رزان زيتونة - الرقص مع النقاب

يعني لا محجبة ولا منقبة، لا سفور ولا حبور (الكلمة الأخيرة للقافية فقط...)... ومع ذلك، فلدى كل النساء أجساد يلقين عليها أثوابا وزينة، أو حجبا وستائر. وأنا ما زلت عبثا أبحث عن حدود جسد ألقي عليها بهوية ما.

لذلك كانت ردة فعلي تجاه من سألني عن موقفي من قرارات حظر النقاب الأخيرة في سوريا، تقتصر على التحديق في السقف بدعوى التفكير، والهمهمة بكلمات أتقصد أن تكون غامضة وموحية بالتعقيد. موقفي لا يزال بحاجة إلى دراسة أكثر، أختم بالقول.

ثم أعود من جديد إلى السجالات التي لا تزال مستمرة حول الموضوع، بين مسؤولين رسميين وشخصيات دينية ومثقفين ومدوّنين ومناصرين لحقوق المرأة، حتى أشعر أنني غرقت في بحر من النقاب وعدمت الرؤية تماما.

على الصعيد الرسمي، نشرت تأكيدات في حزيران الماضي بنقل نحو 1200 مدرّسة منقبة إلى وظائف إدارية، وبالتحديد البلديات. ثم في الشهر التالي كان منع الطالبات المنقبات من الدخول إلى الجامعات العامة والخاصة. وبادرت شخصيات رسمية وشبه رسمية للدفاع عن القرارين ومنحهما الأسباب المخففة التقديرية. ثم بدأ التراجع الرسمي عن القرار الأخير بتسريبات إعلامية، يقال، لما أحدثه من غضب وردات فعل سلبية لدى الجماهير! ثم لا أحد يعرف الآن ما هو موقف الحكومة من النقاب. تحبه أم تكرهه، ترى في منعه حماية للعلمانية، أو في السماح به حماية لحقوق النساء المنقبات في التعليم والعمل. تهدف إلى "تحرير" المنقبات من السطوة الذكورية للعائلة والمجتمع، أم أنها فقط تقوم بعملية "تحريض" ليكملن باقي الطريق، كما قرأت في بعض التعليقات، مع أنه عادة، لا يتوجه "التحرير" إلا نحو الخارج، و"التحريض" إلا نحو المعتقلات.

على الصعيد غير الرسمي، كتبت عشرات المقالات والمدونات والتعليقات الانترنتية عن الموضوع. فوجئت بالفرح الغامر الذي أصاب البعض نتيجة القرار. وبالذعر الذي أصاب الطرف المقابل. حتى خيل إلي، أن جيشا من المنقبات على وشك الانقضاض على سفوري البريء لحظة خروجي القادم من المنزل! وشعرت أنني كنت أعيش في مناطق الهندوس في الهند، لأنني لم ألحظ التزايد المخيف في أعداد المنقبات في بلدي.

فإن كان المقصود منقبات بعض الأرياف، فهذه حكاية قديمة ومتوارثة. وأعرف بحكم احتكاكي بالكثيرات منهن أثناء سكني في أحد تلك الأرياف، أنها عادة اجتماعية مفروضة بقوة المجتمع هناك، وأن كثيرات منهن ينزعن النقاب عند النزول إلى "الشام"، ولا مشكلة مع أزواجهن أو آبائهن بذلك. المهم أن لا ترتكبن "العيب" في منطقة العيب!

القرار لم يشمل الكثير من هؤلاء المنقبات في الأرياف. في بعض تلك المناطق تصل نسبة مرتديات النقاب إلى 80 في المئة.

سألت إحداهن، ماذا لو تم عمل "آبديت" على القرار وتشميل أخريات به أنت منهن. هل تتخلين عن النقاب للاستمرار في التدريس أم تبقين على موقفك؟ ضحكت السيدة، وأجابت بأن القرار صعب. ثم ابتسمت وقالت ربما تنزع النقاب، ثم أصبحت تعابير وجهها أكثر جدية، وقالت إنها ستفضل الاحتفاظ بالنقاب، ولم أعرف إن كانت تحتفظ بخيارات أخرى لأنني فضلت إنهاء اللقاء!

هل شمل القرار إذاً المنقبات ممن يحملن أفكارا متشددة؟ أم أن تطبيقه عني باختيار بقع جغرافية معينة كتجربة لإمكانية التوسع إلى مناطق أخرى؟ وإن كان الأمر كذلك، فماذا عن طالبات الجامعات والقرار الذي لا نعرف إن كان سيطبق أم لا بعد، يشملهن جميعا من غير تمييز في النيات وبواطن العقول والقلوب. لا أحد يعرف، ربما لا أحد يهتم بأن يعرف. فالمهم أن المنقبات خطر داهم.

طبيعي أن يخاف المرء من لا وجه له. من يفتقد القدرة للتواصل معه بالنظر والابتسام وتعابير الوجه حتى أسوأها. أنا لا أصل في خوفي إلى هذا الحد... وأحيانا أفضل النقاب على الوجوه.

شعرت بذلك عندما استهدفت للتجنيد مع "القبيسيات" وهن غير منقبات. لكن تعابير الوجوه هي دائما نفسها مهما اختلفت "صاحبة الرسالة". حتى أن رغبة عارمة كانت تعتريني لانتزاع شيء ما من على وجوههن السافرة كي أرى ما تحتها.

كنّ عدة "آنسات" يتناوبن على زيارتي – رغما عن أنفي- ويطلبن مني الالتحاق بدروسهن، وكنت في بداية المرحلة الثانوية. الحجاب غير ضروري في المرحلة الأولى، بل يجب أن يكون عن قناعة، كما اعتدن القول. لكن يجب أن لا أغلق قلبي ضد الخير الذي يعدنني به، إلا أن قلبي كان مشغولا بصديقي... وهكذا، ومع استمرار تناحتي وعنادي انتقمن مني شر انتقام.

كنت في حفلة عيد ميلاد قريبتي، و"الآنسات" طبعا ضيفات شرف. تم اختياري دوناً عن جميع الفتيات الحاضرات للمشاركة في لعبة أطفال غبية، تتمثل بالإمساك بصحن والقيام بحركات معينة تقليدا للآنسة. وتحت إلحاح الجماهير ولأثبت للجميع أنني لست بذاك النكد الذي يدعون، وافقت... وما أن انتهيت حتى اكتشفت أنني لطخت وجهي برماد كانت الآنسة قد نثرته على الصحن. ضحك الجميع إلا أنا. كنت أراجع رسائل المحبة التي وعدتني "الآنسات" بها من السماء وإليها...

لم أشاهد أياً من "الآنسات" بعد ذلك؛ لكنني شاهدت جميع قريباتي من جيلي، يرتدين الحجاب واحدة إثر أخرى. وكن جميعا تقريبا سافرات أيام "حادثة الصحن". استوقفتني أيضا بشكل خاص تعليقات النساء المناهضات للنقاب. ومعظمها يغلب عليه عنصر المفاجأة والدهشة والذهول: في بلدنا منقبة؟!

في أحد تلك التعليقات قالت سيدة إن طفلتها الصغيرة ترتعد خوفا من مظهر امرأة منقبة... توقعت مباشرة أن الطفلة المحظوظة تعيش في أحد الأحياء الفاخرة، ولديها سيارة و"عمّو السائق" يأخذها من الروضة وإليها، وأنها لم تتابع حتما "باب الحارة" خلافا لأقرانها الذين أرَقوا حياتي بتقليدهم الصوت العريض لملاحم أبو عصام تحت نافذة غرفة نومي.

وسرحت بي الذاكرة إلى جدتي وكانت في السبعينات من عمرها. ظهرها منحني حتى يصعب على وجهها الجميل -في نظري- مواجهة الشمس، ويدي عكازها الوحيد لتقطع الطريق القصيرة بين بيتها وبيتنا. كانت ترفض الخروج إلى الشارع بدون "الملاية"، وبناتها المحجبات بأناقة يتذمرن ويخبرنها أن ذلك يعيق رؤيتها المتردية أصلا، وأنها ليست بحاجة لغطاء الوجه في هذا العمر، فأحدٌ لن ينظر إليها على أية حال! كانت تلك العبارة تحزنها أشد الحزن، وكأن جدتي لأنها لا تقرأ ولا تكتب ستكف عن أن تكون امرأة في سنوات عمرها الأخيرة.

حين كانت العائلة تذهب إلى بعض المطاعم أو النوادي الفاخرة، وكانت قليلة جدا في ذلك الوقت – نهاية الثمانينات- لم ترغب باصطحاب جدتي بملايتها السوداء معها، بحجة أن تلك الأماكن غير مناسبة لها، ومن جديد تحزن جدتي، وهي لا تفهم لماذا لا يناسب لباسها الذي ارتدته طيلة حياتها، الأماكن الجديدة والجميلة التي تزورها العائلة. لم أكن أحب حجاب والدتي وخالاتي، لكنني عشقت ملاية جدتي، وتضامنت معها بالبقاء بصحبتها في المنزل.

كان الأمر مختلفا حين اضطررت بنفسي لتجربة الغطاء الأسود من قمة الرأس وحتى أخمص القدمين، وكان طولي حينها بضعة أشبار وأكاد أكون غير مرئية لنحولي وصغر قامتي، أو هكذا أتذكرني الآن.

يومها قالوا لي في المدرسة إن علي أن أرتدي العباءة والنقاب كبقية التلميذات. كانت المدرسة في الرياض حيث قضيت طفولتي المنقبة، الخالية من كل فرح أو إثارة. وكان الرجل المسن الذي يحرس البوابة يمنعنا من الدخول أو الخروج بغير ذلك، وما كنت لأخالفه وأنا أعتقد أنه هو صاحب القرار، وكان قادرا على إخافتي أكثر من الأبلة فوزية الشريرة التي اعتادت تعذيبنا بعصاها الغليظة.

أذكر حتى الآن طعم الذعر الذي ينتابني عند إرخاء الغطاء على وجهي وكيف كانت الدنيا تعتم في عز نهار حارق وكيف كنت أعجز عن التنفس. عرفت لاحقا أن السبب يعود إلى ضعف بصري من جهة والتهاب الجيوب من جهة أخرى، لا لأنني مولودة للضوء ولا أتنفس إلا حرية كما اعتقدت وجيزاً!

وأذكر كيف أن خوفي كان يزداد بسبب بروز نظارتي الطبية من تحت النقاب الذي لم يكن يشتمل على فتحتي عيون، فما أن أتلمس نظارتي من فوق القماش حتى أصاب بالدوار متخيلة أن وجهي قد نتأ فيه جسم غريب.

لذلك، كنت ما إن أخطو بضع خطوات بعيدا عن جدار المدرسة حتى أخلع عبايتي ونقابي وأستمتع بنور الشمس الحارقة من جديد في الطريق إلى المنزل.

لكن الطامة الكبرى كانت ذات يوم، حين تحررت من نقابي وذهبت مع والدي لاصطحاب أختي الكبيرة من مدرستها الثانوية. سمعتها تناديني من بين فوج الطالبات المتدفقات بالأسود من باب المدرسة، فهرعت إليها وأمسكت يدها، أحث الخطى لتلحق خطاها وأنا أتحدث بقصصي السخيفة حول ما حصل معي في المدرسة أو ما اخترعته منها. وحين أمسكتني يد من كتفي وشدتني إليها وكلمات التأنيب تلاحقني، إذا بها أختي التي أخطأتها. جميعهن متشابهات، ما ذنبي أنا؟! لكن ذلك لم يغفر لي تلقي عبارات السخرية والتهكم من إخوتي. هم اتهموا غبائي، وأنا ما فتئت أقول لهم عبثا، لكنهن متشابهات...

الجسد المفشكل الذي لم يكن يتعدى بضعة أشبار كان قد بدأ يكبر ويزيد من قهري. فالقوانين كانت ستنتقل من المدرسة إلى الشارع قريبا. وكنت أرى اليوم الذي أنضم فيه إلى عالم الحريم على بعد خطوات.

قاومت ما استطعت بحدود ما أسعفني به خيالي. لم أرتد إلا البنطلونات، ولم أطل شعري أبدا، ولعبت الفوتبول مع أخي في مدخل البناء، وتقبلت برحابة صدر تساؤلات أو تعليقات زميلاتي ومدرساتي الساخرة، أنت صبي أو بنت؟

أغبياء جدا كانوا... طبعا أنا صبي!

جاء الفرج وعدنا نهائيا إلى دمشق. عدت بجسد ملتبس على أن أحدد هويته لاحقا وفقا للظروف، التي لم تتغير كثيرا رغم أنها تغيرت كثيرا! في دمشق لم أعد أرى النقاب في حيّنا الجميل الراقي حيث كنا نعيش، حتى الملاية العزيزة على قلبي، رحلت مع رحيل جدتي. وكان من الواضح أن قوانين العائلة الكبيرة حينها تقضي بأن الفتيات لا يرتدين الحجاب قبل الزواج. اختلف الأمر الآن، حيث يندر وجود صبية في العائلة الكبيرة غير محجبة. لكن بالمقابل، وجب علينا نحن الصبايا الصغيرات، أن نتباهى بهذا الكشف للأجساد الغضة الجميلة – لم يكن جسدي أحدها- وأن نعاملها بكثير احتراز واحتراس واهتمام، تحضيرا لمرحلة لاحقة يفترض أننا ننتظرها جميعا.

لسوء الحظ، لم أكن من بين المنتظرات. ولم تتوفر لدي وسيلة مقاومة أخرى غير مراوغة جسدي من جديد، والدخول معه في صراع مرهق لنفيه خشية أن ألقي عليه القبض متلبسا باحتمال الاندراج في قائمة الانتظار. هناك حيث جميع الأجساد متشابهة... حتى أكثر من صاحبات النقاب الأسود في قصة"أختي والمدرسة"!

في المدرسة، كانت تنقلب الآية. بدل النقاب والعباءة في الرياض، وبدل تجهيز الجسد بغرض أن "نفرح فيه" في دمشق، وجب أن أرتدي "بدلة الفتوة" والحذاء العسكري، وأتأبط بندقيتي إلى ساحة الوغى في حصص القومية والتربية العسكرية. ومع أنني كنت أتحلى بروح "ثورية" وأؤيد "قضايا" الأمة بشدة، إلا أنني كنت على استعداد للالتزام بها بدون ارتداء لباس الفتوة الذي طالما بدا لي ثقيلا وسميكا ويعيق هرولتي باتجاه المعركة.

بدا كل شيء غريبا عندما كنت في الرياض، ثم عندما جئت إلى دمشق، ثم عندما دخلت مدارسها للمرة الأولى. وكأن الحياة الطبيعية الوحيدة لا توجد إلا في مخيلتي، وأني أشعر بوجودها لكن حتى لا أعرف ماهيتها. وكلما زادت حيرتي، ازداد غضبي على جسدي الذي لا يقبل سلطة الآخرين عليه ولا يقيم اعتبارا لسلطتي، وكأنني أنا التي فرضت عليه وليس العكس! جاحد...

الاختفاء كان علاجا أشبه بحبة الهلوسة. تواطأنا على الاختفاء سوياً، فلا يؤرقني وجوده ولا يشعر بوجودي. بالتأكيد لم أعلم أبدا كيف كان الآخرون ينظرون إلي... فأنا مختفية أصلا...

مع الوقت نسيت لعبة الاختفاء كلها بفعل الاعتياد. ولم أكاشفها لاحقا إلا أمام محكمة أمن الدولة، حيث كنت ألتقي بعشرات النساء المنقبات بالكامل ينتظرن محاكمة الأزواج على خلفية إسلامية. الأغلبية العظمى منهن كن قادمات من أرياف المدن، حيث انتشر هذا النوع من النقاب منذ أواخر الثمانينات، وهو لا يشبه النقاب الذي عرفته في طفولتي ملازما للعباءة، ولا نقاب بعض الأرياف الأخرى الذي يتمثل في ربط المنديل فوق الفم أو فوق الأنف بدبوس كبير ومخيف في احتمال اندساسه خطأ في فتحة عين أو أنف. هؤلاء النساء غالبا لا يلبسن "البانطو"، وإنما "الكاب" الأسود الطويل حتى الكاحلين. ويسدلن على الوجه منديلا لا تظهر منه حتى العيون.

كان المشهد يربكني، فكل هذا السواد من حولي يجعلني مرئية بشكل لا أستطيع مواربته. وفي المقابل لا أتمكن أنا من تمييز سيدة من أخرى رغم التقائي بهن مرارا وتكرارا، ولأن الأسماء تغدو متشابهة بدورها في ظل عدم وجود وجه أو لون بشرة أو عيون تميز أصحابها.

مع الوقت، ولم يكن قصيرا، تعلمت أن أميز الأصوات، ثم أسلوب الشكوى والحسرات وطرح الأسئلة. وحين أتيح لي في مرات قليلة أن أنظر إلى الوجوه تحت النقاب، بدت مألوفة لي وكأنني عرفتها دائما.

لم تعد المنقبات لقبا يضم قبيلة من الكائنات المعنفة أو الأصولية. بل نساء مثلي تواطأن على التخفي مثلما فعلت. قرار نزع النقاب أو إنهاء حالة التخفي، لن يكون بهذه السهولة، بقرار حكومي أو حتى ذاتي.

في الحقيقة، لم أكن أعلم أنني سأحتاج إلى جسدي، حين قررت الالتحاق بدروس التانغو والرقص اللاتيني، أنا التي طالما تساءلت لماذا تتحرك ذراعي إلى الوراء حين يفترض أن تلوح للأمام، وما كانت الصدفة لتجمعني بجسدي لأكثر من ثلاثة عقود حتى أدعوه أو يدعوني إلى رقصة أيا كان نوعها.

المناسبة التي دفعتني إلى هذا "العالم" كانت فيلماً راقصا صدف أن شاهدته وأعدت مشاهدته نحو عشر مرات، حتى تيقنت من أنني أشكو غياباً ما، وأتوق إلى ذاك الحضور مع الاحتفاظ بإحساسي بأنني "خفيفة" رغم جسدي.

دروس الرقص الأولى كانت أكثر من مخيبة. ليس فقط أن أستاذ الرقص كان يتعامل مع أجسادنا كأرقام في معادلات رياضية. لكن أجسادنا أيضا كانت تتعامل مع الرقص كدرس إملاء. الخبر السار الوحيد كان عدم وجود فرق بيننا، معظمنا على الأقل، مع اختلاف الأعمار والبيئات وقدرة الأجساد على إتقان الخطوات والتمايلات، حياة كاملة من المختفين... ذكورا وإناثا لا فرق... أية سعادة..

كأن أرض الصالة كانت تشدنا جميعنا إليها بحيث تصبح فكرة "الإمساك بنجمة" عبر الرقص مسألة مستحيلة لأسباب تتعلق بعلم الفضاء والفيزياء... وليس لأسباب أخرى رومانسية!

وبينما بالكاد يحسن أيّنا التفاهم مع جسده، وجب أن نتعامل مع أجساد أخرى بتناغم وتناسق... وبدل الشريكين في الرقصة الواحدة، كان هناك دائما أربعة كائنات تتنازع الموسيقى وأرض الصالة وتعليمات الأستاذ لتنتهي الأمور بفوضى كاملة. لم يخبرنا أحد أن خطوة مهمة لا بد أن تسبق خطوة الرقص مع شريك.

واليوم، بعد نحو سنتين من بدئي دروس الرقص، أحرص كل مرة على دعوة جسدي بلطف إلى مشاركتي الرقصة؛ ولا يزال في معظم الأحيان يحرن أو يتجاهل أو يعنّفني على زجه في ما يعتبره عالماً دخيلاً على نقابه... لكن اللحظات القليلة جدا التي حظيت فيها بفرصة التواطؤ معه على رقصة جميلة، تدفعني للاستمرار بالتجربة طمعا بلحظات مماثلة أخرى.

وتحضرني من جديد أصوات المناهضين للنقاب والمدافعين عنه باستماتة. كيف يستطيع الجميع أن يكونوا على يقين صاف بهذا الشكل؟ أنا لا أستطيع على صعيد نقابي الشخصي، فأترك هامش المناورة لنفسي واسعا...

المنقبات لسن قضية أحد. النقاب هو القضية. وهو ليس قضيتي... فلو قررت النساء جميعا غدا ارتداء النقاب، أو قررن نزع الحجاب كله، لن أستيقظ لأجد نفسي في جسدي كما ينبغي أن أكون. ولا هي، ولا هو...لا زالوا يناقشون ما إن كان النقاب حرية أو عنفا أو أصولية، فيما لا تزال صالة الرقص فارغة، لأن أحدا لا يتمكن من الاستماع إلى الموسيقى ها هنا.


* كلمن
عدد 1، خريف 2010

.

daily1.489712.jpg


.
 
أعلى