نمت جائعاً وظمآن ، قرأت في كفي غزالة وأيقظتني فضحكت ملء فمي: يا وجوه قاع الكأس. صحوت جائعا وظمآن ، فتحت القلب للهواء والنهار، كفاي خطوط بلا انتهاء، حدقـّت في تعرج خط من رأس الإبهام حتى الذراع فإذا نهر من ماء مغشوش، أطلب كسرة من نجمة ساقطة ، تختلط اللعبة بأغنية عن ثورة جبل أفاقت على صوته مدينتان...
أذن الفجر فسمع صوتاً أنثوياً بقلب احتفالي يهمس له برفق : قم .. كأنه صدى صغير لصوت المؤذن ، يتردد في أذنه فيتذكر أزمنة الصباحات القديمة ، حتى إذا ما انتهيا، الصوت والصدى ، شعر بيدٍ باردة على رأسه ، ليرد : أنا مستيقظ ولكن أشعر بالبرد، يقول الصوت ناصِحاً : يجب أن يراك الناس في المسجد ليعرفوا انك...
أزوركم الآن في بيتكم الجديد
بعد تغير الوقت والأحوال
وبعد هبوب رياح صغيرة اقتلعتنا جميعا
ورمتنا في محطة جديدة
وفي متعة جديدة بلا روح
أمك ليست أمك
وأنت لست أنت
أراك سارحا وحزينا
لكنك لازلت طويلا ونحيلا وجميلا..
ولازلت تحكي لي بصوت هادئ وعميق عن الذين رحلوا ولم يعودوا
وعن حلمك السارح الذي أحببت...
خرج في صباح هذا اليوم البارد ، وضع في جيبه ضحكته المحايدة ، وقاد سيارته بهدوء. يتأمل ناس الصباح ، يتأمل شمساً لذيذة على عينه المخدّرتين ، ليظل اقل انتباها، وأقل حذرا ، واقل رغبة أن يصل إلى ما يريد ، لا يعرف ماذا يريد ، له ما يريد ولهم ما يريدون ، والمسافة بينه وبينهم صباح وضحكة محايدة ونور ساطع...
دار الهواء حول نفسه دورتين ، ثلاثا ، أربعا ، فاستيقظ التراب الراكد منذ زمن وبدأ يلاحق موجات الهواء الصغيرة التي تدور حول نفسها ، اتسعت الدائرة فارتفع التراب عموداً أحمر و أخذ مكانا واسعا في الفضاء الفسيح على حدود المدينة مدفوعا بريح أكثر يأسا ، ريح صارمة بدأت تدور كأنها امرأة تبحث عن حب مفقود...
سقط الشيخ . سقط فجأة مثل بيت قديم . سقط الشيخ إبراهيم الذي كان يركض في حارات وشوارع الرياض القديمة حافيا . سقط أمام بيت أبن جمعان .
كان قادما من سوق الحمام في حراج أبن قاسم كما قال رفيقه . افترقا هو ورفيقه في مدخل الحارة قبل المغرب بقليل ، ولا أحد يعرف ما الذي جرى لكي يسقط هكذا فجأة بلا مقدمات...
في هذا الليل البري البارد والهادئ والمخيف والممطر بهدوء، كنت أسمعه يأتي خفيفاً من بعيد ، كأنه صوت طائر محبوس ، أو صوت لكائن آخر لا أعرفه ، لكنه صوت أنيس يشبه الموسيقى أحياناً، وأحياناً يشبه الرنين البعيد . أسمعه الآن وأنا أرتجف برداً بعد أن ترجلت من سيارتي التي هوت في منحدر صغير وسط براري...
قالت رأيها و مضت , بعد أن ضغطت على جبهتي بطرف إصبعها الدقيق . قالت ذلك بتعبير وجه محايد لكن فيه جمال . كنت في الغرفة أتأمل عين امرأة تبحلق في وجهي المتعب والغامض . عين والهة , عين واعدة , عين حالمة. تشعر أحيانا أن عيون النساء مثل قطعة ليل , قطعة موسيقى , قطعة فن .
كنت أتأملها حين تذكرت الموقف...
نهضت في التاسعة صباحاً وذهبت إلى دورة المياه ، اغتسلت وعدت إلى فراشي، كنت على وشك الدخول في اللحاف الدافئ حين رأيت يدا بجانبي تمتد نحوي وهى تحمل ورقة بيضاء ، مددت يدي وتناولت الورقة لأقرأ : نحن مكتب الحقوق المدنية نطلب منك أن تحضر أمام السيد مدير المكتب في العاشرة صباحا .
الآن بقى ساعة على موعد...
في برودة الحجرة الدراسية المكتظة بالأطفال، الرؤوس المسترخية على الكراسي الخشبية تبدو على وجوهها ملامح كسل صريح ، ورغبات عميقة في النوم، تختبئ خلف ستار ثـقيل من الخوف والحزن .
جدران الحجرة صفراء يتساقط جيرها من آثار المطر، ومن السقف تنزل خطوط حمراء لطين جف منذ زمن، وفي الزوايا تبرز شروخ سوداء...
أظافر صغيرة وناعمة
قصة قصيرة . فهد العتيق
مهموم بنفسك والوقت والناس والحياة ، وطابور من الأطفال ذوي القامات القصيرة جداً والأجساد النحيلة كقردة جميلة ، مهموم بأبيك الذي في الشوارع مثل طير منتوف الريش، يركض بكل ما يستطيع من أحلام قديمة ، مهموم بتاريخك منذ الأزل ، بالبحر الذي لم تره ، وبامرأة...
في الفجر يمد نظره نحو مشهد النساء , يقترب من النافذة ، يطل على السوق ، يرى العباءات تتدفق في الشارع الصاخب ، الشارع الضيق الطويل ، حتى إذا ما اكتملت دقات السادسة صباحا ، كانت النساء قد أخذن أماكنهن صفوفا طويلة على جنبات السوق تحت جدران البنايات القديمة ، يتحدثن بأصوات مرتفعة ، ويثرن الغبار حولهن...
قبل أن أذهب إلى النوم في تلك الليلة الغريبة كانت قنوات الفضاء تبعث رائحة حرب تحرير الكويت ، أغلقت هذا الجهاز وأنا أشعر بشيء جديد يسري مع الدم في عروقي. في الطريق إلى النوم كنت حزينا ومبعثرا ، وقفت أتأمل وجهي في المرآة على جانب من سرير النوم. كنت أتوقع بعبث أن صاروخاً تائها عن دربه سوف يخترق جدار...
في هذا الصباح اللذيذ وبعد رحلة مشي طويلة وجدت رأسي راقدا على صخرة كبيرة أعرفها، والأفكار والأحلام والخيالات تسيل منه مثل حليب قديم، فبعد أن دفنته في تلك الليلة الممطرة، مكثت في غرفتي عدة أيام حتى تعبت ومللت، فخرجت أبحث عن الرؤيا وعن روحي، قلت سوف أذهب لتلك المحطة التي كتبت فيها حكاية وقعت...
قلت في هذه الليلة الممطرة: سوف أدفنه بحب في سطح بيتي، ثم أعود له حين تستقر الأمور. سأحمله بهدوء يليق بتاريخه، سأحمله بيديّ مثل طفل. سأدفنه وسط كومة الرمل الرطبة التي صعدت بها للسطح من أجل زراعة الجوري، سأضع في داخله كل هواجسي، أسئلتي، أحلامي، خيالي، أحزاني الضخمة، أفراحي الصغيرة، كل شيء سوف أضعه...