محمد نجيم - ابن هذيل الأندلسي يرحل في تفاصيل الحسن والجمال

أقدم الباحث المغربي المُتخصِّص في أدب الرحلة والأندلسيات الدكتور أحمد بوغلا على تحقيق رائعة من روائع التحف الأدبية التي خلفها لنا علي بن عبد الرحمان بن هذيل الأندلسي الذي عاش في النصف الثاني من القرن الهجري الثامن، ويُرجح أنه ولد سنة 728 هجرية، وقضى حياته في غرناطة النصرية خلال فترتي الأميرين محمد الخامس ومحمد السابع.
وتتجلى قيمة الكتاب الصادر عن «دار أبي رقراق» في المغرب، إلى جانب كونه يضع معايير ومقاييس صارمة تخصُُ جمال المرأة وتُحدِّد صفات الحسن والجمال. ويطرح المؤلف في كتابه تصوراً عن المعرفة الجمالية العربية بجسد المرأة. لكن المحقق يتساءل: عن أي جمالية يتحدث الكتاب؟ هل عن جمالية مؤسسة على وعي تتحكم فيه معايير مُنضبطة، وتتداخل فيه تصورات متكاملة عن الإنسان والكون أم جمالية انطباعية مبنية على الذوق والنزع الشخصي والنزع الشيطاني؟

الحسن هو تناسب الخلقة والخلق
يقول محقق الكتاب «إن الأمرَ لا يعدو أن يكون مجرد همْس بجمالية انطباعية تعني ممّا تعنيه، ملامسة واقع حسي مأخوذ في مظهره العابر، حيث تسيطر النظرة الهندسية في تعريف الجميل، بعيداً عن أي نظرة عقلانية، نظرة تجعل من جسد المرأة موضوعاً للذة لا ذاتاً إنسانية ( على الرغم من أن المؤلف في فقرات زهيدة من الكتاب يوهمنا بأن مفهوم الحُسن لديه هو تناسب الخلقة والخلق ) بشكلٍ يجعل هذا الكتاب انطباعات عيون ناظرة إلى أجساد بنات جلدتها النضرة.
ويلعب الوصف الحسي دور «الوسيط» بين الذات وموضوعها؛ إذ نجد أنفسنا أمام وصف متكامل،. جاء في بعض مقتطفات الكتاب، «وذكر أعرابي امرأة، فقال: مطلعُ الشمس مِن وجهها، ومُلقط الدر مِن فمِها، ومنبتُ الورد مِن خدها، ومنبع السحر من طرْفها، ومَبادي الليل من شَعرها، ومغرسُ الغصن مِن قدّها»، وتكثر المقاطع مثل هذه في الكتاب، حيث يقترب الوصف من الرسم التشكيلي أو الرسم بالكلمات، إذ يقدم ابن هذيل الجسد في صور مقطعية تتناثر عبر أبواب الكتاب أوَ ليس تاريخ الجسد هو تاريخ انشطاريته؟ لنتصور أن جسداً ينسل فخيطاً وينشطر عضواً فعُضواً، ثم يُستجمَع شيئا فشيئا لِيُحاك من جديد.
يرى المحقق أن ابن هذيل رحمه الله ينأى بنفسه عن كل وصف يدخله باب اللغو والفحش، كما أنه يعتمد فقط النقل، ويندب القارئ إلى إعمال حافظة التخيل، ويغرقه في السرد، مع استحضار أخبار العرب ومفاكهاتهم. وكما هي حال العديد من المؤلفات العربية القديمة نلفي في الكتاب صيغة لتوليد المعنى واسترسال الحكي، وهي عبارة عن سؤال أو طلب وجواب، من جاهل ببواطن جمال النساء إلى عارف وحاذق بذلك: فتحضر عبارات مثل: «صفي لنا… فأجابت»، و «سألتها عن … فقالت»، وهي صيغة حوارية مألوفة في المدونات الإخبارية العربية.
ولم تكن الحكايات والأخبار وحدها الصوت الطاغي في الكتاب، بل تجمّل هذا الأخر بديوان العرب.. الشعر، حيث استشهد ابن هذيل بأكثر من أربعمائة بيت شعري، مما يؤكد مركزية الخطاب الشعري ودوره في رسم الصورة الجسدية المثلى. هذا ناهيك عن استشهاد ابن هذيل بآيات من القرآن الكريم وبأحاديث نبوية سعياً نحو تعزيز وشد أزر خطابه بها.

مفهوم الجمال
يتأسس مفهوم الجمال عن ابن هذيل على عناصر ثلاثة هي: التناسب والاستواء والاعتدال؛ عناصر قد لا تبتعد كثيرا عن مفهوم الوسطية الشهير، كما أنها تجمع بين الأجزاء في إطار الكل. يقول ابن هذيل معرفا الحُسن: « الحُسن تناسُب الصورة، واستواءُ الأعضاء، واعتدال الحركات، وعذوبة الألفاظ، وفتور الألحاظ. فإذا كانت الصورة على أوزان معتدلة، ومقاديرَ معلومةٍ؛ فذلك الحُسن: « كما يتم، في هذا التعريف، تكريس عناصر أخرى ضمن إطار الجمال وهي الأوزان والمقادير؛ مما قد يعني تحجيم الجمال وتحسيبه ووضعه على المقاس. ويجعل عمدة الجمال ثلاثة أشياء: البياضُ، والشَّعر، واعتدال القامة. ويؤكد أن أحسن الحُسن ما لم يُجتلَب بزينة وتنميق، وتحلية وتزويق. وهو بذلك يضرب تجارة ( الماكياج ) في العمق.

صورة الجمال
أما إذا انتقلنا إلى صورة الجمال المجزأة فإننا نجد ابن هذيل يجدّ ويكدّ في رسمها على أكمل وجه، حاشدا عن أرباب ديوان العرب، مفسرا ما قد يستعصي على فهم القارئ. وقد خص ابن هذيل كل عضو من أعضاء الجسد بباب مستقل؛ ذاكرا صفاته المستحسنة، فمن أوصاف العيون الكحلُ وهو اسْودادُ الحدقة مِن غير كحل، والحَوَرُ وهو سعة الحدقة وشدة اسودادها، والبرج وهو سعة العين لِشدة ابيضاضها، والنُّجْل وهو اتساع العين مع حُسنها. ويُستحَب من الجبهة استرسالُها، ورقة بشرتها، وعدم تغضّنها. ومِن الشفاه الشفة اللمياء، واللِّمى مقصوراً سمرة، والشفة الظّمْياء، والضممى مقصورا سمرة يسيرة مع رقة وضمور. ومن أوصافِ الأعناق المُسْتحسنة التلعُ وهو إشراف العنق وانتصابه، والسطعُ وهو كناية عن الطول. أما المعصم فمن صفاته الخَدْل أي الممتلئ الريّان. كما تستحسن رقة الخصر واضطماره.
يقدم الكتاب طرائف وأمثلة تنهل من المجتمع الأندلسي الغارق في الترف والذكورية، فنرى المؤلف يقترب أيضا من الرجال ليمنحهم حقهم من «الوصف» وعمل على رصد التحولات العضوية والنفسية التي تعتري الإنسان وكمثال يقدم لنا الكتاب حكاية من التراث العربي.
يُعزر الكتاب، الذي حققه الأستاذ أحمد بوغلا فكرة اهتمام المسلمين بالقيم الجمالية، وإن كانت هناك ملاحظات ومناقشات حول شكل هذا الاهتمام وانتقائيته.
لقد وسم منهج الانتخاب الذي اعتمده المؤلف الكتابَ بغنى وتنوع وموسوعية؛ بشكل جعل الموضوع الواحد (جمال المرأة ) يُتناول عبر صيغ خطابية متعددة، ويظهر جسد المرأة ممزقة أعضاؤه بين غرب بلاد الإسلام وشرقها. ويوفر الكتاب ذخيرة لغوية هائلة بأسماء ونعوت وأوصافٍ لجسد لصيق بنا؛ وما أحوجنا إلى اكتساب هذه المعرفة التي تعزز قدراتنا اللغوية، وتجعلنا نعتز بهويتنا العربية.
في باب الحسن والجمال يقول بن هذيل الأندلسي: الحُسنُ تناسُبُ الصُّورةِ، واستواءُ الأعضاءِ، واعتدالُ الحركات، وعذوبةُ الألفاظ، وفتورُ الألحاظ. فإذاَ كانتِ الصورةُ على أوزان معتدلةٍ، ومقاديرَ معلومةٍ؛ فذلك الحُسنُ. فالحُسن والظرْف إخْوان، والمَلاحَةُ والجَمال صِنْوان، والشكل والبزاعة بَديعان إذا اجتمعا في صورة الإنسان. يصف ابن هذيل الأندلسي أنف المرأة بقوله «من أوصافها: الشّمَمُ وهو استواءُ أعلى قصبة الأنف، مع ارتفاع يسير في الأرْنبة، وهو مِن صفاتِ الجَمال، وعلامة السُّؤْددِ في الرجال.
ويصف الخدود بقوله:»من الخدود الأسْجمُ وهو المتسع. ضده السهل، وهو الذي فيه طولٌ يُستحسَن، وكذلك الأسيل».

.
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
أعلى