عبد الحميد الأركش - رحْلـَة فِي عَالـَم البغـَاء إشكالية الأصل والأسباب - ت: محمد أسليم

يتيح التفريغ المنهجي للتقارير التي كانت تحررها يوميا البلدية لمدينة تونس استخراجَ فئات مختلفة من القضايا بحب أنواع المخالفات أو أنواع المس بالمِلكية، بالنظام العام أو النظام الأخلاقي[1].

وبمتابعة القضايا، استطعنا ملاحظة تواتر القضايا التي تطلق فيها كلمة «عاهرة» علىالنساء المتهامات؛ ومعناها البغي في الخطاب الشائع آنذاك.

استطعنا أن نستخرج من التقارير نفسها معلومات عن أمكنة سكنى المتهمات وكذلك عن موضوع الشكايات. استخرجنا أسماء النساء العموميات اللواتي كن معروفات عند الشرطة خلال سنوات 1861، و1864-1865. وبذلك نجحنا في تكوين عينة أولى تتألف من حوالي 200 عاهرة، غالبا بمكان السّكن، وموضوع الشكاية واسم المشتكي. وفي الحالات التي تُقدَّم فيها المعلومة، وهو أمر نادر، استطعنا استخراج المبالغ المؤداة من قبل بعض الزبناء.

تتيح القراءة السريعة لجدول هذه العينة الأولى معالجة الأصل الجغرافي أو العرقي للنساء العموميات بتونس انطلاقا من دراسة أسماء الأعلام [2]. وفي غياب معايير أخرى للتصنيف، فإن أسماء الأعلام، رغم حدودها وما يحف بها من شكوك، تتيحُ لنا بالتأكيد أن نتعرف على الأصل الحضري، القروي، القبيلي أو الجغرافي للمرأة، كلما أشار الإسم إليه.

والعينة تمثيلية بما فيه الكفاية لترخص ببعض الاستنتاجات. فهي، من جهة، تشكل حوالي 20 إلى 25% من مجموع عاهرات المدينة؛ ومن جهة أخرى، إنها مأخوذة من حقبة زمنية واحدة ومن فضاء واحد[3].

يتيح الجدول استخراج خمس مجموعات حسب أصول واضحة:

في قمة الجدول، سجلنا المغاربيات من أصل جزائري أو مغربي المشار إليهن اسم غربي أو سُوسِي، وكذلك الطرابلسيات المشار إليهن باسم طرابلسي. 35 امرأة في المجموع، أي 5,17% على الأقل هنَّ أجنبيات عن المدينة والوصاية. وتفسَّر هذه النسبة الكبيرة من المغاربيات غير التونسيات بسهولة عندما نعلم أن الجماعات المستقرة في تونس والمنحذرات من الهجرات المغاربيات كانت تشكل الفئات الوضيعة في المجتمع الحضري التونسي.

وهذه الجماعات المنحطة التي كانت مُكدَّسة في وكالات أو فنادق الأحياء الضاحياتية، غير مندمجة جيدا في المهن الحضرية أو تعيش على حرف صغيرة بدون تأهيل محدَّد، تنحذر في الأصل من مناطق فقيرة كالجنوب المغربي أو الشوف الجزائري، وبذلك فإنها كانت تشكل أوساطا مساعدة على الفساد والهامشية[4].

في هذا المستوى، يبدو أن الظروف الاجتماعية البئيسة للجماعات العرقية المنفصلة عن أوساطها الأصلية، هي الأسباب الرئيسية للبغاء.

هناك مصدر آخر للبغاء شبيه بالأول، يهم العاهرات الزنجزيات اللواتي كن في الأصل إماء. تمثل العاهرة من أصل العبيد نسبة تبلغ حوالي 8% من العدد الإجمال لأفراد العينة، وبذلك فهي ممثلة بما فيه الكفاية وتقدِّم تشكيلة من الألوان لعالم البغاء. يشير اسم شوشان إلى انحدار من عبيد معتَقين، ويرتبط اسم بورناوي بمملكة بيرنو، وهي منطقة إفريقية كانت تونس تستورد منها العبيد، كما يشير اسم كحلة إلى لون البشرة الأسود، ويشير الخادم إلى وظيفة خادمة منزلية، وهو وضع اعتباري عام تقريبا لقدماء عبيد الوصاية. غالبا ما تحتفظ العاهرة السوداء باسم أسيادها القدماء مثل شوشان بنت ابراهيم التركي[5].

لقد وجدنا في بعض وثائق الأرشيفات إشارة نفيسة تتعلق بدرب كانت تسكنه عاهرات، يقع خارج أسوار المدينة، بجانب باب الجديد المعروف باسم درب بوسعدية. وبوسعدية هذا شخصية شعبية جدا في تونس، ترتبط بالتقاليد الإفريقية التي أدخلتها الأقليات السوداء. هذه الإشارة دالة على تجمّع فئة سكانية سوداء في هذا الدرب، لا سيما أنَّ أسماء أماكن تونس القديمة كانت ترتبط في أغلب الأحيان بتموقع نشاط أو جماعة اجتماعية أو عرقية في المكان[6].

لقد حرَّرَ إلغاءُ العبودية في تونس، ابتداء من 1841، المدينة من حشود العبيد التي ذهبت لتعزز صفوف فئات المجتمع الدنيا[7]. ومن ثم، فقد كان بغاء السّود من إفراز هذه الأوساط، في علاقة بظرفية الإلغاء ونتائجه الاجتماعية.

علاوة على ذلك، من الصَّعب تقديرُ الوضع الاعتباري للعاهرات السود بتونس بين مجموع فئات المومسات. وهذا يفترض القيام ببحث دقيق حول الأذواق والميول الجنسية لذلك العصر. لكن، التقليد الشفوي يمنح موقعا متميزا للنساء السوداوات، إذ يعتبر أن تشفي من بعض الأمراض الجنسية شديدة الانتشار في ذلك العهد، وهو اعتقاد لا يستند على أي أساس علمي. قد يكون اختلاقا محضا نابعا من عبقرية العاهرة السوداء، وضعته كي تجذب إليها الزبناء القليلي الميل إلى السوداوات.

هذا الوضع الاعتباري المنفصل للعاهرة السوداء في المتخيل الجمعي يجب ربطه أيضا بتصور الأسود عموما في المجتمع التقليدي، حيث كان يُعزى له بصة عامة وظيفة «الوقاية من الأمراض»، «والصرع»، التي تجعله يتكفل بالمصائب ويغير وجهتها نحو ذاته. وتتأكد هذه الصورة المتعارضة وجدانيا في كثرة حضور الأسود في طقوس الزواج كما في تفضيل خادمات البيوت السوداوات. وهي صورة تعكس في آن واحد موقفي الاحتقار والعطف، وقد غذاها أدبُُ غني في ترسيخها في نظر المجتمع المسلم الأبيض. «والمجتمع، مع إبقائه الأسودَ في وضع اعتباري ناقص، فهو يعترف له ببعض الصفات العملية: الأسود جسديا قوي وخصب. إنه أخلاقيا ليس بغيور، لا شرف له، لا شخصية له.. ومن الناحية الفكرية هو قليل الذكاء.. أما من الناحية الدينية، فهو ورع جدا وشديد الإيمان بالخرافات على الخصوص...»[8]. وعموما، يؤكد اشتهار الطوائف السوداء في تونس والمدن المغاربية بالوظيفتين العلاجية والتطبيبية، علاقة الأسود بإبعاد الشر والأمراض.

كانت العاهرات من أصل أهالي طبعا تشكل أغلبية الحالات؛ وهو أمرُُ يبدو عاديا ويطرح علينا في الوقت نفسه مشكلة الأصل الاجتماعي والجغرافي للعاهرات المحليات وكذلك لأسباب البغاء.

تفيدنا الأسماء المشيرة لأصل جغرافي أو عشائري، في آن واحد،بمعلومات حول حركة الهجرة القروية نحو المدن، وكذلك حول العواقب الثانوية التي تؤدي بالبنات القرويات المتمردات إلى التعاطي للبغاء. وأسماء مثل الفرشيشي، الورغمي، الحمامي والوسلاتي، الخ.، تعتبر دالة في هذا الصَّدد[9].

لكن، قد لا يكفي في هذا المستوى الاكتفاء بإثارة الأسباب العامة الصالحة لجميع الأزمنة والأمكنة. يتعين البحث عن الأسباب الخاصة في كل حالة بكيفية واضحة، دون إقصاء الأسباب العامة طبعا.

هذه المهمة ليست سهلة دائما. في الواقع، تشكل تونس ما قبل الاستعمارية إطارا شديد التقلب، يتميز ف يأغلب الأحيان بقطيعات عنيفة.

فسنوات الجفاف كانت ترافقها في الغالب حركاتُ هجرة واسعة نحو المناطق الت يسودها رَخاء النسبي، متمثلة في المدن الساحلية بالخصوص. وكانت الظروف في المجتمع التقليدي موقعة دوريا بسنوات الجفاف مع ما يواكبها من مجاعات وأوبئة. ويقدم لنا المؤرخ التونسي ابن أبي ضياف شهادة دامغة في موضوع التحرك الواسع الذي قامت به القبائل المفقَرَة والجائعة نحو العاصمة في أعقاب عصيان عام 1864، إذ يقول: في هذا الشهر من عام 1248، أغرقت أمواج العربان (البدو، الرحالة) العاصمة بعد أن فقدوا كل شيء بما في ذلك خيامهم، فضاقت بهم أزقة الحاضرة، وكانت الصدقات دون أن تشبعهم، فكان مصيرهم اليومي هو الاستجداء، وطعامهم الأعشاب والنفايات...[10].

بذلك قد يكون من المفيد إعادة تكوين منحنى دورة الأزمات في البوادي التونسية وآثارها على تقدم الفقر، الهجرة والبغاء. في السياق الذي يهمنا، وهو النصف الثاني من القرن 19، نحن في غمرة ظروف أزمة تمس على الخصوص القرى المسحوقة تحت وطأة الضرائب الثقيلة والسنوات العجاف، في آن واحد، مما أفضى إلى قيام انتفاضة 1864. ومن المؤكد أن النسبة القوية للعاهرات المنحدرات من أصل بدوي ليست مستقلة عن هذه الظروف. فالقرويات يمثلن نسبة 30% من مجموع المومسات المشمولات بالإحصاء، وبذلك يأتين على رأس سائر جماعات هذه الفئة من النساء.

يقدم لنا التاريخ السياسي للوصاية، والصراعات القائمة بين الدولة الحسينية وبعض بعض القبائل غير الخاضعة، مثل جبل وسلات، عناصر ذات دلالة عميقة. فقد تعرض الوسلاتيون حلفاءُ علي باشا خلال الحرب الأهلية التي اشتعلت عام 1728، فيما بعد، لعقاب الحسين بن علي والطرد من جبلهم-حصنهم؛ وهو ما وجد ترجمته في مأساة حقيقية جماعية ذكرها أغلب مؤرخو المرحلة، ومنهم الصغير بن يوسف مؤرخ القرن 18 الذي ساق حكايتها في جنس سردي أصيل يخبرنا فيه أن المحلة اضطهدت الوسلاتيين، وأذلتهم، وطردتهم، فأرغمتهم على النزول من أعالي جبالهم، فتشتتوا إلى أن باعوا بناتهم...[11].

ندرك من خلال هذه الشهادة البليغة المعنى العميق لبيع بنات قبيلة ما. فالحرب التي شنت على القبيلة والتنقل الإجباري لجميع السكان كسرا الروابط القبلية، وخلخل الأنماط العائلية القديمة، وخلط مختلف الفروع، في فضاءات جديدة، مدينية بالخصوص. وبذلك وجدت النساء أنفسهن بين عشية وضحاها «مهملاتٍ»، بدون أزواج، ولا إخوان ولا آباء، فلم يكن أمامهن أي اختيار آخر عدا التيه والمتسكع وتعاطي البغاء.

كانت المأساة الاجتماعية-السياسية مصدر بؤس وبغاء. وهي تراجيديا لم يستطع الزمن محوها من الذاكرة الجمعية، إذ لا زال تراث الأغاني الشعبية يحفظ هذه الذكريات الحزينة في صياغات فنية داخل أشكال وتعابير تخفي أو تخرِّج شيطان هذا الواقع الحزين.

فالأغنيات الشعبية للمغنية صليحة التي تعتبر ديوانا حقيقيا للذاكرة الجمعية، عرفت كيف تترجم في أنغام حزينة في أغلب الأحيان لقطات مؤلمة من هذا المعيش، مثل الأغنية الشهيرة «مع العزابة» التي لم تكن سوى الصدى المؤلم لتراجيديا بشرية يصعب نسيانها، ما دام موضوعها بالضبط هو إعادة رسم المغامرة الشقية لبنات القبيلة «الملعونة»[12].

لكن ألا يمكن أن يواخذ على تحليلنا للأسباب والأصول المحتملة لبغاء البنات القرويات المستقرات في الحاضرة، كونه بقي سجين خطاطة «عقلانية-موضوعانية» ترتكز على الحتمية الاجتماعية والاقتصاية؟

يبدو لنا أن هذه الأشكال من الانحراف الجماعي، إن لم يكن من غير المتصور فمن الصعب على الأقل، فصلها عن سياقها؛ بتعبير آخر من الصعب فصلها عن أسبابها الاجتماعية الموضوعية التي تجعل الذعارة تبدو بمثابة منعطف فظ تفرضه على جماعات من النساء والبنات ظروفُ الاستئصال العنيف من وسطهن الطبيعي. إلا أن هذا لا ينفي إمكانية الوقوف على أشكال خاصة من البغاء تنفرد بها بعض الجماعات أو بعض القبائل المغاربية، مُشكلة بالأحرى ظواهر ثقافية معزولة عن عوامل تقلب الظروف.

فقد وصف لنا أميل درمنغهاين بدقة شكلا من البغاء تنفرد به نساء نيليات الجزائر وعزرياتها باعتباره ظاهرة ثقافية وليس تجل لأزمة ما. ويتعلق الأمر فيه بشكل من البغاء والممارسات المعترف بها والمندمَجة في قيم القبيلة التي كانت ترخص لبناتها بممارسة الدعارة عددا من الأعوام، بالتيه في حواضر الجزائر والمغرب العربي، ليندمجن بعد ذلك في قراهن ويتزوجن[13].

رأينا أن مثل هذه السلوكات الفريدة كانت تشكل بالأحرى ظاهرة نادرة في تونس التي تعد بلدا إسلاميا أكثر تجانسا بشريا من الجزائر. بيد أن بعض الفروع من قبائل الوسط أو الشمال الغربي كانت معروفة بإسنادها لبعض النساء وظائف استثنائية. ويتعلق الأمر بأولئك النساء اللواتي كن يَجُبن في فصل الصيف المدنَ والقرى لـ «قراءة طوالع» الرجال، واللواتي اشتهرن باسم الدكازات (العرافات/الشوافات). لقد ظل الشفهي والمعيش، إلى وقت حديث، يقدم هته البنات باعتبارهن ذوات سلوك جنسي متحرر جدا بحيث لا يجدن حرجا في سحر ومراودة أول من يعجبهن من الرجال.

ومع أن هذه الظواهر الخاصة لا يمكنها إلا أن تغني وتعمق معرفتنا بالبغاء النسوي من أصل بدوي، فإنه يصعب علينا تتبع تأثيرها على عالم البغاء عموما أو تقديم إحصائيات بصددها. سيكون من المفيد متابعة هذه الظواهر وتقييمها في إطار أنثروبولوجيا ثقافية لبعض المجتمعات البدوية، لا سيما أن هذا المجال يقتضي تحاشي كل تعميم.

علاوة على ذلك، ثمة ظاهرة أخرى يجب تسجيلها. يتعلق الأمر بالأهمية العدَدية للنساء العموميات من أصل حضري، اللواتي كن ينحدرن إما من إحدى مدن الوصاية كالقيروان أو صفاقس، أو من مدينة تونس نفسها، وقد كن ينحدرن أحينا من عائلات متميزة من أصل تركي أو بلدي.

ومع أن الوثائق لم تتضمن إشارات صريحة لأصل مجموعة من الحالات، فقد أتيح لنا الوقوف على أن الأمر يتعلق بأصل حضري، وذلك باعتماد معيارين:

في المقام الأول، إن الأسماء الشخصية لنساء حضريات، مثل زليخة وفونة ودادو... الخ، يسهل تمييزها عن نظيرتها الشائعة في العالم البدوي أو القروي كما عن نظيرتها الشائعة أو العامة، مثل فاطمة، خديجة، الصالحة، محبوبة، حليمة، الشلبية، الخ.

في المقام الثاني، ومن خلال الألقاب بالخصوص، توصلنا إلى إكمال وتدقيق تصنيفنا. فأسماء عائلية مثل خباير، حنفي، التونسي، القروي، الصفاقسي، التركي، بنرمضان، الموناستيري، بلاَّغة، الشاهد، جوادي، الخ. تشهد فعلا على الانتماء الحضري، كما تشهد - وفي آن واحد - على انتماء إلى أوساط اجتماعية مختلفة، وفئات متوسطة أو حتى جد ميسورة.

كانت هذه الفئة تشكل حوالي 20% من مجموع عاهرات المدينة[14]، وهي نسبة تشكك كليا في الفكرة المنتشرة التي ترى أن البغاء في المدينة العربية التقليدية كان مقصورا على نساء من أصل بدوي أو أجنبي. فقد كان العالم الحضري هو الآخر يفرز بغاءه انطلاقا من تناقضاته وأزماته الخاصة. في هذا المستوى، تعتبر العوامل الاجتماعية واقعية ومؤثرة على نحو ما ستسنح لنا الفرصة التحقق منه مرات عديدة، بيد أنها لا تكفي وحدها لفهم وتفسير مجموع الظاهرة في تعقيدها. بجانب الأسباب البنيوية والاجتماعية، يجب في رأينا البحث في الحقل الميكو-اجتماعي بلويناته والدفع بالبحث في اتجاه من شأنه أن يتيح لنا إثارة مآسي الحياة العائلية والزوجية في الوسط الحضري. فقد كانت مآسي الحياة العائلية الحميمية في المدينة متعددة، تمضي من الترمل إلى الطلاق، مرورا بالمشاكل العاطفية التي سجلتها الحكايات والأغاني الشعبية بشكل جيد.

تقدم وثائق الأرشيف عاهرات درب محروق الكائن بمقربة من سيدي بومنديل، باعتبارهن أرامل[15]. هل فقدن أزواجهن بعد الأوبئة التي اجتاحت القرن 19، وهو شرط كاف لكي يجدن أنفسهن أمام ضرورة «المتاجرة بأجسادهن»؟ أم أنهن اجتمعن هنالك في الحي، بعد تجارب من الحياة التعيسة شكل نقطتها المشتركة موتُ الزوج مبكرا، موتا مفاجئا أو طبيعيا؟

في مجتمع مغلق، حيث فارق الأعمار هو الذي يفصل غالبا بين جيلين، كان يمكن لأشكال المقاومة والتمرد يمكن أن تمضي من مجرد «مغازلة» تمارس خفية مع الجار والبائع المتجول إلى البغاء المفتوح بعد موت زوج غير مرغوب فيه أو طلاق يتم الحصول عليه بعد معانات طويلة عبر اللجوء إلى دار الجواد (منزل لتقويم وإعادة تربية النساء اللواتي لا تطعن أزواجهن).

تمتلئ ملفات شرطة المدينة في ذلك العهد بقضايا تشهد على نهاية فقدان الأمل الذي اختارته العديد من نساء المدينة. ففي يوم 11 فبراير 1862، هربت فاطنة بنت أحمد العوني من بيت الزوجية لكي تحتمي عند بغيات[16]. أن تصل إلى حد البحث عن ملجأ في «الحي»، فذلك يقول الكثير عن بؤس حياتها الزوجية. وفي شهر شتنبر من السنة ذاتها، تعرضت العاهرة فاطمة بنت محمد الغربي لعوقبة السجن لأنها غررت بزوجة محمد الجزيري وأدخلتها في عالم البغاء[17].

يدعونا هذان المثالان وأمثلة أخرى عديدة، إلى التفكير مجدَّدا في مسألة معرفة كيفة «توظيف» (recrutement) المومس حوالي منتصف القرن الماضي في المدينة.

حيثما تكون الإشارات والمعلومات صريحة، ‎فإن الأمر يتعلق في أغلب الأحيان بالمغرِّرات. ففي شهر يناير 1862، اعتقلت وسجنت العاهرتان خدوجة بنت محمد المنزلي وحليمة بنت عمور، على إثر شكاية مواطن اتهمهما بتشجيع ابنته على الفساد. تذكر الوثائق حالات أخرى شبيهة. في السنة نفسها، اعتقلت ثلاث عاهرات بمدينة بتونس لأنهن غررن بفتاتين بكرتين وأدخلتهما في أوساط الفساد. وإذن كان هناك تعلم للبغاء يفترض الإغواء والإغراء.

لكن هذه الأشكال من القوادة ما كانت لتنجح لولا وجود تربة صالحة واستعدادات مسبقة للفساد لدى التي ستصير بغيا في الممستقبل. فالمراهِقة، أو حتى العازب، لا تقع بهذه السهولة في البغاء إلا إذا كانت مهيئة له اجتماعيا ونفسيا. الفقر، واليتم، وانحلال الأطر العائلية للجماعات الشعبية داخل المدينة، كلها عوامل كان تشجع على القِوادة.

لاحظنا، علاوة على ذلك، أن المومسات الحضريات كن في أغلب الأحيان لا يقمن بالضرورة في الأحياء المخصصة أو الأزقة «الساخنة»، بل كن يسكنَّ في منازل معدَّة خصيصا للـ «المواعيد الغرامية». وبذلك، تشهد حالات عديدة على وجود شكل من البغاء نصف سري، منها الدار التي تذكرها أرشيفاتنا، الكائنة في قلب الأسواق ذاتها، والتي أعدها «زبناء» كرماء؛ ومنزل امرأة تسمى شلبية الحنفي الذي تحول إلى وكر للفساد.

لكن هذه الحالات المعزولة لا ترخص إطلاقا استنتاج أن العاهرات من الفئة البلدية لم يكن يندمجن في الأحياء المخصصة. ذلك أنَّ اللواتي منهن كنَّ يصرن ملاكات، عن طريق الإرث مثلا، كن يتدبرن أمرهن لممارسة حياة الفساد داخل حميمية منازلهن.

لكن تواتر القضايا التي وجدت فيها العاهرات أنفسهن مرغمات على مغاردة مساكنهن، وكذلك السياسة المنظَّمَة لـ «تدبير وظيفتهن» خلال النصف الثاني من القرن 19، يشكلان مؤشرين يتعين علينا اتباعهما وهما يفضيان بالأحرى إلى اعتبار الأغلبية الساحقة من مومسات الحاضرة لم يكنَّ مالكات لمساكنهن.

أما الفئة الأخيرة من العاهرات في عينتنا، فتمثلها النساء اليهوديات. وهي تشكل نسبة ضعيفة داخل مجتمع المومسات المشمولات بالإحصاء، إذ لا تمثل سوى نسبة حوالي 5%، وبذلك فهي تبدو أقلية في هذا العالم، وهو ما يدعو للتعجب للوهلة الأولى في مدينة تعد فيها الجماعة اليهودية كبيرة العدد وبئيسة، وبالتالي يفترض أن تفرز «فسادا» أكبر.

والأسماء المسجَّلة تشهد على انتماء إلى المجموعة اليهودية المحلية التي كانت تشكل الأغلبية الساحقة المعدمة والحال أن فئة أخرى - من اليهود - كانت تحتل أعلىالسلم الاجتماعي. وَأسماء مثل تيتة، وبنت حي، وكمونة اليهودية، وسلمى بنت حي، ويتسير بنت زيتون، وعزيزة اليهودية، تحمل بالتأكيد طابع التونسة».

كان البغاء اليهودي يحترم تموقعا جغرافيا دقيقا، وهو ما كان نتيجة منطقية لحصر مجموع هذه الجماعة في الحارة (حي إقامة اليهود، معادل الملاح في المغرب). جميع البغيات التونسيات كن يسكن في حي سيدي عبد الله كرش الواقع في هوامش الحارة وعند مدخل الحي الإفرنجي بالمدينة السفلى.

يمكن لضعف نسبة البغيات اليهوديات أن تعطي الانطباع، كما سبق أن لمحنا به، بأنهن كن أقليات في عالم البغاء المتعدد الأعراق. بيد أن هذه الفرضية تغدو غير ثابتة بالنظر إلى أنه ورد في بعض شهادات ذلك العصر ما يفيد أنهن كن كثيرات العدد. ففي عام 1879، سجل ونرش فون مالزان، وهو رحالة ألماني، المعاينات التالية: «يُعوض النقص الظاهري للمومسات المسلمات في تونس، بالعدد الكبير من العاهرات اليهوديات، اللواتي يتردد عليهن المسلمون والمسيحيون واليهود على السواء...»[18]. ويؤكد المؤلف الأهمية العددية لليهوديات مرات عديدة من خلال شهادات أخرى أكثر تفصيلا يذكرها في سياق الحديث عن تيهه في الحي اليهودي بتونس.

لكن حكمه بخصوص الغياب الظاهري للمومسات المسلمات في المدينة لا يرتكز على أساس فضلا عن أنه يدل على تعذر ولوج المسيحيين لهذه الأزقة «الساخنة»، الأمر الذي حال بين المؤلف، وهو الشديد الانتباه، وقياس حجم الظاهرة وأهميتها.

إن اتفاق ملاحظات أغلب شهود ذلك العصر حول «البؤس الأزرق» الذي كان يسود في الحي اليهودي بتونس، يؤكد لنا أن المحدِّد الأساسي للبغاء في هذه الأوساط كان طبعا ذا طبيعة اجتماعية.

كان عالم البغاء يعرض نفسه، على العموم، بمثابة فسيفساء من الألوان والأعراق والجماعات؛ عالم متعدد رغم تجانسه. عالم كشاف عن عدة جوانب من حياة الفئات السفلى بالمدينة، وعاداتها، والنتائج الاجتماعية للهجرة، والاستئصال، وتفكك التضامنات القديمة تحت تأثير الإفقار الذي صعدته أزمة منتصف القرن الماضي.

وبذلك طرح تقدم الظاهرة في فضاء المدينة مشاكل جديدة على السلطة السياسية التي ظلت إلى ذلك الحين متعودة على مصادفة الاحترام الصارم للتراتبية والتقطيع الدقيق لفضاء المدينة.

ونحن نحاول الإحاطة بجغرافية البغاء المتحركة في المدينة وتتبعها، وجدنا أنفسنا مضطرين لاستخراج وحصر المظاهر الدالة الجديدة للأزمة الحادة التسي شهدها المجتمع التقليدي حوالي نهاية الحقبة ماقبل الاستعمارية.

4 - ***

ما هي الأمكنة التي كانت تأوي البغاء؟ تعتبر عملية رسم خريطة جغرافية للبغاء في المدينة العربية عملية لا غنى عنها لكل دراسة تسعى إلى الإحاطة بالظاهرة في الزمان والمكان، في آن واحد، ولكنها تظل عملية صعبة التحقيق بالدقةٍ المطلوبة نظرا للحالة التي توجد عليها الوثائق.

من خلال مواقع القضايا التي تدخلت فيها الشرطة، وحررت بشأنها محاضر، يمكن إبداء بعض المعاينات واستخلاص بعض الاستنتاجات الأولية.

يرتسم محوران: ضاحية باب الجزيرة، ثم المدينة السفلى.

إن جدولَ التقسيم الجغرافي للقضايا المحدَّدة طوال سنة 1861، والتي تورطت المومسات فيها في جنح المشاجرات، وإقلاق راحة النائمين، وجنح أخرى، يضعُ على رأس الأمكنة دربَ سيدي زهير الذي يقع على مقربة من سيدي منصور، وذلك بـ 17 قضية من هذا النوع من مجموع عدد القضايا البالغ 63. ويحتل درب سيدي بلحسن الرتبة الثانية بـ 7 قضايا، وهو يقع في حي الحجامين غير بعيد من درب سيدي زهير.

في المجموع، أكثر من نصف القضايا الـمحصورة في المدينة في ذلك العام، وقعت في ضاحية باب الجزيرة[19].

للوهلة الأولى، يبدو أنه ليس هناك ما يدعوا للتعجب في أن يقع البغاء في الهامش، في ضواحي المدينة العربية. فالتراتبية، ونظام القيم المهيمن، وربط لبغي بأسافل المجتمع، كلها عوامل تتداخل لتفسير نبذها خارج أسوار المدينة.

بيد أن ثمة مجال للتساؤل عن العوامل التي جعلت من ضاحية باب الجزيرة المكان المفضل للبغاء قبل ضاحية باب السقاية الكبير، بوقت طويل، والذي كان مأهولا بكثافة تبلغ حوالي 3500 منزل سكني مقابل 2270 بالنسبة لضاحية الجنوب في ذلك الوقت. ويمنحُ جدولُ إحصاء المنازل وأمكنة الأنشطة الاقتصادية، لباب السويقة امتيازا واضحا على ضاحية الجنوب.

في مقارنة أولى بين ضاحيتي تونس، تبدو ضاحية باب السويقة أقل فقرا بحيها السكني [واسمه] الحلفاوين الذي صار مكان إقامة جزء من الأرستقراطية التونسية، خصوصا بعد أن بنى يوسف الصاحب وزير حمودة باشا قصْرَهُ فيه. بالإضافة إلى ذلك، فموقع هذا الحي يفتحه على حركة الهجرة لآتية من وسط بلاد تونس أو جنوبها وكذلك من باقي أنحاء المغرب العربي. لقد كان باب عليوة يشكل، في الواقع، منفذ دخول أمواج المهاجرين إلى تونس.

ولذا، نجد أنفسنا أمام إغراء اعتبار هذه الضاحية كانت تشتمل على الفئة الأكثر انحطاطا، وتتضمن أقوى نسبة من الأجانب القادمين من باقي بلدان المغرب الغربي.

يتيح لنا هذا الوضع الرئيسي تقديم عناصر أولى للتفسير، لا سيما أن أكبر جزء من المومسات كان يتجند داخل الأوساط البدوية وأوساط الهجرة. فضاحية باب الجزيرة، بفنادقها ووكالاتها التي يفوق عددها الـ 50، وجماعاتها الفقيرة وسيئة الاندماج المتألفة من البدو والأجانب، كانت تأوي أكبر عد من العاهرات. وفوق ذلك، لا يدخل في باب الصدفة أنَّ أشهر المومسات المعروفات لدى الشرطة كن نساء تنحدرن من أصل مغاربي وتقطن في الشوارع الصغيرة بالضاحية.

لنحاول إلقاء نظرة عن كثب على الأماكن قصد مقاربتها والإحاطة بها جيدا.

كانت الأمكنة السكنية التي يتردد ذكرها تأخذ شكل دروب أو أزقة مغطاة (زنقات أو صابات)، مثل درب سيدي بلحسن، وبوسعدية، وسيدي زهير. وبذلك، كانت المومس تنزوي، تدخَل - أم أنها كانت تحمى؟... داخل زنقات مغلقة - بعيدا عن الطرق الكبرى، بمنأى عن الساحات العمومية. والدربُ هنا مرادف للانزواء ونصف السرية داخل المدينة، في آن واحد، كما أنه كذلك خط فاصلُُ، مكانُُ يقع على حدود الفضاءات الخصوصية والفضاءات العمومية في قلب المدينة العربية. والزنقة أو الدريبة مكانان ينتميان عموما إلى عائلة أو جماعة ترتبط فيما بينها بعلاقات خاصة. إنها فضاءات شبه مفتوحة، ضبابية، وغامضة.

ويتأكد حصرُ المومس في فضاءات مغلقة عندما نعلم، من المصادر، أن الظهور العمومي للمومسات في الفضاءات المفتوحة لم يكن في الواقع سوى ظاهرة استثنائية على نحو ما نجده في الكرنفالات التي كانت تنظم بالباب الخضراء، والتي ترتبط بتقليد آل إلى الانقراض في نهاية القرن 18.

يرد ذكر محاور على مقربة من باب الجزيرة وباب الجديد. لكن الأمر، في هذه المرة، يتعلق بدروب في داخل المدينة تأوي العاهرات. ويشكل درب سيدي عايد الذي يقع في حي العسلي وصابة زياتين أحسن مثالين على ذلك.

وبذلك، فالبغي لم تكن غائبة عن المدينة، كانت حاضرة فيها ولكن منبوذة في محيطها.

أي شكل كان يأخذه ما يسمى بـ «الحي المخصَّص»؟

من خلال الأرشيفات يتضح أن الدروب والأزقة التي تأوي المومسات لم تكن فضاءات مقصورة عليهن وحدهن، بل على العكس غالبا ما كانت تتعايش نساء اللذة والنساء الصالحات، كما تشهد الوثائق بذلك. كثيرا ما كانت تنشب خصومات، وكانت العائلات تقدم شكاية ضد هذه المومس أو تلك لإرغامها على الرحيل.

والأمثلة في هذا الباب لا تنقص: ففي شهر يونيو عام 1862، اتهمت خدوجة بنت علي الغربي، القاطنة في حومة العسلي، بالفساد و«الحياة الفضائحية» من قبل جيرانها، فأرغمت على مغادرة مسكنها بقرار من مجلس الشرطة، وبذلك فقدت حق الإقامة في أحد طوابق المنزل. وبذلك، ربح السكان القضية ضد «بغي» الحي.

في درب بوسعدية، كانت أربع منازل تأوي مومسات، فيما كانت تسكن بباقي البيوت، وعددها 35، «عائلات محترمة». ومعنى ذلك أن تلك العاهرات قد استغلت فضاء لم يكن موجها لهن. في مكان آخر، هو زنقة بونعيم المخصص للبغاء منذ سنوات، كانت 9 منازل تنتمي لـ «عائلات صالحة» و13 لمومسات[20].

يبدو في هذه الحالة أن عائلات معروفة بأخلاقها الصالحة، ربما استثمرت فضاء مخصصا للبغاء. تذكر حالات مماثلة في دربين آخرين بحومة العسلي في الجنوب الغربي داخل المدينة.

هكذا يقدم الجدول متغيرات عديدة ولوينات جغرافية متحركة للبغاء تشير إلى وجود حالات للاختلاط تفسر، في آن واحد، تعددية الصراعات لكن أيضا قبولَ العاهرة في المدينة.

إن رفض المجاورة الذي يبرر في أغلب الأحيان بانعدام الأمن والإخلال بنظام الحي وهدوءه، لم يمنع مبدإ قبول العاهرة في المدينة والتكفل بها من لدن مجموع الجسد الاجتماعي. كان للعاهرة حق المدينة droit de cité. هذا واقع لا يقبل الجدل في جوهره.

ما هي سياسة السلطات أمام تصاعد الاحتجاجات والصراعات من هذا النوع، بالخصوص حوالي نهاية المرحلة ما قبل الاستعمارية؟

واجهت السلطات البلدية والأمنية مواقف شديدة التعقيد، تغلب فيها غالبا حِسّ الواقع والبراغماتية على الرؤية الفقهية التي يصوغها العلماء. تدل الوثائق على وجود مسعى تجريبي يعالج كل حالة في خصوصيتها. فعندما كانت شكايات تتأكد بشهود عديدين، وعندما كانت الضنينة تكتشف في حالة تلبس بالمشاجرة والإخلال بالنظام في أمسيات غنائية تتحول إلى مشاجرات بين السكارى، فإن رئيس مجلس الشرطة كان يتخذ بنفسه قرار ترحيل المتهمة، ويرغمها على مغادرة الحي.

ففي شهر يناير 1862، أرغمت مجموعة من العاهرات على الرحيل من منزلين كن يسكن بهما في رأس الدرب بضاحية باب الجزيرة، وذلك على إثر عدة شكايات تقدم بها الجيران ضدهن[21]. وفي أبريل من العام نفسه، تعرضت يامنة بنت حسن السوسي للترحيل من المنزل الذي كانت تكتريه في حومة الأندلس الكائنة بقلب المدينة، وذلك للأسباب نفسها[22].

بيد أن الرئيس كان يحترز من اتخاذ قرارات تعسفية لدى افتقار الشكايات إلى أساس ترتكز عليه ولدى غياب الشهود.

لكن، بجانب هذه المسألة للشأن اليومي، كانت السلطات تواجه مواقف أشد تعقيدا تقتضي تدخلات أكثر حزما، وذلك للتحكم في البغاء وتوزيعه في فضاء المدينة.

ففي رسالة موجهة إلى الوزير خير الدين، في شهر ماي 1873، يثبت رئيس المجلس البلدي محضر معاينة ميدانية أجريت في حي سيدي بيان بالمدينة السفلى، على مقربة من الحي اليهودي[23].

وأمام المشاكل التي تطرحها مسألة التعايش، خصوصا احتجاجات العائلات، وبالنظر إلى النسبة المرتفعة للمنازل التي تأوي العاهرات، فقد اختار المجلس حلا توافقيا عن طريق إنشاء باب يفصل شطري الحي، خالقا بذلك فضاء مخصصا هو نوع من «الغيتو» للبغاء. وبذلك نشأ حي مخصص للـ «النساء العموميات»، معزول عن الفضاء العام. لنسجل أن هذا الحي كان يأوي العاهرات المسلمات واليهوديات في آن واحد.

وقد حدثت حالة مشابهة في المدينة السفلى، خلال شهر يناير 1872. حيث تم فتح درب محروق الكائن بحومة التنور التي تأوي عاهرات، تم فتح رأسه الثاني بعد انهيار جزء آخر من السور محاذ لسيدي بومنديل، خالقا بذلك وضعية تتعارض مع التنظيمات العرفية. ومن ثمة، كان الحل المقترح هو إعادة بناء جزء السور لإغلاق الدرب الجديد.

أمام قضايا أخرى أكثر تعقيدا، وجدت السلطات نفسها موزعة بين متطلبات متناقضة كما كان الحال في شهر يناير 1862: فبعد أن اضطرت السلطة لإسكان عاهرات في المنازل المجاورة للحي الأوروبي بمدينة بيزرطة، أظهرت [السلطة نفسها]، وفي آن واحد، عدم اكتراثها لما يمكن أن يترتب عن ذلك في حي يتردد عليه باستمرار ملاحون مسيحيون صيادو المرجان، وعجزها عن التحرك بكيفية أخرى، خاصة أن سكان الأحياء الأخرى للمدينة كانوا يرفضون قبول إقامة العاهرات بجوارهن. وفوق ذلك، فقد أكدت المراسلة الخاصة بهذه القضية أن حومة أربعة الكائنة على مقربة من الحي الإفرنجي كانت هي حيهم الأصلي، ملمحين بذلك - فيما يبدو - إلى ضرورة إعادة ترحيلهن إلى منطقتهن الأصلية.

يستخلص من مختلف الوثائق والمراسلات المذكورة سابقا أن السلطات كانت تواجه بعض الصعوبات في التحكم في حياة الترحّل التي كان يعرفها البغاء داخل المدينة. وقد كان اللجوء إلى إيواء العاهرات في أحياء خاصة، يُبَرَّرُ في حالات عديدة، بالعبارة التالية: «تبعا للقواعد العرفية الجاري بها العمل منذ سنوات عديدة»، والتي تعود إلى قواعد سلفية غير مدونة في نصوص مكتوبة.

كان البغاء دائما محصورا، مُجَمَّعا في فضاءات مغلقة، لكن هذا بالضبط هو ما كان يتيح له أن يحظى بالقبول في المدينة شريطة أن لا يستثمر الفضاء العمومي.

كان مجلس الشرطة البلدية والسلطات البلدية،، يتوصلان دائما، في حدود ما يملكان من وسائل ، إلى أشكال من التدخل والمصالحة فيجدان بذلك حلول للتسوية ترتكز على إعادة رسم الحدود الدقيقة بين العالمين داخل فضاء المدينة.

غير أن الوضع سيعرف، بمجيء الاستعمار، تصعيدا في اتجاه عجز معلن للسلطات البلدية عن التحكم في الوضع. ففي مراسلة مؤرخة في غشت 1882، موجهة للوزير الأول، عبر رئيس المجلس البلدي لتونس عن سخطه وعجزه، في آن واحد، أمام إنشاء أحد الفرنسيين لماخور في منزل يقع بزنقة المختار، اكتراه الأجنبي وسط المدينة، وقد عبر السكان في مرات عديدة عن استيائهم واحتجاجاتهم بدون جدوى[24]. لأول مرة استقر «المنزل المغلق»، على النمط الأوروبي، في مدينة تونس. وقد استعملت كلمة «ماخور» في الوثيقة، لتشير بذلك إلى أن الأمر يتعلق بحصول عدوان موصوف داخل المدينة.

ربما تعلق الأمر هناك «بالمنزل المغلق» الشهير، الذي سيعرف فيما بعد باسم «الدار الكبيرة»، الموجودة في الزنقة نفسها.

بتتبع مناطق انتشار البغاء وتجمعه، عن كثب، فإن المكانين الآخرين اللذين يلفتان انتباهنا هما المدينة السفلى في اتجاه الحي الإفرنجي ثم الحي اليهودي بتونس الذي يعرف باسم الحارة.

يبدو حي عبد الله الكرش (منطقة البغاء اليهودي) في الجدول الذي أقمناه لتوزيع قضايا الاعتقالات بحسب الأحياء، يبدو في موقع جيد، إذ كانت زنقة سيدي عبد الله الكرش تحتل المرتبة الثالثة خلال سنة 1861. وباعتبار هذا الحي أحد «الأمكنة العليا» للبغاء اليهودي، فإنه كان يقع بين الحارة والحي الإفرنجي. وفي هذا المكان كانت تتوظف المومسات من داخل المجموعة اليهودية الفقيرة بتونس.

بأهم الأزقة والدروب التي تأوي البغاء في هذه المناطق، يمكننا أيضا أن نذكر دروب المحروق، وسيدي بيان، وسيدي مردوم، وزنقة القرامد، ثم زنقة المكتار التي التحقت بها بعد وقت طويل.

كانت ضاحية باب السويقة تأوي في منطقتها الشرقية أحد أحياء البغاء المعروفة، ولو أن المصادر لا تشير إليه إلا في وقت لاحق، وهو زنقة سيدي بونعيم. ونجد اسم هذا الحي في وثائق نهاية القرن مرفوقا بمعلومات عن النساء اللواتي كن يسكن فيه. كان الوضع الخاص لهذا الحي - موقعه على حدود الحارة والضاحية - يفسر طبيعته المختلطة، حيث كانت تقيم فيه مسلمات ويهوديات في آن واحد.

كانت خصوصية هذه المناطق تكمن في تعددية الحانات باعتبارها الأمكنة المفضلة للفساد، واللقاءات ومواعيد الدعارة. وقد ساهم الحضور اليهودي - الأوروبي القوي انفتاح هذه الأحياء انفتاحا واسعا على استهلاك الخمر.

في نهاية القرن 18، كانت الـحانات في المدينة السفلى تعد بالعشرات. فحيّ سيدي القرامد الذي كان يشكل فضاء مسيحيا بهذا الجزء من المدينة، كان يتوفر بمفرده على 16 حانة سنة 1862[25]. ويستنتج من الأرشيفات التي اطلعنا عليها أن قضايا الاعتقال داخل الحانات ووفي ضواحيها كانت شائعة جدا. ففي يوم 18 يونيو 1861، تعرضت عائشة بنت محمد الصفاقسي للاعتقال في مدخل إحدى حانات الحي اليهودي، الأمر الذي جر عليها قضاء 14 يوم في الاعتقال[26]. وفي يوم 13 ماي من العام نفسه، اعتقلت عاهرتان مسلمتان في حانة قرب الخلادين[27].

وحتى المقاهي والفنادق والمخازن كانت تشكل نقطا مفضلة للاصطياد والفساد. والحالات المذكورة كانت شائعة: ففي يوم 10 يونيو 1861، تعرضت فاطنة بنت عمور الغربي للاعتقال رفقة عمور بلحاج جلول، وكانا سكرانين، داخل مقهى بصابة الملح[28].

ومن مجموع 62 محصورة، وقعت 9 منها، أي حوالي 5,14%، في فنادق ووكالات أو حانات، وهو ما يؤكد كثرة تردد البغايا على هذه الأماكن.

لكن جغرافية البغاء ولو أنها تتيح استخراج نقط قوية ومناطق للتركز، فإنها لا تعكس الواقع إلا جزئيا، إذ غالبا ما كان منزل اللقاءات الغرامية يكون معزولا في منأى عن أحياء البغاء المشهورة في المدينة وحتى داخل الضاحية.

وبخصوص سنة 1861 نفسها، استطعنا تحديد مواقع 5 منازل كانت تضرب فيها المواعيد مع أنها تقع في أحياء بعيدة عن معاقل البغاء. ففي يوم 18 اكتوبر 1861، اقتحمت الشرطة منزل ابن عائلة من الأعيان، اسمه يوسف جلولي، لاعتقال جماعة من المومسات والزبناء بعد أمسية من احتساء الخمر والتشاجر والعراك. وقد لقي صاحب المنزل حتفه على إثر سقوطه وهو يحاول أن يلوذ بالفرار[29].

يتيح توزيع فضاء المدينة استخراج ظاهرتين، هما التمركز والنزوع إلى التشتت.

كان الجسد الاجتماعي مسؤولا على نزعتين متعارضتين: فهو بنبذه العاهرات خارج الأحياء السكنية، كان يجبر السلطات على أن تتصور وتشغل - تدريجيا - سياسة العزل أو الحصر خالقا «الأحياء المخصصة»، لكن هذا الجسد الاجتماعي نفسه كان، بسبب حاجيات المجتمع الذكوري، يخلق الشروط المادية لاستقبال العاهرات في منازل سرية تضرب فيها المواعيد في قلب المدينة ذاتها.

كما كان البغاء يتمدَّد في الفضاء الحضري ويتقلص بحسب تقلبات الظروف والأوضاع ومبادرات السلطة.

لكن النزعة العامة التي نسجلها بالنسبة للنصف الثاني من القرن 19، والتي كانت تعبِّر عن واقع أن المجتمع الحضري وسلطته كانا يستقران في أزمة تتجاوز إمكانياتهما، تلك النزعة تظهر العجز الظاهر والمتزايد للسلطات العمومية عن تدبير ومراقبة هذه الفضاءات والقطاعات.

كانت استراتيجية العزل أو الحصر بالنتيجة المترتبة عنها، وهي الظهور التدريجي «للحي المخصَّص» بالمعنى العصري، تدل، في آن واحد، على أنَّ الظاهرة كانت تأخذ أبعادا من الكبر بحيث صار من المستحيل احتواء العاهرات داخل زنقات ودروب للتعايش مع باقي السكان. كانت الظروف الاجتماعية والسياسية في النصف الثاني للقرن 19 قد فرضت نفسها بما أتاح ظهور «الحي المخصَّص»، ثم ظهور «المنزل المغلق» أو الماخور، بعد بضع سنوات، مع الاستعمار تحديدا.

كانت الظروف قد نضجت، بشكل مفارق، في ظل سياسة أزمة التبعية، وإفقار المدينة (القديمة) التي وجدت نفسها تدريجيا منحطة ومهمشة بالمقارنة مع المركز الجديد الذي احتله المدينة الأوروبية.

كان تخصيص مدينة تونس بمؤسسات عصرية، كالمجلس البلدي أو الشرطة الحضرية، طريقة لتطابق مع الميولات المتفاعلة في اتجاه الحداثة والاعترف بأزمة المدينة التي أدت بعد سنوات إلى جعل شطرها القديم حاضرة، فضاء تاريخيا منحطا بجانب المركز الجديد الاستعماري الصاعد.

وهذا المركز بالضبط، الذي سيصير من الآن فصاعدا مركزا تاريخيا وهامشيا بشكل متزايد، في مجموعه، هو الذي كان سيحتضن الأحياء المخصصة التي سيحكمها، ابتداء من عام 1885، التنظيم البلدي الجديد حول الوقاية والأمكنة غير الصحية.

لقد وجدت نفسها هذه السياسة الرسمية تجاه البغاء، منذ منتصف القرن 19، مُكملها في سياسة الحكم نفسه تجاه ظواهر أخرى مثيلة، كأمكنة المتاجرة واستهلاك المشروبات الكحولية، ولعب القمار. إلى حدود منتصف القرن 19، كانت السلطة السياسية قد وصلت إلى ضمان نوع من التوازن بين متطلبات متناقضة والحفاظ على الأماكن والفضاءات المحفوظة لبيع واستهلاك الخمور والمشروبات الروحية في الحدود المقبولة. لكن هذه المراقبة صارت تدريجيا مستحيلة في النصف الثاني من القرن 19.

في زمن أحمد باي، كانت صرامة السلطات العمومية جلية في تحديد هذه الفضاءات والأمكنة التي يدبرها أوروبيون. لكن، بعد ذلك، مع رسوخ القوى الأوروبية وتزايد أعداد الأجانب في المدينة بعد الهجرة الكثيفة التي شهدها منتصف القرن، اجتاحت حانات بيع الخمور بالتقسيط جميع الأحياء، بالخصوص تلك التي تقع في ضواحي المدينة، إذ تجاوز عددها بكثير الحصة المتوقعة، كما صارت ألعاب القمار تجذب التونسيين بشكل متزايد في الحانات.

صارت مراسلة القناصلة والإعراب عن الاحتجاجات لديهم بدون نتيجة؛ فالشرطة الحضرية كانت إمكانياتها وقدراتها أقل من أن تسمح لها بالتحكم في الوضع. فالزواويون الذين كانوا ينظمون ألعاب القمار، كانوا محميين فرنسيين، وجغرافية الحانات وأماكن اللعب كانت موازية لجغرافية أحياء البغاء.

صارت سياسة التطويق والحصر في أماكن خاصة واضحة أكثر كما عرفت صياغة أفضل، لكن فعاليتها وإجرائيتها تناقصا بشكل متزايد. وبذلك، عبرت هامشية البغاء عن نفسها في فضاء المدينة وفي جغرافيتها، لكن الأمر لم يكن يتعلق إطلاقا بهامشية جامدة، ثابتة أو قارة. كانت هامشية متحركة، عبر الفضاء الحضري، تعيد إنتاج مختلف الظرفيات معبرة عن الشرط الاجتماعي لقطاعات أوسع داخل المجتمع المديني، وكذلك عن مختلف مواقف السلطات ومجموع الجسد الاجتماعي تجاه الظاهرة.

كيف كان هذا العالم يعيش يوميا؟ يجد السؤال جوابه في متابعة رحلتنا في قلب هذا العالم.

هوامــش


[1] A. N. Font Zaptiés.
[2] انظر الجدول في الملحق، ص. 81.
[3] لتقدير عدد عاهرات تونس حوالي 1860، رجعنا إلى عدد 500، المقدم في الجزائر حوالي 1830 بحسب دشين. لقد ضاعفنا هذا العدد، مرتكزين على كون تونس كانت مدينة أكثر تفتحا من الجزائر وأكثر peuplé.
[4] انظـر:
- A. N. Registre 3968. Recensement des algériens installés à Tunis 1876.
[5] A. N. fonds Zaptiés année 1278 / 1861-62: Doc 105.
[6] P. Pellegrin, Les noms de rues du vieux Tunis, Tunis.
[7] Viviane Plâaques, L’arbre cosmique, Paris, 1964, p. 205.
[8] Viviane Pâques, L’arbre cosmique, Paris 1964, p. 205.
[9] Cf. Fonds Zaptié, op. cit.
[10] ابن أبي ضياف، إتحاف...، ج. 3، ص. 262.
[11] الصغير بن يوسف، المشرع الملكي في سلاطين أولاد التركي، الخزانة الوطنية، مخطوطة رقم 3537.
[12] لقد طبعت المغنية الشعبية الكبيرة "صليحة» الأغنبية التونسية بعد الحرب العالمية الثانية بالخصوص. تشكل أغنياتها بموضوعاتها كما بالصوت الذي يغنيها، الروح العميقة لتونس بألوانها ولويناتها الجهوية، قصصها وذاكراتها. وأغنية «مع العزابة (الواردة في ملحق الكتاب، ص. 79)، التي تعيد رسم هروب فتاة مع جماعة من الرعاة الرحل [تلك الأغنية] مستوحاة من الملحمة التراجيدية لقبائل جبل «وسلات»؛ راجع بهذا الصدد: الرزكي، الأغاني التونسية، (بالفرنسية).
[13] Emile Dermenghem, Le pays d’Abel, Paris 1960, pp. 67-70.
[14] انظر: الجدول رقم 1، بالملحق.
[15] A. N. T., Dossier 634, carton 58, Doc. 1.2.3.4.5.
[16] A. N. T., Fonds Zaptiés, année 1861.
[17] A. N. T, Fonts Zaptiés, op. cit.
[18] Heinrich Von Malzar, Reize in den Regeschaften Tunis und Tripoli (Leipzig 1870), t. 1, p. 26-27.
[19] راجع الجدول رقم 2 في الملحق.
[20] A. N. T., Dossier 634, Carton 58, Doc. 1.2.3.4.5.
[21] A. N. Fonds Zaptié. Dossier 4, Carton 2 (rapports du troisième trimestre ed l’année 1862, Doc. 95).
[22] A. N. Dossier 634, Carton 58, Document 1. 2. 3. 4. 5.
[23] A. N. Dossier 634, op. cit.
[24] A. N., Dossier 634, op. cit.
[25] A. N., Fonds Zaptié, Rég. 59.
[26] A. N., Fonds Zaptié, Dossier 1278, Doc. 105.
[27] A. N., Fonds Zaptié, Dossier 1278, Doc. 110.
[28] A. N., Fonds Zaptié, Dossier 1278, Doc. 111.
[29] A. N., Fonds Zaptié, (1861) Doc. 105.


.

13939414371.jpg
 
أعلى