منقول - الجنس في كتب التراث بين التشجيع والتحريم

موضوع الجنس أحد أكثر المواضيع إثارة للجدل في مختلف البيئات الثقافية. وفيما تتنوع طرائق تناوله والتعاطي معه بحسب المشارب الفكرية، يشار إليه في العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة، كموضوعٍ الحديث فيه مشبوه. ولكن ما هي حقيقة موقف الشريعة الإسلامية من الجنس؟

عندما أتى الإسلام، حرّم بعض أنواع النكاح التي كانت شائعة قبله، وقنّن العلاقة الجنسية بعقد الزواج الذي نعرفه، مع أنواع فرعية منه، بحسب المدارس الفقهية، كزواج المسيار، وزواج المتعة، وزواج المحَلَل. لكنّ جميعها عموماً اشترطت العقد لإباحة النكاح، مع خلاف في ما بينها على تعريف “العقد” وشروط صحته.

الإسلام يشجّع على الجنس

إجمالاً، فإن ما يعرضه تاريخ المجتمع الإسلامي، منذ زمن الرسول، يوضح أن نظرة الإسلام إلى الجنس لم تعتبره “تابو” يُمنع الحديث عنه أو الاقتراب منه. وهذا ما دفع بالعديد من الباحثين المعاصرين إلى المقارنة بين الجنس في الإسلام كشهوة جائزة بل مقدّسة، وبين الجنس في المسيحية التي تتعامل مع الجسد باعتباره دَنَساً.

ويرى الباحث الاجتماعي إسحاق كنعو أن “المسيحية بُنيت على أن الجسد فانٍ، وهي لم تعطه حقّه، وقد جعلت سنوات المسيحية الأولى من الجنس رجساً من عمل الشيطان”. في المقابل، قال نبي الإسلام إن “في بُضع (جماع) أحدكم صدقة”، و”إن الدنيا كلها متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة”، و”النكاح من سنّتي، ومن لم يعمل سنّتي فليس منّي”. ويروي البعض عن النبي أنه قال: “لا تأتوا نساءكم كالبهائم، بل اجعلوا بينكم وبينهن رسول. قالوا: ما الرسول؟ قال: القبلة”.

وللتدليل على إيجابية تعاطي الإسلام مع مسألة الجنس، فإنه، برغم تحريمه التناكح في أوقات الصيام، أجاز ما دون ذلك من أنواع المداعبة بين الرجل والمرأة. وفي حديث رواه أبو داوود وأحمد والبخاري ومسلم، وغيرهم، قالت السيدة عائشة: “كان الرسول يُقبلني وهو صائم، ويمص لساني وهو صائم”. ومن هنا تساءل بعض الباحثين: إذا كان الإسلام يمنع التمتع بالجنس، أو أنه يُقصر العلاقة الجنسية على التكاثر، فلماذا يجيز المداعبة بين الرجل والمرأة في أوقات الصيام؟

ولم يتوقف الأمر عند هذا، بل تخطاه إلى غير ذلك، كمثل ما ورد عن أن امرأة جاءت إلى الرسول، تشتكي إليه من أن زوجها يناكحها إذا صامت في غير رمضان فيفطرها. وكان زوجها عنده، فسأله الرسول عن ذلك، فأجاب الزوج: “أنا رجل شاب لا أصبر”. فما كان من الرسول إلا أن قال: “لا تصوم المرأة إلا بإذن زوجها” (ينطبق ذلك على الصيام في غير رمضان).

الجنس في كتب التراث

في كتابه “الحب والجنس في الإسلام”، رأى فوزي محمد أبو زيد أن “الإسلام تناول موضوع الجنس بالوضوح الكافي والشفافية اللازمة، وما ترك فيه باباً إلا وأتمّ بحثه وبيانه لجميع أفراد المجتمع”.

في العصور اللاحقة على القرن الأول للإسلام، كان علماء المسلمين يتناولون في دراساتهم موضوع الجنس. بل كان بعض ملوك وأمراء المسلمين يطلبون منهم التأليف في الموضوع، فيعرضون لطرق الجماع وأوضاعه، أو لحال المجتمع مع الجنس، وأنواعه وطرائقه، الشرعية وغير الشرعية. هذا، ولفت العديد من دارسي التراث الجنساني في التاريخ الإسلامي، تصريح المؤلفين بالمسميات كما هي، دون مواربة، بصورة ربما يستعصي علينا أن نذكرها كما هي في الوقت الحالي.

كذلك تنوعت أساليب معالجة الموضوع ما بين الأدبية والعلمية. وكان أكثر ما لفت الانتباه، هو أن أغلب من خاضوا في هذا الأمر، هم من علماء الدين الفقهاء والمحدّثين، وكانوا يوردون في كتاباتهم القصص والحكايات والنوادر، فيفصّلونها، ويبوّبونها تبويبات منهجية، دون إطلاق أحكام. ومنهم عالم الدين الموسوعي الإمام السيوطي، وقاضي قضاة الإسكندرية التيفاشي صاحب “نزهة الألباب في ما لا يوجد في كتاب”، والعالم الأصولي ابن حزم الأندلسي، وعالم الدين وقاضي الأنكحة في تونس النفزاوي، والشيخ الأزهري يوسف الشربيني صاحب كتاب “هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف”.

وتعتبر الكاتبة سلوى النعيمي أن العرب هم الأمة الوحيدة التي تَعُدّ الجنس نعمة، وتشكر الله على هذه المتعة. إذ يستهل الشيخ الإمام العلامة سيدي محمد النفزاوي كتابه “الروض العاطر في نزهة الخاطر” بـ: “الحمد لله الذي جعل اللذة الكبرى للرجال، في (…) النساء، وجعلها للنساء في (…) الرجال”.

وذكر داود سلمان الشويلي في بحثه “الجنس في التراث العربي” أكثر من 195 كتاباً متنوعاً تناولت الجنس، وُضعت في عصور إسلامية مختلفة، من بينها كتب موسوعية كالأغاني للأصفهاني، والأذكياء لابن الجوزي، وطوق الحمامة لابن حزم، وفهرست ابن النديم، وبينها نحو 11 كتاباً للإمام السيوطي وحده. وأكّد الشويلي أن ما حصره لا يعد إلا جزءاً من مئات المصنفات في هذه المسألة.
هل الجنس في الإسلام تجربة روحية؟

ثمّة آراء إسلامية عدّة تعزز من فكرة اعتبار الجنس تجربة روحية. لقد وضع المتصوفة على رأس هرم الأولياء الصالحين “القطب”. وعندما يصف محي الدين بن عربي “القطب”، ينسب امتيازه عن غيره من العامة أو حتى الأولياء، إلى مسائل من بينها تجربته الروحية الخاصة في النكاح.

قال ابن عربي في كتابه الأشهر “الفتوحات المكية”: “يعلم (القطب) من تجلّي النكاح ما يُحرضه على طلبه، والتعشّق به. لا يتحقق قط بالعبودية في شيء أكثر مما يتحقق به في النكاح. لا يرغب في النكاح للنسل، وإنما يرغب فيه لمجرد الشهوة وإحضار التناسل في نفسه لأمر مشروع. فنكاحه لمجرد اللذة كنكاح أهل الجنة. وقد غاب عن هذه الحقيقة أكثر العارفين، لما فيه من شهود الضعف وقهر اللذة المغيبة له عن إحساسه، فهو قهر لذيذ. وذلك من خصائص الأنبياء. ولعلوّ مراقي هذا المقام، جهله أكثر الأولياء”.

.
 
أعلى