نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

المهدي أخريف - القصيدة الجديدة حقاًً

  1. 1

    أنا مع «القصيدة الجديدة» أولاً، ومع تسمية «القصيدة الجديدة» ثانياً، لأنها أكثر مُلاءَمة من تسمية «قصيدة النثر» لمقاربة مختلف سمات وتجليات القصيدة العربية المعاصرة. أعرف أن تجارب شعرية طليعيّة ومجدّدة وجديدة بالفعل أنجبتها «قصيدة النثر» منذ ستينات القرن الماضي إلى اليوم، من أنسي الحاج والماغوط إلى سركون بولص، حلمي سالم، سيف الرحبي، مبارك وسّاط، وديع سعادة، وآخرين. لكنها أنجبت أيضاً الكثير من الفقاقيع والمفرقعات الشعرية، فإذا أضفنا إلى هذا ما أَصَاب أغْلَب ما يُكتب من شعر تفعيلي من تنميط إيقاعي وبلاغي بما يجعله جديراً بِأَنْ يُلْحق بالقصيدة التقليدية المحنَّطة منذ زمن بعيد، أمْكَننا التمسك فعلاً بتسمية «القصيدة الجديدة» وبيت القصيد هنا هو: «الجديدة»إنه مفهوم ذو حدين: حَدّ زمني (محايد) وحَدٍّ قيمي قد يتوافران معاً في القصيدة، وقد لا يتوافر إلا الحد الأول منهما، ولكن الأهم هو أن تسمية «الجديدة» تستبعد تماماً القصيدة التقليدية السلفية.

    2

    إذن «القصيدة الجديدة» واقع شعري قائم نحياه ونتابع تراكماته النصيّة. غير أنَّ الإشكالية تتمثَّل في قراءة ومقاربة هذا «الواقع النصي» الجديد بما يتميّز به من تنوّع وتباين وتفاوت، فهو يأتينا من مصادر ومواقع مختلفة عبر الملاحق الثقافية للصحف والمجلات، وعبر الدواوين المكتوبة، وعبر المواقع الإلكترونية وفضاءات التلقّي الجديدة، مِمَّا يتطلب أنماطاً متنوّعة من المقاربة والتلقي النقدي، أي أنَّ هذه «القصيدة الجديدة» تحتاج مِنَّا إلى «نقد جديد» سواء بسواء، إلى نَقْد قادر على كشف الجديد الحقيقي والواعد به معاً، مثلما هو قادر بَلْ من واجبه أن يكشف أو يتجاهل الجديد المزّيف. لَسْتُ مع النقد التشهيري بالشِّعر مهما كان رديئاً وضحلاً، وَاجبُ النقد في تصوُّري في هذه الحال هو التغاضي التام، الصمت التَّام. لماذا؟ لأنَّ مِنْ حق أيِّ قصيدة جديدة كانت أو حتى لو لم تكن قصيدة جديدة مِنْ حَقِّها أَنْ تُولَد وأن تُوجَد، لكن لا يَجْدُر بها أن تبقى، لأن مآلها المستحق هو النّسيان.

    3

    لا أستغرب اليوم العودة «الصاخبة» للقصيدة السلفيّة.. أَحْيَانا يَبْدُو لي الأمر بمثابة مشهد سوريالي تتصدَّرهُ جَوْقَاتُ مُنْشِدين مقنَّعين بأصوات مُسْتعارة من القرون الماضية، لكنها في الغالب أَصْوات تفتقر إلى حياة وحيويّة وطراوة الماضي...

    أحيانا أخرى تبدو لي هذه العودة وكأنَّها الوجه الآخر للصحوة السلفية التي يُبشِّر بها الدعاة السلفيُّون صَبَاح مَساء في القنوات الفضائية. «القصيدة السلفية» هي نَصٌّ شعْري يُريد لِنَفْسه حياةً جديدة مرّة تِلو أخرى، عَقداً تِلو عَقْدٍ لا تريد «القصيدة السلفية» أَنْ ترتاح بَعْدَما اسْتَنْفَدَتْ جميع أسباب وممكنات وجودها، وتُصرُّ دائماً على أن ترفع صوتها في زمن لم يعد زَمَنها وبأَعلى من «القصيدة الجديدة». لكن لا ينبغي أن ننسى أن حركة التحديث الشعري في عالمنا العربي لم تنشأ بدوافع تجديدية شعرية وإبداعية واضحة، بل ولدت مِنْ رحم التقليدية مع بداية القرن العشرين بتسمية «الكلاسيكية الجديدة» مع محمود سامي البارودي وشوقي وحافظ إبراهيم في مصر والزهاوي والرصافي، ثم الجواهري في العراق وغيرهم. ولم تكن تلك القصيدة الكلاسيكية تملك من مقوِّمات التجديد سوى بعض العناصر السطحية من جهة اللغة والموضوعات والأغراض. ولعل الذين أطلقوا على تلك «الحركة التقليدية» صفة «الإحيائية» كانوا مُصيبين تماماً لأن الحركة الشعرية الحداثية الجديدة بالفعل إنما ظهرت في مكان آخر مع بدايات القرن العشرين في المهجر مع جبران خليل جبران رائد هذه الحداثة الشعرية العربية الجذرية ورائد الكتابة الشعرية الجديدة حقّاً في الشعر العربي الحديث حتى في كتاباته النثرية المفعمة بروح الشعر والرؤية واللغة الحداثية. نعرف بالطبع الكثير عن التيار التجديدي الرومانطيقي الذي ظهر مع «مدرسة الديوان» و«مدرسة ابولو» في مصر، وكان مؤثِّراً سواء على مستوى عطائه التنظيري النقدي أو عطائه الشعري المجدّد كما هو الشأن في لبنان وفي تونس (حالة الشابي). ومع كل هذه التحوُّلات التي تعززت في الخمسينات بظهور حركة «الشعر الجديد» أو الحديث في العراق فمصر ثم «تيار قصيدة النثر» في لبنان، اهتزّت الأرض من تحت القصيدة السلفية، لكنها استمرَّتْ في مقاومة تاريخ التقدم. والغريب أنَّ ما حدث بعد عقود هو أن بعض شعراء «القصيدة الجديدة» من المحسوبين على جيل الرواد تحوَّلوا إلى مُنَاهضين راسخين للقصيدة الجديدة اليوم، وبصورة خاصة لقصيدة النثر بدعوى افتقارها إلى الوزن الذي بدونه لا يُعدّ الشعر شعراً، ذلك هو رأي الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي الذي لم يَكْفه أن يَعُدَّ الوزن لازماً للشعر حتى أَصرَّ على اعتباره مساوياً للإيقاع وهو ما لم يَقُل به أحَدٌ من العارفين بالوزن والإيقاع، وقد تناسى رُبَّما سِجَاله الشهير في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي مع عبَّاس محمود العقَّاد الشاعر الآخر المجدِّد الذي تنكَّر لانحيازه للجديد في بداياته الشعرية لَمّا أفْتَى، وهو رئيس للجنة الشّعر بإحالة شعر حجازي على لجنة النثر.

    مسْتَقبل القَصيدة الجديدة

    1

    «الملاك المنفيّ» هو الاسم الذي أطلقه «مالارميه» على آرثر رامبو، الشاعر القادم من المستقبل بهيئة نَيْزك شعري حارق خارق. بجانبي الآن أبو الطيب المتنبي هاتك حُجُب الأزمنة كلها، الشاعر الحديث على الدوام. من أين يأتي مستقبل القصيدة الجديدة؟ من حاضرها وماضيها على السواء، مِنْ قدرة الشاعر عَلَى بناء مَسالك متجدّدة لقصيدته الواحدة المتعدّدة. لا اطمئنان ولا تَساهل مع الذات، الأهم دائماً هو ما لم تكتبه بَعدُ. مَا كتبته أمسِ، أيِّ أمس، موجود هناك وَهُو يطرق الباب مِنْ وقت إلى آخر لِيُذكِّر ويحذّر. لَا بَأْس مِن مُلاطفة أبناء الأَمْس بِصفتهم زُواراً أو رُحّلاً أو أغراباً، بحسب المنزلة ومزاج الملاطف. في السبعينيات والثمانينات قرأت هولدرلين فأصبح من شعرائي المفضلين. قرأته في الترجمة الإسبانية لكنني كنت أشعر دائماً أن قراءاتي أشبه بمحادثة من وراء ستار. فَلَما ترجمتُ مختارات من أشعاره عن تلك اللغة الوسيطة (أكثر من 80 % من شعره ترجم من لغات وسيطة) انزاح ذلك الستار وترسَّخت بيننا الصحبة. هولدرلين «ملاك منفيٌّ آخر» لكنَّه منفيٌّ في الحاضر مثلما كان رامبو منفيّاً في المستقبل. هُولدرلين الذي قُدِّم بمثابة قربان للقرن 18 و19 سيلتقي وكفافيس الشاعر اليوناني ابن الإسكندرية (ت عام 1933) في مَنْزلي بأصيلة في كُرَّاس شعري واحد مطلع الثمانينات، ثُمّ في احتفالٍ شعري باذخ بمدرسة «طامة غيلانة» بمشاركة تلامذة جلهم شعراء من أمثال: أحمد هاشم الريسوني، حسن الوسيني، مصطفى بلوافي، الزهرة المنصوري، كريم حوماري، إدريس علوش، ابتسام أشَرْوي، محمد الجباري فَهُمُ الذين أَحيوا الاحتفال بقراءات من شعر الشاعرين سَجّلتها إذاعة طنجة. وهم يعتزُّون جميعاً بلقَائهم بهولدرلين وكفافيس لأنه حفَّزهم، ليس على كتابة الشعر التي هم مدينون فيها لمواهبهم وجهودهم قبل أي شيء، وإنما عَلَى الانفتاح على المعرفة الشعرية الإنسانية بمختلف تجاربها.

    2

    أي أُفُقٍ مستقبلي

    للقصيدة الجديدة؟

    بالنَّظر إلى واقع تلقّي الشعر في عالمنا العربي وربَّما في العالم أجمع يبدو مستقبل القصيدة الجديدة والشعر عموماً ملبّداً بالمخاطر.. الشعر في تراجع مستمر من حيث الإقبال على ندواته وأمسياته وعلى دواوينه الجديدة والقديمة على السّواء.

    لقد كَثُر الحديث اليوم أكثر من أيِّ وقت مَضَى عن أنَّ عصرنا هو عصر الرواية. لا جدال في أن الاهتمام بها والإقبال عليها في تَزَايد متسارع. المبيعات في كل مكان تؤكد ذلك، في مصر، في المغرب، في الإمارات العربية المتحدة، في لبنان، في السعودية، في الأردن تتصدر الروايات ليس لوائح المبيعات وحسب بل القراءات النقدية والأطاريح والبحوث الجامعية، بالإضافة إلى ما يخصَّص لها من جوائز في بلدان عديدة، حتى الشّعراء أغراهم رواج سوق الرواية فانصرفت جماعة منهم إلى كتابتها ومنهم من ترك الشعر نهائياً أو أصبح لديه مجرد تمرين للتسلية في أوقات الفراغ. ولم يقف الأمر عند الشعراء، بل وصل إلى نقاد الرواية أنفسهم ثم لم يلبث الباحثون والدارسون والمؤَرخون ونقاد السينما وحتى بعض التشكيليين أن تَبِعُوهم وجاء تابعون آخرون فتبعوهم فما كان من بعض الشعراء والشاعرات في الوطن العربي إلّا مسايرة الموضة فتباروا وتبارين في إصدار الرواية تِلْو الأخرى للظَّفر بالجوائز باستحقاق تارة وبغير استحقاق أخرى. وإزاء تراجع مكانة الشعر في زمننا اليوم ماذا يبقى للشعراء المخلصين للقصيدة؟ لا شيء سوى مواصلة الإنصات للذات واللغات إلى «هدير الأزمنة» كلها. على «القصيدة الجديدة» أَنْ تُقَاوِم لتبني ذاتها بصيغ جديدة كل مرَّة، ليس يهم الانتصار لقصيدة النثر أو قصيدة «الشعر»، المهم هو القصيدة، القصيدة الجديدة، حقا. والقصيدة الجديدة حقّاً لها صوتها الخاص، ولها صَمْتها الموزّع في ثَنَايا البياض. يعرف الشاعر العربي جيداً وضعه كشاعر. عليه أن يكابد ويقاوم من دون صراخ ولا شكوى فهو يعيش كأيِّ مواطن. يستمتع باللحظاتِ العابرة في حياة قصيرة هي كلُّ ما بوسعه الاستمتاع به. يكتب أحيانا بعسر. وأحياناً بكثير من اليسر. وسيواصل الحياة والكتابة.

    3

    محمود درويش كان شاعراً في كل ما كتب. غنائيته الشعرية سارية بقوة في نثره الشاعري المدهش كما في شعره التفعيلي. لم يكتب بيتاً واحداً من الشعر خارج الوزن. قصيدته لم تَكُفَّ عن التجدّد والتطور منذ السبعينات، لا سيما بدءاً من «أحد عشر كوكبا على المشهد الأندلسي» حتى آخر ما كتب، ومع تجددها الدائم ظلت وفية للمقومات الجوهرية للقصيدة العربية من حيث الإيقاع الخارجي مع الحرص على التقفية دائماً. وبفضل تمكُّن عال من اللغة العربية ارتقى بالصنعة الشعرية إلى مستويات لم تعرفها القصيدة العربية قبله.

    وقد نجح على الدوام، وتلك إحدى عناصر قوته الشعرية في خلق إيقاعات داخلية تخترق الإيقاع الخارجي، صانعةً بالتدوير والتدوين، حركية موسيقية متناغمة تماما مع الأداء الشعري المبدع.

    4

    حينما أتأمل مساري الشعري الخاص ضمن التجربة الشعرية المغربية والعربية منذ التسعينيات إلى اليوم، (حتى لا أعود إلى السبعينات والثمانينات) أكتشف أن قصيدتي مرت بسلسلة من التحولات على مستوى اللغة والرؤية والإيقاع، أكتشف شغفاً بتجريبية خاصة عندي لم تُفرّطْ في بعديها الرئيسين الميتافيزيقي واللعبي (وربما العبثي)، وذلك بتزامن مع مسارات تجديدية أخرى مغايرة اختطَّها شعراء إما من جيلي أو من الأجيال اللاحقة، وهي المسارات التي عرفتها القصيدة العربية الجديدة في أقطار أخرى أَغْنتْ مسار الشعر العربي اليوم رغم كلِّ هذا الخراب الذي أصاب أقطاراً عربية رائدة في مجال الثقافة والإبداع الأدبي مثل العراق وسوريا بوجه خاص.

    هذا زمن الرواية.. ولا عزاء للشعراء!

    كَثُر الحديث اليوم أكثر من أيِّ وقت مَضَى عن أنَّ عصرنا هو عصر الرواية. لا جدال في أن الاهتمام بها والإقبال عليها في تَزَايد متسارع. حتى الشّعراء أغراهم رواج سوق الرواية فانصرفت جماعة منهم إلى كتابتها، ومنهم من ترك الشعر نهائياً، أو أصبح لديه مجرد تمرين للتسلية في أوقات الفراغ. ولم يقف الأمر عند الشعراء بل وصل إلى نقاد الرواية أنفسهم، ثم لم يلبث الباحثون والدارسون والمؤَرخون ونقاد السينما وحتى بعض التشكيليين أن تَبِعُوهم، وجاء تابعون آخرون فتبعوهم، فما كان من بعض الشعراء والشاعرات في الوطن العربي إلّا مسايرة الموضة، فتباروا وتبارين في إصدار الرواية تِلْو الأخرى للظَّفر بالجوائز باستحقاق تارة وبغير استحقاق أخرى.

    الحداثة جبرانيّة

    الحركة الشعرية الحداثية الجديدة بالفعل ظهرت مع بدايات القرن العشرين في المهجر مع جبران خليل جبران، رائد هذه الحداثة الشعرية العربية الجذرية، ورائد الكتابة الشعرية الجديدة حقّاً في الشعر العربي الحديث، حتى في كتاباته النثرية المفعمة بروح الشعر والرؤية واللغة الحداثية.

    تحوُّل

    الغريب أنَّ ما حدث بعد عقود هو أن بعض شعراء «القصيدة الجديدة» من المحسوبين على جيل الرواد تحوَّلوا إلى مُنَاهضين راسخين للقصيدة الجديدة اليوم، وبصورة خاصة لقصيدة النثر بدعوى افتقارها إلى الوزن الذي من دونه لا يُعدّ الشعر شعراً، ذلك هو رأي الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي الذي لم يَكْفه أن يَعُدَّ الوزن لازماً للشعر حتى أَصرَّ على اعتباره مساوياً للإيقاع، وهو ما لم يَقُل به أحَدٌ من العارفين بالوزن والإيقاع.

    تعددت الاتجاهات وكلهم شعراء

    هناك اتجاهات عدة في الشعر الفرنسي المعاصر تعود إلى ما قبل المرحلة الراهنة؛ اتجاهات عميقة يتبنّاها شعراء فرنسيون كثر اليوم ويكيّفونها، كل واحد على طريقته. وفي هذا السياق ذاته، لا نبالغ في اعتبارنا أن قول بودلير: «جميع الشعراء الكبار يصبحون حتماً نقّاداً» ينطبق على عدد كبير منهم. فسواء اختاروا الاتجاه الطلائعي، أو عانقوا غنائيةً مشدودة على ذاتها، نستشفّ لدى كلّ منهم إدراكاً كلياً لخياره الشعري ودفاعاً ثاقباً ومُحكَماً عن نموذجه.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..