عدنان أبو زيد - تشكيلٌ يفتح نوافذ العري في المجتمع المحافظ

إباحية الفن بحث عن اللذة في الفعل الإنساني
وجه أمراة وادعة تعلوه ابتسامة غامضة.. كان اللوحة الاشهر في تاريخ الفن بلا منازع، انها لوحة موناليزا أو الجيوكاندا للفنان ليوناردو دافنشي. ولكن لم اكتسبت اللوحة هذه الشهرة العارمة..؟ الأنها حفظت بصمات دافنشي الخالد، أم ان الاغراء الانثوي المتمثل في وجه امراة كان مهما جدا لتاكيد العلاقة الجدلية بين الجمال والفن. وفي احايين كثيرة اصبحت هذه اللوحة ثيمة لمعاني ايروتيكية فاجريت تعديلات، للوصول الى قيمة جماعية اكثر اغراءا واعمق متعة عبر انسنة ملامح موناليزا وتغيير مسحتها الميثيولوجية واخضاعها للرغبة التلقائية لدى الفنان القابع في داخل كل رجل في ان يرى اللذة التي هي قيمة مهمة يسعى اليها الكائن الحي تتجسد في الجسد الانثوي الذي هو مركز جمال الكون كما يقول بيلوتس.
كانت الاثاره الجنسيه في الفن اثرا مهما اكتشف في المدن القديمة مثل بابل وبومبي حول خليج نابولى. فعلى ضفاف هذه المدن وجدت اثارا اروتيكيه للفن في هيئة نماذج جصيه ورموز، ونقوش اباحية.

الثورة الجنسية
ودلت الاثار ان الأعراف الجنسيه القديمة للثقافة كانت اكثر ليبراليه من معظم الثقافات في الوقت الحاضر.فالجدار الجصي الذي رمز الى إله الجنس والخصوبة صاحب القضيب الطويل للغاية، يوضح بلاشك قدم ايروتيكية الفن المختلطة بالسحر والعبادة وغريزة البقاء.
وفي عام 1819، زار الملك فرانسيس الأول معرض المتحف الوطني الذي ضم اثار بومبي نابولي، مع زوجته وابنته، لكنه سرعان مااصيب بالذهول والخجل امام الايروتيكية والعري التي تضمنتها اللوحات، وبسبب الاباحية المهولة اغلق المعرض مدة 100 عام، حتى حدثت الثورة الجنسية.
ولعله يصح دائما ان جمالية الكون حين تتهادى امام العين تختصر في تضاريس امراة، غير ان الرجل يستطيع ان يمسك بالجمال الانثوي، وان يمتلكه في حين يبقى الجمال الكوني مجرد بصرية غير قابلة الامساك، بمعنى ان متعتين هما البصرية والغرائزية تكتملان او تختلطان في جسد المراة حين يتحد في الرجل، وهو ايضا شعور بالقوة حين يستطيع الانسان الامساك بالجمال ماديا لابصريا في الافق فحسب، لهذا السبب يرى مؤرخ الفن الهولندي يان دو هوند ان الجنس كان مهما في اللوحة الاستشراقية لانه جعل الاوربي يتلذذ باكل فاكهة الصحراء وهو الجسد العربي، فاللوحة الاستشراقية في اغلبها تحتوي خلفية فضائية من رمل اصفر وسماء زرقاء، اضافة الى ان الاوربي كان يهرب من محيطه المكبل بقيود الدين والاجتماع والذي كان موئلا للقمع الجنسي الى الشرق الذي كان اكثر انفتاحا على عكس مايحصل اليوم، حيث الشرق يكتض بالحريم، بينما الغرب ينطلق الى غير ذلك.
ويقول هوند ان اغلب اللوحات الان في اوربا يطلق عليها بصورة متداولة غير رسمية على انها لوحات مومسات الشرق، فكان سحر الشرق يتمثل في الحرية الجنسية والراقصات وحريم الف ليلة وليلة.

المستمني الكبير
واذا ابتعدنا الى الامام تاريخيا نرى ان إيروس - رودان وبيكاسو تناولا العري كثيمة تشكيلية وتذوق بصري، بينما انطلق أوجست رودان في انشغالاته الجنسية محاولا تجسيد اللذة عبر الخط واللون.
احدثت لوحة "المستمني الكبير" لدالي انعطافا جديدا في كيفية تفسير الفعل الايروتيكي الذي تجسد في اللوحة عبر كتلة جسد هلامي وخلفية هشمتها رغبة وجودية، ليشكل المنظر ارادة شبقية جمعية، تتمثل في تحدب ذكري يمنح وقعر انثوي يستقبل اويستوعب وحشية الجوع الى الجمال.
وفي عام 1875 كانت ثمة صور لنساء عاريات، عرضها ماكارت ولينباخ وكانت عبارة عن فتيات موديل عربيات يسرن عاريات، وفي اوضاع جنسية تجسد العري والشبق الجنسي.
كانت الانوثة العربية بالنسبة للرسم الاستشراقي موضوعا جديرا بالتدوين، فرسم إدوين لونغ في سوق زواج بابلي،نساء معروضات للبيع لمن يشتري، ورسم جون ليون جيروم وفيرينتش أيزنهوت أثداء مكورة وناضجة لنساء شرقيات عاريات احاطت بهن اصابع تجسد جوعا جنسيا وارادة خشنة لمسك حلمات ناعمة.

الفن والحشمة
ومهما حاولنا التمسك في اننا امة غارقة في الاحتشام فان تاريخ الفن لايعكس ذلك لانه يفتح نوافذ العري في التاريخ العربي على مصراعيها. فالتمعن في لوحات المستشرقين وقصائد الشعراء (لسنا بصددها) يوضح ان الحياة الجنسية وما يتخللها من متعة وشوق وايروتيك، مانفكت تشكل موضوعا حياتيا دائب الحضور على رغم الانكار.
ويرى هوند ان الاحتلال الاجنبي للدول العربية جعل الافعال الإيروتيكية امرا شائنا بسبب الانهيار الاجتماعي والشعور بالنقص امام الالة الغربية.
ولهذا يرى هوند ان الفكرة الاباحية العربية التي اباحت الجنس وتعاملت معه كحاجة طبيعية في الماضي انحسرت تماما امام الشعور بالنقص وتصاعد المد الديني. ويقول ان ذلك حدث ايضا في مواقف الكوريين الجنوبيين نحو الجنس بشكل ضخم حين غزاهم اليابانيون وصعود المد الكونفوشي في آسيا.

المفاحشة والفن
كانت المفاحشة جزءا من الفعالية الاجتماعية والفنية العربية، ولو انتج العرب اللوحة الفنية ومارسوا الرسم والتصوير لانتجوا اعظم اللوحات الايروسية عبر التاريخ لكنهم امة شعر وكلام، لهذا انحصرت المفاحشة في اللسانيات وفي الادب والشعر، فكان لعضو الرجل أكثر من 150 اسما ولعضو المرأة كذلك. ولو رسم العرب اللوحة لرسموا اوضاعا جنسية كثيرة ودليل ذلك اسماء الاوضاع الجنسية بالغة الكثرة، بل ان العرب دونوا وصنفوا حتى الأصوات التي تصدر بسبب احتكاك الأعضاء الجنسية.
وعلى رغم المفاحشة التي دونت في كلام وليس صورة فان العرب نظروا الى المراة في اللوحة على انها عورة فسعوا الى تغطية بدنها، وأن تتبرا من الشهوات، ولهذا كان من غير اللائق اظهار الجمال والجسد على مستوى البصر في حين ان ذلك كان متاحا لفظيا او لسانيا في الشعر وغيره من فنون الكلام. وبسبب عدم اتقان العرب التخطيط او الرسم، انتقل ايروتيك اللفظ الى التخيل الذي كان سيبتكر لوحات خالدة لو مسك العرب الريشة، لذا جنح العرب من ممارسة الرسم على المادة الى الرسم الوهمي في الخيال، ولعل ذلك يفسر نتائج دراسة برهنت على ان ثمانين في المائة من نساء المجتمعات المتزمتة يتخيلن أنفسهن في أوضاع جنسية مع آخرين، وكذا يفعل الرجال ايضا.

نساء عاريات
وليس ثمة شك ان اللوحة الايروتيكية من المحرمات في المجتمعات العربية والاسلامية، ومثلما لجأ الشاعر الى الترميز بسبب الاضطهاد السياسي، فان رسامين لجأوا الى ذلك ايضا هربا من الرقيب الاجتماعي والدينى، ففي اندونيسيا اقتحم 250 شخصًا من أتباع الجبهة الدفاعية الإسلامية FPI معرضا فنيا لاحتوائه لوحات لنساء عاريات. وكان على ضوء ذلك ان ناقش البرلمان مسودة قانون خلافية تتناول التصوير الإباحي.
ان اخضاع اللوحة العربية لتلك المحددات جعلها تركز موضعها في اعمال بدت عادية وتلقائية غير ثائرة، وقلما تجد فنانا عربيا ثار على التقاليد الفنية على عكس الشعر، حيث نجد كثر من الشعراء الثائرين الذي تمادوا حتى في ايروتيك القصيدة، ولاغرو في ذلك لان اللسان العربي اقوى من ريشته على مر العصور. واذا اخذنا فنانا ثائرا صاحب خيال خصب وواسع مثل الفرنس بالتوس الذي رسم جسد الانثى بطريقة مغايرة لما تصوره العين، مجسدا الجمال في حركة المرايا الخارجية وايقاعها الداخلي، فقد فتن هذا الفنان بالجمال واخترع تفاصيلا جمالية باهرة في الامتاع. وميزة بالتوس انه حين يفكر يرسم، بمعنى ان لوحته فكرة تتجسد ماديا، وحين يرسم جسد المراة، يفصله الى ادوات ونوافذ لكل منها وظيفته الجمالية.

التحريض على الجمال
تعد روزماري تروكل من أهم الشخصيات في الحركة الفنية المعاصرة في المانيا. وترى ان شهرتها الواسعة اقترنت بكونها امراة ترسم جسدا انثويا شبقيا، وفي فلسفتها ان الانثى مركزا للذة الارض، نعم الارض لانها انثى.
وفي نظرها ان ماكنة الفن يجب ان تنتج التحريض على الجمال وتزيح الحجاب الذي يحيط بمراكز اللذائذ. لا سيما بالنسبة للمرأة، فهو موضوع محوري في عملها.
رسم ايغون شيلة النمساوي (1918 - 1890) باسلوبه التعبيري لوحات ايروتيكية مهمة، وكانت الاوضاع الجنسية مقدسة في لوحاته حيث عدها تشكيلات لاتاتي بالصدفة لان الجمال الانثوي عبارة عن قطع لذة متلاصقة، فهي كقطع السيراميك، تنتج الهارموني مهما اختلط ترتيبها.
اما الفريد كوبن (1877-1959 (الرسام والمصور والكاتب، فقد كان تعبيريا مذهلا حين يرسم الانوثة، ولوحاته عبارة عن حرب او صراع جنسي، فهو يرسم النساء خاضعات لجبروت اللذة، مرتجفات امام رجال يكشفون اعضائهم التاسلية في لوحاته، وهم رجال تبدو اعضائهم التناسلية متوترة وضخمة دائما.
وهذا الرسام التشيكي الاصل، درس في اكاديمية ميونيخ. وانتج عددا صغيرا من اللوحات في السنوات ما بين 1902 و 1910، ولكنه تالق عبر منح اللذة الجنسية مساحة اكبر في لوحاته عبر تقنيات الحبر والالوان المائية والطباعة الحجرية.

سهول الجنس الواسعة
يستوعب مارلين دوما (ولد في عام 1953 في كيب تاون، جنوب افريقيا) المراة في لوحاته كمادة مانحة للذة، فيبرز المفاتن الانثوية بصبغات مائية، مستعملا قطعة قماش تمسح الغبار عن الجسد، ويقصد في ذلك انه يجعل قطعة قماش تمتص الالوان التي تزرع في سهول المراة الواسعة. ودوما التعبيري الذي يهاجر لاحقا الى هولندا انجز مايسميه علاقات غامضة بين الفن واناث الاشياء هكذا يسميها، فهو يرى ان كل مثير جمالي هو انثى، يحتاج الى افكار ومواد وممارسات اباحيه للتعبير عن ذاته.
وولع الفرنسي الانطباعي ادغار دغاز (1917- 1834) برسم الراقصات وكانت حركاتهن في لوحاته مدعاة للسؤال عن الافكار الجدية في الرسم الي يطرحها ادغار، وحين رسم (أمراة الاقحوان 1865)، و(بائع قبعات النساء 1882) اكد اسلوبه الانطباعي الذي رفض ان يصنف فيه لانه يصف نفسه واقعيا. لم يصور ادغار متاهات الجسد فوتوغرافيا، بل تخيلها كخطوط سوداء رقيقة تحاصرها بقع لونية، فرسم في اكثر اعماله الرقصات، ورسم نساء عاريات، وكان يرى انه مثلما نعشق الازهار فان الجسد الانثوي عبارة عن زهور شهوانية، تروي في العقل الباطن التوق الى التعبير الجنسي وافراغ الشهوة في لوحات، فليس بالضرورة ان تكون طريقة التفريغ عن طريقة ممارسة الجنس بل عبر مشاهدته واقتنائه ايضا.

العري الباريسي
الرسام والنحات الإيطالي اميدو موديلياني مبدع تشكيلات الاقنعة الافريقية والبداءية، ومسلط الاضواء المتكسرة بالظلال على اجساد النساء، كانت محروما من الجنس الجذاب والاستثنائي كما يقول لانه كان يعاني من الالتهاب الرئوي والسل، وحين غادر منزل الاهل كان عمره 17 سنة حيث التحق بدراسة الفن في فلورنسا والبندقية، كان اكتشف حين انطلق وحيدا في هذا العالم ان اجمل بقعة في الكون هو جسد المراة ولاسيما المراة التي تحب، انه نقطة عليا لبلوغ ذروة الاحساس بمتعة الجمال واهمية العالم.
وحين وصل عام 1906 باريس حيث التقى بيكاسو، اوتريللو، بدا تكعيبيا معتدلا (امراة يهوديه، 1908). لكن شرع بتلقي شخوصه في الرسم من نساء الليل الباريسي، المختلط بالكحول والمخدرات، والقفز من حب الى آخر. كان يقول انه ريشته مفتونة بالعري الواعي، العري الباريسي، فرسم اجمل لوحاته لنساءعاريات بريشة تتدفق من الشهوة كما يعبر هو عن ذلك. لوحته " لاعب الكمنجه الكبيرة "، كان معجونة بالشهوة واللون والفرشاه، وحين اتعبه ليل باريس قال انه عائد الى حضن امه، فلم تعد رئتاه قادرتان على مقاومة الكحول والمخدرات، لكنه ظل مبهورا بالانثى عبر لوحات العري التي لازمت ريشته طيلة حياته الفنية.

الرسام الالماني فرانس ستوك(1863- 1928)
المنجذب مبكرا الى الرسم و الكاريكاتيروالمولع بالاساطير، هيمنت رموز ايروتيكية على الكثير من لوحاته، فرسم الجانب المثير والشهواني في الجسد، كما في لوحة (الاناث العراة)، وكان دائم البحث في الجسد عن معنى جديد يصلح موضعا للوحاته، وهذا الفنانا الذي عشق ميونيخ كان يتخاذل اما العري وتصاحبه نوبية الابداع الواعي كلما تمعن في امراة جميلة.

اللوحة العربية
ان اغلب فناني الغرب، اكتشفوا ابعاد الجسد الانثوي وقاسوا ابعداه، والامر ذاته بالنسبة لفناني الشرق والعرب منهم، وكل منهم استلهم ثقافة مجتمعه في رسم اللوحة،فما يحدث في المجتمع يعبر عنه في اللوحة، غير ان الفنانين العرب الذين استطاعوا فك الحجاب ورسموا الانثى كجسد، قلائل، ذلك ان المراة في لوحات الكثير منهم هي جزء من الموضوع السياسي والاجتماعي الذي تحمله اللوحة، ومثلما ضرب الحجاب والحاجز على الانوثة، غرقت اللوحة العربية في ضبابية واضحة غير متميزة في معالجاتها الايروتيكية.


* عن إيلاف

.

13.jpg
 
أعلى