مفهوم الأكثرية والأقلية مكانة بارزة في الخطاب القرآني، لكنه ليس مفهومًا عدديًا محايدًا، بل هو شبكة من الدلالات الأخلاقية والسلوكية التي تعكس رؤية متكاملة للمجتمع والإنسان. فالقرآن لا يكتفي بالإشارة إلى عدد الأشخاص، بل يربط الكمّ بالقيمة، فيضفي بعدًا تربويًا ونقديًا على فهم الواقع الاجتماعي...
يشكّل كتاب زيجمونت باومان "هل التشريع وأهل التأويل في الحداثة وما بعد الحداثة والمفكرين" محطة أساسية في مشروعه الفكري الذي انشغل بتفكيك مآزق الحداثة وتحولاتها في زمن ما بعد الحداثة. ففي هذا العمل، لا يكتفي باومان برصد المسار الفلسفي والفكري، بل يسعى إلى إعادة مساءلة دور المثقف بين موقعين...
جاء كتاب "الهزيمة والإيديولوجية المهزومة" لياسين الحافظ في لحظة تاريخية فاصلة، مباشرة بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، التي لم تكن مجرد نكسة عابرة في مسار الصراع العربي–الإسرائيلي، بل كانت بمثابة صدمة حضارية للعرب جميعًا. فقد تهاوت في ستة أيام جيوش ثلاث دول كبرى (مصر، سوريا، الأردن)، وخسرت الأمة...