مصطفى معروفي - عروض: بحر المجتثّ

أؤكد مرة أخرى على أن كل البحور الشعرية هي في نظري جميلة ،وأنا شخصيا كلِف بها أيما كلَفٍ،لدرجة أنني لا أشرع في قراءة أي نص مصنف في خانة الشعر إلا بعد أن أعرف ما هو ما هو البحر الذي يجري عليه أو ما هي تفعيلة البحر الذي يجري عليها النص إياه،فإن كان بلا بحر أو بلا تفعيلة أنفت من قراءته،أو أخذت أقرؤه على أساس أنه نثر وليس شعرا،مع علمي أن الشعر لا يصنعه الوزن،إلا أن الوزن في نظري عنصر يرقى بالنص الشعري ويسمو بالذائقة الجمالية وخاصة من الجانب الموسيقي.
بحرنا الجميل والراقي الذي سنتشرف بالحديث عنه اليوم هو بحر المجتث،وهذا البحر كما يبدو لي هو نادر الاستعمال مثل بحر المضارع وبحر المقتضب.
ثم إنني لتست أدري كيف صار من عادتي أنني كلما خطر ببالي بحر من البحور الشعرية إلا خطر ببالي نص شعري يجري عليه،فلذا وأنا أهم بالحديث عن بحر المجتث خطرت ببالي ثلاثة نصوص شعرية ،النص الأول منها يقال أنه كان سببا في مقتل صاحبه،أعني هنا الشاعر الكبير أبا الطيب المتنبي وقصيدته الشهيرة التي مطلعها هو:
ما أنصف القوم ضبةْ**وأمه الطرطبّةْ
والنص الثاني هو للشاعر الكبير بشارة الخوري(الأخطل الصغير)،أعني هنا تلك القصيدة الرائعة التي تغنت بها فيروز ،والتي عنوانها هو:
يا عاقد الحاجبين
ويقول مطلعها:
يا عاقد الحاجبيْنِ**على الجبين اللّجيْنِ
والنص الثالث هو للشاعر حسين أحمد شوقي نجل شاعرنا الكبير أحمد شوقي،وأعني هنا القصيدة التي تغنى بها محمد عبد الوهاب،والتي عنوانها هو:
سهرت منه الليالي
والتي يقول مطلعها:
سهرت منه الليالي**ما للغرامِ ومالي
أصل وزن بحر المجتث حسب دوائر العروض الشعرية للبحور هو:
مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن**مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن
لكن العروضيين نصوا أن هذا البحر لا يستعمل إلا مجزوءا هكذا:
مستفع لن فاعلاتن**مستفع لن فاعلاتن
وقد شذَّ استعماله تاما.
كقول بعضهم ومن المعتقد أنه شعر منتحل:
يا من على الحب يلْحى مستهاما**لا تلْحني إن مثلي لن يُلاما
ويدخل حشو بحر المجتث ـ وهو هنا التفعيلة :فاع لاتن ـ من الزحاف الخبن وهو حذف الحرف الثاني الساكن من السبب الخفيف،ولا يجوز في هذه التفعيلةـ فاع لاتن ـ الطي وهو حذف الحرف الرابع الساكن،إذ هنا الحرف الرابع الساكن هو جزء من وتد مفروق وليس من سبب خفيف.
لبحر المجتث عروض واحدة مجزوءة صحيحة.
ـ العروض مجزوءة صحيحة.
ـ الضرب مجزوء صحيح مثلها.
كقول الشاعر:
أتيت جرما شنيعا**وأنت للعفو أهْلُ
وقد اعتبر العروضيون أن الجزء الأول من التفعيلة في عروض بحر المجتث التي هي فاعلاتن يجوز فيها الخبن من غير لزوم كأنهم عدّوا جزءها الأول من الحشو،وأما الضرب فيه ـ بحر المجتث ـ فيدخله التشعيث من غير لزوم ومع ذلك يبقى يعتبر صحيحا،فالتفعيلة:فاعلاتن
بتشعيثها تصير:
فالاتن
فتؤول إلى:
مفعولن
كقول الشاعر:
لِمْ لا يعي ما أقولُ**ذا السيّدُ المأمولُ؟
والآن إليكم ضابط بحر المجتث كما ورد عن صفي الدين الحلّي:
إن جثّتِ الحرَكاتُ **. مستفعلن فاعلاتُ
وما التوفيق إلا بالله العلي العظيم.




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى