محمد بوزرواطة - الإيروتيكية في الرواية الجزائرية أو سيرة الكاتب على المكشوف

مُنذ أن كَتب الناقد السوري الراحل بوعلي ياسين، كتابه المشهور، »الثالوث المحرم في الدين والسياسة والجنس«، مُنذ أكثر من أربعين سنة، مُشيرا إلى تشابُك هذه الأطراف الثلاثة في لُعبة مُعقّدة تَحكمُها الأهواء والمصالح المُتضاربة، بين هذا الطرف أو ذاك، مُحللاً طبيعة البنيَات والأنساق التي يَرتَهنُ إليها المجتمع العربي، من خلال الذهنية البطريريكية المُتعالية التي ترتبط بالمال والجنس والسياسة، أي بما يخدمُ توجّهات العُصَب النافذة في النظام والسلطة، حتَّى استحالَ هذا الكِتابُ الصغير الحجم، الذي طُبع لأول مرة في دار الطليعة ببيروت العام 1973، إلى بيان أولي في مجال الدراسات الفكرية والنقدية التي اهتمت بموضوع جريء، قلَّما التفت إليه النُقاد والكُتاب، وبمثل هذه الجرأة والطرح التي أحرجت السلطات التي ضايقها فيما يبدو، مُؤلف الكتاب، فتعرّض تبعاً لذلك، لهجمة شرسة من طرف أصحاب الفكر الأصولي المنغلق والأصوات المتوارية وراء المصالح السلطوية الآنيَّة، التي أزعجَتها صراحة وجرأة هذا الكاتب السوري الشجاع.
ومن ثمة بدأت الكِتابات في هذا الاتجاه، على مستوى الإبداع الروائي، تقتربُ من هذا الثالوث المُحرَّم من خلال التوغل أكثر في مناطق الظل أو المسكوت عنهُ في حياة الإنسان العربي التي ظلت الكتابات الروائية تتناولُه من الخارج، بوصفه أداةً طيّعةً لخدمة القضايا الكُبرى التي كان بعضُ الكُتاب يَنشدونها، اتساقاً مع المَدّ القومي والناصري في فترة سياسية حرجة، كَثُرَ فيها الهُتاف والشعارات الصاخبة، على حساب انشغالات الفرد العربي البسيط وانسحاقه اليومي أمام شروط اجتماعية كاسرة، وفي ظل أفق مسدود لا يُبشر بالانفراج.

ولعلَّ روايات عربية قليلة، استطاعت الانفلات من سطوة هذا التوجه والاندراج الحقيقي، في صُلب الاهتمامات الحقيقية للشعب، من خلال المُلامسة الحيَّة لمشاكله الجوهرية، ومعانقة أشواقه الحميمية، وغرائزه المُكبّلة، قصد التطلع أكثر لامتلاك شروط أفضل للعيش والحرية. أسماءٌ كثيرة لروائيين جزائريين وعرب، استطاعوا اقتحام أسوار الثالوث المُحرم، غير هيابين من ردود الفعل أو من رقابة المجتمع أو السلطة، التي تعمل على كَبح أنفاس الحرية، وخنق أصوات المبدعين الحقيقيين والإجهاز على الرأي المُعارض والمُختلف. في هذا السياق، تُعدّ رواية »الخبز الحافي«، لكاتبها محمد شكري (1935-2003)، مؤشراً دالاً لرواية عربية استثنائية، من حيثُ تعاطيها مع موضوع الجنس، بطريقة فضائحية صادمة، عَرَّى فيها محمد شكري نفسه للناس، كما هي، واصفاً أسماء العاهرات، ممن كان لهنَّ حضوراً مؤثراً في حياته الجنسية معهنَّ في المواخير، في ذلك الزمن المنقضي من سيرته، إبّان الخمسينيات من القرن المنصرم، في مدينة طنجة، المدينة اللَّعُوب، والكوسموبوليتانية، المفتوحة على التجارة والفن والدعارة. لقد تعلّم شكري اللغة الجارحة في واقعه الفظّ، ومحيطه الأُسري القاسي قبل أن يتعرّف على اللغة المعبّرة، كما ذهب إلى ذلك الناقد المغربي الكبير محمد برادة.
وبالمقدار ذاته والجرعة ذاتها، تعرّض الروائي الجزائري رشيد بوجدرة (1941 -) في معظم رواياته إلى هواجس المرأة وحميمياتها الخاصة، كاشفاً من ورائها عن شبقيَّة الرجال ونزعتهم السَاديَّة وانفصامهم الحاد، حيّال المرأة، كجسد للامتلاك والمتعة. فمنذ روايته الأولى، »التطليق« (1969) التي صدرت في فرنسا، مُحققةً مبيعات كبيرة، ورافعةً صاحبها إلى مصاف الروائيين العالميين، هذه الرواية، تُعدّ انتهاكاً صارخاً لكل الأعراف والعادات القديمة الموروثة، لقد استطاع بوجدرة من خلالها، وباقتدار، عبر توليفةً رائعة، نسفَ كلَ الممنوعات المُتعلقة بالسياسة والجنس والدين، مُحطّماً سلطة الأوثان والأبويَّة المقيتة في شخصيَّة الأب المزوَاج، سي الزوبير، الذي يَتحكمُ بقوة في رقاب ومصائر أفراد العائلة بشراسة وبقبضة من حديد، غَير أن مُشاكسات البطل رشيد وعشيقته سيلين وشقيقه الشاذ زاهر، ترُدّ على همجية الأب، بعنف مضاد لا هوادة فيه، مُستنكرين جبروته ونزواته النسائية المتعددة مع النساء اللائي عرفهنَ من خلال سفرياته التجارية الكثيرة عبر العالم، فهل يؤشرُ بوجدرة من خلال »التطليق« بسقوط وتهاوي عالم قديم، ونشوء مجتمع وإنسان جديد يقطع الصلَة مع الموروث والقبيلة ؟

هذا ما تحاول مُقاربته رواية »ألف وعام من الحنين« (1979) عبر تعاطيها مع الجنس بجسارة وجرأة نادرة يتماهى فيها الجنس مع السياسة، إلى حدّ الهلوسة وسط عالم شهواني يعيش كافة المُفارقات والمُتناقضات، فعبر مملكة اليمامة في احد الأقطار العربية، التي يزورها وفد سياحي، لإنجاز وتصوير فيلم سينمائي، تجري أحداث هذه الرواية التي تمتدّ لسنوات تتجاوز الألف سنة، يستحضرُ فيها بوجدرة الكثير من الحكايات الباذخة، التي تؤطّر مجتمع المملكة المخملي، الذي يعيش على اللهو والمجون والعاهرات، اللائي يستقدمهنّ أُمراء المملكة من الخارج، لتعليم النساء فنون النكاح، ينطلق رشيد بوجدرة من حكاية »مسعودة« عديمة اللقب وابنها محمد واخوته البنات التسع العوانس، في مُجتمع يُمارس عليهنَّ كل أشكال النفاق والرذيلة، لتنتهي الرواية بحالة هيجان قُصوَى، وعنف وغليان جامح لدى الرعيَّة، التي تتأفّف من السلوكات المُشينة للأمراء، فتقرر إحداث القلاقل وأعمال الشغب، للحدّ من استهتارهم وعبثهم بمصالح وشؤون المملكة، وعلى رأسهم الأمير بندر شاه. تبدو هذه الرواية، في غاية من الإتقان والبراعة والجرأة، في تصديّها المُثير للجنس كركيزة وخلفيّة، لإدانة مجتمع بأكمله يعيش حتى العنق في أغلال اللذّة، ومَهاوي المُتع الحسيَّة والمجون.

الروائي الراحل عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996) لم يشذ هو الآخر عن مقاربة هذا الموضوع برؤية نافذة، تنسجم مع موقفه الصريح، الداعي إلى تَطارُح هكذا قضايا حميمية، بشكل وَاع يجعلنا نخرج من الكثير من العُقد، التي تُعيق مسيرة مجتمعنا نحو النهوض والاستمرارية، فعبر التقاطه المحتشم لمشهد جنسي بسيط في روايته الأولى »ريح الجنوب« (1970)، التي يُصوّر فيه محاولة تحرّش فاشلة، يقوم بها الراعي رابح، للبطلة نفيسة، التي تُواجهه بأقذع الصفات وأشنع العبارات. يعود بنا عبد الحميد بن هدوقة، بعد نضوج في الرؤية وتَبصّر عميق لهذه المسألة الحسّاسة، ناظرا ًإلى العملية الجنسية، كأي عمل آخر يقوم به الإنسان ولا ينبغي الحطّ من شأنه، هذا ما تعبّر عنه رواية »نهاية الأمس« (1975)، ضمَّنها مشاهد جنسية، ساقها المؤلف بشكل مدروس، يتطلّبه البناء والنسيج الروائي، ولم يكن مقحماً على نحو يثير غرائز القارئ أو يدعوه إلى النفور.
في هذا السياق يقول الكاتب في أحد حواراته حول تعاطيه لمسألة الجنس، عبر هذه الرواية تحديدا: »لقد أعطيت ثلاثة نماذج للعملية الجنسية نفسها، بُغية أن أقول: إنها في حَدّ ذاتها، كأي عمل آخر، لا تمثل خيرا أو شرا وإنما وضعها في إطار مُعيّن هو الذي يجعلها خيرا أو شرا ويُعطي لها صفة الايجابية أو السلبية. إن »رُقيَّة« في »نهاية الأمس« وفي لقائها الأول ليلةَ زفافها مع زوجها البشير وجدت في هذا اللقاء، ألذَّ ما يُمكن أن يُتصوَّرَ من متع… وفي حلمها وجدت في لقائها الجنسي أبشع ما يُمكن أن يشعر به المرء من سخط وتذمّر«.
تبدو إذا، وممّا تقدم أن السيرة الروائية للكتّاب العرب، هي أكثر بوحاً واعترافاً، في تعاطيها لتيمة الجنس، مُخترقة بذلك كل الممنوعات ومتخطيةً كل المحظورات، التي تفرضها قيود المجتمع وإكراهات الدين، وحواجز السياسة المقيتة. مثلما هو مُشارٌ إليه على نحو خاص عند محمد شكري ورشيد بوجدرة، كما تبدو نزعة الجنس عند كليهما، قناعاً للكشف والتعرّي، وليس دافعاً للاستفزاز وإثارة الغرائز كما يذهب البعض، فالغرض من تسويق الإيروسية في ثنايا العمل الروائي عندهما، هو عامل للتقويض والإزالة، تقويض البنيات الهشّة لمجتمع تقليدي لا يزال مبنيًّا على الكثير من قيّم النفاق والزيف.

- محمد بوزرواطة / كاتب وناقد سينمائي.


.


5-Silver-female-figures-Albert-Joseph-Moore-360x360.jpg

Silver female figures - Albert Joseph Moore
 
أعلى