د. المولودي سعيدي. - غابة عبد الناصر"*

ما أصعب أن يجد المرء نفسه في مهوى هذه المسؤولية السحيقة :أن يكون شاهدا، أن يرفع يديه نحو اشتهاء الأعالي ويقسم بكل ما يملك إدراكه، ألا يقول غير الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، كأن الشهادة تحمل كل الأسماء ولا تذهب في أي اتجاه غير اتجاه الحقيقة، وحين لا تولد هذه الحقيقة تتحلل الشهادة وتختلط بألوان وأصوات الزيف والزور، وهذا يضعنا أمام قوة سؤال آخر صاعد هو: هل الحقيقة هي ما يمكن أن تقوله الشهادة وتنحني أمامه،أم أن كل شهادة تبحث دائما عن حقيقة ملائمة تجعل الوقائع تمشي وفق مشيئتها وتسمي الأشياء في طريقها حين يهرب منها الجميع.
أثير هذا الحذر العابر وأنا جالس أمام المرآة لأرى برية الصديق "عبد الناصر لقاح" بعيدا أو قريبا مني، وأقترب من سطح سماء مأهولة بأسرار صداقات ماطرة تحدق في براءة الطريق، وأنا متردد: هل بالإمكان فعلا أن نكون شهودا على الشعر، أو ننزع عنه حجاب الحقيقة أو نفتح صوته البعيد في مجاهيل من غبار. وهل ياترى سيسلمني الدور لشهادة الرفض أو القبول، لأكون شاهد النفي أو الإثبات، أو شاهدا من طينة أخرى ينصت لثرثرة الذكريات والصداقات ويقف تحت مصابيحها ليخون أسرارها النائمة.. وأقول هذا لأننا اعتدنا أن ننظر إلى الشاهد كجلاد للوقائع يستنطقها من أجل أن ترشح بماء يشبه الحقيقة، ليتسلم مفاتيحها ويوقظ رمادها، وأنا من باب الاحتياط لست هذا الشاهد تماما..
أبدأ، أكتب، أقرأ هذه الشهادة كما لو أني جالس لوحدي أبحث عن صديق لا أعرفه، كبارقة عابرة يستدعيني هذا الاسم: عبد الناصر، الاسم المبلل بالتاريخ المضيء والثورة ورصيف الحروب والهزائم والانتصارات،والجراح المتقلبة والحلم المتبوع بأصوات الفقراء وأمهات الفقراء وأبناء السبيل، والجمهوريات غير المكتملة، والبلاد المنسية التي لا تتزود إلا بالخذلان .. أكيد أن عبد الناصر بعض مما أتوهم، فالاسم يركض خلف هذه الجذور ومحمل بعبق هذه الأصداء المتاخمة للتاريخ الحديث والثورات المستحيلة والأحلام الملطخة بالسواد.. ويستوقفني في ذات الوقت اسم "لقاح" هذا الصدى الذي يقودنا إلى مضاجع دلالات تتواتر وتتعانق بشكل متداخل تبدأ مسيرها من الفحولة والماء والريح والندى والسحاب والمطر والغزارة والحبل(بفتح الباء) والتقليب والتصريف والاستدرار ولا تكاد تتوقف، وهي كمائن ترقد في كل الشعراء وفي عبد الناصر لقاح بالذات..
في" أشجار نصيرة الجذلى"** يؤسس عبد الناصر لقاح مملكته الخاصة وينثر حميميته عبر خريطة قراباته وصداقاته وعداواته التي ترقد في خطوه، وتنبض نبض ذكرياته التي يحتفي بألوانها الغائرة، ومن هذه الأشجار يبني غابته وينام في سرها محمولا على جناح ريح تحمل توابل المحبة الغزيرة التي يستظل بها، ويستريح حيث لا تهدأ زوابعه السرية.
ولنقترب أكثر من غابات هذه القرابات نؤكد أن الشجرة هي سيدة الدوال: شجرة العائلة، شجرة الأنساب والأهواء، شجرة الصداقات وشجرة الذكريات.. الشجرة معبأة تماما لأن تقول كل شيء وتعطي الحياة مداها وتنشر راياتها في خلوة هذه الغابة التي يرعاها، ويصغي لهواها، ولحفيفها الذي يرتدي كل رعايا سلالاتها: شجر الأمومة، شجر الغواية، شجر الخيانة، شجر المحبة، شجر الغزل، شجر الليل، شجر الهيام، شجر الانسجام، شجر الحضور، شجر الغياب، شجر الشوق، شجر التعويض وشجرة الخلد..هذه الكتلة الكبرى من مشاتل الأشجار التي يغرسها في طمأنينة غابته البعيدة، تفصح عن رغبة ما، عن طريقة وجود خاص، مغلق لحدود التداخل والتشابك الذي يشد أزر الغابة ويحصنها من عدوى الدمار أو الخراب..
أكاد أقول إن عبد الناصر يشيد طقسا احتفاليا نباتيا داخل هذه العلاقة السرية والعلنية مع الشجرة، الشجرة رمز الخلود، رمز الوجود الخاص، ودليل يقظة الكون وتجدده وخلقه، ليضفي قيمة الاخضرار والحياة الدائمة على أشيائه وينابيعه والشعائر المتصلة بها..
الغابة المركبة التي يبنيها عبد الناصر لا تبدو عالما منفصلا، إنها فضاء مفتوح، يغطي كل شيء: بيته ومخابئه السرية، ومقاماته العائلية الفردوسية الخصيبة المأهولة بكل مشاعر الفتنة والفزع والخوف والرجاء والأمن والأمان، ومنذ المداخل الأولى يتسلح بكل الاحتراس لحماية هذه الغابة، إنها " لنصيرة وحدها" وما اقترب منها أحد إلا واحترق...
ندخل الغابة، ونجد أشجار الأمومة مضاءة، إنها الأشجار التي تحيط بالغابة وتغطيها، ومن طقس الأمومة يمارس عبد الناصر خلقة، يضع قدراته في موازاة قدرة " الخالق" ويعطي لفعل الكينونة والصيرورة بعده الفعال( إني صيرتك أمي..) وهو الفعل- اللازمة الذي يرسم منحنيات الدلالة وتضاريسها، والتي تستعيد فيها الشجرة رمزيتها الخبيئة ومرجعياتها أو خلفياتها الأسطورية: الشجرة/الخلق والميلاد، الشجرة/ الأم، الشجرة/ الخصب، الشجرة/ الحياة، الشجرة/ الأرض أمنا المشتركة، ومن هذه العلاقات الشعائرية يخلق بهجة حياته الخاصة: يعلن فرحته التي تقوده للأعماق، يستغرق طفولته ويقذف بها في أتون الذكرى، ويكتشف ذاته الرعناء، وسيرة فوضى الآهات، وتاريخ النار الذي يخطو على حوافيه المتقدة.
من داخل شجرة الأمومة يعبر عبد الناصر إلى ثمارها: ( مرية وسهير). الثمرتان الصوتان، الملاذ الوحيد، وإحدى دواعي التشبث بدماء الأرض، والذكريات التي تستعجله ليراود الغابة ويزرع في فسحاتها غوايات الأشجار واخضرار الهوى بين أغصانها الفاتنة التائهة... يستقدم عبد الناصر جذوره، زمنه الخصب، ويؤسس هذا العمر الذي تبدأ شهوته من الأم لتنتهي بآثارها:البنات، ويصنع فرحته من كبرهما، واشتهاءات العمر السعيد.
ظل القرابات وأشجارها تبوح بكل شيء، وتسلمه لذاكرة الزمن والأصحاب، يستعير لسهير فاتحة المرحوم الشاعر محمد الطوبي، ويستلهم لغته الزاهية ليشاركه موعده الرائع ويقتسم معه هذا العمر، الوجود الذي ترعاه طفولة سهير لدى الشاعرين، الشجرة هذه المرة تصل صوت الأبوة والحنان بعشب القدمين وتفتح الباب على البذور والثمار..
استدعاء ذكرى محمد الطوبي يوسع من مدى شجرة العلاقات وتتسع ذريتها مرة عن طريق توظيف ضمائر مبهمة للخطاب أو الغياب، ومرة بإعلاء صوت الأصدقاء: المرحوم الشاعر"عبد السلام المحمدي" والصديق "محمد أوزنو" و"غسان"..
ما يمكن أن نقرره عبر غابة عبد الناصر هذه أنه يكتب أو هو يغرس وفاءه ومحبته بين شجيراته التي حرص على أن يملأ بها صدر غابته، إنها ليست بالمرة غابة طائشة، إنها غابة عشيرة وأقربين يزرع أسماءهم لتحيا على ضفاف الوفاء والتبجيل والتقديس الذي يرعى فيها علاقاته، ورغم أن منحنيات هذا الوفاء ترفع من قسوة التوتر أحيانا حتى الشعور بالاقتراب من شرك الخوف والرعب، ليصرخ في وجهه: "إني أحتاج للقاح لا أعرفه" فإن ذلك ليس إلا مظهرا للتمرد أو العصيان الذي يتعقب أهواء الشعر..
وعلى إيقاع هاتين السمتين : الوفاء والتمرد أو المشاكسة تصنع قصيدة عبد الناصر أوزانها، إنه دائما يستسلم لهذا الوفاء أيضا للإيقاعات الكبرى الرابضة في القصيدة العربية، ولكنه يعطيها لغته، وبساطته وهواجسه وإيماءاته لتكون ثمرته، وهو ما يجعله دائما في اشتباك مع الواقع والوقائع وشظايا الذكريات والصداقات التي يتصاعد منها الأنين والحنين ليرسم من خلالهما تضاريس قصيدته ويسمع صخبها تحت وطأة عشقه وجنونه ووحدته واشتعال السراب الذي يتسلق أغصانه..
وقد أقول على وجه الختم شاهدا : غابة عبد الناصر تشتبك فيها الأصول بالفصول، والفروع بالجذور، والثورة بالبساطة، والفوضى بالحرية والجنون، والطلقة الصوفية بعباءة الجموح والجنوح، والغوغاء السرية التي تقود إلى حرائق الحياة، إنها تاريخ من انتماءات مبعثرة تتأجج فيها احتمالات الشعري وأشياؤه الجزئية اليومية التي تخترق جدار النبض، وتحفز عبد الناصر الشاعر على أن يواصل الطريق و يستبد بالقصيدة.
فتحية له.



* نص الكلمة/ الشهادة التي كان من المفترض أن تلقى في حفل تكريم الصديق الشاعر عبد الناصر لقاح الذي أقامته جمعية الأفق التربوي أيام 16/ 17 أبريل 2010 بمكناس.
**عبد الناصر لقاح: أشجار نصيرة الجذلى.البوكيلي للطباعة والنشر. القنيطرة. المغرب. الطبعة الأولى.1998.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى