موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي - الكافي في فقه الإمام ابن حنبل

كتاب النكاح
النكاح مشروع ، أمر الله به ورسوله ، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فانكحوا ما طاب لكم من النساء‏}‏ ‏.‏ وقال سبحانه ‏:‏ ‏{‏وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم‏}‏ ‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فليصم ، فإن الصوم له وجاء

وقال عليه السلام ‏:‏ إني أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ‏.‏ وقال سعد بن أبي وقاص ‏:‏ لقد رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ، ولو أحله له لاختصينا ‏.‏ متفق عليهما ، والتبتل ‏:‏ ترك النكاح ‏.‏

وقد روي عن أحمد ‏:‏ أن النكاح واجب ، اختاره أبو بكر لظاهر هذه النصوص فظاهر المذهب أنه لا يجب إلا على من يخاف بتركه مواقعة المحظور ، فيلزمه النكاح ، لأنه يجب عليه اجتناب المحظور ، وطريقه النكاح ‏.‏ ولا يجب على غيره ‏.‏ لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏فانكحوا ما طاب لكم من النساء‏}‏ ولو وجب لم يعلقه على الاستطابة ‏.‏ والاشتغال به أفضل من التخلي للعبادة ، لظاهر الأخبار ‏.‏ فإن أقل أحوالها الندب إلى النكاح ، و الكراهة لتركه ‏.‏ إلا أن يكون ممن لا شهوة له ، كالعنين والشيخ الكبير ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ النكاح له أفضل ، لدخوله في عموم الأخبار ‏.‏

والثاني ‏:‏ تركه أفضل ، لأنهلا يحصل منه مصلحة النكاح ، ويمنع زوجته من التحصن بغيره، ويلزمه نفسه واجبات وحقوق لعله يعجز عنها ‏.‏

فصل ‏:‏

ولا يصح إلا في جائز التصرف ، لأنه عقد معاوضة فأشبه البيع ، ولا يصح نكاح العبد بغير إذن مولاه ، لما روى جابر قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه ، فهو عاهر رواه أبو داود ، و الترمذي وقال ‏:‏ حديث حسن ‏.‏ ولأنه ينقص قيمته ، ويوجب المهر والنفقة ، وفيه ضرر على سيده ، فلم يجز بغير إذنه ،كبيعه ‏.‏ وعنه ‏:‏ أنه يصح ويقف على إجازة مولاه ، بناء على تصرفات الفضولي ، ويجوز نكاحه بإذن مولاه ، لدلالة الحديث ، ولأن المنع لحقه فزال بإذنه ‏.‏

فصل ‏:‏

ومن أراد نكاح امرأة ، فله النظر إليها ، لما روى جابر قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏

إذا خطب أحدكم امرأة ، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل رواه أبو داود ‏.‏

وينظر إلى الوجه ، لأنه مجمع المحاسن ، وموضع النظر ، وليس بعورة ‏.‏ وفي النظر إلى ما يظهر عادة ، من الكفين والقدمين ، ونحوهما ، روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ يباح ، لأنه يظهر عادة ، أشبه الوجه ‏.‏

والثانية ، لا يباح لأنه عورة ، أشبه ما لا يظهر ، ولا يجوز النظر إلى ما لا يظهر عادة ، لأنه عورة ، ولا حاجة إلى نظره ، ويجوز النظر إليها بإذنها ، وبغير إذنها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق النظر ، فلا يجوز تقييده ‏.‏ وفي حديث جابر قال ‏:‏ فخطبت امرأة ، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ، ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها ،

وليس له الخلوة بها ، لأن الخبر إنما ورد بالنظر ، فبقيت الخلوة على أصل التحريم ‏.‏ ويجوز لمن أراد شراء جارية النظر منها إلى ما عدا عورتها ، للحاجة إلى معرفتها ، ويجوز للرجل النظر إلى وجه من يعاملها ، لحاجته إلى معرفتها ، للمطالبة بحقوق العقد ‏.‏ ويجوز ذلك عند الشهادة للحاجة إلى معرفتها ، للتحمل والأداء ‏.‏ ويجوز للطبيب النظر إلى ما تدعو الحاجة إلى مداواته ، من بدنها حتى الفرج ، لأنه موضع ضرورة ، فأشبه الحاجة إلى الختان ‏.‏

فصل ‏:‏

وله أن ينظر من ذوات محارمه ، إلى ما يظهر غالباً ، كالرأس ، والرقبة ، والكفين ، والقدمين ‏.‏ لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن‏}‏ وقال تعالى ‏:‏ ‏{‏لا جناح عليهن في آبائهن‏}‏ ‏.‏ وذات المحرم ‏:‏ من تحرم عليه على التأبيد ، بنسب أو سبب مباح ، كأم الزوجة وابنتها ، فأما أم المزني بها ‏.‏ والموطوءة بشبهة ، وبنتها ، فلا يباح النظر إليها ، لأنها حرمت بسبب غير مباح ، فلا تلحق بذوات الأنساب ‏.‏ وأما عبد المرأة فليس بمحرم لها ،لأنها لا تحرم عليه على التأبيد ، لكن يباح له النظر إلى ما يظهر منها غالباً ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وما ملكت أيمانكم‏}‏ روت أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ إذا كان لإحداكن مكاتب ، فملك ما يؤدي فلتحتجب منه رواه الترمذي ‏.‏ وقال ‏:‏ حديث صحيح ‏.‏ وفيه دلالة على أنها لا تحتجب منه قبل ذلك ، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لحاجتها لخدمته ، فأشبه ذا المحرم ‏.‏

فصل ‏:‏

ومن لا تمييز له من الأطفال ، لا يجب ضصالتستر منه في شيء ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء‏}‏ ‏.‏

وفي المميز روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ هو كالبالغ لهذه الآية ‏.‏والثانية ‏:‏ هو كذي المحرم لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم‏}‏ إلى قوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض‏}‏ ثم قال ‏:‏ ‏{‏وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم‏}‏ ففرق بينه وبين البالغ ‏.‏ وحكم الطفلة التي لا تصلح للنكاح مع الرجال ، حكم الطفل من النساء ، والتي صلحت للنكاح ، كالمميز من الأطفال ، لما روى أبو بكر بإسناده ‏:‏ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في ثياب رقاق ، فأعرض عنها وقال ‏:‏ يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه ‏.‏

فصل ‏:‏

والعجوز التي لا تشتهى مثلها ، يباح النظر منها إلى ما يظهر غالباً ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة‏}‏ ‏.‏ قال ابن عباس استثناهن الله تعالى من قوله ‏:‏ ‏{‏وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن‏}‏ ‏.‏ ولأن ما حرم من النظر لأجله معدوم في حقها ، فأشبهت ذوات المحارم ‏.‏ وفي معناها ‏:‏ الشوهاء التي لا تشتهى ‏.‏ ومن ذهبت شهوته من الرجال ، لكبر أو مرض ، أو تخنيث ، فحكمه حكم ذي المحرم في النظر ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال‏}‏ ‏.‏ أي الذي لا إرب له في النساء ، كذلك فسره مجاهد ، و قتادة ، ونحوه عن ابن عباس رضي الله عنه ‏.‏ قالت عائشة رضي الله عنها ‏:‏ دخل على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مخنث ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينعت امرأة قال ‏:‏ ‏(‏‏(‏ إذا أقبلت ،أقبلت بأربع ، وإذا أدبرت أدبرت بثمان ‏)‏‏)‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا ‏؟‏‍‍‏!‏ لا يدخلن عليكم هذا رواه أبو داود ‏.‏ فأجاز دخوله عليهن حين عده من غير أولي الإربة ، فلما علم ذلك منه ، حجبه ‏.‏

فصل ‏:‏

ويباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه ، وكذلك السيد مع أمته المباحة له ، لأنه أبيح له الاستمتاع به ، فأبيح له النظر إليه ، كالوجه ‏.‏ وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال ‏:‏ قلت ‏:‏ يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منا وما نذر ‏؟‏ قال ‏:‏ احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ‏.‏

ويكره النظر إلى الفرج ‏.‏ فإن زوج أمته ، حرم النظر منها إلى ما بين السرة والركبة ، لما روى ابن شعيب عن أبيه عن جده قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة ، فإن عورة رواه أبو داود ‏.‏

فصل ‏:‏

فأما الرجل مع الرجل ، فلكل واحد منهما النظر من صاحبه إلى ما ليس بعورة ، لأن تخصيص العورة بالنهي ،دليل على إباحة النظر إلى غيرها ‏.‏

ويكره النظر إلى الغلام الجميل ، لأنه لا يأمن الفتنة بالنظر إليه ، والمرأة من المرأة كالرجل من الرجل ، والمسلمة من الكافرة كالمسلمتين ، كما أن المسلم من الكافر كالمسلمين ‏.‏ وعنه ‏:‏ إن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية ، ولا تدخل معها الحمام ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏أو نسائهن‏}‏ فتخصيصهن بالذكر يدل على اختصاصهن بذلك ‏.‏

فصل ‏:‏

وفي نظر المرأة إلى الرجل روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ يحرم عليها من ذلك ما يحرم عليه ، لما روت أم سلمة قالت ‏:‏ كنت قاعدة عند النبي صلى الله عليه وسلم أنا و حفصة ، فاستأذن بن أم مكتوم ‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ احتجبن منه فقلت ‏:‏ يا رسول لله ، ضرير لا يبصر ‏.‏ فقال ‏:‏ أفعمياوان أنتما ، ألا تبصرانه أخرجه أبو داود و النسائي ‏:‏ حديث صحيح ‏.‏

والثانية ‏:‏ يجوز لها النظر منه إلى ما ليس بعورة ، لما روت فاطمة بنت قيس ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ‏:‏ اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك فلا يراك وقالت عائشة ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ‏.‏ متفق عليهما ‏.‏ وهذا أصح ‏.‏ وحديث أم سلمة يحتمل أنه خاص لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ‏.‏ فإن قدر عمومه ، فهذه الأحاديث أصح منه ، فتقديمها أولى ‏.‏ وكل من أبيح له النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به ، لم يجز له ذلك لشهوة وتلذذ ، لأنه داعية إلى الفتنة ‏.‏


باب شرائط النكاح


وهي خمسة ‏.‏ أحدها ‏:‏ الولي ، فإن عقدته المرأة لنفسها ، أو لغيرها بإذن وليها ، أو بغير إذنه لم يصح ، لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ لا نكاح إلا بولي قال أحمد ويحيى ‏:‏ هذا حديث صحيح ‏.‏ وقد روي عن أحمد أن للمرأة تزويج معتقها ، فيخرج من هذا صحة تزويجها لنفسها بإذن وليها ، وتزويج غيرها بالوكالة ، لما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها ، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له رواه أبو داود و الترمذي ‏.‏ فمفهومه صحته بإذنه ، ولأن المنع لحقه فجاز بإذنه ، كنكاح العبد ‏.‏ والأول المذهب ، لعموم الخبر الأول ، ولأن المرأة غير مأمونة على البضع ، لنقص عقلها ، وسرعة انخداعها ، فلم يجز تفويضه إليها ، كالمبذر من المال ، بخلاف العبد ، فإن المنع لحق المولى خاصة ، وإنما ذكر تزويجها بغير إذن وليها ، لأنه الغالب ، إذ لو رضي ، لكان هو المباشر له دونها ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن تزوج بغير إذن ولي ، فالنكاح فاسد ، لا يحل الوطء فيه ، وعليه فراقها ، وإن وطئ ، فلا حد عليه في ظاهر كلام أحمد ، لأنه وطء مختلف في حله ، فلم يجب به حد ، كوطء التي تزوجها في عدة أختها ‏.‏ وذكر عن ابن حامد ‏:‏

أنه أوجب به الحد ، لأنه وطء في نكاح منصوص على بطلانه ، أشبه ما لو تزوج ذات زوج‏.‏ وإن حكم بصحة هذا العقد حاكم ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا يجوز نقضه ، لأنه حكم مختلف فيه فأشبه الشفعة للجار ‏.‏

والثاني ‏:‏ ينقض ، لأنه خالف النص ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن كانت أمة ، فوليها سيدها ، لأنه عقد على نفعها ، فكان إلى سيدها كإجارتها ، فإن كان لها سيدان لم يجز تزويجها إلا بإذنهما ‏.‏ وإن كانت سيدتها امرأة ، فوليها ولي سيدتها ، لأنه تصرف فيها فلم يجز بغير إذنه ، كبيعها ‏.‏ وعنه رواية أخرى ‏:‏

أن مولاتها تأذن لرجل فيزوجها ، لأن سبب الولاية الملك ، وقد تحقق في المرأة ، وامتنعت المباشرة لنقص الأنوثة ، فكان لها التوكيل ، كالولي الغائب ، ونقل عنه ‏:‏ أنه قيل له ‏:‏ هل تزوج المرأة أمتها ‏؟‏ قال ‏:‏ قد قيل ذلك ، هي مالها ‏.‏ وهذا يحتمل رواية ثالثة ‏.‏ فإن كانت سيدتها غير رشيدة ، أو كان لغلام أو لمجنون ، فوليها من يلي مالهم ، لأنه تصرف في بعضها ، أشبه إجارتها ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن كانت حرة ، فأولى الناس بها أبوها ، لأنه أشفق عصباتها ، ويلي مالها عند عدم رشدها ‏.‏ ثم الجد أبو الأب وإن علا ، لأنه أب ‏.‏ وعنه ‏:‏ الابن يقدم على الجد ، لأنه أقوى تعصيباً منه ، وعنه ‏:‏ أن الأخ يقدم على الجد ، لأنه يدلي ببنوة الأب ، والبنوة أقوى ‏.‏ وعنه ‏:‏ أن الجد والأخ سواء ، لاستوائهما في الإرث بالتعصيب ‏.‏ ‏.‏ والمذهب الأول ، لأن للجد إيلاداً وتعصيباً ، فقدم عليهما ، كالأب ، لأنه لا يقاد بها ، ولا يقطع بسرقة مالها ، بخلافهما ‏.‏ ثم ابنها ، ثم ابنه وإن نزل ، لأنه عدل من عصباتها فيلي نكاحها ، كابنها ‏.‏ وقدم على سائر العصبات ، لأنه أقربهم نسباً ، وأقواهم تعصيباً ،فقدم كالأب ‏.‏ ثم الأخ ، ثم ابنه ، ثم العم ، ثم ابنه ، ثم الأقرب فالأقرب من عصباتها على ترتيبهم في الميراث ، لأن الولاية لدفع العار عن النسب ، والنسب في العصبات ‏.‏ وقدوم الأقرب فالأقرب ، لأنه أقوى ، فقدم كتقديمه في الإرث ، ولأنه أشفق ، فقدم ، كالأب ‏.‏ فإن انقرض العصبة من النسب ، فوليها المولى المعتق ، ثم عصابته الأقرب فالأقرب ، ثم مولى المولى ، ثم عصابته ، لأن الولاء كالنسب في التعصب ، فكان مثله في التزويج ويقدم ابن المولى على ابنه ، لأنه أقوى تعصيباً، وإنما قدم الأب المناسب ، لزيادة شفقته ، وتحكم الأصل على فرعه ‏.‏ وهذا معدوم في أبي المولى ، فرجع فيه إلى الأصل ‏.‏ وإذا كان المعتق امرأة ، فولي مولاتها أقرب عصباتها ، لأنه لما لم يمكنها مباشرة نكاحها ، كانت كالمعدومة ‏.‏ وعنه ‏:‏ أنها تولي رجلاً في تزويجها ، لما ذكرنا في أمتها ‏.‏ ثم السلطان ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن استوى اثنان في الدرجة ، وأحدهما من أبوين ، والآخر من أب ، كالأخوين ، والعمين ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ يقدم ذو الأبوين ‏.‏ اختاره أبو بكر ، لأنه حق يستفاد بالتعصيب فأشبه الميراث بالولاء ‏.‏

والثانية ‏:‏ هما سواء ‏.‏ اختارها الخرقي ، لأن الولاية بقرابة الأب وهما سواء فيها ، فإن كانا ابني عم ، أحدهما أخ لأم ، فذكر القاضي ‏:‏ أنهما كذلك ‏.‏ والصحيح أن الإخوة لا تؤثر في التقديم ، لاستوائهما في التعصب والإرث به ، بخلاف التي قبلها من كل وجه ، فإن استويا من كل وجه ، فالولاية ثابتة لكل واحد منهما ، أيهما زوج صح تزويجه ، لأن السبب متحقق في كل واحدة ، لكن يستحب تقديم أسنهما وأعلمهما وأتقاهما ، لأنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في الحظ ‏.‏ فإن استويا وتشاحا ، أقرع بينهما ، لأنهما تساويا في الحق ، و تعذر الجمع ، فيقرع بينهما ، كالمرأتين في السفر ‏.‏ فإن قرع أحدهما فزوج الآخر ، صح ، لأن القرعة لم تبطل ولايته ، فلم يبطل نكاحه ، وذكر أبو الخطاب فيه وجهاً آخر ‏:‏ أنه لا يصح ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن زوجها الوليان لرجلين دفعة واحدة ، فهما باطلان ، لأن الجمع يتعذر ، فبطلا ، كالعقد على أختين ، ولا حاجة إلى فسخهما ، لبطلانهما ‏.‏ وإن سبق أحدهما ، فالصحيح السابق ، لما روى سمرة وعقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما رواه أبو داود ‏.‏ ولأن الأول ‏:‏ خلا عن مبطل الثاني ‏:‏ تزوج زوجة غيره ، فكان باطلاً ، كما لو علم ‏.‏ فإن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج ، فعليه مهرها ، لأنه وطء بشبهة ، وترد إلى الأول ، لأنها زوجته ، ولا يحل له وطؤها حتى تقضي عدتها من وطء الثاني ، فإن جهل الأول منهما ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ يفسخ النكاحان ، لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون نكاحه هو الصحيح ، لأنه لا سبيل إلى الجمع ، ولا إلى معرفة الزوج ، فيفسخ الإزالة الزوجية ، ثم لها أن تتزوج من شاءت منهما ، أو من غيرهما ‏.‏

والثانية ‏:‏ يقرع بينهما ‏.‏ فمن خرجت له القرعة أمر صاحبه بالطلاق ثم يجدد القارع نكاحه ، فإن كانت زوجته ، لم يضره ذلك ، وإن لم تكن ، صارت زوجته بالتجديد ، وكلا الطريقين لا بأس به ‏.‏ وسواء علم السابق ثم نسي ، أو جهل الحال ، لأن المعنى في الجميع واحد ‏.‏ وإن أقرت المرأة لأحدهما بالسبق ، لم يقبل إقرارها ، لأن الخصم غيرها ، فلم يقبل قولها عليه ، كما لو أقرت ذات زوج الآخر ، أنه زوجها ‏.‏ وإن ادعى عليها العلم بالسابق ، لم يلزمها يمين ، لأنه من لا يقبل إقراره ، لا يستحلف في إنكاره ‏.‏

فصل ‏:‏

ويشترط للولي ثمانية شروط ‏.‏

أحدها ‏:‏ العقل ، فلا يصح تزويج طفل ، ولا مجنون ‏.‏

والثاني ‏:‏ الحرية ‏.‏ فلا ولاية لعبد ‏.‏

الثالث ‏:‏ الذكروية ، فلا ولاية لامرأة ، لأن هؤلاء لا يملكون تزويج أنفسهم ، فلا يملكون تزويج غيرهم بطريق الأولى ‏.‏

الرابع ‏:‏ البلوغ ‏:‏ فلا يلي الصبي بحال ‏.‏ وعنه ‏:‏ أن الصبي المميز إذا بلغ عشراً ، صح تزويجه ، لأنه يصح بيعه ‏.‏ والأول أولى ، لأنه مولى عليه ، فلا يلي ، كالمرأة ‏.‏

الخامس ‏:‏ اتفاق الدين ‏.‏ فلا يلي كافر مسلمة بحال لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض‏}‏ إلا أم الولد الذمي المسلمة ، ففيها وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يملك تزويجها ، لأنه لا يملكها ، فأشبه المسلم إذا كان سيده كافر ‏.‏

والثاني ‏:‏ لا يليه ، للآية ، ويليه الحاكم ، ولا يلي مسلم كافرة ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏والذين كفروا بعضهم أولياء بعض‏}‏ إلا السلطان فإنه يلي نكاح الذمية التي لا ولي لها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ السلطان ولي ولا ولي له ‏.‏ ولأن ولايته عامة عليهم ‏.‏ وسيد الأمة الكافرة يزوجها وإن كان مسلماً ، لأنه عقد عليها ، فوليه كبيعها ، وولي سيد الكافرة أو سيدتها يزوجها ، لأنه يقوم مقامهما ‏.‏ ويلي الكفار أهل دينهم ، للآية التي تلوناها ‏.‏ وهل تعتبر عدالتهم في دينهم ‏؟‏ على وجهين بناء على الروايتين في المسلمين ‏.‏

السادس ‏:‏ العدالة ‏.‏ فلا يلي الفاسق نكاح قريبته وإن كان أباً في إحدى الروايتين ، لأنها ولاية نظرية ، فنافاها الفسق ، كولاية المال ‏.‏ والثانية ‏:‏ يلي لأنه قريب ناظر ، فكان ولياً كالعدل ، ولأن حقيقة العدالة لا تعتبر ، بل يكفي كونه مستور الحال ‏.‏ ولو اشترطت العدالة ، اعتبرت حقيقتها كما في الشهادة ‏.‏

السابع ‏:‏ التعصيب ، أو ما يقوم مقامه ، فلا تثبت الولاية لغيرهم ، كالأخ من الأم ، والخال ، وسائر من عدا العصبات ، لأن الولاية تثبت لحفظ النسب ، فيعتبر فيها المناسب ، ولا تثبت الولاية للرجل على المرأة التي تسلم على يديه ‏.‏ وعنه ‏:‏ أنها تثبت ‏.‏ ووجه الروايتين ما ذكرنا في كتاب الولاء ‏.‏

الثامن ‏:‏ عدم من هو أولى منه ‏.‏ فلا تثبت الولاية للأبعد مع حضور الأقرب الذي اجتمعت الشروط فيه ، لما ذكرنا في تقديم ولاية الأب ‏.‏ فإن مات الأقرب ، أو جن ، أو فسق ، انتقلت إلى من بعده ، لأن ولايته بطلت ، فانتقلت إلى الأبعد ، كما لو مات ‏.‏ فإن عقل المجنون ، وعدل الفاسق ، عادت ولايته ، لزوال مزيلها مع وجود مقتضيها ، فإن زوجها الأبعد من غير علم بعود ولاية الأقرب ، لم تصح ولاية زوجها بعد زوال ولايته ، يحتمل أن تصح ، بناء على الوكيل إذا تصرف بعد العزل قبل علمه به ‏.‏ وإن دعت المرأة وليها إلى تزويجها من كفء فعضلها ، فللأبعد تزويجها ‏.‏ نص عليه ‏.‏ وعنه ‏:‏ لا يزوجها إلا السلطان وهو اختيار أبو بكر ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ فإن اشتجروا ، فالسلطان ولي من لا ولي له ‏.‏ ولأن التزويج حق عليه امتنع منه ، فقام الحاكم مقامه في إيفائه ، كما لو كان عليه دين فامتنع من قضائه ، واختار الخرقي الرواية الأولى ، لأنه تعذر التزويج من جهة الأقرب فوليها الأبعد ، كما لو فسق ‏.‏ والحديث دليل على أن السلطان لا يزوج هاهنا ، لقوله ‏:‏ فالسلطان ولي من لا ولي له وإن غاب الأقرب غيبة منقطعة ولم يوكل في تزويجها ، فللأبعد تزويجها ، لما ذكرنا ‏.‏ والغيبة المنقطعة ‏:‏ ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة في منصوص أحمد ، واختيار أبي بكر ‏.‏ وذكر الخرقي ‏:‏ أنها ما لا يصل الكتاب فيها إليه ، أو يصل فلا يجيب عنه ، لأن غير هذا يمكن مراجعته ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ حدها ‏:‏ ما لا تقطعها القافلة في السنة إلا مرة ، لأن الكفء ينتظر عاماً ولا ينتظر أكثر منه ‏.‏ وقال أبو الخطاب ‏:‏ يحتمل أن يحدها بما تقصر فيه الصلاة ، لأن أحمد قال ‏:‏ إذا كان الأب بعيد السفر ، يزوج الأخ ‏.‏ والسفر البعيد في الشرع ‏:‏ ما علق عليه رخص السفر ، والأولى المنصوص ‏.‏ والرد في هذا إلى العرف ، وما جرت العادة بالانتظار قيه ، والمراجعة لصاحبه ، لعدم التحديد فيه من الشارع ‏.‏ فأما القريب ، فيجب انتظاره ومراجعته ، لأنه في حكم الحاضر ، إلا أن تتعذر مراجعته ، لأسر أو حبس لا يوصل إليه ونحوهما ، فيكون كالبعيد ، لكونه في معناه ، ولا يشترط في الولاية البصر ، لأن شعيباً عليه السلام زوج ابنته وهو أعمى لموسى عليه السلام ، ولأن الأعمى من أهل الرواية والشهادة ، فكان من أهل الولاية كالبصير ‏.‏ فأما الأخرس ، فإن منع فهم الإشارة ، أزال الولاية ، وإن لم يمنعها ، لم يزل الولاية ، لأن الأخرس يصح تزوجه ، فصح تزويجه ، كالناطق ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا زوج الأبعد مع حضور الأقرب وسلامته من الموانع ، أو زوج أجنبي ، أو زوجت المرأة المعتبر إذنها بغير إذنها ، أو تزوج العبد بغير إذن سيده ، فالنكاح باطل في أصح الروايتين ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إذا تزوج العبد بغير إذن سيده ، فهو عاهر وفي لفظ ‏:‏ فنكاحه باطل ولأنه نكاح لم تثبت أحكامه ، من الطلاق ، والخلع ، والتوارث ، فلم ينعقد ، كنكاح المعتدة ‏.‏ والثانية ‏:‏ هو موقوف على إجازة من له الإذن ‏.‏ فإن أجازه ، جاز ، وإلا بطل لما ذكرناه في تصرف الفضولي في البيع ، ولما روى ابن ماجه ‏:‏ أن جارية بكراً ، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة ، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم ‏.‏ رواه أبو داود ‏.‏ وقال ‏:‏ هذا حديث مرسل ، رواه الناس عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا ابن عباس ‏.‏ فإن قلنا بهذه الرواية ، فإن الشهادة تعتبر حالة العقد ، لأنها شرط له ، فتعتبر معه ، كالقبول ‏.‏ ويكفي في إذن المرأة النطق ، أو ما يدل على الرضى تقوم مقام النطق به ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لبربرة ‏:‏ إن وطئك زوجك فلا خيار لك فأما إن زوجت المرأة نفسها ، أو زوجها طفل ، أو مجنون ، أو فاسق ، فهو باطل لا يقف على الإجازة ، لأنه تصرف صادر من غير أهله ‏.‏ وذكر أصحابنا ‏:‏ تزويجها لنفسها من جملة الصور المختلفة في وقوفها ‏.‏ والأولى أنها ليست منها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أيما امرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها ، فنكاحها باطل ولأنه تصرف لو قارنه الإذن ، لم يصح ، فلم يصح بالإذن اللاحق ، كتصرف المجنون ‏.‏

فصل ‏:‏

ولكل واحد من الأولياء أن يوكل في تزويج موليته ، فيقوم وكيله مقام حاضراً كان الموكل أو غائباً ، ولا يعتبر إذن المرأة في التوكيل ‏.‏ وخرج القاضي ذلك على روايتين في توكيل الوكيل من غير إذن الموكل ، وليس كذلك ، فإن الولي ليس بوكيل للمرأة ، ولا تثبت ولايته من جهتها ، فلم يقف جواز توكيله على إذنها ، كالسلطان ، ولأنه ولي في النكاح فملك الإذن فيه من غير إذنها ، كالسلطان ، ويجوز التوكيل في التزويج مطلقاً من غير تعيين الزوج ، لأنه إذن في التزويج ، فجاز مطلقاً ، كإذن المرأة ‏.‏ ويجوز التوكيل في تزويج معين ، واختلفت الرواية هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية ‏؟‏ على روايتين ‏.‏ ذكرناهما في الوصايا ‏.‏ ولا يصير وصياً في النكاح بالوصية إليه في المال ، لأنها إحدى الوصيتين ، فلم تملك بالأخرى ، كالأخرى ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا لم يكن للمرأة ولي ، ولا للبلد قاض ولا سلطان ‏.‏ فعن أحمد ‏:‏ ما يدل على أنه يجوز لها أن تأذن لرجل عدل يحتاط لها في الكفء والمهر ، ويزوجها ، فإنه قال في دهقان قرية ‏:‏ يزوج المرأة إذا لم يكن في الرستاق قاض إذا احتاط لها في الكفء والمهر ‏.‏ ووجه ذلك أن اشتراط الولي هاهنا يمنع النكاح بالكلية ، فوجب أن لا يشترط ‏.‏

وعنه ‏:‏ لا يصح إلا بولي لعموم الخبر ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا أراد ولي المرأة تزوجها ، كابن عمها ، أو مولاها ، جعل أمرها إلى من يزوجها منه بإذنها ، لما روي أن المغيرة بن شعبة أمر رجلاً أن يزوجه امرأة المغيرة أولى بها منه ، ولأنه وليها ، فجاز أن يتزوجها من وكيله ، كالإمام ‏.‏ فإن زوج نفسه بإذنها ، ففيه روايتان

إحداهما ‏:‏ لا يجوز ، لحديث المغيرة ، ولأنه عقد ملكه بالإذن ، فلم يجز أن يتولى طرفيه ، كالوكيل في البيع ‏.‏

والثانية ‏:‏ يجوز ، لما روي عن عبد الرحمن بن عوف ‏:‏ أنه قال لأم حكيم بنت قارظ أتجعلين أمرك إلي ‏؟‏ قالت ‏:‏ نعم ، فقال ‏:‏ قد تزوجتك ، ولأنه صدر الإيجاب من الولي ، والقبول من الأهل ، فصح ، كما لو زوج الرجل عبده الصغير لأمته ‏.‏ وإن قال السيد ‏:‏ قد أعتقت أمتي وجعلت عتقها صداقها ‏.‏ أو قال ‏:‏ قد جعلت عتق أمتي صداقها ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ يصح العتق والنكاح ، ويصير عتقها صداقها ، لما روى أنس ‏:‏ ‏(‏‏(‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها ‏)‏‏)‏ متفق عليه ‏.‏ وفي رواية أصدقها نفسها ‏.‏

والثانية ‏:‏ لا يصح حتى يبتدئ العقد عليها بإذنها ، لأنه لم يوجد إيجاب ولا قبول ، فلم يصح العقد ، كما لو كانت حرة ‏.‏ فعلى هذا ينفذ العتق وعليها قيمة نفسها ، لأنه إنما أعتقها بعوض لم يسلم له ، ولم يمكن إبطال العتق ، فرجعنا إلى القيمة ‏.‏ ولا يجوز لأحد أن يتولى طرفي العقد غير من ذكرنا ، إلا السيد يزوج عبده من أمته ‏.‏ فإن كان وكيلاً للزوج والولي أو وكيلاً للزوج ، ولياً للمرأة ، أو وكيلاً للولي ، ولياً للزوج ، ففيه وجهان ‏:‏ بناء على ما ذكرنا في الوكيل في البيع ‏.‏

فصل ‏:‏

الشرط الثاني من شرائط النكاح ‏:‏ أن يحضره شاهدان ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل رواه الخلال ‏.‏ وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ لا بد في النكاح من أربعة ‏:‏ الولي ، والزوج ، والشاهدان ‏.‏ رواه الدارقطني ، وعن أحمد ‏:‏ أن الشهادة ليست شرطاً فيه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها بغير شهود ، ولأنه عقد معاوضة ، فلم تشترط الشهادة فيه ، كالبيع ‏.‏

فصل ‏:‏

ويشترط في الشهود سبع صفات ‏:‏

أحدها ‏:‏ العقل ، لأن المجنون والطفل ليسا من أهل الشهادة ‏.‏

والثاني ‏:‏ السمع ، لأن الأصم لا يسمع العقد فيشهد به ‏.‏

والثالث ‏:‏ النطق ، لأن الخرس لا يتمكن من أداء الشهادة ‏.‏

الرابع ‏:‏ البلوغ ، لأن الصبي لا شهادة له ‏.‏ وعنه ‏:‏ أنه ينعقد بحضور مراهقين ، بناء على أنهما من أهل الشهادة ، والأول أصح ‏.‏

الخامس ‏:‏ الإسلام ‏.‏ ويتخرج أن ينعقد نكاح المسلم للذمية بشهادة ذميين ، بناء على قبول شهادة بعضهم على بعض ‏.‏ والأول المذهب ، لقوله عليه السلام ‏:‏ لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ‏.‏

السادس ‏:‏ العدالة ، للخبر ، وعنه ‏:‏ ينعقد بحضور فاسقين ، لأنه تحمل ، فلم تعتبر فيه العدالة كسائر التحملات ‏.‏ والأول أولى ، للخبر ، ولأن من لا يثبت النكاح بقوله ، لا ينعقد بشهادته ، كالصبي إلا أننا لا نعتبر العدالة باطناً ‏.‏ ويكفي أن يكون مستور الحال ‏.‏ وكذلك العدالة المشروطة في الولي ، لأن النكاح يقع بين عامة الناس في مواضع لا تعرف فيها حقيقة العدالة ،فاعتبار ذلك يشق ‏.‏

السابع ‏:‏ الذكورية ‏.‏ وعنه ‏:‏ ينعقد بشهادة رجل وامرأتين ، لأنه عقد معاوضة أشبه البيع ‏.‏ والأول ‏:‏ المذهب ، لما روى أبو عبيد في الأموال عن الزهري أنه قال ‏:‏ مضت السنة أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ، ولا في النكاح ، ولا في الطلاق ‏.‏ وهل يشترط عدم العداوة والولادة ‏؟‏ وهو أن لا يكون الشاهدان عدوين للزوجين ، أو لأحدهما ، ولا ابنين لهما ، أو لأحدهما ‏.‏ على وجهين ‏.‏ ولا تشترط الحرية ، ولا البصر ، لأنها شهادة لا توجب حداً ، فقبلت شهادتهما فيه ، كالشهادة عليه بالاستفاضة ‏.‏ ويعتبر أن يعرف الضرير المتعاقدين ، ليشهد عليهما بقولهما ‏.‏ وهل يشترط كون الشاهد من غير أهل الصنائع الرزية ، كالحجام ونحوه ‏؟‏ على وجهين بناء على قبول شهادتهم ‏.‏


فصل ‏:‏ تابع باب شرائط النكاح


الشرط الثالث من شروط النكاح ‏:‏ تعيين الزوجين ، لأن المقصود بالنكاح أعيانهما ، فوجب تعيينهما ‏.‏ فإن كانت حاضرة ، فقال ‏:‏ زوجتك هذه ، صح ، لأن الإشارة تكفي في التعيين ‏.‏ فإن زاد على ذلك فقال ‏:‏ ابنتي أو فاطمة ، كان تأكيداً ‏.‏ وإن سماها بغير اسمها ، صح ، لأن الاسم لا حكم له مع الإشارة ، فأشبه ما لو قال ‏:‏ زوجتك هذه الطويلة وهي قصيرة ‏.‏ وإن كانت غائبة ، فقال ‏:‏ زوجتك ابنتي وليس له غيرها ، صح لحصول التعيين بتفردها بهذه الصفة المذكورة ‏.‏ وإن سماها باسمها ، أو وصفها بصفتها ، كان تأكيداً ‏.‏ وإن سماها بغير اسمها ، صح أيضاً ، لأن الاسم لا حكم له مع التعيين ، فلا يؤثر الغلط فيه ‏.‏ وإن كان له ابنتان فقال ‏:‏ زوجتك ابنتي ، لم يصح حتى يسميها ، أو يصفها بما تتميز به ، لأن التعيين لا يحصل بدونه ‏.‏ فإن قال ‏:‏ ابنتي فاطمة ، أو ابنتي الكبرى ، صح ، لأنها تعينت به‏.‏ وإن نويا ذلك من غير لفظ ، لم يصح ، لأن الشهادة في النكاح شرط ، ولا يقع إلا على اللفظ ولا تعيين فيه ‏.‏ وإن خطب الرجل امرأة فزوج غيرها ، لم ينعقد النكاح ، لأنه ينوي القبول لغير ما وقع فيه الإيجاب ، فلم يصح ، كما لو قال ‏:‏ قد زوجتك ابنتي فاطمة ‏.‏ فقال ‏:‏ قبلت تزويج عائشة ، فإن كان له ابنتان كبرى اسمها عائشة وصغرى اسمها فاطمة ، فقال ‏:‏ قبلت تزويج عائشة ، فقبله الزوج ينويان الصغرى ، لم يصح ، لأنهما لم يتلفظا بما تقع الشهادة عليه ، ولم يذكر المنوية بما تتميز به ‏.‏ وإن نوى أحدهما الكبرى ، والآخر الصغرى ، لم يصح ، لأنه قبل النكاح في غير من وقع عليه الإيجاب ‏.‏ وإن قال ‏:‏ زوجتك حمل امرأتي ، لم يصح ، لأنه لم يثبت لها حكم البنات قبل الولادة ، ولا يتحقق كونها بنتاً ‏.‏ وإن قال ‏:‏ إن ولدت زوجتي بنتاً ، زوجتكها ، كان وعداً لا عقداً ، لأن النكاح لا يتعلق على الشروط ‏.‏

فصل ‏:‏

الشرط الرابع من شروط النكاح ‏:‏ التراضي من الزوجين ، أو من يقوم مقامهما ، لأن العقد لهما ، فاعتبر تراضيهما به ، كالبيع ‏.‏ فإن كان الزوج بالغاً عاقلاً ، لم يجز بغير رضاه ‏.‏ وإن كان عبداً ، لم يملك السيد إجباره عليه ، لأنه خالص حقه ، وهو من أهل مباشرته ، فلم يجبر عليه كالطلاق ‏.‏ وإن كان العبد صغيراً ، فلسيده تزويجه ، لأنه إذا ملك تزويج ابنه الصغير ، فعبده أولى ، قال أبو الخطاب ‏:‏ ويحتمل أن لا يملكه أيضاً قياساً على الكبير ، ويملك الأب تزويج ابنه الصغير الذي لم يبلغ ، لما روي عن ابن عمر ‏:‏ أنه زوج ابنه وهو صغير فاختصموا إلى زيد ، فأجازاه جميعاً ‏.‏ رواه الأثرم ‏.‏ ولأنه يتصرف في ماله بغير تولية ، فملك تزويجه ، كابنته الصغيرة ‏.‏ وسواء كان عاقلة ، أو معتوهاً ، لأنه إذا ملك تزويج العاقل ، فالمعتوه أولى ‏.‏ ويملك الأب أيضاً تزويج ابنه البالغ المعتوه في ظاهر كلام أحمد و الخرقي لأنه غير مكلف فأشبه الصغير ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ لا يجوز تزويجه ، إلا إذا ظهر منه إمارات الشهوة ، باتباع النساء ونحوه ‏.‏ فقال أبو بكر ‏:‏ لا يجوز تزويجه بحال ، لأنه رجل فلم يجز تزويجه بغير إذنه ، كالعاقل ، والأول أولى ، لأنه إذا جاز تزويج الصغير مع عدم حاجته إلى قضاء شهوته ، وحفظه عن الزنى ، فالبالغ أولى ‏.‏ ولا يجوز تزويجه ، إلا إذا رأى وليه المصلحة في تزويجه ، لاحتياجه إلى الحفظ والإيواء ، أو قضاء الشهوة ونحو ذلك، فأما من له إفاقة في بعض أحيانه ، فلا يجوز إجباره على النكاح لأنه يمكن استئذانه ‏.‏ ووصي الأب كالأب في تزويج الصغير والمعتوه ، لأنه نائب عنه فأشبه الوكيل ، ولا يملك غير الأب ووصيه تزويج صغير ولا معتوه ، لأنه إذا لم يملك تزويج الأنثى مع قصورها ، فالذكر أولى ‏.‏ وقال ابن حامد ‏:‏ للحاكم تزويج المعتوه الذي يشتهي النساء ، لأنه يلي ماله ، فملك تزويجه ، كالوصي ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ له تزويج الصغير الذي يشتهي كذلك ‏.‏ ولا يجوز إذا رأى المصلحة في ذلك ، لأنه ناظر له في مصالحه ، وهذا منها ، فأشبه عقده على ماله ‏.‏

فصل ‏:‏

فأما المرأة ، فإن السيد يملك تزويج أمته بكراً كانت أو ثيباً ، بغير رضاها ، لأنه عقد على منافعها فملكه ، كإجارتها ‏.‏ وأما الحرة ، فإن الأب يملك تزويج ابنته الصغيرة البكر بغير خلاف ، لأن أبا بكر الصديق زوج عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي ابنة ست ‏.‏ متفق عليه ولم يستأذنها وروى الأثرم ‏:‏ أن قدامة بن مظعون تزوج ابنة الزبير حين نفست ‏.‏ ولا يملك تزويج ابنته الثيب الكبيرة إلا بإذنها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ الأيم أحق بنفسها من وليها وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ ليس للولي من الثيب أمر رواهما أبو داود ‏.‏ وفي البكر البالغة روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ له إجبارها ، لما روى ابن عباس قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ الثيب أحق بنفسها من وليها ، والبكر تستأذن من نفسها وإذنها صماتها وإثباته الحق للأيم على الخصوص يدل على نفيه عن البكر ‏.‏

والثانية ‏:‏ لا يجوز تزويجها إلا بإذنها ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ لا تنكح الأيم حتى تستأمر ، ولا تنكح البكر حتى تأذن ، قالوا ‏:‏ يا رسول الله فكيف إذنها ‏؟‏ قال ‏:‏ أن تسكت متفق عليه ‏.‏ وأما الثيب الصغيرة ، ففيها وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا يجوز تزويجها ، لعموم الأحاديث فيها ‏.‏

والأخرى ‏:‏ يجوز تزويجها ، لأنها ولد صغير فملك الأب تزويجها ، كالغلام ‏.‏ والثيب ‏:‏ هي الموطوءة في فرجها حلالاً كان أو حراماً ، لأنه لو أوصى للثيب بوصية ‏.‏ دخل فيها من ذكرناه ، ولا تدخل في وصيته الأبكار ‏.‏ ووصي الأب إذا نص له على التزويج ، كالأب ، لأنه قائم مقامه ‏.‏

فصل ‏:‏

فأما غيرهما ، فلا يملك تزويج كبيرة إلا بإذنها ، جداً كان أو غيره ، لعموم الأحاديث ، ولأنه قاصر عن الأب فلم يملك الإجبار ، كالعم ‏.‏ وفي الصغيرة ثلاث روايات ‏:‏

إحداهن ‏:‏ له تزويجها ، لما روى أن قدامة بن مظعون زوج ابنة أخيه من عبد الله بن عمر ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ‏:‏ إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها والصغيرة لا إذن لها ‏.‏

والثانية ‏:‏ لهم تزويجها ولها الخيار إذا بلغت ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء‏}‏ ‏.‏ دلت بمفهومها على أنه له تزوجها إذا أقسط لها ، وقد فسرته عائشة بذلك ‏.‏

والثالثة‏:‏ لهم تزويجها إذا بلغت تسعاً بإذنها ، ولا يجوز قبل ذلك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ تستأمر اليتيمة في نفسها ، فإن سكتت فهو إذنها ، وإن أبت فلا زواج عليها رواه أبو داود ‏.‏ وجمعنا بين الأدلة والأخبار ، وقيدنا ذلك بابنة تسع ، لأن عائشة قالت ‏:‏ إذا بلغت الجارية تسع سنين ، فهي امرأة ‏.‏ وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنها تصلح بذلك للنكاح وتحتاج إليه ، فأشبهت البالغة ‏.‏ وإذن الثيب الكلام ، وإذن البكر الصمات ، أو الكلام في حق الأب وغيره ، لما تقدم من الحديث ، وهو صريح في الحكم ‏.‏ وروى عدي الكندي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ البكر تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها رواه الأثرم و ابن ماجة ‏.‏ ولا فرق بين الثيوبة بوطء مباح أو محرم ، لشمول اللفظ لهما جميعاً ‏.‏

فصل ‏:‏

الشرط الخامس من شروط النكاح ‏:‏ الإيجاب والقبول ‏.‏ ولا يصح الإيجاب إلا بلفظ النكاح ، أو التزويج ، فيقول ‏:‏ زوجتك ابنتي ، أو أنكحتكها، لأن ما سواهما لا يأتي على معنى النكاح ، فلا ينعقد به، كلفظ الإحلال، ولأن الشهادة شرط في النكاح، وهي واقعة على اللفظ ‏.‏ و غير هذا اللفظ ليس بموضوع للنكاح ، وإنما يصرف إليه بالنية ، ولا شهادة عليها ، فيخلوا النكاح عن الشهادة ‏.‏

وأما القبول ، فيقول ‏:‏ قبلت هذا النكاح ‏.‏ وإن اقتصر على قبلت ، صح ، لأن القبول يرجع إلى ما أوجبه الولي ، كما في البيع ‏.‏ وإن قيل للولي ‏:‏ أزوجت ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ‏.‏ قيل للمتزوج ‏:‏ أقبلت ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ، انعقد النكاح ، لأن نعم جواب للسؤال ، والسؤال مضمر معاد فيه ، ولهذا لو قيل له ‏:‏ أسرقت ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ‏.‏ كان مقراً بالسرقة ، حتى يلزمه القطع الذي يندرئ بالشبهات ، فهاهنا أولى ‏.‏ ولا يصح الإيجاب والقبول بغير العربية لمن يحسنها ، لأنه عدول عن لفظ الإنكاح والتزويج مع إمكانهما ، فلم يصح ، لما ذكرنا ‏.‏ ويصح بمعناهما الخاص بكل لسان ، لمن يحسنهما ، لأنه يشتمل على معنى اللفظ العربي ، فأشبه ما لو أتى به ، وليس عليه تعليمهما بالعربية ، لأن النكاح غير واجب ، فلا يلزم تعلم أركانه ، كالبيع ، ولأن المقصود المعنى دون اللفظ المعجوز وهو حاصل ، بخلاف القراءة ‏.‏ وقال أبو الخطاب ‏:‏ يلزمه التعلم ،لأن ما كانت العربية شرطاً فيه عند الإمكان ، لزمه تعلمه ، كالتكبير ‏.‏ وإذا فهمت إشارة الأخرس ، صح النكاح بها ، لأنه معنى لا يستفاد إلا من جهته ، فصح بإشارته ، كبيعه ‏.‏ وإن تقدم القبول على الإيجاب ، لم يصح ، لأن القبول إنما هو بالإيجاب ، فيشترط تأخره عنه ‏.‏ وإن تراخى القبول عن الإيجاب ، صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه ، لأن حكم المجلس حكم حالة العقد ، بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه ، فإن تفرقا قبله ، أو تشاغلا بغيره قبل القبول ، بطل الإيجاب ، لأنهما أعرضا عنه بتفرقهما ، أو تشاغلهما ، فبطل ، كما لو طال التراخي ‏.‏ ونقل أبو طالب عن أحمد في رجل مشى إليه قوم فقالوا ‏:‏ زوج فلاناً على ألف ، فقال ‏:‏ قد زوجته على ألف ، فرجعوا إلى الزوج فأخبروه ، فقبل ، هل يكون هذا نكاحاً‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ‏.‏ فجعل أبو بكر هذا رواية ثانية ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ هذا محمول على أنه وكل من قبل العقد في المجلس ‏.‏ وإن أخرج عن أحدهما عن أهلية العقد بجنون ، أو إغماء أو موت ، قبل القبول ، بطل ، لأنه لن ينعقد ، فبطل بهذه المعاني ، كإيجاب البيع ‏.‏ ومتى عقد النكاح هازلاً أو تلجئة ، صح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ ‏:‏ ثلاث جدهن جد ، وهزلهن جد ‏:‏ الطلاق ، والنكاح ، والرجعة رواه الترمذي ‏.‏ وقال ‏:‏ حديث حسن ‏.‏

فصل ‏:‏

وفي الكفاءة روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ هي شرط لصحة النكاح ، فإذا فاتت ، لم يصح ‏.‏ وإن رضوا به ، لما روى الدارقطني بإسناده عن جابر قال ‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ لا ينكح النساء إلا الأكفاء ، ولا يزوجهن إلا الأولياء وقال عمر ‏:‏ لأمنعن فروج ذوي الأحساب إلا من الأكفاء ‏.‏ ولأنه تصرف يتضرر به من لم يرض به ، فلم يصح ، كما لو زوجها وليها بغير رضاها ‏.‏

والثانية ‏:‏ ليست شرطاً ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج زيداً مولاه ابنة عمته زينب بنت جحش ، وزوج أسامة فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية ‏.‏ رواه مسلم وقال عائشة ‏:‏ إن أبا حذيفة تبنى سالماً وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة ‏.‏ أخرجه البخاري ‏.‏ لكن إن لم ترض المرأة ، ولم يرض بعض الأولياء ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ العقد باطل ، لأن الكفاءة حقهم ، تصرف فيه بغير رضاهم ، فلم يصح ، كتصرف الفضولي ‏.‏

والثانية ‏:‏ يصح ‏.‏ ولمن لم يرض الفسخ ‏.‏ فلو زوج الأب بغي الكفء فرضيت البنت ، كان للأخوة الفسخ ،لأنه ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة ، فملك الفسخ ، كالمتساويين ‏.‏

فصل ‏:‏

والكفء ذو الدين والمنصب ‏.‏ فلا يكون الفاسق كفءاً لعفيفة ، لأنه مردود الشهادة والرواية ، غير مأمون على النفس والمال ‏.‏ ولا يكون المولى والعجمي كفءاً لعربية ، لما ذكرنا من قول عمر ‏.‏ وقال سلمان لجرير ‏:‏ إنكم معشر العرب لا نتقدم في صلاتكم ، ولا ننكح نساءكم ، إن الله فضلكم علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم وجعله فيكم ‏.‏ والعرب بعضهم لبعض أكفاء ، والعجم بعضهم لبعض أكفاء ، لأن المقداد بن الأسود الكندي تزوج ضباعة ابنة الزبير ابن عمة رسول الله ‏.‏ وزوج أبو بكر أخته للأشعث بن قيس الكندي ، وزوج علي ابنته أم كلثوم عمر بن الخطاب ‏.‏

وعنه أن غير قريش لا يكافئهم ‏.‏ وغير بني هاشم لا يكافئهم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم أن الله اصطفى كنانة من والد إسماعيل ، و اصطفى من كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ‏.‏ واختلفت الرواية في ثلاثة أمور ‏:‏ أحدها ‏:‏ الحرية ، فروي أنها ليست شرطاً في الكفاءة ، لأن النبي ‏(‏ص ‏)‏ قال لبريرة حين عتقت تحت عبد ، فاختارت فرقته ‏:‏ لو راجعتيه ، قالت ‏:‏ أتأمرني يا رسول الله ‏؟‏ قال ‏:‏ لا إنما أنا شفيع ومراجعتها له ابتداء نكاح عبد لحرة ‏.‏ روي أنها شرط ، وهي أصح ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة حين عتقت تحت عبد ‏.‏ فإذا ثبت لها الخيار‏.‏ فإذا ثبت لها الخيار بالحرية الطارئة ، فبالسابقة أولى ‏.‏ ولأن فيه نقصاً في المنصب والاستمتاع والإنفاق ، ويلحق به العار فأشبه عدم المنصب ‏.‏

والثاني ‏:‏ اليسار ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ هو من شرط الكفاءة ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم الحسب المال وقال إن أحساب الناس بينهم هذا المال رواه النسائي بمعناه ‏.‏ ولأن على الموسرة ضرراً في إعسار زوجها ، لإخلاله بنفقتها ونفقة ولدها ‏.‏

والثانية ‏:‏ ليس منها ، لأن الفقر شرف في الدين ‏.‏ وقد قال النبي ‏(‏ص‏)‏ ‏:‏ اللهم أحيني مسكيناً ، وأمتني مسكيناً رواه الترمذي ‏.‏ وليس هو أمراً لازماً ، فأشبه العافية من المرض ‏.‏ واليسار المعتبر ‏:‏ ما يقدر به على الإنفاق عليها حسب ما يجب لها ‏.‏

والثالث ‏:‏ الصناعة ، وفيها روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ أن أصحاب الصنائع الدنيئة لا يكافؤون من هو أعلى منهم ‏.‏ فالحائك والحجام والكساح والزبال وقيم الحمام لا يكون كفءاً لمن هو أعلى منه ، لأنه نقص في عرف الناس ، وتتعير المرأة به ، ، فأشبه نقص النسب ‏.‏

والثانية ‏:‏ ليس هذا شرطاً ، لأنه ليس بنقص في الدين ، ولا هو بلازم ، فأشبه المرض ‏.‏ وقد أنشدوا ‏:‏

وليس على عبد تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

فصل ‏:‏

ويستحب إعلان النكاح ، والضرب عليه بالدف ، لما روى محمد بن حاطب قال ‏:‏ قال رسول الله ‏(‏ص‏)‏ ‏:‏ فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح رواه النسائي ‏.‏ فإن أسروا وتواصوا بكتمانه ، كره ذلك ، وصح النكاح ‏.‏ وقال أبو بكر ‏:‏ لا يصح ، للحديث ‏.‏ ولنا قول النبي ‏(‏ص‏)‏ ‏:‏ لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل مفهومه صحته بهما ، والحديث محمول على الندب جمعاً بين الخبرين ، ولأن إعلان النكاح والضرب عليه بالدف إنما يكون بعد العقد وصحته ، ولو كان شرطاً ، لاعتبر حال العقد كسائر شروطه ‏.‏ وقال أحمد ‏:‏ لا بأس بالغزل في العرس ، لقول النبي ‏(‏ص‏)‏ للأنصار ‏:‏

أتيناكــــم ، أتيناكم ** فحـيـانـا وحيـاكـــم

ولـولا الذهــب الأحمـ ** ر مـا حلـت نواديـكـم

‌‌‌‌‌‌‌‌‌ولـولا الحنطة السمـرا ** ء مـا سـمـنت عـذاراكم

فصل ‏:‏

ويستحب عقده يوم الجمعة ، لأن جماعة من السلف كانوا يحبون ذلك ‏.‏ والمساية أولي ، لما روى أبو حفص بإسناده عن النبي ‏(‏ص‏)‏ أنه قال ‏:‏ مسوا بالإملاك فإنه أعظم للبركة

ويستحب تقديم الخطبة بين يدي النكاح ، لقول النبي ‏(‏ص‏)‏ ‏:‏ كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ‏(‏ الحمد لله ‏)‏ فهو أقطع ويستحب أن يخطب بخطبة ابن مسعود التي قال ‏:‏ علمنا رسول الله ‏(‏ص‏)‏ التشهد في الحاجة إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ‏.‏ ويقرأ ثلاث آيات ‏:‏ ‏{‏اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ‏.‏ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ‏.‏ اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ‏}‏ ‏.‏ رواه الترمذي وقال ‏:‏ حديث حسن ‏.‏ وهذا ليس بواجب ، لأن النبي ‏(‏ص‏)‏ قال لخاطب الواهبة ‏:‏ زوجتكما بما معك من القرآن ولم يذكر خطبة ‏.‏

فصل ‏:‏

ويستحب أن يقال للمتزوج ما روى أبو هريرة ‏:‏ أن رسول الله ‏(‏ص‏)‏ كان إذا رفأ الإنسان - إذا تزوج - قال ‏:‏ بارك الله لك ، وبارك عليك وجمع بينكما في خير رواه أبو داود ‏.‏ وإذا زفت إليه قال ما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ‏(‏ص‏)‏ قال ‏:‏ إذا تزوج أحدكم امرأة ، أو اشترى خادماً فليقل ‏:‏ اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه ، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه رواه أبو داود ‏.‏

وعن أبي سعيد مولى أبي أسيد أنه تزوج ، فحضره عبد الله بن مسعود وأبو ذر، و حذيفة ، وغيرهم من أصحاب رسول الله ‏(‏ص‏)‏ فقالوا له ‏:‏ إذا دخلت على أهلك فصل ركعتين ، ثم خذ برأس أهلك فقل ‏:‏ اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي في ، وارزقني منهم ، ثم شأنك وشأن أهلك ‏.‏

فصل ‏:‏

ويستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات الدين ، لقول النبي ‏(‏ص‏)‏ ‏:‏ تنكح المرأة لأربع ‏:‏ لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين تربت يداك متفق عليه ‏.‏ ويختار الجميلة ، لأنه أسكن لنفسه ، وأغض لبصره ، وأدوم لمودته ، ولذلك شرع النظر قبل النكاح ‏.‏ وروى سعيد بإسناده أن رسول الله ‏(‏ص‏)‏ قال ‏:‏ خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة جميلة ، تسره إذا نظر إليها ، وتطيعه إذا أمرها ، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها ويتخير الحسيبة ، لنجب ولدها ‏.‏ وقد روي عن عائشة أن النبي ‏(‏ص‏)‏ قال ‏:‏ تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم ويختار البكر لما روي عن النبي ‏(‏ص‏)‏ أنه قال ‏:‏ عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهاً ، وأنتق أرحاماً وأرضى باليسير رواه ابن ماجه ‏.‏ ويختار الولود ، لما روي عن النبي ‏(‏ص‏)‏ أنه قال ‏:‏ تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة رواه سعيد ‏.‏ ويختار ذات العقل ، ويجتنب الحمقاء ، لأنه ربما تعدى ذلك إلى ولدها ‏.‏ وقد قيل ‏:‏ اجتنبوا الحمقاء ، فإن ولدها ضياع ، وصحبتها بلاء ‏.‏ قال أبو الخطاب ‏:‏ ويختار الأجنبية ، لأن ولدها أنجب ، وقد قيل ‏:‏ إن الغرائب أنجب ، وبنات العم أصبر ‏.‏
باب ما يحرم من النكاح


المحرمات في النكاح عشر أشياء‏:‏

أحدها ‏:‏ المحرمات بالنسب ، وهن سبع ذكرهن الله سبحانه وتعالى بقوله ‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت‏}‏ فالأمهات ‏:‏ كل امرأة انتسبت إليها بولادة ، وهي ‏:‏ الأم ، والجدات من جهة الأم وجهة الأب وإن علون ‏.‏ والبنات ‏:‏ كل من انتسب إليك بولادة وهي ابنة الصلب وأولادها وأولاد البنين وإن نزلت درجتهن ‏.‏ و الأخت ‏:‏ من الجهات الثلاث ‏.‏ والعمات ‏:‏ كل من أدلت بالعمومة من أخوات الأب وأخوات الأجداد وإن علون من جهة الأب والأم ‏.‏ والخالات ‏:‏ كل من أدلى بالخؤولة من أخوات الأم وأخوات الجدات وإن علون من جهة الأب والأم ‏.‏ وبنات الأخ ‏:‏ كل من ينتسب ببنوة الأخ من أولاده وأولاد أولاده الذكور والإناث وإن نزلت درجتهن ، وكذلك بنات الأخ ، لأن الاسم ينطلق على البعيد والقريب ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏يا بني آدم‏}‏ ‏.‏ و ‏{‏يا بني إسرائيل‏}‏ ‏.‏ وقال ‏:‏ ‏{‏ملة أبيكم إبراهيم‏}‏ ‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه ‏:‏ ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً ‏.‏

ولا فرق بين النسب الحاصل بنكاح ، أو ملك يمين ، أو وطء شبهة أو حرام ‏.‏ فتحرم عليه ابنته في الزنى ، لدخولها في عموم اللفظ ، ولأنها مخلوقة من مائة فحرمت ، كتحريم الزانية على ولدها ‏.‏ وتحرم المنفية باللعان ، لأنها ربيبته ، ولاحتمال أنها ابنته ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع الثاني ‏:‏ المحرمات بالرضاع ، وهن مثل المحرمات بالنسب سواء ، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة‏}‏ نص على هاتين ، وقسنا عليهما سائر المحرمات بالنسب ‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب متفق عليه ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع الثالث ‏:‏ المحرمات بالمصاهرة ، وهن أربع ‏:‏ أمهات النساء ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وأمهات نسائكم‏}‏ ‏.‏ فمتى عقد النكاح على امرأة ، حرم عليه جميع أمهاتها من النسب والرضاع وإن علون على ما ذكرنا ‏.‏ وسواء دخل بالمرأة أو لم يدخل ، لعموم اللفظ فيهن ، ولما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ أيما رجل نكح امرأة دخل بها أو لم يدخل فلا يحل له نكاح أمها رواه ابن ماجه ‏.‏

الثانية ‏:‏ الربائب ، وهن بنات النساء ‏.‏ ولا تحرم ربيبته إلا أن يدخل بأمها ، فإن فارق أمها قبل أن يدخل بها ، حلت له ابنتها ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم‏}‏ ‏.‏ وإن ماتت قبل دخوله بها لم تحرم ابنتها ، للآية ‏.‏ وعنه ‏:‏ تحرم ، لأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق والعدة ، فكذلك هاهنا ‏.‏ وإن خلا بها ثم طلقها ولم يطأها ، فعنه ‏:‏ تحرم ابنتها كذلك ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ وهذا محمول على أنه حصل نظراً لشهوة أو مباشرة ، فيخرج كلامه على إحدى الروايتين ، فأما مع عدم ذلك فلا تحرم ، لأن الدخول كناية عن الجماع ولم يوجد والنسب والرضاع في هذا سواء ‏.‏

الثالثة ‏:‏ حلائل الأبناء ، وهن زوجات أبنائه ، وأبناء أبنائه وبناته ، وإن سفلوا من نسب أو رضاع ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم‏}‏ ويحرمن بمجرد العقد ، لعموم الآية فيهن ‏.‏

الرابعة ‏:‏ زوجات الأب القريب والبعيد من قبل الأب والأم من نسب أو رضاع ، يحرمن ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف‏}‏ وسواء دخل بهن أو لم يدخل ، لعموم الآية ‏.‏

فصل ‏:‏

كل من ذكرنا من المحرمات ، من النسب والرضاع ،تحرم ابنتها ، وإن نزلت درجتها ، إلا بنات العمات والخالات ، فإنهن محللات ، لقول الله تعالى ‏:‏ ‏{‏وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك‏}‏ وكذلك بنات من نكحهن الآباء ، والأبناء ، فإنهن محللات ،فيجوز للرجل ، نكاح ربيبة أبيه وابنه ، لقوله ‏:‏ ‏{‏وأحل لكم ما وراء ذلكم‏}‏ ‏.‏

فصل ‏:‏

ومن حرم نكاحها ، حرم وطؤها بملك اليمين ، لأنه إذا حرم النكاح لكونه طريقاً إلى الوطء ، فتحريم الوطء أولى ‏.‏ وكل من حرمها النكاح من أمهات النساء وبناتهن ، وحلائل الآباء والأبناء ، حرمها الوطء في ملك اليمين والشبهة والزنى كذلك ، ولأن الوطء آكد في التحريم من العقد ، وكذلك تحرم به الربيبة ، ولأنه سبب للبعضية ، أشبه الوطء في النكاح ‏.‏ ولا فرق بين الوطء في القبل والدبر ، لأن كل واحد منهما وطء في فرج يجب الحد بجنسه ، فاستويا في التحريم به ‏.‏ وإن وطئ صغيرة لا يوطأ مثلها ، أو ميتة ففيه وجهان ‏:‏ أحدهما ‏:‏ ينشر الحرمة ، لأنه معنى ينشر الحرمة المؤبدة ، أشبه الرضاع ‏.‏

والثاني ‏:‏ لا ينشرها ، لأنه ليس بسبب للبعضية ، أشبه النظر‏.‏ وفي القبلة واللمس لشهوة ، والنظر إلى الفرج لشهوة روايتان ‏:‏

إحداهما‏:‏ يحرم، لأنها مباشرة لا تباح إلا بملك ، فتعلق بها تحريم المصاهرة ، كالوطء‏.‏

والثانية ‏:‏ لا تحرم، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم‏}‏ ‏.‏ يريد بالدخول الوطء ‏.‏ وإن تلوط بغلام ، فاختار أبو الخطاب ‏:‏ أن حكمه في تحريم المصاهرة ، حكم المباشرة فيما دون الفرج ، لكونه وطءاً في غير محله‏.‏ وقال غيره من أصحابنا ‏:‏حكمه حكم الزنى ‏.‏ فيحرم على الواطئ أم الغلام وابنته ، ويحرم على الغلام أم الواطئ وابنته ، لأنه وطء في فرج آدمي ، أشبه الزنا بالمرأة ، وإن وطئ أم امرأته وابنتها ، انفسخ النكاح ، لأنه طرأ عليها ما يحرمها ، أشبه الرضاع ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع الرابع ‏:‏ تحريم الجمع وهو ضربان ‏:‏ جمع حرم لأجل النسب بين المرأتين ، وهو ثابت في أربع ‏.‏ بين الأختين ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وأن تجمعوا بين الأختين‏}‏ وسواء كانتا من أبوين ، أو من أحدهما ، أو من نسب أو رضاع ، لعموم الآية في الجميع ‏.‏

والثاني ‏:‏ بين الأم وبنتها ، لأن تحريم الجمع بين الأختين تنبيه على تحريم الجمع بين الأم وبنتها ‏.‏

والثالث ‏:‏ الجمع بين المرأة وعمتها ‏.‏

والرابع ‏:‏ الجمع بينها وبين خالتها ، لما روى أبو هريرة قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ لا يجمع بين المرأة وعمتها ، ولا بين المرأة وخالتها متفق عليه ‏.‏ ولأنهما امرأتان لو كانت إحداهما ذكراً ، حرمت عليه الأخرى ، فحرم الجمع بينهما ، كالأختين ‏.‏ ولأنه يفضي إلى قطيعة الرحم المحرم ، لما بين الزوجات من التغاير ، والتنافر ، والقريبة والبعيدة سواء في التحريم ، لتناول اللفظ لهما ، ولأن المحرمية ثابتة بينهما مع البعد ، فكذلك تحريم الجمع ‏.‏ فإن تزوج أختين في عقد واحد ، بطل فيهما ، لأن إحداهما ليست أولى بالبطلان من الأخرى ، فبطل فيهما ، كما لو باع درهماً بدرهمين ‏.‏ وإن تزوج امرأة وابنتها في عقد واحد ، ففيها وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يبطل فيهما ، كالأختين ‏.‏

والثاني ‏:‏ يبطل في الأم وحدها ، لأنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها ، والبنت لا تحرم بمجرد العقد ، فكانت الأم أولى بالبطلان ، فاختصت به ، وإن تزوجت امرأة ، ثم تزوج عليها من يحرم الجمع بينهما ، لم يصح نكاح الثانية وحدها ، لأنها اختصت بالجمع ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن تزوج امرأة ، ثم طلقها ، لم تحل له أختها ، ولا عمتها ولا خالتها حتى تنقضي عدتها ، رجعية كانت أو بائنة ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين ولأنها محبوسة على النكاح لحقه ، فأشبهت الرجعية ‏.‏ ولو قال ‏:‏ أخبرتني بانقضاء عدتها ، فكذبته ، لم يقبل قوله في إسقاط نفقتها وسكناها ، ويقبل في سقوط رجعتها ، لأنه يقر بسقوط حقه ‏.‏ وفي جواز نكاح أختها ، لأنه حق لله تعالى ، وهو مقلد فيه ‏.‏ ولو أسلم زوج المجوسية ، أو الوثنية ، لم يحل له نكاح أختها حتى تنقضي عدتها ‏.‏ وإن أسلمت زوجته دونه فنكح أختها ، ثم أسلما في عدة الأولى ، اختار منهما واحدة ، كما لو تزوجهما معاً ‏.‏ وإن أسلما بعد عدة الأولى ، بانت منه ، والثانية زوجته ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن ملك أختين ، جاز ، لأن الملك لا يختص مقصوده بالاستمتاع ، ولذلك جاز أن يملك من لا يحل له ، كالمجوسية ، وأخته من الرضاع ‏.‏ وله وطء إحداهما ، أيتهما شاء ، لأن الأخرى لم تصر فراشاً ، فلم يكن جامع بينهما في الفراش ، فإذا وطئها ، حرمت أختها ‏.‏ حتى تحرم الموطوءة بإخراج عن ملكه أو تزويج أو يعلم أنها ليست حاملاً ، لئلا يكون جامعاً بينهما في الفراش ، أو يكون جامعاً ماءه في رحم أختين ‏.‏ فإن عزلها عن فراشه و استبرأها ، لم تحل له أختها ، لأنه لا يؤمن عوده إليها ، فيكون جامعاً بينهما ‏.‏ وإن رهنها ، أو ظاهر منها ، لم تحل أختها ، لأنه متى شاء فك الرهن وكفر فأحلها ‏.‏ وكذلك إن كاتبها ، لأنه بسبيل من حلها بما لا يقف على غيرهما ، فأشبه ما لو رهنها ‏.‏ وروي عن أحمد ‏:‏ أنه لا يحرم الجمع بين الأختين في الوطء ، وإنما يكره لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏ ‏.‏ والمذهب الأول ، لكونه إذا حرم الجمع في النكاح لكونه طريقاً إلى الوطء ، ففي الوطء أولى ‏.‏ وإن تزوج امرأة فملك أختها ‏.‏ جاز ‏.‏ ولا تحل له الأمة ، لأن أختها على فراشه ‏.‏ فإن وطئها ، لم تحل الزوجة حتى يستبرئ الأمة ، ويحتمل أن تحرم حتى يخرج الأمة عن ملكه ، أو يزوجها ، لأنها قد صارت فراشاً ‏.‏ وإن وطء أمته ثم تزوج أختها ، فقال القاضي ‏:‏ ظاهر كلام أحمد أن النكاح لا يصح ، لأن النكاح سبب يصير به فراشاً ، فلم يجز أن يرد على فراش الأخت ، كالوطء ، قال أبو الخطاب ‏:‏ ظاهر كلام أحمد ‏:‏ أنه يصح ، لأن النكاح سبب يستباح به الوطء ، فجاز أن يرد على وطء الأخت ، كالشراء ‏.‏ ولا تحل المنكوحة حتى تحرم الأمة بإخراج عن ملكه ، أو تزويج ، لما ذكرنا في التي قبلها ‏.‏ وإن باع الموطوءة أو زوجها ، ثم تزوج أختها ، ثم عادت الموطوءة إلى ملكه ، لم تحل له ، كما لو اشتراها ابتداء ‏.‏ ولا تحرم الزوجة ، لأن النكاح أقوى ‏.‏

وعنه ‏:‏ ما يدل على تحريمها أيضاً ‏.‏ حتى يخرج الأمة عن ملكه ، لأن هذه فراش ، والمنكوحة فراش ، فلا يحل وطء واحدة منهما ، كما لو كانتا أمتين ‏.‏ ولو كانت له أمة يطأها ، فزوجها أو باعها ، ثم تسرى أختها فعادت الأولى إليه ، لم يبح له واحدة منهما حتى يحرم الأخرى ، لأن الأولى عادت إلى الفراش فاجتمعتا فيه ، فلم يبح له واحدة منهما قبل إخراج الأخرى عن الفراش ‏.‏ فإن ملك أختين فوطئهما ، فقد أتى محرماً ، ولا حد عليه ، لأنه وطئ مملوكته ، فأشبه وطء المظاهر منها ، ولا تحل له واحدة منهما حتى يحرم الأخرى ، كما يحرم وطء الأولى الثانية ‏.‏

فصل ‏:‏

إذا تزوج أختين في عقدين ، ثم جهل السابقة منهما ، حرمتا جميعاً ، لأن المحللة اشتبهت بالمحرمة فحرمتا جميعاً ، كما لو اشتبهت بأجنبية ، وعليه فراق كل واحدة منهما بطلقة ، لتحل لغيره ، ويزول حبسه عنها ، إلا أن يريد إمساك إحداهما ، فيطلق الأخرى ، ويجدد العقد للتي يمسكها ‏.‏ فإن طلقهما معاً قبل الدخول ، فعليه نصف المهر لإحداهما ، لأن نكاحها صحيح ، ولا يعلم أيتهما هي ، فيقرع بينهما فيه ، لأنهما سواء فيقرع بينهما ، كما لو أراد السفر بإحدى زوجتيه ، فمن خرجت له القرعة ، فلها نصف صداقها ‏.‏ وقال ‏:‏ أبو بكر يتوجه ألا يلزمه لهما صداق ، لأنه مجبر على طلاقهما ، فلم يلزمه صداقهما ، كما لو فسخ نكاحه برضاع أو غيره ‏.‏ قال ‏:‏ وهذا اختياري ‏.‏ وإن كان دخل بهما ، فعليه كمال الصداقين لهما ، إلا أن لإحداهما المسمى ، وفي الأخرى روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ لها المسمى أيضاً ‏.‏

والثانية ‏:‏ لها مهر المثل ، لأنه واجب بالإصابة ، لا بالعقد ‏.‏ فإن قلنا ‏:‏ يجب مهر المثل ، أقرعنا بينهما فيه ‏.‏ وإن أراد نكاح إحداهما ، طلق الأخرى ‏.‏ وعقد النكاح للثانية ، إلا أنه إن كان لم يدخل بواحدة منهما ، فله أن يعقد النكاح في الحال ‏.‏ وإن كان دخل بها ، لم يعقده حتى تنقضي عدتها ، لئلا يكون نكاحاً لإحداهما في عدة أختها ، أو ناكحاً لمعتدة من وطئه لها في غير ملكه ‏.‏

فصل ‏:‏

ولا يحرم الجمع بين ابنتي العم ، ولا ابنتي الخال ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وأحل لكم ما وراء ذلكم‏}‏ ولأن إحداهما لو كانت ذكراً ، حلت له الأخرى ، لكن يكره ، لما روى عيسى بن طلحة قال ‏:‏ ‏(‏‏(‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن تزوج المرأة على ذي قرابتها مخافة القطيعة ‏)‏‏)‏ وهذا محمول على الكراهة ، لما ذكرناه ، ويجوز الجمع بين المرأة وربيبتها ، للآية ‏.‏ وفعله عبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن صفوان بن أمية ‏.‏ ويجوز للرجل أن يتزوج ربيبة ابنه وربيبة أبيه ، وربيبة أمه ، للآية ‏.‏ ولأنه لا نسب بينهما ولا سبب محرم ‏.‏


فصل ‏:‏

الضرب الثاني‏:‏ تحريم الجمع، لكثرة العدد‏.‏ فلا يحل للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات بلا خلاف، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع‏}‏ يعني اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة ‏:‏ أمسك أربعاً وفارق سائرهن رواه الترمذي ‏.‏

وليس للعبد أن يتزوج أكثر من اثنتين ، لما روي عن الحكم بن عيينة أنه قال ‏:‏ أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين‏.‏روى الإمام أحمد أن عمر سأل الناس عن ذلك ، فقال ‏:‏ عبد الرحمن بن عوف ‏:‏ لا يتزوج إلا اثنتين ‏.‏ وهذا كان بمحضر من الصحابة فلم ينكر ، فكان إجماعاً ‏.‏ والحكم فيمن تزوج خمساً ، أو نكح خامسة من عدة الرابعة ، ونحو ذلك من الفروع ، كالحكم في الجامع بين أختين على ما مضى فيه ‏.‏

فصل ‏:‏

ويباح التسري من الإمام من غير حصر ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم‏}‏ ولأن القسم بينهن غير واجب ، فلم ينحصرن في عدد ، وللعبد أن يتسرى بإذن سيده ، نص عليه أحمد ، لأن ذلك قول ابن عمر ، وابن عباس ، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة ، ولأن العبد يملك في النكاح ، فملك التسري ، كالحر ‏.‏ وإنما يملك التسري إذا ملكه سيده وأذن له في التسري ‏.‏ قال القاضي ‏:‏ يجب أن يكون تسري العبد مبنياً على الروايتين من ثبوت الملك له بتمليك سيده ، لأن الوطء لا يباح إلا بنكاح ، أو ملك يمين ‏.‏ لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم‏}‏ والمكاتب كالقن سواء ، لأنه عبد ما بقي عليه درهم ‏.‏ فأما من بعضه حر ، فإن ملك بجزئه الحر جارية ،فملكه تام ، وله الوطء بغير إذن السيد ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏أو ما ملكت أيمانهم‏}‏ ولأن ملكه عليها تام ‏.‏ فأما تزويجه ، فإنه يلزمه حقوق تتعلق بجميعه ، فاعتبر رضى السيد به ، ليكون راضياً بتعلق الحق بملكه ‏.‏ وإن تسرى العبد بإذن سيده ثم رجع ، لم يكن له الرجوع ، نص عليه ، لأنه يملك به البضع فلم يملك فسخه ، كالنكاح ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ ويحتمل أنه أراد التزويج ‏.‏ وله الرجوع في التسري ، لأنه رجوع فيما ملكه لعبده ، فأشبه سائر المال ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع الخامس ‏:‏ المحرمات لاختلاف الدين ، فلا يحل لمسلم نكاح كافرة غير كتابية ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن‏}‏ وقوله ‏:‏ ‏{‏ولا تمسكوا بعصم الكوافر‏}‏ ‏.‏ ولا يحل نكاح مرتدة وإن تدينت بدين أهل الكتاب ، لأنها لا تقر على دينها ، ولا مجوسية ‏.‏ لأنه لم يثبت لهم كتاب ، ولا كتابية ، أحد أبويها غير كتابي ، لأنها لم تتمحض كتابية ، أشبهت المجوسية ، ولا من يتمسك بصحف إبراهيم وزبور داود ، أو كتاب غير التوراة والإنجيل ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا‏}‏ ‏.‏ ولأن تلك الكتب ليست بشرائع ، إنما هي مواعظ وأمثال ‏.‏ ويباح نكاح حرائر الكتابيات ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏}‏ وهم اليهود والنصارى ومن وافقهم من أصل دينهم ودان بالتوراة والإنجيل ، كالسامرة وفرق النصارى ، وفي نصارى بني تغلب روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ إباحة نسائهم ، لأنهن كتابيات فيدخلن في عموم الآية ‏.‏

والثانية ‏:‏ تحريمهن ، لأنه لا يعلم دخولهن في دينهم قبل تبديل كتابهم ‏.‏ ولا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال ، كتابياً كان أو غير كتابي ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا‏}‏ وقوله ‏:‏ ‏{‏فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن‏}‏ ‏.‏ وكل من تحل حرائرهم بالنكاح ، حل وطء إمائهم بملك اليمين ‏.‏ ومن حرم نكاح حرائرهم ، حرم وطء إمائهم بملك اليمين ، بالقياس على المحرمات بالرضاع ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع السادس ‏:‏ التحريم لأجل الرق وهو ضربان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ تحريم الإماء ، وهن نوعان ‏:‏ كتابيات ، فلا يحل لمسلم نكاحهن ولو كان عبداً ‏.‏ وعنه ‏:‏ يجوز ، والأول ‏:‏ المذهب ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات‏}‏ ‏.‏ فشرط في إباحتهن إيمانهن ، ولأنهن ناقصات من وجهين ، أشبه المشركات ‏.‏

والثاني ‏:‏ الأمة المسلمة ، فللعبد نكاحها ، لأنها تساويه ، ولا تحل لحر نكاحها إلا بشرطين ‏:‏ عدم الطول ، وهو ‏:‏ العجز عن نكاح حرة ، أو شراء أمة ‏.‏

والثاني ‏:‏ خشية العنت ‏:‏ وهو الزنى ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات‏}‏ ‏.‏ إلى قوله ‏:‏ ‏{‏ذلك لمن خشي العنت منكم‏}‏ فإن أمكنه نكاح حرة كتابية ، لم تحل له الأمة المسلمة ، لأنه لا يخشى العنت ، ولأنه أمكنه صيانة ولده عن الرق فحرم عليه إرقاقه ، كما لو قدر على نكاح مؤمنة ‏.‏ وإن تزوج أمة تحل له ، ثم وجد الطول ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ نكاحه باق ، اختاره الخرقي ، لأن زوال الشرط بعد العقد لا يبطله ، كما لو أمن العنت ‏.‏

والثاني ‏:‏ يبطل ، لأنه أبيح للضرورة فزال بزوالها ، كأكل الميتة ‏.‏ وإن تزوج حرة على أمة ‌‌‌فهل يبطل نكاح الأمة ‏؟‏ على روايتين كذلك ، فإن تزوج حرة تعفه وأمة في عقد واحد ، فسد نكاح الأمة ، لعدم شرطه ، وهو عدم طول الحرة ‏.‏ وفي نكاح الحرة روايتان ‏.‏

أصلهما تفريق الصفقة ‏.‏ وكذلك الحكم في كل عقد جمع فيه بين محللة ومحرمة ، كأجنبية وأخته من الرضاع ‏.‏ فإن كانت الحرة لا تعفه ، ولم يتمكن من نكاحها حرة تعفه ، ففي نكاح الأمة روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ لا يصح ، لأنه واجد الطول حرة ‏.‏

والثانية ‏:‏ يصح ، لأنه خائف العنت ، عادم الطول حرة تعفه ، فحلت له الأمة ، كالعاجز عن نكاح حرة ‏.‏ فعلى هذا يصح العقد فيهما جميعاً ، وكذلك الحكم إن كانت تحته حرة لا تعفه ، فيتزوج عليها أمة ، أو كان تحته أمة لا تعفه فيتزوج عليها ثانية ، ففيها روايتان ‏.‏

قال الخرقي ‏:‏ وله أن ينكح من الإماء أربعاً ، إذا كان الشرطان فيه قائمين ‏.‏ ووجه الروايتين ما تقدم ‏.‏ وإن تزوج أمتين في عقد وإحداهما تعفه ، بطل فيهما ، لأن إحداهما ليست بأولى من الأخرى ، فبطل فيهما ، كما لو جمع بين أختين ‏.‏

فصل ‏:‏

الضرب الثاني ‏:‏ أنه لا يحل للعبد نكاح سيدته ، لأن أحكام الملك والنكاح تتناقض ، إذا ملكها إياه يقتضي وجوب نفقته عليها ، وسفره بسفرها ، وطاعته إياها ‏.‏ ونكاحه إياها ، يوجب عكس ذلك ، فيتنافيان ‏.‏ ولا يصح أن يتزوج الحر أمته ، لأن النكاح يوجب للمرأة حقوقاً يمنعها ملك اليمين من القسم والمبيت فبطل ‏.‏ فإن ملكت المرأة زوجها ، أو جزءاً منه ، أو ملك الرجل زوجته أو جزءاً منها ، انفسخ النكاح ، لما ذكرنا ، ويحرم على الأب نكاح جارية ابنه ، لأن له فيها شبهة يسقط الحد بوطئها ، فلم يحل له نكاحها ، كالمشركة بينه وبين غيره ‏.‏ وللابن أن يتزوج أمة أبيه ، لعدم ذلك فيه ‏.‏ وإن تزوج جارية ثم ملكها ابنه ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يبطل النكاح ، لأن ملك الابن كملكه في إسقاط الحد وحرمة الاستيلاد ، فكان كملكه في إبطال النكاح ‏.‏

والثاني ‏:‏ لا يبطل ، لأنه يملكها بملك الابن ، فلم يبطل نكاحها ، كما لو ملكها أجنبي ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع السابع ‏:‏ منكوحة غيره ، والمعتدة منه ، والمستبرأة منه ، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏ ‏.‏ ولقوله‏:‏ ‏{‏ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله‏}‏ ‏.‏ ولأن تزويجها يفضي إلى تزوجيها يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب ، وسواء في ذلك المعتدة من وطء مباح ، أو محرم ، أو من غير وطء ، لأنه لا يؤمن أن تكون حاملاً ، فلو جوزنا تزويجها ، لاختلاط نسب المتزوج بنسب الواطئ الأول ‏.‏ ولا يجوز نكاح المزني بها بالحمل إلا أن تضع ‏.‏ فإن وطئت امرأة الرجل بشبهة أو زنا ، لم يفسخ نكاحه ، لأن النكاح سابق فكان أولى ‏.‏ ولا يحل له وطؤها حتى تنقضي عدتها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين ‏:‏ لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر يستقي ماء زرع غيره رواه الترمذي وقال ‏:‏ حديث حسن ، وأبو داود ، وزاد ، يعني ‏:‏ إتيان الحبالى ‏.‏ ولأنها ربما يأتي بولد من الزنا فينسب إليه ‏.‏ قال أحمد ‏:‏ وإذا علم الرجل من جاريته الفجور ، فلا يطؤها لعلها تلحق به ولداً ليس منه‏.‏

فصل ‏:‏

ولا يحل التعريض بخطبة الرجعية، لأنها زوجته، فأشبهت ما قبل الطلاق ، ويجوز التعريض بخطبة المعتدة من الوفاة ، والطلاق الثلاث ، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء‏}‏ ‏.‏ وروت فاطمة بنت قيس ‏:‏ أن أبا عمر بن حفص ابن المغيرة طلقها آخر ثلاث طلقات ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ لا تسبقيني بنفسك ويحرم التصريح ، لأن تخصيص التعريض بالإباحة دليل على تحريم التصريح، ولأن التصريح لا يحتمل غير النكاح ، فلا يأمن أن يحملها الحرص عليه على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها ، بخلاف التعريض ‏.‏ فأما البائن بخلع ، فلزوجها التصريح بخطبتها والتعريض ، لأنه يحل له نكاحها في عدتها ، إذ لا يصان ماؤه عن مائه ، ولا يخشى اختلاط نسبه بنسب غيره ‏.‏ وهل يحل لغير التعريض بخطبتها ‏؟‏ فيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا يحل ، لأن الزوج يملك استباحتها في عدتها فأشبهت الرجعية ‏.‏

والثاني ‏:‏ يحل ، لأنها بائن أشبهت المطلقة ثلاثاً ‏.‏ والمرأة كالرجل فيما يحل لها من الجواب ويحرم‏.‏ والتصريح أن يقول‏:‏ زوجيني نفسك إذا انقضت عدتك ونحوه ، والتعريض أن يقول ‏:‏ إني في مثلك لراغب ، ولا تسبقيني بنفسك ، وما أحوجني إلى مثلك ونحوه ‏.‏ وتجيبه ‏:‏ ما يرغب عنك ‏.‏ وإن قضي شيء كان ونحوه ‏.‏

فصل ‏:‏

ومن خطب امرأة فأجيب ، حرم على غيره خطبتها إلا أن يأذن ، أو يترك ، لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك متفق عليه ‏.‏ وفي حديث ‏:‏ أو يأذن له فيخطب ولأن في ذلك إفساداً على أخيه ، وإيقاعاً للعداوة بينهما فحرم ، كبيعه على بيعه ‏.‏ وإن لم يسكن إليه ، فلغيره خطبتها ، لما روت فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت‏:‏ أن معاوية وأبا جهم خطباها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أما أبو جهم ، فلا يضع العصا عن عاتقه ، وأما معاوية ، فصعلوك لا مال له ، ، أنكحي أسامة متفق عليه ‏.‏ فخطبها بعد خطبتها ‏.‏ وإن لم يعلم أجابت أم لا ‏؟‏ ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما‏:‏ التحريم، لعموم النهي ‏.‏

والثاني ‏:‏ الإباحة ، لأن الأصل عدم الإجابة المحرمة ‏.‏ والتعويل في الإجابة والرد عليها إن كانت غير مجبرة ، وعلى وليها إن كانت مجبرة ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع الثامن ‏:‏ الملاعنة ‏.‏ تحرم على الملاعن وتذكر في بابه ‏.‏

النوع التاسع ‏:‏ الزانية ، يحرم نكاحها حتى تتوب ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك‏}‏ ‏.‏ ولأنه لا يؤمن أن تلحق به ولداً من غيره ، فحرم نكاحها كالمعتدة ‏.‏ ويحرم نكاحها في عدتها على الزاني وغيره ، لأن ولدها لا يلحق نسبه بأحد ، فيؤدي تزويجها إلى اشتباه النسب‏.‏ فأما الموطوءة بشبهة ، أو في نكاح فاسد، فهل يحرم‏؟‏ فظاهر كلام الخرقي تحريمها على الواطئ، لقوله في الذي تزوج امرأة في عدتها ‏:‏ له أن ينكحها بعد انقضاء العدتين ، وذلك أنه وطء من غير ملك ‏.‏ أشبه الوطء المحرم ‏.‏ ويحتمل أن لا تحرم على الواطئ ، لأن نسب ولدها لاحق به ، فأشبهت المعتدة من النكاح ‏.‏

فصل ‏:‏

واختلف أصحابنا في الخنثى ، المشكل ‏.‏ فقال أبو بكر ‏:‏ لا يصح نكاحه ‏.‏ ونص عليه أحمد رضي الله عنه في رواية الميموني ، لأنه مشكوك في حله للرجال والنساء ، فلم يحل ، كما لو اشتبهت الأجنبية بالأخت ‏.‏ وقال الخرقي ‏:‏ يرجع إلى قوله ‏.‏ فإن قال ‏:‏ إني رجل ، حل له النساء وإن قال ‏:‏ أنا امرأة ، لم ينكح إلا رجلاً ، لأنه معنى لا يعرف إلا من جهته ‏.‏ وليس فيه إيجاب حق على غيره ، فوجب أن يقبل منه ، كما يقبل قول المرأة في انقضاء عدتها ، فعلى هذا إن عاد بعد نكاح المرأة ، فقال ‏:‏ أنا امرأة انفسخ نكاحه ، لإقراره ببطلانه ، ولزمه نصف المهر إن كان قبل الدخول ، وجميعه إن كان بعده ، ولا يحل له بعد ذلك أن ينكح ، لأنه أقر بقوله ‏:‏ أنا رجل ، بتحريم الرجال ، وأقرأ بقوله ‏:‏ أنا امرأة ،بتحريم النساء ‏.‏ وإن تزوج رجلاً ثم قال ‏:‏ أنا رجل ، لم يقبل قوله في فسخ نكاحه ، لأنه حق عليه ، فإذا زال النكاح فلا مهر له ، لأنه يقر أنه لا يستحقه ، وسواء دخل به أو لم يدخل ‏.‏ ويحرم عليه النكاح بعد ذلك لما ذكرناه ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع العاشر ‏:‏ التحريم للإحرام ‏.‏ فلا يجوز نكاح محرم ولا محرمة ، ولا يجوز عقد المحرم نكاح غيره ‏.‏ ومتى عقد أحد نكاحاً لمحرم ، أو على محرمة ، أو عقد المحرم نكاحاً لغيره ، أو لنفسه ، فالعقد باطل ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب رواه مسلم ‏.‏ ولأنه عارض منع الطيب فمنع النكاح ، كالعدة ‏.‏ وعنه ‏:‏ أنه عقد المحرم النكاح لغيره ، صحيح ، لأنه محرم ، لكونه من دواعي الوطء ، ولا يحصل ذلك بكونه ولياً ‏.‏ والأول أصح ، لعموم الخبر ، فأما إن كان شاهداً في النكاح ، انعقد بشهادته ، لأنه من أهل الشهادة ، فأشبه الحلال ‏.‏ وتكره له الشهادة والخطبة ، للخبر في الخطبة ، والشهادة في معناها ، لأنها معونة على النكاح ‏.‏


باب الشروط في النكاح


وهي قسمان صحيح وفاسد ‏.‏ فالصحيح نوعان‏:‏

أحدهما ‏:‏ شرط ما يقتضيه العقد ، كتسليم المرأة إليه ، وتمكنه من استمتاعها ، فهذا لا يؤثر في العقد ‏.‏ ووجوده كعدمه ‏.‏

والثاني ‏:‏ شرط ما تنتفع به المرأة ، كزيادة على مهرها معلومة ، أو نقد معين ، أو أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى ، أو لا يسافر بها ولا ينقلها عن دارها ولا بلدها ، فهذا صحيح يلزم الوفاء له ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج متفق عليه ‏.‏ وروي أن رجلاً تزوج امرأة وشرط لها دارها ، ثم أراد نقلها ، فخاصموه إلى عمر ، فقال ‏:‏ لها شرطها ‏.‏ فقال الرجل ‏:‏ إذاً يطلقننا ‏.‏ فقال عمر ‏:‏ مقاطع الحقوق عند الشروط ، ولأنه شرط لها ، فيه نفع ومقصود لا ينافي مقصود النكاح ، فصح ، كالزيادة في المهر ‏.‏ فإن لم يف به ، فلها فسخ النكاح ‏:‏ لأنه شرط لازم في عقد ، فثبت حق الفسخ بفواته ، كشرط الرهن في البيع ‏.‏

فصل ‏:‏

القسم الثاني ‏:‏ فاسد وهو ثلاثة أنواع ‏:‏

أحدها‏:‏ ما يبطل في نفسه ، ويصح النكاح ، مثل أن يشرط عليها أنه لا مهر لها ، أو الرجوع عليها بمهرها ، أو لا نفقة لها عليه ، أو أن نفقته عليها ، أو لا يطؤها ، أو يعزل عنها ، أو يقسم لها دون قسم صاحبتها ، أو ألا يقسم لها إلا في النهار ، أو ليلة في الأسبوع ونحوه ، فهذه الشروط باطلة في نفسها ، لأنها تتضمن إسقاط حق يجب بالعقد قبل انعقاده ، فلم يصح ، كإسقاط الشفعة قبل البيع ‏.‏ وقد نقل عن أحمد في النهاريات والليليات ‏:‏ ليس هذا من نكاح أهل الإسلام ، وهذا يحتمل إفساد العقد ، فيتخرج عليه سائر الشروط الفاسدة ، أنها تفسده ، لأنها شروط فاسدة ، فأفسدت العقد ، كما لو زوجه وليته ، بشرط أن يزوجه الآخر وليته ‏.‏ وهذا يحتمل أن يفسد بشرطها عليها ترك الوطء ، لأنه ينافي مقتضى العقد ومقصوده ‏.‏ ولو شرط عليها ألا يطأها ، لم يفسد ، لأنه الوطء حقه عليها وهي لا تملكه ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع الثاني ‏:‏ ما يفسد النكاح من أصله ، وهو أربعة أمور ‏:‏

أحدهما ‏:‏ أن يشرطا تأقيت النكاح ، وذلك نكاح المتعة ، مثل أن يقول ‏:‏ زوجتك ابنتي شهراً أو نحوه ، فالنكاح باطل ، نص عليه ، لما روى الربيع ابن سبرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏‏(‏ نهى عن المتعة في حجة الوداع ‏)‏‏)‏ وفي لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ حرم متعة النساء رواه أبو داود ‏.‏ ولأنه لم يتعلق به أحكام النكاح من الطلاق وغيره ، فكان باطلاً ، كسائر الأنكحة الباطلة ‏.‏ قال أبو بكر ‏:‏ فيه رواية أخرى ‏:‏ أنها مكروهة ، لأن أحمد قال في رواية ابن منصور يجتنبها أحب إلي ، فظاهرها الكراهة ، لا التحريم وغيره من أصحابنا يقول ‏:‏ المسألة رواية واحدة في تحريمها ‏.‏ ولو اشترط أن يطلقها في وقت بعينه ، لم يصح النكاح ، لأنه شرط يمنع بقاء النكاح ، فأشبهت التأقيت ‏.‏ ويتخرج أن يصح النكاح ويبطل الشرط ، لأن النكاح وقع مطلقاً ، وشرط على نفسه شرطاً لا يؤثر فيه ، فأشبه ما لو شرط ألا يطأها ‏.‏

فصل ‏:‏

الأمر الثاني ‏:‏ أن يزوجه وليته بشرط أن يزوجه الآخر وليته ، فهذا نكاح الشغار ‏.‏ ولا تختلف الرواية عن أحمد في فساده ، لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ نهى عن نكاح الشغار ، و الشغار ‏:‏ أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته وليس بينهما صداق ‏.‏ متفق عليه ‏.‏ ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفاً في الآخر ، فلم يصح ، كما لو قال ‏:‏ بعني ثوبك على أن أبيعك ثوبي ‏.‏ فإن سميا مع ذلك صداقاً ، فقال ‏:‏ زوجتك أختي على أن تزوجني أختك ، ومهر كل واحدة مائة ، فالمنصوص عن أحمد صحته ، لحديث ابن عمر ‏.‏ وقال الخرقي ‏:‏ لا يصح ، لما روى الأعرج أن العباس بن عبيد الله بن العباس ‏:‏ أنكح عبد الرحمن بن الحكم تبنته ، وأنكحه عبد الرحمن ابنته ‏:‏ وكانا جعلا صداقاً ، فكتب معاوية إلى مروان ‏:‏ يأمره أن يفرق بينهما ‏.‏ وقال في كتابه ‏:‏ هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود ولأنه شرط عقد في عقد فلم يصح ، كما لو باعه ثوبه بشرط أن يبيعه ثوبه ، وإن سمي لإحداهما مهراً ، دون الأخرى ، فقال أبو بكر ‏:‏ النكاح فاسد فيهما ، وقال القاضي ‏:‏ يجب أن يكون في التي سمى لها مهراً روايتان ‏.‏

فصل ‏:‏

الشرط الثالث ‏:‏ أن يشرط عليه إحلالها لزوج قبله ، ثم يطلقها فيكون النكاح حراماً باطلاً ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ لعن الله المحلل والحلل له قال الترمذي ‏:‏ هذا حديث صحيح ‏.‏ فإن تواطآ على ذلك قبل العقد فنواه في العقد ولم يشرطه ، فالنكاح باطل أيضاً ‏.‏ ونص عليه‏.‏ وقال‏:‏ متى أراد بذلك الإحلال، فهو ملعون، لعموم الحديث‏.‏ وروى نافع ‏:‏ أن رجلاً قال لابن عمر ‏:‏ امرأة تزوجتها أحلها لزوجها ولم يأمرني ولم تعلم ‏.‏ قال ‏:‏ لا ، إلا نكاح رغبة ، إن أعجبتك ، أمسكتها ، وإن كرهتها ، فارقتها ‏.‏ وإن كنا نعده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفاحاً ‏.‏ ولا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة ‏.‏ وإن شرط عليه سباقاً إحلالها فنوى غير ذلك ، صح ، لأنه خلا عن نية التحليل وشرطه ‏.‏ وإن قصدت المرأة التحليل ووليها دون الزوج ، لم يؤثر في العقد ، لأنه ليس إليهما إمساك ولا فراق ، فلم يؤثر بينهما ، كالأجنبي ‏.‏ وإن زوجها عبده بنية أن يهبها إياه لينفسخ نكاحه ، فهو نكاح المحلل ، لأنه قصد به التحليل‏.‏ وذكر القاضي ‏:‏ فيما إذا خلا العقد عن شرط التحليل وجهاً آخر ‏:‏ أنه يصح ‏.‏ وخرجه أبو الخطاب رواية ، لأنه روي عن أحمد ‏:‏ أنه كرهه فظاهر الصحة مع الكراهة ، لأنه مجرد النية لا يفسد العقد كما لو اشترى عبداً ينوي أن يبيعه ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع الثالث ‏:‏ فاسد ، وفي فساد النكاح به روايتان ‏:‏

وهو أن يتزوجها بشرط الخيار ، أو إن رضيت أمها ، أو إنسان ذكره ، أو بشرط ألا يكره فلان ، أو إن جاءها بالمهر إلى كذا ، وإلا فلا نكاح بينهما ‏.‏ فنقل عنه ابناه و حنبل ‏:‏ نكاح المتعة حرام ، وكل نكاح فيه وقت أو شرط فاسد ، لأن عقد النكاح يجب أن يكون ثابتاً لازماً ، فنافاه هذا الشرط ، كالخلع ‏.‏ ونقل عنه ‏:‏ أن العقد صحيح والشرط بالطل ، لأن النكاح يصح في المجهول فلم يفسد بالشرط الفاسد ، كالعتق ‏.‏ ونقل عنه فيمن شرط إن جاءها بالمهر في وقت كذا ، وإلا فلا نكاح بينهما ، أن الشرط صحيح ، لأن لها فيه نفعاً أشبه ما لو اشترط ألا يخرجها من دارها ‏.‏


باب الخيار في النكاح


وأسبابه أربعة‏:‏

أحدها ‏:‏ أن يجد أحدهما بصاحبه عيباً يمنع الوطء وهو سبعة أشياء ‏:‏ ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء ، وهي ‏:‏ الجنون مطبقاً كان أو غير مطبق ، والجذام ، والبرص ، واثنان في الرجل ‏:‏ الجب والعنة ، واثنان في المرأة ‏:‏ الرتق ، وهو انسداد الفرج ‏.‏ والفتق وهو انخراق ما بين مخرج البول والمني ‏.‏ وقيل ‏:‏ انخراق ما بين القبل والدبر ، فمن وجد بصاحبه عيباً منها ، فله الخيار في فسخ النكاح ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار فرأى بكشحها بياضاً ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ البسي ثيابك والحقي بأهلك فثبت الرد بالبرص ، بالخبر ، وقسنا عليه سائر العيوب ، لأنها في معناه في منه الاستمتاع ‏.‏ وإن كان قد بقي من ذكر المجبوب ما يمكن الجماع به ، ويغيب منه في الفرج قدر الحشفة ، فلا خيار لها ، لأنه لا يمنع الاستمتاع ‏.‏ وإن اختلفا في ذلك ، فالقول قول المرأة ، لأنه يضعف بالقطع ، والأصل عدم الوطء ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن وجد أحدهما الآخر خنثى ، أو وجت زوجها خصياً ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لها الخيار ، لأنه يثير نفرة ، وفيه نقص وعار ، فأشبه البرص ‏.‏

والثاني ‏:‏ لا خيار لها ، لأنه لا يمنع الاستمتاع ‏.‏ واختلف أصحابنا في البخر ، وهو نتن الفم ‏.‏ وفي الذي لا يستمسك بوله أو خلاه ‏.‏ فقال أبو بكر ‏:‏ يثبت به الخيار ، لأنه ينفر عن الاستمتاع ، ويتعدى ضرره ونجاسته ‏.‏ وقال غيره ‏:‏ لا خيار فيه ، لأنه لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه ، ويتخرج عليه الناصور و الباسور والقروح السيالة في الفرج ، لأنها في معناه‏.‏ واختلفوا في العفل ، وقيل ‏:‏ هي رغوة في الفرج يمنع لذة الوطء ، فعده الخرقي ‏:‏ مانعاً كذلك ، ولم يعده القاضي في الموانع ، لأنه لا يمنع الاستمتاع ‏.‏ وكذلك يخرج في الرائحة الكريهة التي في الفرج تثور عند الوطء‏.‏ وما عدا هذه العيوب، كالقرع والعمى والعرج لا يثبت به خيار ، لأنه لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه ‏.‏

فصل ‏:‏

ومن علم العيب وقت العقد ، فلا خيار له ، لأنه دخل على بصيرة بالعيب فأشبه من اشترى ما يعلم عيبه ‏.‏ وإن وجد بصاحبه عيباً به مثله ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لكل واحد منهما الخيار ، لوجود سببه ، فأشبه العبد المغرور بأمة ، ولأنه قد يعاف عيب غيره ، وإن كان به مثله ‏.‏

والثاني ‏:‏ لا خيار له ، لأنهما متساويان في النقص فأشبها القفيزين ‏.‏ وإن حدث العيب بأحدهما بعد العقد ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا خيار له ، وهو قول أبي بكر ‏:‏ لأنه عيب حدث بعد لزوم العقد أشبه الحادث بالمبيع ‏.‏

والثاني‏:‏ يثبت به الخيار ‏.‏ وهو ظاهر قول الخرقي ، لأنه عيب ، لو قارن ، أثبت الخيار ، فإذا حدث أثبته كالإعسار ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا علم العيب فأخر المطالبة بالفسخ ، لم يبطل خياره ، وقال القاضي ‏:‏ يبطل ، وأصلهما ما ذكرنا في خيار الرد بالعيب في المبيع ، وإن قال ‏:‏ رضيت به معيباً ، أو وجد منه دلالة على الرضى ، كالاستمتاع ، أو التمكين منه ، بطل خياره ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن فسخ قبل المسيس ، فلا مهر لها ، لأنه إن كان الفسخ منها ، فالفرقة من جهتها ، فأسقطت مهرها ، كردتها ‏.‏ وإن كان من الزوج ، فهو لمعنى من جهتها ، لحصوله بتدليسها ، فأشبه ما لو باشرتها ‏.‏ وإن كان بعد الدخول ، استقر المهر ولم يسقط ، لاستقرار النكاح بالدخول فيه ، ويجب المسمى ، لأنه نكاح صحيح فيه مسمى صحيح ، فوجب المسمى فيه ‏.‏ كما لو ارتدت ‏.‏ وذكر القاضي ‏:‏ أن فيه رواية أخرى أنه يجب مهر المثل بناء على العقد الفاسد ، وليس هذا بفاسد ، إذ لو كان فاسداً ، لما ثبت الخيار فيه ، ويرجع بالمهر على من غره ، لما روي عن عمر أنه قال ‏:‏ أيما رجل تزوج امرأة بها جنون أو جذام أو برص فمسها ، فلها صداقها، غرم على وليها ، ولأنه غره في النكاح بما يجب به المهر ، فكان المهر عليه ، كما لو غره بحرية أمة ‏.‏ وعنه ‏:‏ لا يرجع على أحد ، لأن ذلك يروى عن علي رضي الله عنه ‏.‏ فإن لم يعلم الولي ، فالغرور من المرأة ‏.‏ وإن طلق الزوج ثم علم بها عيباً ، فعليه المهر ، لا يرجع به على أحد ، لأنه رضي بالتزامه ‏.‏

فصل ‏:‏

ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم ، لأنه مختلف فيه ، فافتقر إلى الحاكم ، كالفسخ للإعسار ‏.‏ فإن رده الحاكم إلى مستحقه ، جاز ، والفرقة الواقعة بينهما فسخ لا طلاق ، لأنه رد لعيب ، فكان فسخاً كرد المشتري ‏.‏ وإن اتفقا على الرجعة ، لم يجز إلا بنكاح جديد ، ويرجع على ثلاث طلقات ‏.‏ وقال أبو بكر ‏:‏ فيها قول آخر ‏:‏ أنها تحرم على التأبيد ، لأنه فرقة حاكم ، فأشبهت فرقة اللعان ، ولنا أنها فرقة لعيب أشبهت فرقة المعتقة تحت عبد ‏.‏

فصل ‏:‏

وليس لولي صغير ولا صغيرة ولا سيد أمة تزويجهم بمعيب ، لأن فيه ضرراً بهم ، وعليه النظر في الحظ لهم ‏.‏ ولا لولي كبير تزويجها بمعيب بغير رضاها ، لأنه فيه ضرراً بها ‏.‏ فإن طلبت التزويج بمجبوب أو عنين ، لم يملك منعها ، لأن الضرر يختص بها ‏.‏ وإن أرادت التزويج بمعيب غيرهما ، فله منعها ، لأن عليه ضرراً أو عاراً ، ويخشى تعديه إليها وإلى ولدها ، ويحتمل أنه ليس منعها قياساً علة الجب والعنة‏.‏ فإن رضيا به ، جاز ويكره‏.‏ قال أحمد ما يعجبني أن يزوجها بعنين، وإن رضيت الساعة فتكره إذا دخلت ‏.‏ وإن حدث العيب بالرجل ، أو وجدته معيباً فرضيت به المرأة ، لم يكن لوليها إجبارها على الفسخ ، لأنه حقه في ابتداء العقد لا في دوامه ‏.‏ ولهذا يملك منعها من نكاح العبد ، ولو عتقت تحت عبد ، لم يملك إجبارها على الفسخ ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا اختلفا في عيب المرأة ، أريت النساء الثقات ، فرجع إلى قولهن ‏.‏ فإن ادعت المرأة أن زوجها عنيناً فأنكر ، فالقول قوله مع يمينه ، لأن الأصل السلامة ‏.‏ وإن اعترف ، أجله الحاكم عاماً منذ رافعته ، لما روى سعيد بن المسيب ‏:‏ إن عمر أجل العنين سنة ‏.‏ وعن علي والمغيرة مثله ‏.‏ ولأن العجز قد يكون لعارض من حرارة ، أو برودة ، أو يبوسة ، أو رطوبة ‏.‏ فإذا مضت السنة واختلف عليه الأهوية ولم يزل ، علم أنه خلقة ‏.‏ ولا تثبت المدة إلا بالحكم ، لأنها مدة مختلف فيها، بخلاف مدة الإيلاء ‏.‏ فإذا مضت السنة منذ ضربت له المدة ولم يطأها ، خيرت في المقام معه أو فراقه ، لأن الحق لها ‏.‏ فإن رضيته عنيناً ، أو قالت في وقت ‏:‏ قد رضيته عنيناً ، لم يكن لها خيار بعد ذلك ، لأنها رضيت العيب ، فأشبه ما لو رضيت المبيع المعيب ‏.‏ وإن اختارت فراقه ، فرق الحاكم بينهما ‏.‏ وإن اعترفت أنه وطئها مرة ، بطل كونه عنيناً ‏.‏ وإن ادعى أنه وطئها ، فادعت أنها عذراء ، أريت النساء الثقات ، فإن شهدن بما قالت ، فالقول قولها ، وإلا فالقول قوله ‏.‏ وإن اختلفا في ثيب ، فالقول قوله ، لأن الأصل السلامة ‏.‏ وعنه ‏:‏ القول قولها ، لأن الأصل عدم الإصابة ‏.‏ وعنه ‏:‏ يخلى معها في بيت ، ويقال‏:‏ أخرج ماءك على شيء ، فإن عجز عن ذلك ، فالقول قولها ‏.‏ وإن فعل ، فالقول قوله ‏.‏ فإن ادعت أنه ليس بمني ، جعل على النار ، فإن ذاب فهو مني ، وبطل قولها ، لأنه شبيه ببياض البيض ، وذاك إذا وضع على النار تجمع ويبس ، وهذا يذوب ، فيتميز بذلك أحدهما من الآخر ، فيختبر به ، لأن هذا قول عطاء ‏.‏ وإن اعترفت أنه وطئ غيرها ، أو وطئها في الدبر ، أو في نكاح آخر ، لم تزل عنته، لأنه قد يعن عن امرأة دون أخرى، وفي نكاح دون نكاح ، والدبر ليس بمحل للوطء ، فأشبه ما دون الفرج ‏.‏ ويقتضي قول أبي بكر أنها متى اعترفت بوطئه لغيرها ، أو لها ، في أي نكاح كان ، زالت عنته ‏.‏ وهذا اختيار ابن عقيل ، لأن العنة جبلة وخلقة ، فلا تبقى مع ما ينافيها ‏.‏ وأدنى الوطء الذي يخرج به من العنة ، إيلاج الحشفة في الفرج ، لأن الوطء الذي تتعلق به الأحكام دون غيره ‏.‏ وهل يحلف من القول قوله ‏؟‏ يحتمل وجهين ، بناء على الاستحلاف في غير دعوى المال ‏.‏

فصل ‏:‏

السبب الثاني ‏:‏ إذا عتقت المرأة وزوجها عبد ، فلها الخيار في فسخ النكاح ، لما روت عائشة قالت ‏:‏ كاتبت بريرة ، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها وكان عبداً ، فاختارت نفسها ‏.‏ قال عروة ‏:‏ ولو كان حراً ما خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏ رواه مالك في موطئه و أبو داود في سننه ‏.‏ وإن عتقت وزوجها حر، فلا خيار لها، للخبر، ولأنها كملت تحت كامل، فلم يثبت لها خيار ، كما لو أسلمت الكتابية تحت مسلم ، بخلاف زوجة العبد ‏.‏ ولها الفسخ بنفسها ، لأنه خيار ثبت بالنص والإجماع ، ولما روى الحسن عن عمر بن أمية قال‏:‏ سمعت رجالاً يتحدثون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ إذا أعتقت الأمة فيه بالخيار ما لم يطأها ، إن شاءت فارقته ، فإن وطئها فلا خيار لها رواه الإمام أحمد في المسند ‏.‏ وخيارها على التراخي ، للخبر ، ما لم يطأها ، فإن أمكنته من وطئها عالمة بالحال ، بطل خيارها ، للخبر ‏.‏ ولأنه دليل على رضاها به ، فبطل خيارها ، كما لو نطقت به ‏.‏ وإن لم تعلم ، بطل خيارها أيضاً ، نص عليه أحمد ، للخبر ‏.‏ وقال القاضي و أبو الخطاب ، لا يبطل ، لأن تمكينها مع جهلها لا يدل على رضاها به ، وإن لم تعلم بالعتق حتى وطئها ، ففيه وجهان، كالتي قبلها فعلى هذا إن ادعت الجهل بالعتق وهي ممن يجوز خفاؤه عليها ، لبعدها عن المعتق ، فالقول قولها مع يمينها ، وإن كانت ممن لا يخفى عليها ذلك لقربه واشتهاره ، لم يقبل قولها ، فإن ادعت الجهل بثبوت الخيار ، فالقول قولها ، لأنه لا يعلمه إلا خواص الناس ‏.‏ وإن أعتق العبد قبل اختيارها ، بطل خيارها ، لأن الخيار لدفع الضرر الحاصل بالرق ، وقد زال بعتقه فزال، كرد المعيب إذا زال عيبه ‏.‏ ولو أعتقا معاً ، فلا خيار لها ‏.‏ وعنه ‏:‏ لها الخيار ، والأول أولى، لأنها لو عتقت تحت حر ، لم يثبت لها خيار ، لعدم الضرر ، فكذا هاهنا ‏.‏ ويستحب لمن أراد عتق عبد وجاريته المتزوجين البداءة بعتق الرجل ، لئلا يكون للمرأة عليه خيار ‏.‏ وقد روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها ‏:‏ أنه كان غلام وجارية ، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إني أريد أن أعتقهما ، فقال لها ‏:‏ فابدئي بالرجل ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن أعتقت المجنونة والصغيرة ، فلا خيار لهما ، لأنهما لا عقل لهما ، ولا قول معتبر ، ولا يملكه وليهما ، لأن هذا طريقه الشهوة ، فلا يدخل تحت الولاية ، كالقصاص ، فإذا بلغت الصغيرة ، وعقلت المجنونة، فلها الخيار حينئذ ، لكونهما صارا على صفة يعتبر كلامهما ‏.‏ والحكم في وطئهما ، كالحكم في وطء الجاهلة بالعتق ‏.‏

فصل ‏:‏

إذا عتق بعض الأمة ، فلا خيار لها في إحدى الروايتين ، اختارها الخرقي ، لأنه لا نص فيها ، ولا يصح قياسها على من عتق جميعها ، لأنها أكمل منها ‏.‏

والثانية ‏:‏ لها الخيار ، اختارها أبو بكر ، لأنها أكمل من زوجها ، فأشبهت الكاملة بالعتق ‏.‏

فصل ‏:‏

إذا فسخت قبل الدخول ، سقط مهرها ، لأن الفسخ من جهتها ‏.‏ وعنه ‏:‏ يجب نصف المهر للسيد ، لأنه المستحق له ، فلا يسقط نصفه من جهة غيره ‏.‏ وإن رضيته ، فالمهر للسيد ، لأنه استحقه بالعقد ، وروي وإن فسخت بعد الدخول ، استقر المسمى للسيد ، لأنه وجب له بالعقد ، واستقر بالدخول ، فأشبه ما لو ارتدت ‏.‏ وإن طلقها قبل اختيارها ، وقع طلاقه ، ولسيدها نصف المهر ، وإن كان قبل الدخول ، وجميعه إن كان بعده ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ طلاقه موقوف، إن فسخت ، تبينا أنه لم يقع ، وإن لم تفسخ ، وقع ‏.‏ ولنا أنه طلاق من زوج جائز التصرف في نكاح صحيح ، فوقع ، كما لو لم يعتق ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن طلقها الزوج طلاقاً بائناً ، ثم أعتقت ، فلا خيار لها ، لأنه لا نكاح بينهما يفسخ ‏.‏ وإن كان رجعياً ، فلها الفسخ في العدة ، لأن نكاحها باق ، ويمكن فسخه ، فإذا فسخت ، انقطعت الرجعة ، وبنت على ما مضى من العدة ، كما لو طلقها بائنة ‏.‏ وإن اختارت المقام معه ، بطل خيارها ، لأنها حالة صح منها اختيار الفسخ ، فصح اختيار المقام ، كصلب النكاح ‏.‏

فصل ‏:‏

السبب الثالث ‏:‏ الغرر ‏.‏ فلو تزوجت المرأة رجلاً مطلقاً ، أو على أنه حر فبان عبداً ، فلها الخيار في فسخ النكاح ، لأنها إذا ملكت الفسخ بالحرية الطارئة ، فللسابقة أولى ‏.‏ ولها الفسخ من غير حاكم ، كما لو عتقت تحت عبد ‏.‏ ومن جعل الحرية من شروط الكفاءة ، والكفاءة من شروط النكاح ، أبطله ، لفوات شرطه ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن تزوج أمة على أنها حرة ، أو يظنها حرة ، وهو ممن لا يحل نكاح الإماء ، فالنكاح فاسد ، وعليه فراقها متى علم ، وحكمه حكم الأنكحة الفاسدة في المهر وغيره ‏.‏ وإن كان ممن تحل له الإماء ، فالنكاح صحيح ، لأن فوات صفة في المعقود عليه لا تفسد العقد ، كما لو تزوجها على أنها بيضاء فبانت سوداء ‏.‏ وفي الموضعين متى أصابها فولدت منه ، فالولد حر ، حراً كان الزوج أو عبداً، لأنه اعتقد حريتها، وعليه فداء أولاده ، لأن عمر وعلياً وابن عباس قضوا بذلك ‏.‏ وعنه ‏:‏ ليس عليه فداؤهم ، لأن الولد ينعقد حراً ، فلم يضمنه لسيدها ، لأنه لم يملكه ‏.‏ وعنه ‏:‏ يقال للزوج افتد ولدك وإلا ، فهم يتبعون الأم ‏.‏ والمذهب الأول ‏.‏ وله فسخ نكاحها إن أحب ، لأنه غرور بالحرية ، أشبه غرور المرأة ‏.‏ فإن فسخ قبل الدخول ، فلا مهر عليه ، لأن الفسخ لسبب من جهتها ‏.‏ وإن فارقها بعد الدخول ، فعليه المهر ما أصاب منها ، ويرجع بما غرمه من المهر ، وفداء الأولاد في الموضعين على من غره ، نص عليه أحمد ‏.‏ وذكره الخرقي ، لأن الصحابة الذين ذكرناهم قضوا به ‏.‏ وعن أحمد ‏:‏ لا يرجع بالمهر ، وهو اختيار أبي بكر ، لأنه يروى عن علي رضي الله عنه ‏.‏ ولأنه وجب في مقابلة نفع وصل إليه ‏.‏ وظاهر المذهب الأول ، لأن العاقد ضمن له سلامة الوطء ، كما ضمن له سلامة الولد ، فوجب أن يرجع به كقيمة الولد ‏.‏

فصل ‏:‏

ويفدي الأولاد بقيمتهم يوم الولادة ، لأنه يروى عن عمر رضي الله عنه ‏.‏ ولأنه محكوم بحريتهم يوم وضعهم ، فاعتبر فداؤهم يومئذ ‏.‏ وتجب القيمة ، لأنه ضمان وجب لفوات حرية، فأشبه ضمان حصة شريكه إذا سرى العتق إليه ‏.‏ وعنه ‏:‏ يفديهم بعبد مثلهم ، لأنه يروى عن عمر أنه قضى بفداء ولده بغرة غرة ، مكان كل غلام ،غلام ، ومكان كل جارية ،جارية ‏.‏ ولأن الولد حر ، فلا يضمن بقيمته ، كسائر الأحرار ‏.‏ وعنه ‏:‏ أنه مخير بين فدائهم بمثلهم و قيمتهم ، لأن الأمرين يرويان جميعاً عن عمر ‏.‏ فإن فداهم بمثلهم ، وجب مثلهم في القيمة ‏.‏ اختاره أبو بكر ، لأن الحق ينجبر بذلك ، ويحتمل أن ينظر إلى صفاتها تقريباً ، لأن الآدمي ليس من ذوات الأمثال ، ولا يفدى منهم إلا من ولد حياً في وقت يعيش مثله ، سواء عاش أو مات بعد ذلك ، لأن غير ذلك لا قيمة له ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن كان المغرور عبداً ، فولده أحرار ، لأنه وطئها يعتقد حريتها ، فكان ولده حراً ، كولد الحر ‏.‏ وعليه فداؤهم ، لأنه فوت رقهم ‏.‏ وهل يتعلق فداؤهم برقبته ، أو بذمته ‏؟‏ على وجهين‏:‏

أحدهما ‏:‏ برقبته كأرش جنايته ‏.‏

والثاني ‏:‏ بذمته ، كعوض الخلع من الأمة ‏.‏ ويرجع به على من غره ‏.‏ فإن قلنا برقبته ، رجع به في الحال ، لأنه يؤخذ من سيده في الحال ‏.‏ وإن قلنا ‏:‏ يتعلق بذمته لم يلزمه أداؤه حتى يعتق ، ولا يرجع به حتى يغرمه ، لأنه لا يرجع بشيء لم يفت عليه ، وتتعجل حريتهم في الحال ‏.‏ وللعبد الخيار إذا علم ، ويحتمل أن لا يثبت ، لأنه فقد صفة لم ينقص بها عن رتبته ، فأشبه ما لو شرط نسب امرأة فبان خلافه ‏.‏ والأول ظاهر المذهب ، لأنه مغرور بحرية ، فملك الفسخ ، كالحر الذي يباح له نكاح الإماء ‏.‏ وإن غرت الأمة بعبد ، فتزوجته على أنه حر ، فلها الخيار أيضاً، لأنها مغرورة بحرية من ليس بحر ، أشبهت المرأة الحرة، والعبد المغرور‏.‏ ويحتمل ألا يثبت لها خيار ، لأنه يكافئها ، ولا يؤثر رقه في إرقاق ولدها ، فأشبه ما لو شرطته أشرف نسباً منها ، فتبين أنه مثلها ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن غرها بنسبة وكان مخلاً بالكفاءة ، فقد مضى القول فيه ، وإن لم يخل بها ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدها ‏:‏ لا خيار لها ، لأن زيادة نسبه عليها ، لا يضرها فواته ، فأشبه ما لو شرطته جميلاً أو فقيهاً فبان بخلافه ‏.‏

والثاني ‏:‏ لها الخيار ، لأنها شرطت ما يقصد ، فأشبه شرط الصفة المقصودة في المبيع ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن شرطها بكراً ، فبانت ثيباً أو نسيبة أو جميلة أو بيضاء ، فبانت بخلافه ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا خيار له ، لأن النكاح لا يرد فيه بعيب سوى العيوب السبعة ، فلا يرد بمخالفة الشرط ، كما لو شرطت ذلك في الرجل ‏.‏

والثاني ‏:‏ له الخيار ، لأنها صفات مقصودة فصح شرطها ، كالحرية ‏.‏ وإن شرطها مسلمة فبانت كافرة ، أو تزوجها في دار الإسلام يظنها مسلمة ، فبانت كافرة ، فله الخيار ، لأنه نقص وضرر يتعدى إلى الولد ، فملك الخيار به ، إذا شرط عدمه ، كالرق ‏.‏ وإن تزوجها على أنها كتابية ، فبانت مسلمة ، فلا خيار له ، لأنها زيادة ‏.‏ وقال أبو بكر ‏:‏ له الخيار ، لأنه قد يكون له غرض في إسقاط العبادات عنها ، فيضره فواته ‏.‏ وإن تزوجها على أنها أمة ، فبانت حرة ، فلا خيار له ، لأنها زيادة ، وكذلك لو شرطها على صفة ، فبانت خيراً منها ، لأنه نفع ، فلم يثبت به الخيار ، كما لو شرطه في المبيع ‏.‏

فصل ‏:‏

والسبب الرابع ‏:‏ الإعسار بالنفقة ونحوها على ما نذكره في موضعه ، ومخالفته شرطها اللازم ، كاشتراطها دارها ونحوها على ما مضى ، والله أعلم ‏.‏
باب نكاح الكفار


أنكحتهم صحيحة إذا اعتقدوا إباحتها في شرعهم، وإن خالفت أنكحة المسلمين، فهي صحيحة ، إلا أن يتزوج محرمة عليه ، لأنه أسلم خلق كثير في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقرهم في أنكحتهم ، ولم يكشف عن كيفيتها ‏.‏ ولا يتعرض لهم ما لم يترفعوا إلينا ، لأننا صالحناهم على إقرارهم على دينهم ‏.‏ وعن أحمد في مجوسي تزوج نصرانية ‏:‏ أو ملك نصرانية يحول بينهما الإمام ، فيخرج من هذا أنه يفرق بينهم ، وبين ذوات المحارم ، لأن عمر كتب ‏:‏ أن فرقوا بين كل ذي رحم محرم من المجوس ‏.‏ وإن ملك نصراني مجوسية ، لم يحل بينهما ، لأنه أعلى منها ‏.‏ وقال أبو بكر ‏:‏ يمنع من وطئها أيضاً ، كما يمنع المجوسي من النصرانية ، فأما إن أسلموا وترافعوا إلينا ، لم ينظر في كيفية عقدهم ، ونظرنا في الحال ، فإن كانت المرأة ممن يجوز عقد نكاحها في الحال ، أقررناهما ‏.‏ وإن كانت ممن يحرم نكاحها في الحال ، كذات محرمة ، والمعتدة ، والمطلقة ثلاثاً ، فرقنا بينهما ‏.‏ وإن تزوجها بشرط الخيار مدة ، أو في عدتها ، ثم أسلما في المدة أو العدة ، فرقنا بينهما كذلك ‏.‏ وإن أسلما بعد انقضائهما ، أقررناهما عليه ‏.‏ وإن قهر حربي حربية ، فوطئها وطاوعته ، واعتقداه نكاحاً ، أقررناهما عليه ‏.‏ وإلا فلا ‏.‏ وإن أسلما وبينهما نكاح متعة ، أو نكاح شرط فيه الخيار متى شاء ، لم يقرا عليه ، لأنهما لا يعتقدان لزومه ولا تأبيده ‏.‏ وإن اعتقدا فساد الشرط وحده ، أقرا عليه‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا اسلم الزوجان معاً ، فهما على نكاحهما ، سواء أسلما قبل الدخول أو بعده ، لأن ذلك إجماع ، ولأنه لم يوجد بينهما اختلاف دين يقتضي الفرقة ‏.‏ وإن سبق أحدهما صاحبه وكان المسلم زوج كتابية ، فالنكاح بحاله ، لأنه يحل له ابتداء نكاحها ‏.‏ وإن أسلمت المرأة قبله ، أو أسلم أحد الزوجين الوثنيين ، أو المجوسيين ، قبل الدخول ، بانت منه امرأته ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن‏}‏ ‏.‏ وقوله ‏:‏ ‏{‏ولا تمسكوا بعصم الكوافر‏}‏ ‏.‏ وتقع الفرقة بسبق أحدهما الآخر بلفظه ، لأنه يحصل بذلك اختلاف الدين المحرم ، ويحتمل أن يقف على المجلس ، كالقبض ، لأن حكم المجلس حكم حالة العقد ، لأنه يبعد اتفاقهما على النطق بكلمة الإسلام دفعة واحدة ‏.‏ فإن كان إسلام أحدهما بعد الدخول ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ تتعجل الفرقة ، لما ذكرنا ‏.‏

والثانية ‏:‏ تقف على انقضاء العدة ‏.‏ فإن أسلم الآخر فيها ، فهما على نكاحهما ، وإن لم يسلم حتى انقضت ، تبينا أن الفرقة وقعت حين أسلم الأول ، بحيث لو كان وطئها في عدتها ولم يسلم ، أدب ، ولها عليه مهر مثلها ، لما روى ابن شبرمة قال ‏:‏ كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم الرجل قبل المرأة والمرأة قبله ، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته ‏.‏ وإن أسلم بعد العدة ، فلا نكاح بينهما ‏.‏ ولم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين زوجين أسلما ، مع أن جماعة منهم أسلموا قبل أزواجهم ، منهم أبو سفيان ، وجماعة أسلم أزواجهن قبلهم ، منهم صفوان بن أمية وعكرمة وأبو العاص ابن الربيع ‏.‏ والفرقة الواقعة بينهما فسخ ، لأنها فرقة عريت عن الطلاق ، فكانت فسخاً ، كسائر الفسوخ ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن أسلم الحر وتحته أكثر من أربع فأسلمن معه ، أو كن كتابيات ، أمر أن يختار منهن أربعاً ويخلي سائرهن ، سواء تزوجهن في عقد ، أو عقود متفرقة ، وسواء اختار أول من عقد عليها أو آخرهن ، لما روى قيس بن الحارث قال ‏:‏ أسلمت وتحتي ثمان نسوة ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له ذلك ‏.‏ فقال ‏:‏ اختر منهن أربعة رواه أبو داود ‏.‏ فإن أبي ، أجبر بالحبس والتعزير ، لأنه حق عليه يمكنه إيفاؤه فأجبر عليه ، كالدين ‏.‏ ولا يملك الحاكم الاختيار عنه ، لأنه حق لغير معين ‏.‏ فإن جن ، خلي حتى يفيق ، ثم يخير لأنه عجز عن الاختيار ، فأشبه العاجز عن الدين بالإعسار ، وعليه نفقة الجميع إلى أن يختار ، لأنهن محبوسات عليه بحكم النكاح ‏.‏ فإن مات قبل الاختيار ، لم يقم وارثه مقامه ، لما ذكرنا ‏.‏ ولزم جميعهن العدة ، لأن كل واحدة يجوز أن تكون زوجة ‏.‏ وعدة الحامل وضع حملها ‏.‏ وعدة ذوات الأشهر أربعة أشهر وعشراً ‏.‏ وعدة ذوات الأقراء أطول الأجلين من ثلاثة قروء وعدة الوفاء ، ليسقط الفرض بيقين ، والميراث لأربع منهن بالقرعة ، إلا أن يصطلحن عليه فيكون بينهن على ذلك ‏.‏

فصل ‏:‏

والاختيار أن يقول ‏:‏ قد اخترت هؤلاء ، أو نكاح هؤلاء ، أو أمسكتهن ، أو نحو هذا ‏.‏ وإن قال ‏:‏ اخترت فسخ نكاح هؤلاء ، كان اختياراً لغيرهن ‏.‏ وإن طلق واحدة ، كان اختياراً لها ، لأن الطلاق لا يكون إلا لزوجة ‏.‏ وإن قال ‏:‏ فارقت هذه ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يكون اختياراً لنكاحها ، لأن الفراق طلاق ‏.‏

والثاني ‏:‏ يكون فسخاً لنكاحها واختياراً لغيرها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أمسك منهن أربعاً و فارق سائرهن وهذا يقتضي أن يكون لفظ الفراق صريحاً في ترك نكاحها ‏.‏ وإن وطئ إحداهن ، كان اختياراً لها في قياس المذهب ، كما لو وطئ لجارية المعيبة في مدة الخيار ‏.‏ وإن آلى ، أو ظاهر منها ، لم يكن اختياراً لها ، لأنه يصح في غير زوجة ، ويحتمل أنه اختيار لها ، لأنه لا يؤثر إلا في زوجة ‏.‏ فإن طلق الجميع ، أقرع بينهن ، فإذا وقعت القرعة على أربع منهن ، فهن المختارات ، فيقع طلاقه بهن ، وينفسخ طلاق البواقي ، وله نكاح من شاء منهن بعد انقضاء عدة المطلقات‏.‏ وإن أسلم قبلهن وقال ‏:‏ كلما أسلمت واحدة منهن ، فقد اخترتها أو فقد فسخت نكاحها ، لم يصح ، لأن الاختيار والفسخ ، لا يصح تعليقه على شرط ولا على غير معين ، لأنه كالعقد ، ولأن الفسخ إنما يستحق فيما زاد على الأربع ، وقد يجوز ألا يسلم أكثر من أربع ، وإن قال ‏:‏ كلما أسلمت واحدة ، فهي طالق ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يصح ، لأن الطلاق يصح تعليقه على شرط ‏.‏ وكلما أسلمت واحدة طلقت ، وكان اختياراً لها ‏.‏

والثاني ‏:‏ لا يصح ، لأنه يتضمن الاختيار الذي لا يصح تعليقه بالشرط ‏.‏ وإن قال ‏:‏ اخترت فلانة ، أو فسخت نكاحها قبل إسلامها ، لم يصح ، لأنه ليس بوقت لاختيار ولا فسخ ‏.‏ وإن طلقها ، كان موقفاً إن أسلمت ، تبينا وقوع طلاقه ، وإلا طلاقه ، وإلا فلا ‏.‏ وإن وطئ واحدة ، فأسلمت في عدتها ، تبينا أنه وطئ زوجته ‏.‏ وإن لم تسلم ، فقد وطئ أجنبية ، وإن طلق الجميع ، فأسلمن في العدة ، أمر باختيار أربعة منهن ، فيتبين وقوع طلاقه بهن ، ويعتددن من حين طلاقه ، وبان سائرهن بغير طلاق ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن أسلم عبد وتحته أكثر من اثنتين فأسلمن معه ، لزمه اختيار اثنتين ، لأنهما في حقه كالأربع في حق الحر ‏.‏ فإن عتق قبل الاختيار ، لم يجز له الزيادة على اثنتين ، لأنه ثبت له الاختيار وهو عبد ‏.‏ وإن أسلم وعتق ثم أسلمن ، أو أسلمن ثم عتق ، ثم أسلم ، لزوه نكاح أربع ، لأنه في وقت الاختيار ممن له نكاح أربع ‏.‏

فصل ‏:‏

ومن أسلم وتحته أختان ، لزمه أن يختار إحداهما ، لما روى الضاحك بن فيروز عن أبيه قال ‏:‏ قلت ‏:‏ يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان ‏.‏ قال ‏:‏ طلق أيهما شئت رواه أبو داود ‏.‏ ولأن الجمع بينهما محرم ، فأشبه الزيادة على الأربع ، وهذا القول في المرأة وعمتها ، والمرأة وخالتها ، لأن جمعهما محرم ‏.‏ وإن أسلم وتحته امرأة وبنتها ولم يدخل بالأم ، انفسخ نكاحها ، لأنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها ، وثبت نكاح بنتها ، لأنها لا تحرم قبل الدخول بأمها ‏.‏ وإن كان قد دخل بالأم ،انفسخ نكاحهما ، وحرمتا على التأبيد ‏.‏

فصل ‏:‏

ولو أسلم حر وتحته إماء ، فأسلمن معه ، وهو ممن لا يحل له نكاح الإماء ، انفسخ نكاح الإماء ‏.‏ وإن كان ممن يحل له نكاح الإماء ، اختار منهن واحدة ، لأنه يملك ابتداء نكاحها فملك اختيارها كالحرة ‏.‏ ولو أسلم وهو موسر ، فلم يسلمن حتى أعسر ، فله الاختيار منهن ، لأن وقت الاختيار حين اجتماعهن على الإسلام ،فاعتبر حاله حينئذ ‏.‏ وإن أسلم وهو معسر فلم يسلمن حتى أيسر ، لم يكن له الاختيار منهن كذلك ‏.‏ فإن أسلمت معه واحدة ، فله اختيارها ،وله انتظار الباقيات ، لأن له غرضاً صحيحاً فيه ، فإن اختار الأولى ثبت نكاحها ، وانقطعت عصمة البواقي منذ اختلف دينهن ‏.‏ وإن اختار فسخ نكاح المسلمة ، لم يكن له ذلك ، لأن الفسخ إنما يكون في الفضل عمن يثبت نكاحها ولا فضل ‏.‏ فإن فسخ ولم تسلم البواقي ، لزمه نكاحها وبطل الفسخ ، وإن أسلمن فله اختيار واحدة ‏.‏ فإن اختار التي فسخ نكاحها ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ له ذلك ، لأن الفسخ كان قبل وقته ، فوجوده كعدمه ‏.‏

والثاني ‏:‏ ليس له ذلك ، لأننا إنما منعنا الفسخ فيها ، لكونها غير فاضلة ، وبإسلام غيرها صارت فاضلة ، فصح فسخ نكاحها ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن أسلم وتحته حرة وأمة ، فأسلمتا في عدتهما ، ثبت نكاح الحرة ، وبطل نكاح الأمة ، لأن لا يجوز له ابتداء نكاح أمة وتحته حرة ‏.‏ وإن لم تسلم الحرة في عدتها ، ثبت له نكاح الأمة ، وإن كان ممن له نكاح الإماء ‏.‏ وإن أسلمتا في العدة ، ثم ماتت الحرة ، أو عتقت الأمة ، لم يكن له إمساك الأمة ، لأن نكاحها انفسخ بإسلام الحرة ‏.‏ وإن عتقت الأمة قبل إسلامها ، فله إمساكها ، لأن الاعتبار بحالة اجتماعهم على الإسلام ، وهي حرة حينئذ ‏.‏ وإن أسلمت قبله وعتقت ، ثم أسلم الزوج ، فله إمساكها كذلك ‏.‏ ولو أسلم وتحته إماء ، فعتقت إحداهن ، ثم أسلمن كلهن ، لزم نكاح الحرة ، وانفسخ نكاح الإماء ‏.‏ وإن أسلمت إحداهن ، ثم عتقت ، ثم أسلم البواقي ، فله الاختيار منهن ، لأن الاعتبار بحالة الاختيار ، وحالة الاختيار حالة اجتماعهما على الإسلام ، وهي أمة حينئذ ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا ارتد الزوجان ، أو أحدهما قبل الدخول ، انفسخ النكاح ، لاختلاف دينهما ، أو كون المرأة بحال لا يحل نكاحها ‏.‏ وإن كان بعده ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ تتعجل الفرقة ‏.‏

والثانية ‏:‏ تقف على انقضاء العدة ‏.‏ فإن اجتمعا على الإسلام قبل انقضائها ، فهما على النكاح ‏.‏ وإن لم يجتمعا ، وقعت الفرقة من حين الردة ، لأنه انتقال عن دين يمنع ابتداء النكاح ، فكان حكمه ما ذكرنا ، كإسلام أحد الزوجين ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن انتقل الكتابي إلى دين غير أهل الكتاب ، كالمجوسية وغيرها ، ففيه ثلاث روايات ‏:‏

إحداهن ‏:‏ يجبر على الإسلام ، ولا يقبل منه غيره ، لأن ما سواه باطل اعترف ببطلانه ، لأنه لما كان على دينه اعترف ببطلان ما سواه ، ثم اعترف ببطلان دينه حين انتقل عنه ، فلم يبق إلا الإسلام ‏.‏

والثانية ‏:‏ لا يقبل إلا منه الإسلام ، أو الدين الذي كان عليه ، لأننا أقررناه عليه أولاً ، فنقره عليه ثانياً ‏.‏

والثالثة ‏:‏ لا يقبل منه إلا الإسلام ، أو دين أهل الكتاب ، لأنه دين أهل كتاب فيقر عليه كغيره من أهل ذلك الدين ‏.‏ وإن انتقل المجوسي إلى دين أهل الكتاب ، أو انتقل كتابي إلى دين آخر من دين أهل الكتاب ، ففيه ثلاث روايات ‏:‏

إحداهن ‏:‏ لا يقبل منه إلا الإسلام ، لما ذكرنا ‏.‏

والثانية ‏:‏ يقر على ما انتقل إليه ‏.‏

والثالثة ‏:‏ لا يقبل منه إلا الإسلام ، أو دينه الذي كان عليه ، لما تقدم ‏.‏ وإذا قلنا ‏:‏ لا يقبل منه إلا الإسلام ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ أنه يجبر عليه بالقتل ، كالمرتد ‏.‏

والثانية ‏:‏ أنه إن انتقل إلى المجوسية ، أجبر بالقتل ، وإن انتقل إلى دين أهل الكتاب ، لم يجبر بالقتل ، لكن يجبر بالضرب والحبس ، لأنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب ، فلم يقبل ، كالباقي على دينه ‏.‏ وكل موضع قلنا ‏:‏ لا يقر ، فإذا انتقلت الكتابية المتزوجة للمسلم ، فحكمها حكم المرتدة على ما يبين في موضعه ‏.‏

فصل ‏:‏

إذا أسلم الزوجان قبل الدخول ، فقالت المرأة ‏:‏ أسلم أحدنا فانفسخ النكاح ، وقال ‏:‏ بل أسلمنا معاً ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ القول قول الزوج ، لأن الأصل بقاء النكاح ‏.‏

والثاني ‏:‏ القول قولها ، لأن الظاهر معها ، فإن اجتمع إسلامهما حتى لا يسبق أحدهما الآخر ، بعيد ‏.‏ وإن اتفقا على سبق أحدهما ، وقالت المرأة ‏:‏ أنت السابق فعليك نصف المهر ‏.‏ وقال الزوج ‏:‏ بل أنت سبقت فلا مهر لك ، فالقول قول المرأة، لأن الأصل بقاء المهر وعدم سقوطه‏.‏ وإن أسلما بعد الدخول فقال الزوج ‏:‏ أسلمت في عدتك، فالنكاح باق، وقالت ‏:‏ بل انقضت عدتي قبل إسلامك ، فالقول قول الزوج ، لأن الأصل بقاء النكاح‏.‏ وفيه وجه آخر، أن القول قول المرأة ، لأن الأصل عدم إسلام الثاني ‏.‏ وإن قال ‏:‏ أسلمت قبلك ، فلا نفقة لك ، فقالت ‏:‏ بل أسلمت قبلك فلي النفقة ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ القول قولها ، لأن الأصل وجوب النفقة ‏.‏

والثاني ‏:‏ القول قوله ، لأن النفقة إنما تجب بالتمكين من الاستمتاع ، والأصل عدم وجوبه ‏.‏

فصل ‏:‏

إذا أسلم أحد الزوجين الكافرين ، ثم ارتد ولم يسلم الآخر في العدة ، فعدتها من حين أسلم الأول ‏.‏ وإن أسلم الثاني في العدة ، فابتداء العدة من حين ارتد ، لأن الحكم اختلاف الدين بإسلام الأول زال بإسلام الثاني منهما ‏.‏ ولو أسلم رجل وتحته عشر نسوة فأسلمن ، ثم ارتددن ، أو ارتد دونهن ، لم يكون له أن يختار منهن ، لأنه لا يملك العقد عليهن في الحال ‏.‏

فصل ‏:‏

ولو أسلم عبد وتحته أمة كافرة فأعتقت ، أو أسلمت قبله ثم أعتقت ، فلها فسخ النكاح ، لأنها عتقت تحت عبد ، فإذا فسخت ، ثم أسلم الثاني في العدة بانت بفسخ النكاح ‏.‏ وإن لم يسلم الثاني ، تبينا أنها بانت باختلاف الدين ، وعليها عدة حرة في الموضعين ، لأنها وجبت وهي حرة ، أو عتقت في أثناء عدة يمكن الزوج تلافي نكاحها فيها ، فأشبهت الرجعية ‏.‏ وإن أخرت الفسخ حتى أسلم الثاني منهما ، لم يسقط حقها ، لأنها تركته اعتماداً على جريانها إلى البينونة ، فأشبهت الرجعية ‏.‏ وإن قالت ‏:‏ قد رضيت بالزوج ، فذكر القاضي ‏:‏ أنه يسقط حقها ، لأنها رضيته في حال يمكن فسخه فصح ، كحالة اجتماعهما على الإسلام ‏.‏


كتاب الصداق


يستحب أن يعقد النكاح بصداق ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يتزوج ويزوج بناته بصداق ‏.‏ وعن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم ، جاءته امرأة فقالت‏:‏ إني وهبت نفسي لك ، فقال رجل ‏:‏ يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال‏:‏ هل عندك من شيء تصدقها إياه ‏؟‏ فقال ‏:‏ ما عندي إلا إزاري هذا ‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إزارك إن أعطيتها إياه جلست ولا إزار لك ، فالتمس شيئاً آخر فقال ‏:‏ لا أجد ، فقال ‏:‏ التمس ولو خاتماً من حديد فالتمس فلم يجد شيئاً ‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ هل معك شيء من القرآن ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسورة يسميها‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ زوجتكها بما معك من القرآن متفق عليه ‏.‏ ولأنه أقطع للنزاع فيه ‏.‏

ويجوز من غير صداق ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن‏}‏ ‏.‏ فأثبت الطلاق مع عدم الفرض ، ولأن القصد بالنكاح الوصلة والاستمتاع ، وهو حاصل بغير صداق ‏.‏

فصل ‏:‏

ويجوز أن يكون الصداق قليلاً ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ التمس ولو خاتماً من حديد ولأنه بدل منفعتها ، فكان تقديره إليها ، كأجرتها ‏.‏ ويجوز أن يكون كثيراً ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً‏}‏ ‏.‏ ولا تستحب الزيادة على خمسمائة درهم ، لأنه صداق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته ‏.‏ بدليل ما روى أبو سلمة قال ‏:‏ سألت عائشة عن صداق النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت ‏:‏ ثنتا عشر أوقية ونش ، فقلت ‏:‏ وما نش ‏؟‏ قالت ‏:‏ نصف أوقية ‏.‏ رواه مسلم ، و أبو داود ‏.‏ ولأنه إذا كثر ، أجحف ، ودعا إلى المقت ‏.‏ ويستحب تخفيفه ، لما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة رواه أحمد ‏.‏

فصل ‏:‏

وكل ما جاز ثمناً في بيع ، أو عوضاً في إجارة ، من دين وعين ، وحال مؤجل ، ومنفعة معلومة ، من حر أو عبد ، كرد عبدها من مكان معين ، وخدمتها في شيء معلوم ، جاز أن يكون صداقاً ، لأن الله تعالى أخبر عن شعيب أنه قال ‏:‏ ‏{‏إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج‏}‏ فجعل الرعي صداقاً ، و لأنه عقد على المنفعة فجاز ما ذكرنا ، كالإجارة ‏.‏

فصل ‏:‏

وما لا يجوز أن يكون ثمناً ولا أجرة ، لا يجوز أن يكون صداقاً ، كالخمر ، وتعليم التوراة ، والإنجيل ، وتعليم الذمية القرآن ، والمعدوم ، وما لم يتم ملكه عليه ، كالمبيع المعتبر قبضه قبل قبضه ، وما لا يقدر على تسليمه ، كالآبق ، والطير في الهواء ، لأنه عوض في عقد ، فأشبه عوض البيع والإجارة ‏.‏ ولا يصح أن يكون مجهولاً ، كعبد وثوب ، هذا اختيار أبي بكر ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ يصح في مجهول جهالة لا تزيد على مهر المثل ، كعبد أو فرس أو بعير ، أو ثوب هروي ، أو قفيز حنطة ، أو قنطار زيت ، لأنه لو تزوجها على مهر مثلها ، صح مع كثرة الجهل ، فهذا أولى ‏.‏ فإن زادت جهالته على جهالة مهر المثل ، كثوب ودابة وحكم إنسان، ورد عبدها أين كان، وخدمتها فيما أرادت، لم يصح‏.‏ وقال أبو الخطاب ‏:‏ إن تزوجها على عبد من عبيده ، صح ولها أحدهم بالقرعة ‏.‏ نص عليه أحمد ‏.‏ وعلى هذا يخرج إذا أصدقها قميصاً من قمصانه ، أو عمامة من عمائمه ، أو دابة من دوابه ، لأن الجهالة تقل فيه ‏.‏ ولا تصح على عبد مطلق ، لأن الجهالة تكثير ، ولنا أنه عوض في عقد معاوضة ، فلم يصح مجهولاً ، كثمن البيع ‏.‏ وتأويل أبو بكر ، نص أحمد على أنه عين عبداً فأشكل عليه ، فإن أصدقها ما لا يجوز أن يكون صداقاً ، لم يبطل النكاح ‏.‏ ونقل المروذي عن أحمد ‏:‏ إذا تزوج على مال بعينه غير طيب ، أنه كرهه ، وأعجبه استقبال النكاح ، وهذا يدل على أن النكاح لا يصح ، اختاره أبو بكر ، لأنه عقد معاوضة ، ففسد بفساد العوض، كالبيع ، والأول أولى ، لأن فساده ليس بأكثر من عدمه ، وعدمه لا يفسد العقد ‏.‏ ويجب لها مهر المثل ، لأنها لم ترض إلا ببدله ، ولم يسلم البدل ، وتعذر رد العوض، فوجب رد بدله ، كما لو باعه سلعة بخمر فتلفت عند المشتري ‏.‏ وعلى قول القاضي ‏:‏ إذا أصدقها مجهولاً ، وجب لها الوسط ، ووسط العبيد السندي ، فيجب ذلك لها ‏.‏ وإن جاءها بقيمته ، لزم قبوله ، قياساً على الإبل في الدية ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن أصدقها عبداً فخرج حراً ، أو مستحقاً ، فله قيمته ، لأن العقد وقع على التسمية ، لأنها رضيت بقيمته إذ ظنته مملوكاً ، وقد تعذر تسليمه ، فكانت لها قيمته ، كما لو وجدته معيباً فردته ‏.‏ وإن أصدقها مثلياً فخرج مستحقاً ، فلها مثله ، لأنه أقرب إليه ، ولذلك يضمن به في الإتلاف ‏.‏ وإن أصدقها عصيراً فخرج خمراً ، فذكر القاضي ‏:‏ أن لها قيمته ، لأن الخمر ليس من ذوات الأمثال ، ويحتمل أن يلزمه مثل العصير المسمى ، لأنه مثلي ، فوجب إبداله بمثله ، كما لو أتلف ‏.‏ ويفارق هذا ما إذا قال ‏:‏ أصدقتك هذا الخمر ، أو هذا الحر ، لأنها رضيت بما لا قيمة له ، فأشبهت المفوضة ، ولم ترض هاهنا بذلك ‏.‏ وإن قال ‏:‏ أصدقتك هذا الخمر ، أشار إلى الخل ، أو هذا الحر وأشار إلى عبده ، صح ولها المشار إليه ، لأنه محل يصح العقد عليه ، فلم يختلف حكمه باختلاف تسميته ، كما لو قال ‏:‏ أصدقتك هذا الأبيض ، وأشار إلى الأسود ‏.‏ وإن تزوجها على شيء فخرج معيباً ، فهي مخيرة بين أخذ أرشه ، وبين رده وأخذ قيمته ، أو مثله إن كان مثلياً ، لما ذكرنا في أول الفصل ‏.‏


فصل ‏:‏

وإن تزوج الكافر كافرة بمحرم ثم أسلما ، أو تحاكما إلينا قبل الإسلام والقبض ، سقط المسمى ووجب مهر المثل ، لأنه لا يمكن إجباره على تسليم المحرم ‏.‏ وإن كان بعد القبض ، برئت ذمته ، كما لو تبايعا بيعاً فاسداً وتقابضا ‏.‏ وإن قبضت البعض ، برئت ذمته من المقبوض ، ووجب بقسط ما بقي من مهر المثل ‏.‏ فإن كان الصداق خنزيرين ، أو زقي خمر ، أو زق خمر وخنزيراً ، وقبضت أحدهما ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يعتبر العدد ،لأنه لا قيمة له ، فكان الجميع واحداً ، فيقسط على عدده ، فيسقط نصف الصداق ، ويجب نصف مهر الثمل ‏.‏

والثاني ‏:‏ يعتبر بقيمته عندهم ، أو بالكيل إن كان مكيلاً لأنه أخصر ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن تزوج المرأة على أن يشتري لها عبداً بعينه ، صح ، لأنه أصدقها تحصيل عبد معين فصح ، كما لو أصدقها رد عبدها من مكان معين ، فإن لم يبع ، أو طلب به أكثر من قيمته ، فلها قيمته ، لأنه تعذر تسليم المسمى ، فوجبت قيمته ، كما لو تلف ‏.‏ وإن تزوجها على أن يعتق أباها ، صح كذلك ‏.‏ ومتى تعذر إعتاقه ، وجبت قيمته لما ذكرناه ، وفي المسألتين إذا أمكن الوفاء بما شرطه ، فبذل قيمته ، لم يلزمها قبوله ، لأن الحق ثبت لها في معين ، فلم يلزم قبول عوضه مع إمكانه ، كما لو قال ‏:‏ أ صدقتك هذا العبد ‏.‏ وإن تزوجها على عبد موصوف في الذمة ، صح ، لأنه يصلح أن يكون عوضاً في البيع ، ولا يلزمه قبول قيمته ، لأنها استحقت عبداً بعقد معاوضة ، فلم يلزمها قبول قيمته ، كالمبيع ‏.‏ وعند القاضي ‏:‏ يلزمها قبولها ، قياساً على الإبل في الدية ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن تزوجها على طلاق زوجته الأخرى ، لم يصح الصداق ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها أو إنائها ولتنكح فإنما رزقها على الله رواه البخاري و مسلم ‏.‏

وعنه ‏:‏ يصح ‏.‏ لأن لها فيه غرضاً صحيحاً ، أشبه عتق أبيها ، فإن فات طلاقها بموتها ، فقال أبو الخطاب ‏:‏ قياس المذهب أن لها مهر الميتة ، لأن عوض طلاقها مهرها ، فأشبه قيمة العبد ، ويحتمل أن يجب مهر المثل ، لأن الطلاق لا قيمة له ولا مثل ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن تزوجها على ألف إن كان أبوها حياً ، وألفين إن كان ميتاً ، فالتسمية فاسدة ، لأنه في معنى بيعتين في بيعة ‏.‏ وإن تزوجها على ألف إن لم يكن له زوجة ، وعلى ألفين إن كان له زوجة ، فقال أحمد ‏:‏ تصح التسمية ، قال أبو بكر و القاضي ‏:‏ في المسألتين جميعاً روايتان ، جعلا نصه في إحدى المسألتين رواية في الأخرى لتماثلهما ‏.‏

إحداهما ‏:‏ فساد التسمية ، اختاره أبو بكر ، لأنه لم يعين العوض ففسد، كبيعتين في بيعة ‏.‏

والثانية ‏:‏ يصح ، لأن الألف معلومة ، وإنما جعلت الثانية ، وهي معلقة على شرط ، فإن وجد ، كانت زيادة في الصداق ، والزيادة فيه صحيحة ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن أصدقها تعليم شيء مباح، كصناعة ، أو كتابة ، أو فقه ، أو حديث ، أو لغة ، أو شعر لها أو لغلامها ، صح ، ولأنه أحد عوضي الإجارة ، فجاز صدقاً كالأثمان ‏.‏ فإن أصدقها تعليم شيء لا يحسنه ،نظرت ، فإن قال ‏:‏ أحصل لك تعليمه ، صح ، لأنها منفعة في ذمته لا تختص به ، فأشبه ما لو أصدقها ديناراً لا يقدر عليه ، وإن قال ، على أن أعلمك ، فذكر القاضي في الجامع أنه لا يصح ، لأنه تعين بفعله وهو عاجز عنه ، وقال في المجرد يحتمل أن يصح ، لأنه يقع في ذمته فصح لما ذكرنا ، فإن تعلمتها من غيره ، أو تعذر عليه تعليمها ، فعليه أجرة تعليمها ، وإن أتته بغيرها ليعلمها مكانها ، لم يلزمه ذلك ، لأنهما يختلفان في سرعة التعليم وإبطائه ، و يحتمل أن يلزمه إذا أتته بمن يجري مجراها ، كمن اكترى شيئاً جاز أن يوليه لمن يقوم مقامه‏.‏ وإن طلقها بعد الدخول قبل تعليمها ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يعلمها من وراء حجاب ، كما يسمع الحديث من الأجنبية ‏.‏

والثاني ‏:‏ عليه أجرة التعليم ، لأنها صارت أجنبية ، فلا تؤمن الفتنة عليهما في تعليمها ‏.‏ أما الحديث ، فإن الحاجة داعية إلى سماعه ، لأنه لا بدل له ‏.‏ وإن كان قبل الدخول ، ففي تعليمه النصف الوجهان ‏.‏ فإن طلقها بعد تعليمها ، رجع عليها بنصف أجرة التعليم ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن أصدقها تعليم القرآن أو شيء منه ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ زوجتكها بما معك من القرآن ‏.‏

والثانية‏:‏ لا يجوز، لأن تعليم القرآن لا يقع إلا قربة لصاحبه، فلم يكن صداقاً، كتعليم الإيمان ‏.‏ وقد روى النجاد بإسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً على سورة من القرآن ، ثم قال‏:‏ لا تكون لأحد بعدك مهراً فإن قلنا بجوازه ، فأصدقها تعليم بعض القرآن ، فمن شرطه تعيين ذلك البعض ، لأن التعليم والمقاصد تختلف باختلافه ‏.‏ وذكر أبو الخطاب وابن عقيل أنه إن كان في البلد قراءات افتقر إلى تعيين أحدها ، لأن حروف القرآن تختلف ، فأشبه تعيين الآيات ، والصحيح أنه لا يفتقر إليه ، لأنه اختلاف يسير ، وكل حرف ينوب مناب صاحبه ، فأشبه ما لو أصدقها قفيزاً من صبره ‏.‏

فصل ‏:‏

ويصح أن يكون الصداق معجلاً ومؤجلاً ‏.‏ فإن أطلق ذكره ، كان حالاً ، لأنه عوض في عقد معاوضة أشبه الثمن ، فإن شرطه مؤجلاً إلى مدة معلومة ، فهي إلى أجله ‏.‏ وإن لم يذكر أجله فقال أبو الخطاب ‏:‏ لا يصح ، ولها مهر المثل قياساً على الثمن في المبيع ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ يصح ، وهو ظاهر كلام أحمد ، لأنه قال ‏:‏ إذا تزوج على العاجل والآجل لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة، لأن الصداق يجوز أن يكون مجهولاً فيما إذا تزوجها على مهر المثل ، فالتأجيل التابع له أولى، فعلى هذا محل الآجل الفرقة بموت أو غيره، لأن المطلق يحمل على العرف ، والعادة في الآجل تركه إلى الفرقة ، فحمل عند الإطلاق عليه ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا تزوجها على صداقين، سر وعلانية، فقال الخرقي ‏:‏ يؤخذ بالعلانية، لأن الزائد على صداق السر زيادة زادها في الصداق ، وإلحاق الزيادة بالصداق جائزة ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ الواجب مهر العقد الذي انعقد به النكاح ، سراً كان أو علانية ، لأنه الذي انعقد به النكاح ، فكان الواجب المسمى فيه ، كما لو انفرد ‏.‏

فصل ‏:‏

وإلحاق الزيادة بالصداق جائز ، فإن زادها في صداقها شيئاً بعد انبرام العقد ، جاز ، وكان الجميع صداقاً ، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة‏}‏ ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا تزوج أربعاً بصداق واحد ، صح ، لأن جملة صداقهن معلومة فصح ، كما لو اشترى أربعة أعبد بثمن واحد ، ويقسم بينهن على قدر مهورهن ، كما يتقسط ثمن الأعبد على قيمتهم‏.‏ وقال أبو بكر ‏:‏ يخرج فيه وجه آخر ، أنه يقسم بينهن على عددهن ، لأنه أضيف إليهن إضافة واحدة ، فأشبه ما لو أقر لهن ، وهذا القول فيما إذا خالعهن بعوض واحد ، أو كاتب أعبده بعوض واحد ‏.‏

فصل ‏:‏

وتملك المرأة المسمى بالعقد إذا كان صحيحاً ، ومهر المثل في الموضع الذي يجب فيه ، لأنه عقد يملك فيه المعوض بالعقد ، فملك العوض به كالبيع ‏.‏ وعنه رواية أخرى تدل على أنها لا تملك إلا نصفه ، لأنه لو طلقها لم يجب إلا نصفه، والمذهب الأول فعلى هذا نماؤه وزيادته لها، وزكاته عليها ، ونقصانه بعد قبضها إياه عليها ‏.‏ وإن نقص قبل القبض لمنعه إياه من قبض فهو من ضمانه ، وإن لم يمنعها ، فنقص المكيل والموزون عليه ، لأنه يعتبر قبضه ، وما عداه يخرج فيه وجهان بناء على الروايتين في المبيع قبل القبض سواء ، لأنه منتقل بعقد ينقل الملك ، فأشبه المبيع ‏.‏

والثاني ‏:‏ لها التصرف فيه ، لأنه منتقل بسبب لا ينفسخ بهلاكه قبل قبضه ، فجاز التصرف فيه قبل قبضه ، كالوصية والميراث، وقد نص أحمد على جواز هبة المرأة زوجها صداقها قبل قبضه ، وهو تصرف ‏.‏

فصل ‏:‏

ويدفع صداق المرأة إليها إن كانت رشيدة ، وإلى من يلي مالها إن كانت غير رشيدة ، لأنه مال لها ، فأشبه ثمن مبيعها ‏.‏ وفي البكر البالغة العاقلة وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا يدفع إلا إليها كذلك ‏.‏

والثاني ‏:‏ يجوز دفعه إلى أبيها ، لأنه العادة ، ولأنه يملك إجبارها على النكاح ، فأشبهت الصغيرة ‏.‏

فصل ‏:‏

ولها منع نفسها حتى تقبض صداقها المعجل ، لأن في إجبارها على تسليم نفسها أولاً خطر إتلاف البضع ، والامتناع عن بذل الصداق ، فلا يمكن الرجوع فيه ، بخلاف المبيع ، ولها النفقة إذا امتنعت ، لأنه امتناع بحق ، فأشبه ما لو امتنعت للإحرام بحجة الإسلام ‏.‏ وإن سلمت نفسها ثم أرادت المنع ، فقد توقف أحمد عن الجواب ‏.‏ وذهب أبو عبد الله بن بطة وأبو إسحق بن شاقلا ‏:‏ إلى أنه ليس لها ذلك ، لأنها سلمت تسليماً استقر به العوض برضى المسلم ، فلم يكن لها المنع ، كما لو سلمت المبيع ‏.‏ وذهب ابن حامد ‏:‏ إلى أن لها ذلك ، لأنه تسليم بحكم عقد النكاح ، فملكت المنع منه قبل قبض صداقها كالأول ‏.‏ فأما إن أكرهها فوطئها ، لم يسقط حقها من الامتناع ، لأنه بغير رضاها ‏.‏ وإن قبضت صداقها فوجدته معيباً فردت ، فلها منع نفسها حتى يبذله ، لأن صداقها جيد ‏.‏ وإن لم تعلم عيبه حتى سلمت نفسها ، ثم أرادت الامتناع ، ففيه وجهان بناء على ما تقدم ‏.‏ وإن كان صداقها مؤجلاً ، فليس لها منع نفسها قبل قبضه ، لأن رضاها بالتأجيل رضى منها بتسليم نفسها قبله ، كالثمن المؤجل ، وإن حل المؤجل قبل تسليم نفسها ، لم يكن لها منع نفسها أيضاً ، لأنه قد وجب عليها تسليم نفسها واستقر ، فلم يسقط بحلوله ‏.‏
باب ما يستقر به الصداق وما لا يستقر وحكم التراجع


يستقر الصداق بثلاثة أمور ‏:‏

أحدها ‏:‏ الخلوة بعد العقد ، لما روى الإمام أحمد بإسناده عن زرارة بن أوفى ، قال‏:‏ قضى الخلفاء الراشدون المهديون ، أن من أغلق باباً ، أو أرخى ستراً ، فقد وجب المهر ، ووجبت العدة ، وهذه قضايا اشتهرت ، فلم تنكر ، فكانت إجماعاً ، ولأنها سلمت نفسها التسليم الواجب عليها ، فاستقر صداقها ، كما لو وطئها ‏.‏ فإن كانت صغيرة لا يمكن وطؤها ، أو الزوج صغيراً ، أو أعمى لا يعلم دخوله عليها ، لم يكمل صداقها ، لأنه لم يحصل التمكين ‏.‏ وكذلك إن نشزت عليه فمنعته وطأها ، لم يكمل صداقها لذلك ، ذكره ابن حامد ‏.‏ وإن كان بهما عذر ، والصيام واجب ، والمرض ‏.‏ أو بأحدهما ، كالحيض والنفاس ، والرتق ، والجب ، والعنة ، ففيه ثلاث روايات ‏:‏

إحداهن ‏:‏ يستقر بالصداق ، لعموم ما ذكرنا ، ولأن التسليم المستحق قد وجد ، والمنع من غير جهتها ، فلم يؤثر في المهر ، كما لم يؤثر في إسقاط النفقة ‏.‏

والثانية ‏:‏ لا يستقر ، لأنه لا يتمكن من تسليمها، فلم يستقر مهرها ، كما لو منعت نفسها ‏.‏

والثالثة ‏:‏ إن كان المانع هو صوم رمضان ، لم يكمل الصداق ، وفي معناه ما يحرم دواعي الوطء كالإحرام ، وما لا يمنع دواعي الوطء ، كسائر الموانع لا يمنع استقرار الصداق ‏.‏

* الكافي في فقه الإمام أحمد - أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)


.../...


صورة مفقودة

in Alle Rust de Sterren tellen
 
فصل ‏:‏

والثاني ‏:‏ الوطء يستقر به الصداق وإن كان من غير خلوة ، لأنه قد وجد استيفاء المقصود ، فاستقر العوض ، كما لو اشترى طعاماً فأكله ، وإن استمتع بغير الوطء كقبلة ، أو مباشرة في الفرج ، أو نال منها ما لا يحل لغيره ، كالنظر إليها عريانة ، فقال أحمد ‏:‏ يكمل الصداق به ، لأنه نوع استمتاع ، أشبه الوطء ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ هذا على الرواية التي يثبت بها تحريم المصاهرة ، ولا يكمل به الصداق على الرواية الأخرى ، لأنه لا يحرم المصاهرة ، فلم يقرر الصداق ، كرؤية الوجه ‏.‏

فصل ‏:‏

الثالث ‏:‏ موت أحد الزوجين قبل الدخول يقرر الصداق ، سواء مات حتف أنفه ، أو قتل نفسه، أو قتل غيره ، لما روى معقل بن سنان ، أو رسول الله صلى الله عليه وسلمقضى في بروع بنت واشق ، وكان زوجها مات ولم يدخل بها ، ولم يفرض لها صداقاً ، فجعل لها مهر نسائهم ، ولا وكس ولا شطط‏.‏ رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي ‏.‏ ولأنه عقد عمر ، فبموت أحدهما ينتهي به فيستقر به العوض ، كانتهاء الإجارة ‏.‏

ومتى استقر الصداق ، لم يسقط منه شيء بانفساخ النكاح ولا بغيره ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن افترقا قبل استقراره ، لم يخل من أربعة أقسام ‏:‏

أحدها ‏:‏ أن يكون بسبب من المرأة ، كردتها ، وإسلامها ، وإرضاعها من ينفسخ النكاح بإرضاعه ، وفسخها لعيب الزوج ، أو إعساره ، فيقسط مهرها ، لأنها أتلفت المعوض قبل التسليم فسقط العوض ، كما لو أتلف المبيع قبل تسليمه ‏.‏ وفي معناه فسخ الزوج لعيبها ، ، لما مضى في موضعه ‏.‏

الثاني ‏:‏ أن يكون بسبب من الزوج ، كطلاقه وخلعه وإسلامه وردته ، واستمتاعه بأم زوجتها أو بنتها ، فيسقط نصف المسمى ، ويجب نصفه ‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم‏}‏ وقسنا عليه سائر ما استقل به الزوج، لأنه في معناه‏.‏ وعن أحمد ‏:‏ أنه إذا أسلم لا مهر عليه ، لأنه فعل الواجب عليه ، وحصلت الفرق بامتناعها من موافقته على الواجب ، فكان من جهتها ‏.‏والأول المذهب ، لأن فسخ النكاح ، لاختلاف الدين ، وذلك حاصل بإسلامه ، وإنما ينصف المهر بالخلع ، لأن المغلب فيه جانب الزوج ، بدليل أنه يصح به دونها ، وهو خلعه مع أجنبي ، فصار كالمنفرد به ‏.‏

الثالث ‏:‏ افترقا بسبب من أجنبي ، كرضاع أو غيره فيجب نصف المهر ، لأنه لا جناية منها تسقط مهرها ، ويرجع الزوج بما لزمه على الفاعل ، لأنه قرره عليه ‏.‏

الرابع ‏:‏ افترقا بسبب منهما ، كشرائها لزوجها ولعانهما ، ففيه روايتان ‏.‏ وإن اشتراها زوجها ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يسقط الصداق ، لأنها شاركت في الفسخ فسقط مهرها ، كالفسخ بعيب ‏.‏

والثاني ‏:‏ يتنصف ، لأن للزوج فيه اختياراً ، أشبه الخلع ‏.‏

فصل ‏:‏

ومتى سقط المهر ، أو نصف بعد تسليمه إليها ،فله الرجوع عليها ، ولا يخلو ، إما أن يكون تالفاً ، أو غير تالف ، فإن كان تالفاً ، رجع مثله إن كان مثلياً ، أو بقيمته إن لم يكن مثلياً أقل ما كانت من حين العقد ، إلى حين القبض ، أو التمكين منه ، لأنه إن زاد بعد العقد ، فالزيادة لها ، وإن نقص ، فالنقص عليه ، فلم يرجع بما هو عليه ، وإن كان باقياً ، لم يخل من خمسة أحوال ‏:‏

أحدها ‏:‏ أن يكون باقياً بحاله لم يتغير ، ولم يتعلق به حق غيرها ، فإن الزوج يرجع فيه ، ويدخل في ملكه حكماً ، وإن لم يجز ذلك كالميراث في قياس المذهب ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم‏}‏ ‏.‏ فعلق تنصيفه بالطلاق وحده ، فيجب أن يتنصف به ، ويحتمل أنه لا يملكه إلا باختياره، لأن الإنسان لا يملك شيئاً بغير اختياره إلا بالميراث ، فعلى هذا الوجه إن زاد بعد الطلاق وقبل الاختيار ، فهو للزوجة ، لأن ملكها لم يزل عنه ، فنماؤه لها ، وعلى الأول نماء نصيب الزوج له ، لأنه نماء ملكه ، فإذا قال ‏:‏ قد رجعت فيه ، أو اخترته ، ثبت الملك فيه على الوجهين ‏.‏ وإن نقص في يدها بعد ثبوت ملكه عليه ، وكانت قد منعته منه ، فعليها ضمان نقصه ، لأن يدها عادية ، فتضم ، كالغاصبة ‏.‏ وإن لم تمنعه ، ففيه وجهان ‏.‏ أصلهما ، الزوج إذا تلف الصداق المعين في يده قبل مطالبتها به ، قال الزوج ‏:‏ نقص قبل الطلاق فهو من ضمانك ، فأنكرته ، فالقول قولها ، لأن الأصل السلامة ‏.‏

فصل ‏:‏

الحال الثاني ‏:‏ أن تجده ناقصاً ، كعبد مرض أو نسي صناعته ، أو كبر كبراً ينقص قيمته ، فالزوج بالخيار بين أخذه ناقصاً ، لأنه يرضى بدون حقه وبين تركه ، ومطالبتها بقيمته ، أو نصفها يوم وقع العقد عليه ، لأن النقص حدث في ملكها ، فكان من ضمانها ‏.‏

فصل ‏:‏

الحال الثالث ‏:‏ أن تجده زائداً ، فلا تخلو ، إما أن تكون الزيادة منفصلة ، كالولد والثمرة واللبن والكسب ونحو ذلك ، فله نصف الأصل ، والزيادة لها ، لأنها زيادة متميزة حادثة من ملكها ، فلم تتبع الأصل في الرد ، كما في الرد بالعيب ، وأما أن تكون متصلة ، كالسمن والكبر والحمل في البطن ، والثمرة على الشجرة ، وتعلم صناعة ، أو كتابة ونحو ذلك ، فالمرأة مخيرة بين دفع النصف زائداً ، فيلزمه قبوله ، لأنه نصف المفروض مع زيادة لا تتميز ، وبين دفع قيمة حقه يوم وقع العقد عليه ، لأن حقه في نصف الفرض ،والزائد ليس بمفروض ، فوجب أخذ البدل، إلا أن يكون محجوراً عليها لسفه أو فلس أو صغر ، فليس له إلا نصف القيمة ‏.‏ لأن الزيادة لها ، وليس لها التبرع بما لا يجب عليها ‏.‏ وإن كانت مفسلة ، كان غريماً بالقيمة ‏.‏ وإن بذلت له أخذ نصف الشجر دون الثمر ، لم يلزمه ، لأن عليه ضرراً في بقاء الثمر عليها ، فلم يلزمه ‏.‏ وإن قال الزوج ‏:‏ أنا أرجع في نصف الشجر ، وأترك الثمر عليه ، أو أترك الرجوع حتى تجذي ثمرتك ثم أرجع ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا تجبر على قبوله ، لأن الحق انتقل من العين ، فلم يعد إليها إلا بتراضيهما ‏.‏

والثانية ‏:‏ تجبر عليه ، لأنه لا ضرر عليها ، فلزمها كما لو وجدها ناقصة فرضي بها ، وإن أصدقها أرضاً فزرعتها ، فحكمها حكم الشجر إذا أثمر سواء ‏.‏ في قول القاضي ، وقال غيره‏:‏ يفارق الزرع الثمرة في أنها إذا بذلت نصف الأرض مع نصف الزرع ، لم يلزمه قبوله ، لأن الزرع ينقص الأرض ويضعفها ، ولأنه ملكها أودعته في الأرض ، بخلاف الثمرة ‏.‏ وإن أصدقها أرضاً فبنتها ، أو ثوباً فصبغته ، فحكمها حكم الأرض المزروعة ‏.‏ فإن بذل الزوج لها نصف قيمة البناء والصبغ لتملكه ، فقال الخرقي ‏:‏ يلزمها قبوله ، ويصير له نصف الجميع ، لأن الأرض له ، وفيها بناء لغيره بني بحق ، فكان له تملكه بالقيمة ، كالشفيع والعمير ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ لا يملكه ، لأن بيع البناء معاوضة ، فلا تجبر عليها ، كما لو بذل نصف قيمة الثمرة ليملك نصف الشجرة ‏.‏

فصل ‏:‏

الحال الرابع ‏:‏ وجده زائداً من وجه ناقصاً من وجه ، كعبد تعلم صناعة ومرض ، أو خشب شقته دفوفاً ، أو حلي كسرته ثم صاغته على غير ما كان ، أو جارية حملت ، فإن الحمل نقص في الآدمية من وجه ، وزيادة من وجه ، بخلاف حمل البهيمة فإنه زيادة محضة ، فهو كسمنها ، فإذا تراضيا على أخذ نصفه ، جاز ، لأن الحق لهما ، وأيهما امتنع من ذلك ، لم يجبر عليه ، لأن عليه ضرراً ‏.‏

الحال الخامس ‏:‏ أن يتعلق به حق غيرهما ، وهو ثلاثة أنواع ‏:‏

أحدها ‏:‏ ما يزيل ملكها كبيع العين ، وهبتها المقبوضة وعتقها ووقفها ، فحكم ذلك حكم تلفها ، فإن عادت العين إلى ملكها ثم طلقها ، فله الرجوع في نصفها ، لعدم المانع منه ، وفي معنى ذلك العقد اللازم المراد لإزالة الملك ، كالرهن والكتابة ‏.‏

النوع الثاني ‏:‏ ما ليس بلازم ، كالهبة قبل القبض ، والوصية قبل الموت والتدبير ، فله الرجوع في نصفها ، لأنه حق غير لازم فأشبه الشركة ‏.‏

النوع الثالث ‏:‏ ما لا يزيل الملك ، كالنكاح والإجارة ، فيخير بين الرجوع في نصفها مع بقاء النكاح والإجارة ، وبين الرجوع بنصف القيمة ، لأنه نقص رضي به ، فأشبه نقصها بهزالها‏.‏

فصل ‏:‏

فإن كان الصداق عيناً ، فوهبتها لزوجها ، ثم طلقها قبل الدخول ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ يرجع عليها بنصفه ، لأنه دعا إليه بعقد مستأنف ، فلم يمنع استحقاق نصفه بالطلاق ، كما لو وهبته أجنبياً ، ثم وهبه الأجنبي للزوج ‏.‏

والثانية‏:‏ لا يرجع عليها بشيء، لأن نصف الصداق تعجل له بالهبة ‏.‏ وإن كان ديناً فأبرأته منه ثم طلقها ، وقلنا ‏:‏ لا يرجع ثم ، فهاهنا أولى ‏.‏ وإن قلنا ‏:‏ يرجع ثم ، خرج هاهنا وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يرجع ، لأنه عاد إليه بغير الطلاق ، فأشبه العين ‏.‏

والثاني ‏:‏ لا يرجع ، لأن الإبراء إسقاط وليس بتمليك ‏.‏ وإن أصدقها عيناً ، فوهبتها له ، أو ديناً ، فأبرأته منه ، ثم ارتدت قبل الدخول ، ففي رجوعه به عليها وجهان ، بناء على الرجوع في النصف بالطلاق ‏.‏ وإن باع رجلاً عبداً ، أو أبرأه من ثمنه ، فوجد به المشتري عيباً فرده ، وطالبه بثمنه ، أو أمسكه وأراد أرشه ، فهل له ذلك ‏؟‏ على وجهين ، بناء على الروايتين في الصداق ‏.‏ وإن أصدقها عبداً فوهبته نصفه ، ثم طلقها قبل الدخول انبنى على الروايتين ‏.‏ فإن قلنا ‏:‏ إذا وهبته الكل لا يرجع بشيء ، رجع هاهنا في نصف الباقي من العبد ‏.‏ وإن قلنا ‏:‏ يرجع ثم ، رجع في النصف الباقي جميعه ‏.‏

فصل ‏:‏

والزوج هو الذي بيده عقد النكاح ‏.‏ فإذا طلق قبل الدخول ، فأي الزوجين عفا لصاحبه عما وجب له من المهر وهو حائز الأمر في ماله ، برئ منه صاحبه ، وكمل في الصداق جميعه ‏.‏ وعنه ‏:‏ ما يدل على الذي بيده عقدة النكاح هو الأب ، فيصح عفوه عن نصف مهر ابنته البكر التي لم تبلغ إذا طلقت قبل الدخول ، لأن الذي بيده عقدة النكاح بعد الطلاق هو الولي ، ولأن الله خاطب الأزواج بخطاب المواجهة ، ثم قال تعالى ‏:‏ ‏{‏أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح‏}‏ وهذا خطاب غائب ، فاعتبرنا هذه الشروط ، لأن الأب يلي مالها في صغرها دون غيره ، ولا يليه في كبرها ، ولا يملك تزويجها إلا إذا كانت بكراً ،ولم تكن ذات زوج ، والمذهب الأول ‏.‏ قال أبو حفص ‏:‏ ما أرى القول الآخر إلا قولاً قديماً، ولا يجوز عفو الأب ولا غيره من الأولياء، لما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ ولي العقدة الزوج رواه الدارقطني ‏.‏ ولأن الله تعالى قال ‏:‏ ‏{‏وأن تعفوا أقرب للتقوى‏}‏ وليس عفو الولي عن صداق ابنته أقرب للتقوى، ولا يمنع العدول عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب كقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها‏}‏ ‏.‏ ولأن صداق المرأة حق لها ، فلا يملك الولي العفو عنه كسائر ديونها ، لأن الصغير لو رجع إليه صداق زوجته، أو نصفه ، لانفساخ النكاح ، برضاع أو نحوه ، لم يكن لوليه العفو عنه ، رواية واحدة ‏.‏ فكذلك ولي الصغيرة ‏.‏


باب الحكم في المفوضة


وهو أن يزوج الرجل ابنته بغير صداق برضاها أو رضى أبيها ، سواء سكتا عن ذكره ، أو شرطا نفيه ، ، فالعقد صحيح ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة‏}‏ ‏.‏ وعن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل ‏:‏ أترضى أن أزوجك فلانة ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم ، وقال للمرأة ‏:‏ أترضين أن أزوجك فلاناً قالت ‏:‏ نعم، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يعطها شيئاً فلما حضرته الوفاة قال ‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ، ولم أفرض لها صداقاً ، ولم أعطها شيئاً ، فإني أشهدكم أني قد أعطيتها سهمي بخيبر ‏.‏ فأخذت سهماً فباعته بمائة ألف ‏.‏ رواه أبو داود ‏.‏

ويجب لها مهر نسائها بالعقد ، لأنه لو لم يجب، لما استقر بالدخول، ولا ملكت المطالبة بفرضه قبله ، ولأن إخلاء النكاح عن المهر خالص لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولها المطالبة بفرضه قبل الدخول وبعده ، ويلزمه إجابتها إليه‏.‏ فإن ترافعا إلى الحاكم، لم يفرض لها إلا مهر المثل، لأنه الواجب لها، وإن تراضى الزوجان على فرضه، جاز‏.‏ فإن فرض لها مهر مثلها ، فليس لها غيره ، لأنه الواجب لها ‏.‏ وإن فرض لها الحاكم أكثر منه جاز، لأن له أن يزيدها في صداقها ‏.‏ وإن فرض لها أقل منه ، فرضيته ، جاز، لأن الحق لها، فملكت تنقيصه، وما فرض لها من ذلك ، صار كالمسمى في التنصيف بالطلاق قبل الدخول ، وقراره بالدخول وغيره، لأنه مهر مفروض ، فأشبه المفروض بالعقد ‏.‏ وإن دخل بها قبل الفرض ، استقر مهر المثل، لأن الوطء في نكاح خال عن مهر ، خالص لرسول الله صلى الله عليه وسلم ‏.‏ وإن مات أحدهما قبل الإصابة والفرض، وجب لها مهر نسائها في صحيح المذهب ، لما روى علقمة أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود ‏:‏ لها صداق نسائها ولا وكس ولا شطط، ولها الميراث ، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال ‏:‏ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع ابنة واشق ، امرأة منا ، مثل ما قضيت‏.‏ أخرجه أبو داود و الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن صحيح، وعن أحمد ‏:‏ لا يكمل لها الصداق لأنها فرقة قبل فرض ومسيس ، فأشبهت الطلاق ، فعلى هذا يجب لها نصف مهر المثل ‏.‏

فصل ‏:‏

ومهر نسائها ‏:‏ هو مهر نساء عصباتها المساويات لها ، ويعتبر الأقرب فالأقرب منهن ، فأقربهن الأخوات ، ثم بنات الإخوة ، ثم العمات ، ثم بنات الأعمام ، ، ثم من بعدهن الأقرب فالأقرب ، ولا يعتبر ذوات الأرحام ، كالأم والخالة والأخت من الأم في إحدى الروايتين، لأن المهر يختلف بالنسب، ونسبها مخالف لنسبهن ، والأخرى يعتبر ، لأنهن من نسائها فيدخلن في الخبر ‏.‏ فإن لم يكن لها نساء عصبات ، اعتبر هؤلاء على الروايتين ‏.‏ ويعتبر بمن يساويها في صفاتها من سنها وبلدها وعقلها وعفتها وجمالها ويسارها وبكارتها وثيوبتها ، لأنه عوض متلف ، فاعتبرت فيها الصفات ‏.‏ فإن لم يكن مهر نسائها يختلف بهذه الأمور ، لم تعتبرها ، و إن كان يختلف فلم نجد إلا دونها ، زيد لها بقدر فضيلتها ، وإن لم يوجد إلا أعلى منها ، نقصت بقدر نقيصتها ، وجب حالاً من نقد البلد ، كقيم المتلفات ‏.‏ فإن كان عادة نسائها التأجيل ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يفرض مؤجلاً ، لأنه مهر نسائها ‏.‏

والثاني ‏:‏ يفرض حالاً ، لأنه قيمة متلف ‏.‏ وإن كان عادتهم أنهم إذا زوجوا عشيرتهم ، خففوا، وإذا زوجوا غيرهم ، أثقلوا أو عكس ذلك ، اعتبر ، لأنه مهر المثل ‏.‏ فإن لم يوجد من أقاربهم أحد ، اعتبر شبهها من أهل بلدها ، فإن عدم ذلك ، اعتبر أقرب الناس إليها من نساء أقرب البلدان إليها ‏.‏

فصل‏:‏

وإن طلق المفوضة قبل الدخول والفرض ، فليس له إلا المتعة ‏.‏ نص عليه أحمد في رواية جماعة ‏.‏ وعنه ‏:‏ لها نصف مهر المثل ، لأنه نكاح صحيح يوجب مهر المثل بعد الدخول ، فيوجب نصفه بالطلاق قبله ، كالتي سمي لها ، والأول المذهب ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن‏}‏ ‏.‏ ولا متعة لغيرها في ظاهر المذهب ، لأنه لما خص بالآية من لم يفرض لها ولم يمسها ، دل على أنها لم تجب لمدخول بها ، ولا مفروض لها ، ولأنه حصل في مقابله ابتذال المهر أو نصفه ، بخلاف مسألتنا ، وعنه ‏:‏ لكل مطلقة متاع ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وللمطلقات متاع بالمعروف حقًّا على المتقين‏}‏ وقال سبحانه ‏:‏ ‏{‏إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً‏}‏ قال أبو بكر ‏:‏ العمل عندي على هذه الرواية لولا تواتر الروايات بخلافها ، فإنه لم يرو هذه إلا حنبل ، وخالفه سائر من روى عن أبي عبد الله ، فيتعين حمل هذه الرواية على الاستحباب ، جمعاً بين دلالة الآيات المختلفات ، ولما ذكرنا من المعنى ‏.‏ فأما المتوفى عنها ، فلا متعة لها بغير خلاف ، لأن الآية لم تتناولها ، ولا هي معنى المنصوص عليه ‏.‏

فصل ‏:‏

والمتعة معتبرة بحال الزوج ‏{‏على الموسع قدره وعلى المقتر قدره‏}‏ وحكى القاضي عن أحمد ‏:‏ أنها مقدرة بنصف مهر المثل ، لأنها بدل عنه ، فتقدرت به ، والمذهب الأول ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره‏}‏ فقدرها بحال الزوج دون حال المرأة ، ولأنه لو وجب قدر نصف مهر المثل ، كان ذلك نصف مهر المثل ، وفي قدرها روايتين ‏:‏

إحداهما ‏:‏ يرجع فيها إلى اجتهاد الحاكم ، فيفرض لها ما يؤديه اجتهاده إليه ، لأنه أمر لم يرد الشرع بتقديره ويحتاج إلى الاجتهاد ، فرد إلى الحاكم ، كالنفقة ‏.‏

والثانية ‏:‏ أعلى المتعة خادم ، وأدناها كسوة تجزئها في صلاتها ، وأوسطها ما بين ذلك ، لقول ابن العباس ‏:‏ أعلى المتعة خادم ، ثم دون ذلك النفقة ، ثم دون ذلك الكسوة ‏.‏ وهذا تفسير من الصحابي ، فيجب الرجوع إليه ‏.‏

فصل ‏:‏

وكل فرقة أسقطت المسمى ، أسقطت المتعة ، وما نصفت المسمى ، أوجبت المتعة ، لأنها قائمة مقام نصف المسمى ، فاعتبر ذلك فيها ‏.‏ وسئل أحمد ‏:‏ عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها مهراً ، ثم وهب لها غلاماً ، ثم طلقها ، قال ‏:‏ لها المتعة ، وذلك لأن الهبة لا تنقضي بها المتعة، كالمسمى ‏.‏

فصل ‏:‏

فأما المفوضة المهر ، وهي التي تزوجها على حكمها ، أو حكمه ، أو حكم أجنبي ، أو بمهر فاسد ، أو يزوجها غير الأب بغير صداق بغير إذنها ، فإنه يتنصف لها مهر المثل بالطلاق في ظاهر المذهب ، وهو اختيار الخرقي ‏.‏ وعن أحمد ‏:‏ ليس لها إلا المتعة ، لأنه نكاح خلا عن تسمية صحيحة ، فأشبه نكاح المفوضة البضع ‏.‏ ولنا ‏:‏ أنها لم ترض بغير صداق ، ولم يرض أبوها ، فلم تجب المتعة ، كالتي سمي لها ، بخلاف الراضية بغير صداق ‏.‏

فصل ‏:‏

وللأب تزويج ابنته بغير صداق مثلها ، صغيرة كانت أو كبيرة ، بكراً أو ثيباً ، لأن عمر خطب الناس فقال ‏:‏ ألا لا تغالوا في صدق النساء ، فما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من نسائه أو بناته أكثر من اثني عشرة أوقية ، وظاهره صحة تسمية من زوج بمثل ذلك وإن نقص عن مهر المثل ، وزوج سعيد بن المسيب ابنته بدرهمين وهو سيد قرشي ، ولأنه غير متهم في حقها ، فلا يمنع من تحصيل المقصود والحظ لابنته بتفويت غير المقصود ، وليس لغيره نقصها عن مهر نسائها إلا بإذنها ، لأنه متهم ‏.‏ فإن زوج بغير صداق ، لم يكن تفويضاً صحيحاً ، لأنه أسقط ما ليس له التصرف فيه ، ويجب مهر المثل ، وإن فعله الأب ، كان تفويضاً صحيحاً ‏.‏

فصل ‏:‏

وللأب أن يشترط لنفسه شيئاً من صداق ابنته ، لأن الله تعالى أخبر أن شعيباً زوج ابنته لموسى برعاية غنمه ‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ أنت ومالك لأبيك ، وقال ‏:‏ إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم قال الترمذي ‏:‏ هذا حديث حسن ‏.‏ فإن زوجها على ألف لها ، وألف له ، ثم طلقت قبل الدخول ، رجع الزوج بالألف التي لها ، لأن ما أخذه الأب محسوب على البنت من صداقها ، فكأنها قبضته، ثم وهبته لأبيها ، فإن شرط غير الأب شيئاً لنفسه ، فالكل لها ، ولا شيء له ، لأنه عوض عنها ، فكان لها ، كالمسمى لها ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن زوج الرجل ابنه الصغير ، فالمهر على الزوج ، لأنه المعوض له ، فكان العوض عليه ، كالكبير ، وكما لو اشترى له شيئاً ، فإن كان الابن معسراً ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ هو عليه كذلك ‏.‏

والثاني ‏:‏ على الأب ، لأنه لما زوجه مع علمه بإعساره ووجوب الصداق عليه ، كان رضى منه بالتزامه ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن تزوج العبد بإذن مولاه ، فالمهر على المولى ، لأنه وجب بإذنه ، فكان عليه ، كالذي يجب بعقد الوكيل ‏.‏ وإن تزوج بغير إذن سيده ، فالنكاح باطل ، فإن فارقها قبل الدخول ، فلا شيء عليه ، وإن دخل بها ففي رقبته صداقها ، لأنه وجب بجنايته ، فكان في رقبته كسائر جناياته ‏.‏ وفي قدره روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ مهر مثلها ، لأنه وطء يوجب المهر ، فأوجب جميعه ، كوطء المكرهة ‏.‏

والثانية ‏:‏ يجب عليه خمسا المهر ، لما روى خلاس أن غلاماً لأبي موسى تزوج بمولاة تيحان التميمي بغير إذن أبي موسى ، فكتب في ذلك إلى عثمان رضي الله عنه ، فكتب إليه‏:‏ أن فرق بينهما وخذ لها الخمسين من صداقها، وكان صداقها خمسة أبعرة ‏.‏ رواه أحمد ‏.‏ ولأن المهر أحد موجبي الوطء ، فجاز أن ينقص في العبد عن الحر كالحد‏.‏ وقد روى حنبل عن أحمد أنه لا صداق عليه ، ويحتمل هذا أن يحمل على ما إذا فرق بينهما قبل الدخول، ويحتمل أنه لا يجب شيء في الحالين ، ولأن المرأة مطاوعة له في غير نكاح صحيح ، أشبه الزانية‏.‏ وهذا مذهب ابن عمر ، والمذهب الأول‏.‏ والسيد مخير بين أن يفديه بأقل الأمرين من قيمته ، أو الواجب من المهر، كأرش جناياته ‏.‏ وإذا زوج السيد عبده أمته ، وجب الصداق عليه ، ثم سقط ، لأن النكاح لا يخلو من مهر ، ولا يثبت للسيد على عبده مال ، فسقط ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ لا يثبت مهر أصلاً لأنه لا يمكن أن يجب للسيد على عبده مال ‏.‏ وإن تزوج العبد بحرة ، أو أمة بغير إذن سيده ، ثم باعها العبد ، أو باعه لسيد الأمة بثمن في الذمة ، صح ويحول صداقها إلى ثمنه ، أو نصفه إن كان قبل الدخول ، وإن باعها إياه بصداقها، صح، لأنه يجوز أن يبيعها به عبد آخر ، فكذلك هذا ‏.‏ وينفسخ النكاح إذا ملكت زوجها ‏.‏ فإن كان قبل الدخول ، رجع السيد عليها بما يسقط من صداقها ‏.‏


باب اختلاف المزوجين في الصداق


إذا اختلفا في قدره ، ولا بينة على مبلغه ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ القول قول من يدعي مهر المثل منهما ‏.‏ فإن ادعت مهر المثل أو أقل ، فالقول قولها ‏.‏ وإن ادعى مهر مثلها أو أكثر ، فالقول قوله، لأن الظاهر أن صداقها مهر مثلها، ولأنه موجب العقد بدليل ما لو خلا عن الصداق فكان القول قول مدعيه ، كالمنكر في سائر الدعاوى ‏.‏ فإن ادعى أقل من مهر المثل ، وادعت أكثر من مهر المثل ، ردا إلى مهر المثل ‏.‏ وينبغي أن يحلف الزوج على نفي الزائد عن مهر المثل ، وتحلف هي على إثبات ما نقص منه ، لأن دعوى كل واحد منهما محتملة ، فلا تدفع بغير يمين ‏.‏ و الرواية الثانية ‏:‏ القول قول الزوج بكل حال ، لأنه منكر ، فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ولكن اليمين على المدعى عليه فإن مات الزوجان ، فورثتهما بمنزلتهما، إلا أن من يحلف منهما على الإثبات ، يحلف على البت ، ومن يحلف على النفي ، يحلف على نفي العلم ، لأنه يحلف على نفي فعل الغير ، وإن اختلف الزوج وأبو الصغيرة أو المجنونة ، قام الأب مقامهما في اليمين ، لأنه يحلف على فعل نفسه ، فأشبه الوكيل ‏.‏ فإن لم يحلف حتى بلغت الصبية ، وعقلت المجنونة ، فاليمين عليها دونه ، لأنه إنما حلف لتعذر اليمين من جهتهما ، فإذا أمكن الحلف منهما ، لزمهما ، كالوصي إذا بلغ الطفل ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن أنكر الزوج تسمية الصداق ، وادعت تسمية مهر المثل ، وكان الخلاف بعد الطلاق قبل الدخول ، ففيه وجهان ، بناء على الروايتين ‏.‏ فإن قلنا ‏:‏ القول قول الزوج ، وجبت المتعة ‏.‏ وإن قلنا بالرواية الأخرى ، فلها نصف مهر المثل ‏.‏ وإن اختلفا قبل الطلاق بعد الدخول ، فقد استقر لها مهر مثلها ، وإن كان قبله ، فلها المطالبة بفرض مهر المثل ، ولا يشرع التحالف ‏.‏ وإن ادعت أكثر من مهر المثل ، حلف على نفي الزيادة ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن قال ‏:‏ أصدقتك هذا العبد ، قالت ‏:‏ بل هذه الأمة ، لم تملك العبد ، لأنها لا تدعيه ، ولا الأمة ، لأنها لا تجب بمجرد الدعوى ، لكن إن قلنا ‏:‏ القول قول الزوج ، فلها قيمة العبد ، وإن قلنا ‏:‏ القول قول من يدعي مهر المثل ، وكانت الأمة مهر المثل أو أقل ، حلفت ولها قيمتها ‏.‏ وإن كانت أكثر والعبد مهر المثل أو أكثر ، حلف الزوج ولها قيمته ‏.‏ وإن كانت الأمة أكثر والعبد أقل ، رد إلى مهر المثل على ما ذكرنا فيما تقدم ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن اختلفا في قبض الصداق ، أو إبرائه منه ، فالقول قولها ، لأن الأصل معها ‏.‏ وإن اختلفا فيما يستقر به الصداق بالاستمتاع أو الخلوة ، فالقول قوله ، لأن الأصل معه ‏.‏ وإن اتفقا على أنه دفع إليها مالاً ، فقال ‏:‏ دفعته صداقاً ‏.‏ قالت ‏:‏ بل هبة ‏.‏ فإن كان الخلاف في نيته ، فالقول قوله بلا يمين ، لأنه أعلم بما نواه ‏.‏ وإن اختلفا في لفظه ، فالقول قوله مع يمينه ، لأنه ملكه ، فالقول قوله في صفة نقله ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن نقص الصداق في يدها بعد الطلاق ، فقالت ‏:‏ حدث بعد الطلاق، فلا ضمان علي، وقال ‏:‏ بل قبله ، فالقول قولها ، لأن الأصل براءة ذمتها ‏.‏

فصل ‏:‏

ويجب المهر للموطوءة في نكاح فاسد ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في التي أنكحت نفسها بغير إذن وليها ‏:‏ فإن أصابها ،فلها المهر بما استحل من فرجها ويجب للموطوءة بشبهة لهذا المعنى ‏.‏ ويجب للمكرهة على الزنا ، لأنه وطء سقط الحد عنها فيه شبهة ،والواطئ من أهل الضمان في حقها ، فأوجب المهر ، كالوطء بالشبهة ‏.‏ ولا يجب مع المهر أرش البكارة في هذه المواضع ، لأنه داخل في المهر ‏.‏ وعنه ‏:‏ للمكرهة الأرش مع المهر ، لأنه إتلاف جزء فوجب عوضه ، كما لو جرحها ثم وطئها ‏.‏ وعن أحمد ‏:‏ لا يجب المهر للمكرهة الثيب قياساً على المطاوعة ‏.‏ وعنه ‏:‏ لا يجب لمحارمه من النسب ، لأن تحريمهن تحريم أصل ، فلا يوجب وطؤهن مهراً ، كاللواط ‏.‏ وعنه ‏:‏ من تحرم ابنتها ، لا مهر لها كذلك ، ومن تحل بنتها ، كالعمة والخالة، يجب لها، لأن تحريمها أخف ، ولنا ‏:‏ أنه أتلف منفعة بضعها بالوطء مكرهة ، فأشبهت الأجنبية والبكر ‏.‏

فصل ‏:‏

ولا يجب المهر للمطاوعة على الزنا ، لأنها باذلة لما يوجب البدل لها ، فلم يجب لها شيء - كما لو أذنت في قطع يدها - فإن كانت أمة ، وجب المهر لسيدها ، لأنه المستحق له ، فلا يسقط ببذلها كيدها ، ولا يجب المهر بالوطء في الدبر ، ولا اللواط ، لأنه لا منفعة فيه متقومة في الشرع ، بخلاف الفرج ‏.‏

فصل ‏:‏

ومن نكاحها باطل بالإجماع ، كذات الزوج ، والمعتدة ، حكمها حكم الأجنبية في وجوب الصداق إن كان الوطء بشبهة أو إكراه ، وسقوطه إن كانت مطاوعة عالمة بالتحريم ، لأنه باطل بالإجماع ، فكان وجوده كعدمه ‏.‏


باب الوليمة


وهي ‏:‏ الإطعام في العرس ‏.‏ وهي مستحبة ، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج ‏:‏ أولم ولو بشاة متفق عليه ‏.‏ وليست واجبة ، لأنها طعام لسرور حادث ، فأشبه سائر الأطعمة ‏.‏ ويستحب أن يولم بشاة ، للخبر ‏.‏ وإن أولم بغيرها أصاب السنة ، لما روى أنس قال ‏:‏ ما أولم الرسول صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة ‏.‏ متفق عليه ‏.‏

فصل ‏:‏

وإجابة الداعي إليها واجبة ، لما روى ابن عمر قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها وقال أبو هريرة ‏:‏ ‏(‏‏(‏ ومن لم يحب فقد عصا الله و رسوله ‏)‏‏)‏ رواهما البخاري ‏.‏ وإن كان الداعي ذمياً ، لم تجب إجابته ، لأن الإجابة للمسلم للإكرام والموالاة ، ولا يجب ذلك للذمي ، وتجوز إجابته ، لما روى أنس أن يهودياً دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة ، فأجابه ‏.‏ رواه أحمد في ‏(‏الزهد‏)‏ وإنما تجب إجابة المسلم إذا نص عليه ‏.‏ فإن دعا الجفلى ، كقوله ‏:‏ أيها الناس أجيبوا ، و هلم إلى الطعام ، لم تجب الإجابة ، لأن كل واحد غير منصوص عليه ، فلا ينكسر قلب الداعي بتخلفه ، وإن دعا ثلاثة أيام ، وجبت الإجابة في اليوم الأول ، واستحب في الثاني ، ولم تستحب في الثالث ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ الوليمة أول يوم حق ، والثاني معروف ، الثالث رياء و سمعة رواه أبو داود ‏.‏ فإن دعا اثنان ، ولم يمكنه الجمع بينهما ، أجاب أسبقهما ، لأن إجابته وجبت بدعوته ، فمنعت من وجوب إجابة الثاني ‏:‏ فإن استويا ، أجاب أقربهما باباً ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ إذا اجتمع داعيان ، فأجب أقربهما باباً ، فإن أقربهما باباً ، أقربهما جواراً فإن سبق أحدهما ، فأجب الذي سبق رواه أبو داود ‏.‏ فإن استويا أجاب أقربهما رحماً ، فإن استويا أجاب أدينهما ، لأن هذا من أبوب البر ، فقدم بهذه المعاني ‏.‏ فإن استويا ، أقرع بينهما ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا دعي الصائم ، لم تسقط الإجابة ، فإذا حضر وكان الصوم واجباً ، لم يفطر ‏.‏ وإن كان تطوعاً ، استحب له الفطر ، ليسر أخاه ويجبر قلبه ، ولا يجب لما روى أبو هريرة قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إذا دعي أحدكم فليجب ، فإن كان صائماً ، فليدع ، وإن كان مفطراً فليطعم رواه مسلم ، و أبو داود ‏.‏ ويستحب إعلامهم بصيامه ، لأنه يروى عن عثمان و ابن عمر رضي الله عنهما ، ولأن التهمة تزول ويتمهد عذره ‏.‏ وإن كان مفطراً ، فالأفضل الأكل ، للخبر ، ولأن فيه جبر قلب الداعي ، ولا يجب ، لما روى جابر قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا دعي أحدكم إلى الطعام، فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك حديث صحيح ‏.‏

فصل ‏:‏

والدعاء إلى الوليمة إذن في الأكل والدخول، لما روى جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فذلك إذن له رواه أبو داود ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا دعي إلى وليمة فيها منكر ، كالخمر والزمر ، فأمكنه الإنكار ، حضر وأنكر ، لأنه يجمع بين واجبين ‏.‏ وإن لم يمكنه ، لم يحضر ، لأنه يرى المنكر ويسمعه اختياراً ‏.‏ وإن حضر فرأى المنكر أو سمعه ، أزاله ‏.‏ فإن لم تمكنه إزالته ، انصرف ، لما روى سفينة ‏:‏ أن رجلاً أضافه على فصنع له طعاماً ، فقالت فاطمة ‏:‏ لو دعونا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل معنا ، فدعوه ، فجاء فوضع يده على عضادتي الباب ، فرأى قراماً من ناحية البيت ، فرجع ، فقالت فاطمة ‏:‏ الحقه ، فقل ‏:‏ ما رجعك يا رسول الله ‏؟‏ فقال ‏:‏ إنه ليس لي أن أدخل بيتاً مزوقاً حديث حسن ‏.‏ ولأنه يشاهد المنكر ويسمعه من غير حاجة ، فمنع منه ، كالقادر على إزالته ‏.‏ وإن علم المنكر ولم يره ولم يسمعه ، لم ينصرف ، لأنه لم يره ولم يسمعه ، ولا ينصرف لسماع الدف ، لأنه مشروع ، ولا لرؤية نقوش وصور غير الحيوان ، كالشجر والأبنية ، لأنه نقش مباح ، فهو كعلم الثوب ‏.‏ وأما صور الحيوان ، فإن كانت توطأ أو يتوكأ عليها ، كالبسط والوسائد ، فلا بأس بها ‏.‏ وإن كانت على حيطان أو ستور ، انصرف ، لما روت عائشة قالت ‏:‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت لي سهوة بنمط فيه تصاوير ، فلما رآه قال ‏:‏ أتسترين الجدر بستر فيه تصاوير فهتكه ‏.‏ قالت ‏:‏ فجعلت منه وسادتين وحشوتهما ليفاً ، فلم يعب ذلك علي ‏.‏ فإن قطع رأس الصورة ، أو ما لا بقي الحيوان بعده ، كصدر وظهر ، ذهبت الكراهة ، لأنه لا تبقى الحياة فيه ، فأشبه الشجر ‏.‏ وإن أزيل منه ما تبقى الحياة بعده ، كيد أو رجل ، فالكراهة بحالها ، لأنها صورة حيوان ‏.‏ وإن سترت الحيطان بستور غير مصورة لحاجة من حر أو برد ، جاز ولم يكره ، لأنه يستعمله لحاجة ، فأشبه لبس الثياب ‏.‏ وإن كان لغيره حاجة ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ هو محرم ، لما روي عن علي بن الحسين قال ، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تستر الجدر ‏.‏ رواه الخلال‏.‏ والنهي يقتضي التحريم‏.‏ ودعا ابن عمر أبا أيوب ، فجاء فرأى البيت مستوراً بنجاد أخضر ، فقال ‏:‏ يا عبد الله ‍‍‍‍‍‍‏!‏ أتسترون الجدر ‏؟‏ لا أطعم لكم طعاماً ، ولا أدخل لكم بيتاً ، ثم خرج ‏.‏

والثاني ‏:‏ هو مكروه ، لأن ابن عمر أقر عليه ولم ينكر ، ولأن كراهته ، لما فيه من السرف ، فلا يبلغ به التحريم ، كالزيادة في الملبوس ‏.‏ ويجوز الرجوع لذلك ، لفعل أبي أيوب ‏.‏

فصل ‏:‏

فأما سائر الدعوات غير الوليمة ، كدعوة الختان ، وتسمى ‏:‏ الأعذار ، والعذيرة ، والخرس و الخرسة عند الولادة ‏.‏ والوكيرة ‏:‏ دعوة البناء ‏.‏ والنقيعة ‏:‏ لقدوم الغائب ‏.‏ والحذاق ‏:‏ عند حذق الصبي ‏.‏ والمأدبة ‏:‏ اسم لكل دعوة لسبب كان أو لغير سبب ، ففعلها مستحب ، لما فيه من إطعام الطعام وإظهار النعمة ولا تجب الإجابة إليها، لما روي عن عثمان بن أبي العاص أنه دعي إلى ختان فأبى أن يجيب وقال ‏:‏ إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يدعى إليه ‏.‏ رواه الإمام أحمد ‏.‏ وتستحب الإجابة ، لقوله عليه السلام ‏:‏ إذا دعي أحدكم فليجب عرساً كان أو غير عرس رواه أبو داود ولأن فيه جبر قلب الداعي وتطييبه ‏.‏

فصل ‏:‏

والنثار والتقاطه مباح ، ولأنه نوع إباحة فأشبه تسبيل الماء والثمرة ، وفي كراهته روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ يكره وهي التي ذكرها الخرقي ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النهبة وقال ‏:‏ لا تحل النهبى رواه أحمد في المسند ‏.‏ ولأن في التقاطه دناءة وقتلاً ، وقد يأخذ من غيره أحب إلى صاحب النثار منه ‏.‏

والثانية ‏:‏ لا يكره ، اختارها أبو بكر ، لما روى عبد الله بن قرط قال ‏:‏ قرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس بدنات أو ست بدنات ، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ ، فنحرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ‏:‏ من شاء اقتطع رواه أبو داود ‏.‏ ولا بأس أن يخلط المسافرون أزوادهم ويأكلون جميعاً ، لأن السلف ، كانوا يتناهدون في الغزو والحج وغيرهما ‏.‏ ومن وقع في حجره شيء من النثار ، فهو مباح ، لأنه مباح حصل في حجره فملكه ، كما لو وثبت سمكة فسقطت في حجره ‏.‏
باب عشرة النساء


يجب على كل واحد من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف ، لقول الله تعالى ‏:‏ ‏{‏وعاشروهن بالمعروف‏}‏ ‏.‏ وقال سبحانه ‏:‏ ‏{‏ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة‏}‏ ويجب على كل واحد منهما بذل ما يجب لصاحبه من الحق عليه ، من غير مطل ، ولا إظهار الكراهية للبذل ، ولا إتباعه بأذى ولا من وكف أذاه عن صاحبه ‏.‏ ولأن هذا من المعاشرة بالمعروف ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ مطل الغني ظلم ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا تزوج امرأة يوطأ مثلها ، فطلب تسليمها إليه ، وجب ذلك ، لأنه يطلب حقه الممكن ‏.‏ فإن سألت الإنظار ، أنظرت مدة جرت العادة بإصلاح أمرها فيها ، كاليومين والثلاثة ، لأنه يسير جرت العادة بمثله‏.‏ وإن كانت لا يجامع مثلها، لصغر أو مرض يرجى زواله، لم يجب تسليمها ، لأنها لا تصلح للاستمتاع المستحق عليها ، وإن كان لمرض غير مرجو الزوال ، أو لكونها نضوة الخلق ، وجب تسليمها ، لأن المقصود من مثلها الاستمتاع بغير الجماع ، وذلك ممكن في الحال ‏.‏ وكل موضع يجب تسليمها إليه إذا طلبها ، يلزمه تسليمها إذا عرضت عليه ، وما لا فلا ‏.‏

فصل ‏:‏

ويجب تسليم الحرة ليلاً ونهاراً، لأنه لا حق لغيره عليها، وللزوج السفر بها ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر بنسائه ‏.‏ ويجب تسليم الأمة في الليل دون النهار لأنها مملوكة عقد أحد منفعتيها ، فلم يجب التسليم في وغير وقتها ، كالمستأجرة للخدمة في أحد الزمانين ‏.‏

فصل ‏:‏

وله إجبارها على غسل الحيض والنفاس ، مسلمة كانت أو ذمية ، لأن إباحة الوطء يقف عليه، وله إجبار المسلمة على الغسل من الجنابة ، لأنه واجب عليها ‏.‏ وفي الذمية روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ لا يملك إجبارها عليه ، لأنه لا يجب عليها ، ولا يقف إباحة الوطء عليه ‏.‏

والثانية ‏:‏ يملك إجبارها ، لأن كمال الاستمتاع يقف عليه ، لكون النفس تعاف من لا تغتسل من جنابة ‏.‏ وفي التنظف والاستحداد وجهان ، بناء على هاتين الروايتين ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ له إجبارها على الاستحداد إذا طال الشعر واسترسل ، وتقليم الأظافر إذا طالت رواية واحدة ‏.‏ وهل له منعها أكل ما يتأذى برائحته ‏؟‏ على وجهين ، لما ذكرنا وله منع المسلمة من كل محرم ، لأن الله منعها منه ، وليس له منع الذمية من يسير الخمر ، لأنها لا تعتقد تحريمه ، و له إجبارها على غسل فيها منه ، لأن نجاسته تمنع الاستمتاع به ، وله منعها من السكر ، لأنه يجعلها كالزق المنفوخ ، ولا يأمن من جنايتها عليه ‏.‏

فصل ‏:‏

وله منعها من الخروج من منزله ، إلا لما لا بد لها منه ، لأن حق الزوج واجب ، فلا يجوز تركه بما ليس بواجب ‏.‏ وقد روي عن ابن عمر قال ‏:‏ أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله ما حق الزوج على زوجته ‏؟‏ قال ‏:‏ حقه عليها ألا تخرج إلا بإذنه ‏.‏ ويكره منعه إياها من عيادة أحد والديها، أو شهود جنازته، لأنه يؤدي إلى النفور، ويغريها بالعقوق ‏.‏

فصل ‏:‏

وله الاستمتاع في كل وقت من غير إضرار بها ، ولا منعها من فريضة ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها ، لعنتها الملائكة حتى ترجع متفق عليه ‏.‏

ولا يجوز وطؤها في الحيض ولا في الدبر ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن‏}‏ ‏.‏ وروى خزيمة بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ إن الله لا يستحيي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن ‏.‏ وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏:‏ من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد رواهما الأثرم ‏.‏

ويجوز الاستمتاع بها فيما بين الأليتين ، ووطؤها في الفرج مقبلة ومدبرة ، وكيف شاء لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم‏}‏ قال جابر ‏:‏ من بين يديها ومن خلفها غير ألا يأتيها إلا في المأتي ‏.‏ متفق عليه ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا أراد الجماع ،استحب أن يقول ‏:‏ بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ، لما روى ابن عباس قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال ‏:‏ بسم الله اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا ، فولد بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً متفق عليه ويستحب التستر عند المجامعة ، ، لما روى عتبة بن عبيد قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إذا أتى أحدكم أهله ، فليستتر ، ولا يتجردا تجرد العيرين ‏.‏ رواه ابن ماجة ‏.‏ ولا يجامعها بحيث يراها إنسان ، أو يسمع وجسهما ‏.‏ وإذا فرغ قبلها ، كره له النزع حتى تفرغ ، لما روى أنس قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إذا جامع الرجل أهله ، فليصدقها ، ثم إن قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها ، فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها ‏.‏

فصل ‏:‏

ويكره العزل ، وهو ‏:‏ أن ينزل الماء خارج الفرج ، لما فيه من تقليل النسل ، ومنع المرأة من كمال استمتاعها ، وليس بمحرم ، لما روى أبو سعيد قال ‏:‏ ذكر - يعني العزل - عند رسل الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏:‏ فلم يفعل أحدكم ‏؟‏ - ولم يقل فلا يفعل - فإنه ليس نفس مخلوقة إلا والله خالقها متفق عليه ‏.‏ فإن كان ذلك في أمته ، فله ذلك بغير إذنها ، لأن الاستمتاع بها حق له دونها ، وكذلك أم الولد ، وإن كان في زوجة حرة لم يجز إلا بإذنها ، لما روى ابن عمر قال ‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها ‏.‏ رواه أحمد ‏.‏ وإن كانت أمة فقال أصحابنا ‏:‏ لا يعزل عنها إلا بإذن سيدها ، لأن الولد له ، والأولى جوازه ، لأن تخصيص الحرة بالاستئذان دليل سقوطه في غيرها ، ولأن السيد لا حق له في الوطء ، فلا يجب استئذانه في كيفيته ‏.‏ ولأن على الزوج ضرراً في رق ولده ، بخلاف الحرة ‏.‏ ويحتمل أن يكون الاستئذان للحرة والأمة مستحباً غبر واجب ، لأن حقهما في الوطء لا في الإنزال ، بدليل خروجه بذلك من الفيئة والعنة ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا كان له زوجتان ، لم يجمع بينهما في مسكن واحد إلا برضاهما ، لأن عليهما فيه ضرراً ، ويؤدي إلى الخصومة ، ولا يطأ إحداهما بحضرة الأخرى ، لأن فيه دناءة ، وسوء عشرة ، وإثارة للغيرة ‏.‏


باب القسم


يجب على الرجل المبيت عند امرأته الحرة ليلة من كل أربع ، ووطؤها مرة في كل أربعة أشهر ، إذا لم يكن عذر ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ لا يجب المبيت ولا الوطء ابتداء إذا لم يقصد الإضرار بتركه ، لأنه حق فجاز تركه ، كسكنى الدار المستأجرة ، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر ‏:‏ ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل ‏؟‏ قال ‏:‏ بلى يا رسول الله ‏.‏ قال ‏:‏ فلا تفعل صم وأفطر ،وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقاً ، وإن لعينك عليك حقاً ، وإن لزوجك عليك حقاً متفق عليه ‏.‏ وقال عمر لكعب بن سور ‏:‏ اقض بين هذا وامرأته ، قال ‏:‏ فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة وهي رابعتهن ، فأقضي لها بثلاث أيام ولياليهن يتعبد فيهن ، ولها يوم وليلة ‏.‏ فقال عمر ‏:‏ والله ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر ، اذهب فأنت قاض على البصرة ‏.‏ ولأن الوطء يجب على المولى ، ويفسخ النكاح لتركه ،وما لا يجب على غير الحالف ، لا يجب على الحالف على تركه ، كسائر المباحات ، وما لا يجب ، لا يفسخ النكاح ، لتعذره ، كزيادة النفقة ‏.‏ فإن لم يفعل فطلبت الفرقة ، فرق بينهما ‏.‏ قال أصحابنا ‏:‏ وحق الأمة ليلة من كل سبع ، لأن أكثر ما يمكنه جمعه معها ثلاث حرائر ، لهن ست ، ولها السابعة ‏.‏ والصحيح أن لها ليلة من ثمان نصف ما للحرة ، لأن زيادتها على ذلك يحل بالتنصيف ‏.‏ وزيادة الحرة على ليلة من أربع زيادة على الواجب ، فتعين ما ذكرنا ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن كان له امرأتان أو أكثر ، وجب التسوية بينهن في القسم ، لما روى أبو هريرة قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من كانت له امرأتان فمال إلى أحدهما جاء يوم القيامة وشقه مائل رواه أبو داود ‏.‏ ولأن الجور يخل بالعشرة بالمعروف ‏.‏ وليس له البداءة في القسم بإحداهما دون الأخرى من غير رضاها ، لأنه جور يدعو إلى النفور ‏.‏ فإذا أراد البداءة بالقسم ، أقرع بينهما ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرع بين نسائه ‏.‏ وإذا بدأ بواحدة بقرعته أو غيرها ، لزمه القضاء للبواقي ، لأن ترك القضاء ميل ‏.‏

فصل ‏:‏

ويجب القسم على المريض ، والمجبوب والمظاهر ، والمولى وزوج المريضة ، والمحرمة ، والحائض و النفساء ، لأن النبي صلى الله عليه وسلمكان يقسم في مرضه ، ولأن القسم يراد للأنس والإيواء ، وذلك أحصل في هذه الأحوال ‏.‏ فأما المجنون والمجنونة ، فإن خيف منهما ، سقط ، لأن الأنس لا يحصل منهما ، وإن لم يخف منهما ، فالمجنونة على حقها في القسم ‏.‏ ويطوف ولي الجنون به ، لأن الأنس يحصل منهما ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا سافرت زوجته بغير إذنه ، سقط حقها من القسم والنفقة ، لأنها منعته القسم لها بغيبتها ، فأسقطت نفقتها بنشوزها ‏.‏ وإن بعثها أو أمرها بالنقلة من بلدها ، لم يسقط حقها من نفقة ، ولا قسم ، لأن ذلك حاصل بفعله ، فلم يسقط حقها ، كما لو أتلف المشتري المبيع ، لم يسقط ثمنه ‏.‏ وإن سافرت بإذنه لحاجتها ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا يسقطان ، لأنها سافرت بإذنه ، أشبه ما لو سافرت معه ‏.‏

الثاني ‏:‏ يسقط ‏.‏ اختاره الخرقي ، لأن القسم للأنس ، والنفقة للتمكين من الاستمتاع ، وقد تعذر من جهتها ، فسقط ، كثمن المبيع إذا تعذر تسليمه ، ويحتمل أن يسقط قسمها وجهاً واحداً ، لأنه لو سافر عنها لعذر ، سقط حقها منه ، فإذا سافرت هي ، كان أولى ‏.‏ وفي النفقة وجهان، لأنها لا تسقط بسفره ‏.‏

فصل ‏:‏

وعماد القسم الليل ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا‏}‏ ‏.‏ ولأن الليل للسكن والإيواء ، والنهار للمعاش والانتشار ، إلا من معاشه بالليل ، كالحارس ، فعماد قسمه النهار ، لأن نهاره كليل غيره ‏.‏ وإذا قسم للمرأة ليلة ، كان لها ما يليها من النهار تبعاً لليل ، بدليل ما روي أن سودة وهبت يومها لعائشة ‏.‏ متفق عليه ‏.‏ وقالت عائشة ‏:‏ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلمفي بيتي وفي يومي ، والأولى أن يقسم بين زوجاته ليلة وليلة ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه أقرب إلى التسوية في إيفاء الحقوق‏.‏ فإذا زاد على ذلك، لم يجز إلا برضاهن ، لأنه إذا بات عند واحد، تعينت الليلة الثانية للأخرى ، فلم يجز أن يبيتها عند غيرها بغير رضاها ‏.‏ فإن اتفق الجميع على القسم أكثر من ذلك أو أقل ، جاز ، لأن الحق لا يخرج عنهن ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ له أن يقسم ليلتين ليلتين، وثلاثاً ثلاثاً ، لأنه يسير ، ولا تجوز الزيادة عليه إلا برضاهن ‏.‏ فإن قسم لإحداهما ، ثم طلق الأخرى قبل قسمها ، أثم ، لأنه فوت حقها الواجب لها ، فإن عادت بعد ذلك إليه ، لزمه أن يقضي لها ، لأنه قدر على إيفائه بعد العجز عنه ، فلزمه ، كالدين إذا أعسر به ثم أيسر ‏.‏ وإن نشزت إحداهن في ليلتها ، وأغلقت بابها دونه ، أو ادعت طلاقه ، سقط حقها من القسم ‏.‏ فإن طاوعت ، استأنف القسم بينهما ، ولم يقض لها ، لأنها أسقطت حق نفسها ‏.‏

فصل ‏:‏

والأولى أن يطوف على نسائه في منازلهن ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأنه أحسن في العشرة وأصون لهن ‏.‏ وله أن يقيم في موضع واحد ، ويستدعي واحدة واحدة ، وله أن يأتي واحدة ويستدعي واحدة ، لأن المرأة تابعة للزوج في المكان ، ولذلك ملك نقلها إلى حيث شاء‏.‏ وإن حبس في موضع يمكن حضورها معه ، وهو مسكن مثلها ، فهي على حقها من القسم ‏.‏ و إن لم يكن مسكن مثلها، لم يلزمها إجابته ، لأن عليها ضرراً ‏.‏ وإن كانت له امرأتان في بلدين ، فعليه العدل بينهما ، لأنه حق لهما ، فلا يسقط بتباعدهما ، كالنفقة ‏.‏ فإن امتنعت إحداهما من النقلة بعد طلبه لها ، سقط حقها ‏.‏ وإن أقام في بلد إحداهما ، ولم يقم معها في المنزل ، لم يلزمه القضاء ، لأنه لم يقسم لها ، وإن أقام عندها ، لزمه القضاء للأخرى ‏.‏

فصل ‏:‏

ويستحب التسوية بين الزوجات في الاستمتاع ، لأنه أكمل ، ولا يجب ذلك ، لأن الداعي إليه الشهوة والمحبة ، ولا سبيل إلى التسوية فيه ‏.‏ قال الله تعالى ‏:‏ ‏{‏ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم‏}‏ ‏.‏ قال ابن عباس ‏:‏ في الحب والجماع ‏.‏ وقالت عائشة ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ويعدل ثم يقول ‏:‏ اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك رواه الترمذي و ابن ماجة ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن خرج في ليلة إحداهن ولم يلبث إن عاد ، لم يقض لها ، لأنه لا فائدة في قضائه ، وإن أقام قضى لها ، ساء كانت إقامته لعذر ، أو لغير عذر ، لأن حقها فات بغيبته عنها ‏.‏ ويستحب أن يقضي لها في مثل الوقت الذي خرج فيه ، لأنه أقرب إلى المماثلة ‏.‏ وإن قضاه في غيره من الليل ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا يجوز ، لعدم المماثلة ‏.‏

والثاني ‏:‏ يجوز ، لأنه قضى في الوقت الذي هو المقصود في القسم ، وله الخروج في النهار حيث شاء ، لأن النهار للمعاش والانتشار ‏.‏ وإن دخل على ضرتها في ليلتها ، ولم يلبث أن خرج ، لم يقض ، لعدم الفائدة في قضائه ، فإن جامعها فيه ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا يقضي أيضاً ، لأن الزمن اليسير لا يقضى ، والوطء لا يستحق في القسم ‏.‏

والثاني ‏:‏ عليه القضاء وهو أن يدخل على صاحبة القسم في ليلة الأخرى فيطأها ، ليعدل بينهما ‏.‏ وإن أطال المقام عند الضرة ،قضاه في ليلة المدخول عليها بكل حال ‏.‏ فأما الدخول على غيرها في يومها ، فيجوز للحاجة ، من غير أن يطيل ولا يجامع ‏.‏ وهل له أن يستمتع منها فيما دون الفرج ‏؟‏ فيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يجوز لما روت عائشة قالت ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل علي في يوم غيري وينال مني كل شيء إلا الجماع ‏.‏

والثاني ‏:‏ لا يجوز ، لأنه يحصل به السكن ، أشبه الجماع ‏.‏ وإن أطال ، قضاه للأخرى ‏.‏ وإن جامع ففيه وجهان ‏.‏ كما ذكرنا في الليل ‏.‏




فصل ‏:‏

والكتابية كالمسلمة في القسم ، لأنه من حقوق النكاح فاستويا فيه ، كالنفقة والسكنى ‏.‏ فإن كانت إحداهما حرة ، والأخرى أمة ، فللحرة ليلتان ، وللأمة ليلة ، لما روي عن علي أنه كان يقول ‏:‏ إذا تزوج الحرة على الأمة ، قسم للأمة ليلة ، وللحرة ليلتين ‏.‏ أخرجه الدارقطني واحتج به أحمد ‏.‏ فإن أعتقت الأمة في مدتها أو قبلها ، أضاف إلى ليلتها أخرى ، لأنها صارت حرة ، فيجب التسوية بينهما ‏.‏ وإن أعتقت بعد مدتها ، استأنف القسم متساوياً ولم يقض لها ‏.‏

فصل ‏:‏

إذا كان له أربع نسوة ، فنشزت إحداهن ، وظلم أخرى فلم يقسم لها ، وقسم للاثنتين ثلاثين ليلة ، ثم أطاعته الناشز ، وأراد القضاء للمظلومة ، فإنه يقسم لها ثلاثاً ، وللناشز ليلة ، خمس أدوار ، فيكمل للمظلومة خمسة عشر ، ويحصل للناشز خمس ، فتحصل التسوية ‏.‏ فإن كان له ثلاث نسوة ، فظلم إحداهن ، وقسم بين الباقيتين ثلاثين ليلة ، ثم تزوج جديدة ، وأراد القضاء ، فإنه يبدأ فيوفي الجديدة حق العقد ، ثم يقسم بينهما وبين المظلومة خمسة أدوار ، كما ذكرنا في التي قبلها سواء ‏.‏

فصل ‏:‏

ولا قسم عليه في ملك اليمين ‏.‏ فإذا كانت له زوجات وإماء ، فله الدخول على الإماء كيف شاء ، والاستمتاع بهن ، لأن الأمة لا حق لها في الاستمتاع ، ولذلك لم تملك المطالبة في الإيلاء ‏.‏

فصل ‏:‏

وللمرأة أن تهب حقها من القسم لزوجها ، فيجعله لمن شاء من زوجاته ، ولبعض ضرائرها ، أو لهن جميعاً إذا رضي الزوج ، لأن حقه في الاستمتاع بها لا يسقط إلا برضاه ، فإذا رضي، جاز ، لما روت عائشة أن سودة وهبت يومها لعائشة ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة ‏.‏ متفق عليه ‏.‏ وجوز ذلك في بعض الزمان ، لما روت عائشة ‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على صفية بنت حيي في شيء ، فقالت لعائشة ‏:‏ هل لك أن ترضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولك يومي ‏؟‏ قالت ‏:‏ نعم - فأخذت خماراً مصبوغاً بزعفران ، فرشته بالماء ليفوح ريحه ، ثم قعدت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إليك يا عائشة ، إنه ليس يومك قالت ‏:‏ ذلك فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء ، فأخبرته بالأمر فرضي عنها ‏.‏ رواه ابن ماجة ‏.‏ ولا يعتبر رضى الموهوبة ، لأنه حقه عليها عام ، وإنما منعه المزاحمة التي زالت بالهبة ، ثم إن كانت ليلة الواهبة لا تلي ليلة الموهوبة ، لم نجز الموالاة بينهما ، لأن الموهوبة قائمة مقام الواهبة ، فلم يجز تغييرها عن موضعها ، كما لو كانت الواهبة باقية ويحتمل أن يجوز لعدم الفائدة في التفريق ‏.‏ وللواهبة الرجوع في هبتها في المستقبل ، لأنه لم يقبض ، وما مضى فقد اتصل به القبض ، فلا حق لها فيه ‏.‏ وإن بذلت ليلتها بمال ، لم يصح ، لأنها ليست مالاً ، ولا منفعة يستحق بها المال ‏.‏ وإن كان العوض غير المال ، كإرضاء زوجها ونحو ذلك ، جاز لحديث عائشة ‏.‏

فصل ‏:‏

والحق في قسم الأمة لها، دون سيدها، فلها هبة ليلتها من غير إذن سيدها، ولها المطالبة بها ، لأن الإيواء والسكنى حق لها ، فملكت إسقاطه والمطالبة به ، كالحرة ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن تزوج صاحب النسوة امرأة جديدة ، قطع الدور لحق الجديدة ، فإن كانت بكراً ، أقام عندها سبعاً‏.‏ وإن كانت ثيباً ، أقام عندها ثلاثاً ، ثم دار ، لما روى أبو قلابة عن أنس قال ‏:‏ من السنة أن تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً ، وإذا تزوج الثيب ، أقام عندها ثلاثاً ، ثم قسم ‏.‏ قال أبو قلابة ‏:‏ لو شئت لقلت ‏:‏ إن أنساً رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ‏.‏ متفق عليه ‏.‏

وإن أحبت الثيب أن يقم عندها سبعاً ، فعل ، ثم قضى جميعها للبواقي ، لما روت أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها ، أقام عندها ثلاثاً وقال ‏:‏ إن شئت سبعت لك ، وإن سبعت لك سبعت لنسائي ‏.‏ رواه مسلم ‏.‏ وفي لفظ ‏:‏ إن شئت ثلثت ثم درت والأحرار والرقيق سواء في هذا الحديث ، للإيناس وإزالة الاحتشام ، فاستوين فيه لاستوائهن في الحاجة إليه ، كالنفقة ‏.‏

فصل ‏:‏

يكره أن يزف امرأتين في ليلة واحدة ، لأنه لا يمكن الجمع بينهما في إيفاء حقهما ، وتستضر التي يؤخر حقها وتستوحش ، فإن فعل ، بدأ بالتي تدخل عليه أولاً فوفاها حقها ، لأنها أسبق ، فإن أدخلتا عليه معاً ، أقرع بينهما ، فقدم من تخرج لها القرعة ، ثم ثنى بصاحبتها ، ثم قسم بعد ذلك ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا أراد السفر بجميع نسائه ، قسم لهن كما يقسم في الحضر ‏.‏ وإن أراد السفر ببعضهن ، لم يسافر بهن إلا بقرعة ، لما روت عائشة ‏:‏ أن رسول الله ‏(‏ص‏)‏ كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه ،فأيتهن خرج سهمها ، خرج بها معه ‏.‏ متفق عليه ‏.‏ ولا يلزمه القضاء للحاضرات ، لأن عائشة لم تذكر قضاء ، ولأن المسافرة اختصت بمشقة السفر ، فاختصت بالقسم ، والسفر الطويل والقصير سواء في هذا ، لعموم الخبر والمعنى ‏.‏ وإن سافر بإحداهن بغير قرعة ، أثم ، وقضى للبواقي ، لأنه خصها مدة على وجه تلحقه التهمة ، فلزمه القضاء ، كالحاضر ‏.‏ فإن خرجت القرعة لإحداهن فامتنعت من السفر معه ، سقط حقها لامتناعها ‏.‏ وإن آثرت أخرى به ، جاز إذا رضي الزوج ، لأن الحق لها ، أشبه ليلتها في الحضر ، وإن أحب تركها ، والسفر وحده ، جاز ، لأن القرعة لا توجب ، وإنما تعين مستحق التقديم ‏.‏ وإن سافر بها بقرعة ثم بدا له فأبعد السفر ، فله استصحابها معه ، لأنه سفر واحد ‏.‏ وإن أقام في بلدة مدة يلزمه فيها إتمام الصلاة ، قضى ذلك ، فإذا خرج مسافراً ، لم يقض ما سافره ، لأنه سفر واحد قد أقرع له ‏.‏ وإن كانت عنده امرأتان ، فتزوج امرأتين ، ثم أراد سفراً ، أقرع بين الكل ، فإن وقعت القرعة لإحدى الأوليين ، سافر بها ، فإذا قدم ، قضى حق العقد للجديدتين ، ثم دار ‏.‏ وإن وقعت للجديدة ، سافر بها ودخل حق العقد في قسم السفر ، فإذا قدم ، قضى حق العقد للأخرى ، ثم دار ، لأنه حق وجب عليه قبل سفره ‏.‏ ويحتمل ألا يقضي لها ، لأن الإيواء في الحضر أكثر منه في السفر ، فيحصل تفصيلها على التي سافر بها ‏.‏ ويحتمل أن يقيم عند الأخرى لقضاء حق العقد ، لأنه حق وجب بالعقد ، ولم يوجب له مسقط ، فيجب قضاؤه ، ثم يقيم مثله عند التي سافر بها ، لئلا يفضل الحاضر عليها ، فإن العدل يحصل بهذا ، فيكون أولى من إسقاط حق العقد بغير مسقط وإن قدم من سفره قبل إتمام حق العقد للتي معه ، أتمه في الحضر ، والله أعلم ‏.‏


باب النشوز


وهو نوعان ‏.‏ أحدهما ‏:‏ نشوز المرأة ، وهو معصيتها زوجها فيما يجب له عليها من حقوق النكاح ، فمتى ظهر منها إمارات النشوز ، مثل أن يدعوها فلا تجيبه ، أو تجيبه مكرهة متبرمة ، وعظها وخوفها الله تعالى وما يلحقها من الإثم والضرر بنشوزها من سقوط نفقتها وقسمها وإباحة ضربها وأذاها ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن‏}‏ ‏.‏ ولا يجوز ضربها، لأنه يجوز أن يكون ذلك لعذر، أو ضيق صدر من غير الزوج، فإن أظهرت النشوز ، فله هجرها في المضاجع، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏واهجروهن في المضاجع‏}‏ ‏.‏ قال ابن عباس ‏:‏ لا تضاجعها في فراشك ‏.‏ فإن الهجران في الكلام ، فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ، أو قال ‏:‏ ثلاث ليال ، متفق عليه ‏.‏ فإن ردعها ذلك ، وإلا فله ضربها ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏واضربوهن‏}‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إن لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح رواه مسلم ‏.‏ ولا يحرج بالضرب ، للخبر ‏.‏ قال ثعلب ‏:‏ غير مبرح ، أي ‏:‏ غير شديد ‏.‏ وعليه اجتناب الموضع المخوفة ، والمستحسنة ، لأن المقصود التأديب لا الإتلاف والتشويه ‏.‏ وهل له ضربها بأول النشوز ‏؟‏ فعنه ‏:‏ له ذلك ، للآية والخبر ، ولأنها صرحت بالمعصية ، فكان له ضربها ، كالمصرة ‏.‏ وظاهر قول الخرقي ‏:‏ أنه ليس له ضربها ، لأن المقصود بهذه العقوبات زجرها عن المعصية في المستقبل ، فيبدأ بالأسهل فالأسهل ، كإخراج من هجم على منزله ، ولأنها عقوبات على جرائم ، فاختلفت باختلافها ، كعقوبات المحاربين ‏.‏

فصل ‏:‏

النوع الثاني ‏:‏ نشوز الرجل عن امرأته ، وهو ‏:‏ إعراضه عنها لرغبته عنها ، لمرضها ، أو كبرها ، أو غيرهما ، فلا بأس أن تضع عنه بعض حقها تسترضيه بذلك ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً‏}‏ ‏.‏ قالت عائشة رضي الله عنها ‏:‏ هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها ، فيريد طلاقها ، ويتزوج عليها ، تقول له ‏:‏ أمسكني لا تطلقني ، وأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي ‏.‏ رواه بخاري ‏.‏ وقالت عائشة ‏:‏ إن سودة لما أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت ‏:‏ يا رسول الله يومي لعائشة ، فقبل ذلك منها ‏.‏ ففي تلك وأشباهها أراه أنزل الله ‏:‏ ‏{‏وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً‏}‏ رواه أبو داود ‏.‏ ومتى صالحته على شيء من حقها ، ثم أرادت الرجوع ، فلها ذلك ‏.‏ قال أحمد في الرجل يغيب عن زوجته فيقول لها ‏:‏ إن رضيت على هذا وإلا ، فأنت أعلم ، فتقول ‏:‏ قد رضيت ، فهو جائز ‏.‏ وإن شاءت ، رجعت ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا ادعى كل واحد منهما ظلم صاحبه وعدوانه ، أسكنهما الحاكم إلى جانب ثقة يطلع عليهما ، ويلزمهما الإنصاف ‏.‏ فإن لم يكن أنصاف أحدهما من صاحبه ، وخيف الشقاق بينهما ، بعث الحاكم حكماً من أهله ، وحكماً من أهلها ، ليفعلا ما رأيا المصلحة فيه من التفريق بعوض أو غيره ، أو الإصلاح بترك بعض الحقوق أو غيره ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وإن خفتم شقاق بينهما‏}‏ ويجوز أن يكون الحكمان أجنبيين ، لأنهما إما وكيلين ، أو حكمان ، وأي ذلك كان ، فلا تشترط له القرابة ، والأولى جعلهما من أهلهما ، للآية ، ولأنهما أعرف بالحال وأشفق ‏.‏ ويجب أن يكونا ذكرين ، عدلين ، لأنهما إن كانا وكيلين ، فهما يحتاجان إلى الرأي في النظر والتفريق ، ولا يكمل بدون هذين الوصفين ‏.‏ وإن كانا حكمين ، فهذا شرط فيه ، واختلفت الرواية فيهما ‏.‏ فروي ‏:‏ أنهما حكمان ، لتسمية الله تعالى إياهما بذلك ، فعلى هذا لهما فعل ما رأياه بغير رضى الزوجين ، لأن الحاكم يحكم بما يراه من غير رضى الخصم ‏.‏ وروي ‏:‏ أنهما وكيلان لا يملكان التفريق ، ولا إسقاط شيء من الحقوق إلا بتوكيلهما أو رضاهما ، لأن الطلاق إلى الزوج ، وبذل المال إلى الزوجة ، فلم يجز إلا بإذنهما ‏.‏ ومتى كانا حكمين ، اشترط كونهما فقيهين حرين ، لأنهما من شرائط الحكم ‏.‏ وإن كانا وكيلين ، جاز أن يكونا عاميين أو عبدين ، لأن توكيلهما جائز ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ لا يجوز أن يكونا عبدين ، لأنهما ناقصان ‏.‏ فإن غاب الزوجان ، نفذ تصرف الحكمين في حقهما إن قلنا ‏:‏ هما وكيلان ، كما ينفذ تصرف الوكيل في غيبة الموكل ‏.‏ وإن قلنا ‏:‏ هما حكمين ، لم ينفذ ، لأنه لا يجوز له الحكم للغائب‏.‏ وكل واحد منهما محكوم له وعليه‏.‏ وإن جنى، لم ينفذ تصرف الحكمين بحال ، لأن الوكالة تبطل بجنون الموكل ‏.‏


كتاب الخلع


ومعناه ‏:‏ فراق الزوج امرأته بعوض ‏.‏ فإن خالعها بغير عوض ، لم يصح ، لكن إن كان بلفظ الطلاق، أو نواه به ، فهو طلاق رجعي ، ولم يقع به شيء، وعنه‏:‏ يصح الخلع بغير عوض ‏.‏ اختاره الخرقي ‏.‏ فإذا سألته خلعها ، ، فقال ‏:‏ خلعتك ، انفسخ النكاح ولا شيء له ، لأنه فرقة ، فجازت بغير عوض ، كالطلاق ‏.‏ فإن قال ‏:‏ خلعتك من غير سؤال الزوجة ، لم يكن خلعاً ، وكان كناية في الطلاق لا غير ‏.‏ قال أبو بكر ‏:‏ لا خلاف عن أبي عبد الله أن الخلع ما كان من قبل النساء ‏.‏ فإذا كان من قبل الرجال ، فلا نزاع في أنه طلاق يملك به الرجعة‏.‏ ووجه الرواية الأولى أنه فسخ للنكاح بغير عوض ولا عيب ، فلم يملكه الزوج ، كما لو تسأله المرأة ‏.‏

فصل ‏:‏

والخلع على ثلاثة أضرب‏:‏ مباح‏:‏ وهو أن تكره المرأة زوجها لبعضها إياه ، وتخاف ألا تؤدي حقه ، ولا تقيم حدود الله في طاعته ، فلها أن تفتدي نفسها منه ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به‏}‏ر ‏.‏ وروى البخاري بإسناده ‏.‏ قال ‏:‏ جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ‏:‏ يا رسول الله ما أنقم على ثابت من دين ولا خلق ، إلا أني أخاف الكفر في الإسلام ، فقال رسول الله ‏(‏ص ‏)‏ أتردين عليه حديقته ‏؟‏ فالت ‏:‏ نعم ‏.‏ فردت عليه ، وأمره ففارقها ولأن حاجتها داعية إلى فرقته ، ولا تصل إلى ببذل العوض ، فأبيح لها ذلك ، كشراء المتاع ‏.‏

الثاني ‏:‏ المخالعة لغير سبب مع استقامة الحال ، فذهب أصحابنا إلى أنه صحيح مع الكراهة ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً‏}‏ ‏.‏ ويحتمل كلام أحمد تحريمه وبطلانه ، لأنه قال ‏:‏ الخلع مثل حديث سهلة ، تكره الرجل ، فتعطيه المهر ، فهذا الخلع ‏.‏ ووجه ذلك قوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله‏}‏ وروى ثوبان قال ‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس ، فحرام عليها رائحة الجنة رواه أبو داود ‏.‏ ولا يلزم من الجواز في غير عقد ، الجواز في عقد بدليل عقود الربا ‏.‏

الثالث ‏:‏ أن يعضل الرجل زوجته بأذاه لها ، ومنعها حقها ظلماً ، لتفتدي نفسها منه ، فهذا محرم ، لقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن‏}‏ ‏.‏ فإن طلقها في هذه الحال بعوض ، لم يستحقه لأنه عوض أكرهت على بذله بغير حق ، فلم يستحقه ، كالثمن في البيع ‏.‏ ويقع الطلاق رجعياً ‏.‏ وإن خالعها بغير لفظ الطلاق ، وقلنا ‏:‏ هو طلاق ، فحكمه ما ذكرنا ، وإلا فالزوجة بحالها ‏.‏ فإن أدبها لتركها فرضاً أو نشوزها ، فخالعته لذلك، لم يحرم ، لأنه ضربها بحق ‏.‏ وإن زنت فعضلها لتفتدي نفسها منه ، جاز وصح الخلع ، لقول الله تعالى ‏:‏ ‏{‏إلا أن يأتين بفاحشة مبينة‏}‏ ‏.‏ والاستثناء من النفي إثبات ‏.‏ وإن ضربها ظلماً لغير قصد أخذ شيء منها ، فخالعته لذلك ، صح الخلع ، لأنه لم يعضلها ليأخذ مما آتاها شيئاً ‏.‏

فصل ‏:‏

ويصح الخلع من العبد والسفيه والمفلس ، وكل زوج يصح طلاقه ، لأنه إذا ملك الطلاق بغير عوض ، فبعوض أولى ‏.‏ والعوض في خلع العبد لسيده ، لأنه من كسبه ، لا يجوز تسليمه إلى غيره ، إلا بإذنه ، ولا يجوز تسليم العوض في خلع السفيه إلا إلى وليه ، كسائر حقوقه ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ يصح قبضهما ، لأنه صح خلعهما ، فصح قبضهما ، كالمفلس ‏.‏ ولا يصح من غير زوج ، لأنه لا يملك الطلاق إلا أب الصغير ‏.‏ فإنه فيه روايتين ‏:‏

إحداهما‏:‏ لا يملك طلاق زوجته ولا خلعها ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ الطلاق لمن أخذ بالساق رواه ابن ماجه ‏.‏ ولأنه إسقاط لحقه فلم يملكه ، كإسقاط قصاصه ‏.‏

والثانية ‏:‏ يملكه ، لأنه يملك تزويجه ، فملك الطلاق والخلع ، كالزوج ، وكذلك القول في زوجة عبده الصغير ‏.‏

فصل ‏:‏

ويصح الخلع من كل زوجة رشيدة ، لأن استدانتها صحيحة ‏.‏ فإن كانت أمة ، فحكم خلعها حكم استدانتها بإذن سيدها ، وبغير إذنه ، ويرجع على المكاتبة بالعوض إذا عتقت ، وعلى المفلسة إذا أيسرت ، كاستدانتها ‏.‏ فأما السفيهة والصغيرة والمجنونة ، فلا يصح بذل العوض منهن ، لأنه تصرف في المال وليس من أهله ‏.‏ ويصح بذل العوض في الخلع من الأجنبي ‏.‏ فإذا قال ‏:‏ طلق زوجتك بألف علي ، ففعل ، لزمته ألف ، لأنه إسقاط حق لا يفتقر إلى رضى المسقط عنه ، فصح بالمالك والأجنبي ، كالعتق بمال ، فإن قال ‏:‏ طلق زوجتك بمهرها ، وأنا ضامن ، ففعل ، بانت وعليه مهرها ، ولا يرجع به على أحد ‏.‏ وليس لغير الزوجة خلعها بشيء من مالها ، ولو كان أبا الصغيرة ، لأنه يسقط به حقها من العوض والنفقة والاستمتاع ، فإن فعل وكان طلاقاً ، كان رجعياً ، وإلا ، لم يقع به شيء ، كالخلع مع العضل ‏.‏

فصل ‏:‏

ويجوز الخلع من غير حاكم، لأنه قطع عقد بالتراضي، فلم يحتج إلى حاكم ، كالإقالة ‏.‏ ويجوز في الحيض ، لأن تحريم الطلاق فيه يثبت دفعاً لضرر تطويل العدة ، والخلع يدفع به ضرر سوء العشرة ، وهو أعظم وأدوم ، فكان دفعه أولى ‏.‏

فصل ‏:‏

وألفاظ الخلع تنقسم إلى صريح وكناية ، لأنه أحد نوعي الفرقة ، فكان له صريح وكناية ، كالطلاق ‏.‏ فالصريح ثلاثة ألفاظ، خالعتك ، لأنه يثبت له عرف الاستعمال ‏.‏ وفاديتك لورود القرآن به ‏.‏ وفسخت نكاحك ، لأنه حقيقة فيه ‏.‏ وما عدا هذا ، مثل بارأتك وأبرأتك وأبنتك ، فكناية ‏.‏ فمتى أتى بالصريح ، وقع وإن لم ينو ، ولا يقع بالكناية إلا بنية ، أو دلالة حال ، بأن تطلب الخلع ، وتبذل العوض ، فيجيبها بذلك ، لأن دلالة الحال تغني عن النية ، ‏.‏ ومتى وقع الخلع بلفظ الطلاق ، أو نوى به الطلاق ، فهو طلاق بائن ، لأنه لا يحتمل غير الطلاق ‏.‏ وإن خالعها بغير لفظ لطلاق غير ناو به الطلاق ، ففيه روايتان ‏:‏

إحداهما ‏:‏ هو طلاق أيضاً ، لأنه كناية في الطلاق ، نوى به فرقتها ، فكان طلاقاً ، كما لو نوى به الطلاق ‏.‏

والثانية ‏:‏ هو فسخ لقول الله تعالى ‏:‏ ‏{‏الطلاق مرتان‏}‏ ثم ذكر الخلع ، ثم قال ‏:‏ ‏{‏فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره‏}‏ ‏.‏ فلو كان طلاقاً ، كانت أربعاً ، ولا خلاف في تحريمها بثلاث ، ولأنه ليس بصريح في الطلاق ، ولا نوى به الطلاق ، فلم يكن طلاقاً ، كغيره من الكنايات ‏.‏ فإذا قلنا ‏:‏ هو طلاق ، نقص به عدد طلاقها ، ومتى خالعها ثلاثاً ، لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ، وإن قلنا ‏:‏ هو فسخ ، لم ينقص به عدد طلاقها ، وحلت له من غير نكاح زوج ثان ، ولو خالعها مراراً ‏.‏

فصل ‏:‏

وتبين بالخلع على كلتا الروايتين ، فلا يملك رجعتها ، لأنه عقد معاوضة ، فلم يملك الرجوع فيما اعتاض عنه ، كالبيع ، ولا يلحقها طلاقه ، ولو واجهها به ، لأنها بائن ، فلم يلحقها طلاقه ، كبعد العدة ‏.‏ فإن طلقها بعوض ، وشرطه الرجعة ، فقال ابن حامد ‏:‏ يصح الخلع ويسقط الشرط ، لأن الخلع لا يفسد بالعوض الفاسد ، فلم يفسد بالشرط الفاسد ، كالنكاح‏.‏ قال القاضي ‏:‏ ويسقط المسمى ، وله صداقها ، لأنه إنما رضي به مع الشرط ، فإذا فسد الشرط ، وجب أن يرجع بما نقص لأجله ، فيصير مجهولاً ، فيفسد ويجب الصداق ‏.‏ ويحتمل أن يجب المسمى ، لأنه مسمى صحيح ، في عقد صحيح ، فوجب قياساً على الصداق في النكاح، وفيه وجه آخر‏:‏ أنه يسقط العوض، وتثبت الرجعة، لأن شرط العوض والرجعة يتنافيان، فيسقطان، ويبقى مجرد الطلاق‏.‏ وإن شرط الخيار في الخلع ، بطل الشرط ، وصح الخلع ، لأن الخيار في البيع لا يمنع نقل الملك ، ففي الخلع لا يمنع وقوعه ‏.‏ ومتى وقع ، فلا سبيل إلى رفعه ‏.‏

فصل ‏:‏

ويصح الخلع منجزاً بلفظ المعاوضة ، لما فيه من المعاوضة ، ومعلقاً على شرط ، لما فيه من الطلاق‏.‏ فأما المنجز بلفظ المعاوضة ، فهو أن يوقع الفرقة بعوض ، فيقول ‏:‏ خلعتك بألف، أو طلقتك بألف ، أو أنت طالق بألف ، فتقول ‏:‏ قبلت ، كما يقول ‏:‏ بعتك هذا الثوب بألف ، فتقول ‏:‏ قبلت ‏.‏ هذا قول القاضي ، وقياس قول أحمد ‏:‏ أنه يقع الطلاق رجعياً ، ولاشيء له ، لأنه أوقع الطلاق الذي يملكه ، ولم يعلقه بشرط ، وجعل عليها عوضاً لم تبذله ولم ترض به ، فلم يلزمها ‏.‏ فأما المعاوضة الصحيحة ، فمثل أن تقول المرأة ‏:‏ اخلعني بألف ، أو على ألف ، أو وعلي ألف ، فيقول ‏:‏ طلقتك ، كما تقول ‏:‏ بعني هذا الثوب بألف ، فيقول ‏:‏ بعتك ‏.‏ ولا يحتاج إلى ذكر أو إعادة الألف في الجواب ، لأن الإطلاق يرجع إليه ، كما يرجع في البيع ‏.‏ ولا يصح الجواب في هذا إلا على الفور ‏.‏ ويجوز للرجل الرجوع في الإيجاب قبل القبول ، وللمرأة الرجوع في السؤال قبل الجواب ، كما يجوز في البيع ‏.‏ وأما المعلق فيجوز أن يعلق الطلاق على دفع مال ، أو ضمانه ، فيقول ‏:‏ إن أعطيتني ألفاً ، أو إذا أعطيتني ألفاً ، أو متى أعطيتني ألفاً ، أو متى ضمنت لي ألفاً ، فأنت طالق ، فمتى ضمنتها له ، أو أعطته ألفاً ، طلقت ، سواء كان على الفور أو التراخي ، لأنه تعليق للطلاق على شرط ، فوقع بوجود الشرط ، كما لو عري عن ذكر العوض ‏.‏ويكفي في العطية أن يحضر المال ، ويأذن في قبضه ، أخذ أو لم يأخذ ، لأن اسم العطية يقع عليه‏.‏ يقال ‏:‏ أعطيته فلم يأخذ ‏.‏ فإن أعطته بعض الألف ، لم تطلق ، لأنه لم يوجد الشرط ‏.‏ وإن قالت ‏:‏ طلقني بألف ، فقال ‏:‏ أنت طالق بألف إن شئت ، لم تطلق حتى تشاء ، لأنه علق على المشيئة ، فلم يقع إلا بها ، وسواء شاءت على الفور ، أو التراخي ، نص عليه ، لأنه جعل المشيئة شرطاً ، فأشبه تعليقه على دخول الدار ‏.‏

فصل ‏:‏

فإذا قال ‏:‏ أنت طالق وعليك ألف ، طلقت رجعية ، ولا شيء له ، لأنه لم يجعل الألف عوضاً للطلقة ، ولا شرطاً فيها ، إنما عطفه على الطلاق الذي يملك إيقاعه ، فوقع ما يملكه دون ما يملكه ‏.‏ وإن قال ‏:‏ أنت طالق على ألف ، أو على أن عليك ألفاً ، فعن أحمد ‏:‏ فيها مثل ذلك ، لأن ‏(‏‏(‏على‏)‏‏)‏ ليست حرف شرط ، ولا مقابله ، لهذا لا يصح أن تقول‏:‏ بعتك ثوبي على ألف‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ لا يقع الطلاق بها حتى تقبل ذلك ، لأنها أجريت مجرى الشرط والجزاء ، بدليل قوله تعالى في قصة شعيب ‏:‏ ‏{‏إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج‏}‏ ‏.‏ وقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدًّا‏}‏‏.‏ فعلى هذا إذا قال أنت طالق على ألف ، أو بألف ، فقالت ‏:‏ قبلت واحدة بثلث الألف ، لم يقع ، لأنها لم تقبل ما بذله ، فأشبه ما لو قال ‏:‏ بعتك عبيدي الثلاثة ألف ، فقال ‏:‏ قبلت واحداً بثلث الألف، وإن قالت ‏:‏ قبلت واحدة بألف ، وقع الثلاث ، واستحق الألف ، لأنه علق الثلاث على بذلها للألف، وقد وجد‏.‏ فإن قال‏:‏ أنت طالق ثلاثاً واحدة منها بألف ، طلقت اثنين ، ووقعت الثالثة على قبولها‏.‏ ولو لم يبق من طلاقها إلا طلقة ، فقال ‏:‏ أنت طالق اثنتين ، الأولى بغير شيء ، والثانية بألف بانت الثالثة ، ولم يستحق شيئاً ‏.‏ وإن قال ‏:‏ الأولى بألف ، استحق الألف إذا قبلت ‏.‏

فصل ‏:‏

وإذا قالت ‏:‏ طلقني بألف ، فقال ‏:‏ خلعتك ينوي به الطلاق ، أو قلنا‏:‏ الخلع طلاق ، استحق الألف ، لأنه طلقها ‏.‏ وإن لم ينو الطلاق ، وقلنا ‏:‏ ليس بطلاق ، لم يستحق العوض ، لأنها استدعت فرقة تنقص عدد طلاقه ، فلم يجبها إليه ، ويكون كالخلع بغير عوض ، ويحتمل أن لا يقع بها شيء ، لأنه إنما بذل خلعها بعوض ، فلم يحصل ، فلم يقع ، وإن قالت ‏:‏ اخلعني بألف ، فقال ‏:‏ طلقتك بألف ، وقلنا ‏:‏ الخلع فسخ ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ له الألف ، لأن الطلاق بعوض نوع من الخلع ، ولأنها استدعت فرقة لا ينقص عدد طلاقها ، فأتى بفرقة تنقص عدد طلاقها ، وهذا زيادة ‏.‏

والثاني ‏:‏ لا يستحق شيئاً ، لأنه لم يجبها إلى ما سألت ‏.‏ وإن قالت ‏:‏ طلقني ثلاثاً بألف فطلقها واحدة ، وقعت رجعية ، ولا شيء له ، لأنه لم يجبها إلى ما سألت ، فإنها استدعت فرقة تحرم بها قبل زوج آخر ، فلم يجبها إليه ، وإن لم يكن بقي من عدد طلاقها إلا واحدة ، استحق الألف ، علمت أو لم تعلم ، لأن القصد تحريمها قبل زوج آخر ، وقد حصل ذلك ‏.‏ وإن قالت ‏:‏ طلقني واحدة بألف ، فطلقها ثلاثاً ، طلقت ثلاثاً ، وله الألف ، لأنه حصل ما طلبته وزيادة ‏.‏ وإن قالت ‏:‏ طلقني عشراً بألف ، فطلقها ثلاثاً ، استحق الألف في قياس المسألة التي قبلها ، لأنه حصل المقصود‏.‏ وإن طلقها أقل من ذلك، لم يستحق شيئاً، لأنه لم يجب سؤالها ‏.‏

فصل ‏:‏

فإن قالت ‏:‏ طلقني بألف إلى شهر ، فقال ‏:‏ إذا جاء رأس الشهر ، فأنت طالق ، استحق الألف، ووقع الطلاق عند رأس الشهر بائناً ، لأنه بعوض ‏.‏ وإن طلقها قبل رأس الشهر ، طلقت ولا شيء له ، نص عليه ، لأنه إخبار بإيقاع الطلاق بغير عوض ‏.‏ وإن قالت ‏:‏ لك علي ألف على أن تطلقني متى شئت من الآن إلى شهر ، فطلقها قبل رأس الشهر، وقع الطلاق ، واستحق الألف ، لأنه أجابها إلى ما سألت ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ تبطل التسمية وله صداقها ، لأن زمن الطلاق مجهول ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن قالت إحدى زوجتيه ‏:‏ طلقني وضرتي بألف ، ففعل ، صح الخلع فيهما ، لأن الخلع مع الأجنبي صحيح‏.‏ وإن طلق إحداهما لم يستحق شيئاً ، لأنه لم يجبها إلى ما سألت ، فلم يستحق ما بذلت ، كما لو قال في المناضلة‏:‏ من سبق بسهمين فله ألف، فسبق أحدهما‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ تبين المطلقة على الباذلة حصتها من الألف، كما لو قال‏:‏ من رد عبدي فله ألف، فرد أحدهما ، وإن قالت ‏:‏ طلقني بألف على أن تطلق ضرتي بألف ، فكذلك سواء ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ إذا لم يف بشرطها ، فله الأقل من المسمى في صداقها ، أو الألف ‏.‏

فصل ‏:‏

وإن قال لزوجتيه‏:‏ أنتما طالقتان بألف ، فقبلتا ، طلقتا ، وتقسطت الألف بينهما على قدر صداقهما ، وعلى قول أبي بكر يكون بينهما نصفين ، كقوله فيما إذا تزوجهما بألف ‏.‏ وإن قبلت إحداهما ، بانت ، ولزمتها حصتها من الألف ، وإن كانت إحداهما غير رشيدة ، فقبلتا ، بانت الرشيدة بحصتها ، ولم تطلق الأخرى ، لأنها بذلت للعوض غير صحيح ‏.‏ وإن قال ‏:‏ أنتما طالقتان بألف إن شئتما، فقالتا‏:‏ قد شئنا ، فهي كالتي قبلها ، إلا أن إحداهما إذا شاءت وحدها ، لم تطلق واحدة منهما ، لأن مشيئتهما معاً شرط لطلاقهما ، فلا يوجد بدون شرطه ، فإن قالتا‏:‏ قد شئنا، وإحداهما صغيرة أو مجنونة ، فكذلك ، لأن مشيئتها غير صحيحة ، وإن كانت سفيهة ، طلقتا ، لأن مشيئتهما صحيحة ، وعلى الرشيدة حصتها من العوض ، ويقع طلاق السفيهة رجعياً ، ولا عوض عليها ، لأن بذلها غير صحيح‏.‏

فصل ‏:‏

وكل ما جاز صداقاً ، جاز جعله عوضاً في الخلع ، قليلاً كان أو كثيراً ، وقال أبو بكر ‏:‏ لا يأخذ أكثر مما أعطاها ، فإن فعل ، رد الزيادة ، والأول المذهب ، لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا جناح عليهما فيما افتدت به‏}‏ ‏.‏

وروت الربيع بنت معوذ قالت ‏:‏ اختلعت من زوجي فيما دون عقاص رأسي ، وأجازه عثمان ، ولأنه عوض عن ملك منافع البضع ، أشبه الصداق ‏.‏ ولا يستحب أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها ، لأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر ثابت بن قيس أن يأخذ من زوجته حديقته ولا يزداد رواه ابن ماجه ، وحكمه حكم الصداق في أنه إذا وجد عيباً ، خير بين قيمته وأخذ أرشه ، وفي أنه خالعها على عبد فبان حراً ، أو خلاً فبان خمراً ، فله قيمة العبد ، ومثل الخل‏.‏ وإن خالعها بحر، أو خمر يعلمانه وهما مسلمان، فهو كالخلع بغير عوض ، لأنه رضي منها بما ليس بمال، بخلاف ما إذا لم يعلم، فأنه لم يرض بغير مال، فرجع بحكم الغرور ‏.‏ فإن كانا كافرين فأسلما، أو تحاكما إلينا بعد قبضه، فلا شيء له، لأن حكمه مضى قبل الإسلام ، فإن أسلما قبله ، ، فظاهر كلام الخرقي أنه يجب له عوض ، لأنه لم يرض بغير عوض فأشبه المسلم إذا اعتقده عبداً ، أو خلاً ‏.‏ وقال القاضي في الجامع ‏:‏ لا شيء له ‏:‏ لأنه رضي بما ليس بمال ، فأشبه المسلم ‏.‏ وقال في المجرد ‏:‏ لها مهر المثل ، لأن العوض فاسد يرجع إلى قيمة المتلف ، وهو مهر المثل ، ويحتمل أن يجب لها قيمة الحر لو كان عبداً ، وقيمة الخمر عند الكفار ، لأنه رضي بمالية ذلك ، فأشبه المسلم إذا اعتقده عبداً أو خلاً ‏.‏

فصل ‏:‏

ويصح الخلع على عوض مجهول في ظاهر المذهب ‏.‏ وقال أبو بكر ‏:‏ لا يصح ، لأنه عقد معاوضة فلا يصح بالمجهول ، كالبيع ‏.‏ ولنا أن الطلاق معنى يصح تعليقه بالشرط ، فجاز أن يستحق به المجهول ، كالوصية ، وفيه مسائل خمس ‏:‏

أحدها ‏:‏ أن تخالعنه على ما في يدها من الدراهم ، فإن كان في يدها دراهم ، فهي له ، وإن لم يكن فيها دراهم ، فله ثلاثة ، نص عليه أحمد ، لأنه أقل ما يقع عليه اسم الدراهم حقيقة، ولفظها دل على ذلك فاستحقه ، كما لو وصى له بدراهم ‏.‏

الثانية ‏:‏ تخالعه على ما في بيتها من المتاع ‏.‏ فإن كان فيه متاع ، فهو له قليلاً كان أو كثيراً ، لأن الخلع على المجهول جائز ، فهو كالوصية به ، وإن لم يكن فيه متاع ، فله أقل ما يقع عليه اسم المتاع كالمسألة قبلها ، وكالوصية ‏.‏ وقال القاضي وأصحابه ‏:‏ له المسمى في صداقها ، لأنها فوتت عليه البضع بعوض مجهول ، فيجب قيمة ما فوتت عليه وهو صداقها ، وهو تعليل يبطل المسألة التي قبلها ‏.‏

الثالثة ‏:‏ خالعها على دابة ، أو حيوان ، أو بعير ، أو ثوب ، ونحو ذلك ‏.‏ أو قال‏:‏ إن أعطيتني دابة أو بعيراً أو بقرة ، فإن تطلق ، ويملك ما أعطيته من ذلك ‏.‏ فإن اختلفتا فيما يجب له ، فالواجب أقل ما يقع عليه الاسم في قياس قول أحمد ‏.‏ وفي قول القاضي وأصحابه‏:‏ يجب له صداقها ، ووجه القولين ما تقدم ‏.‏

الرابعة ‏:‏ خالعتها على عبد مطلق ، أو قال ‏:‏ إن أعطيتني عبداً ، فأنت طالق ، فالحكم فيها كالتي قبلها‏.‏ قال أبو الخطاب ‏:‏ نص أحمد على أنه يملك العبد الذي أعطته ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ له عبد وسط بناء على قوله في الصداق ‏.‏ وقال أبو الخطاب ‏:‏ يجب له صداقها ، ووجههما ما تقدم ‏.‏

الخامسة ‏:‏ خالعها على ما يثمر نخلها ، أو على ما تحمل أمتها ، أو على ما في بطن الأمة من الحمل ، أو ما في ضرع الشاة من اللبن ، أو على ما في النخلة من التمر ، فله ما سمي له إن وجد منه شيء ، وإن لم يوجد منه شيء فقال القاضي في الجامع ‏:‏ لا شيء له ، لأنهما دخلا في العقد مع تساويهما بالعلم بالحال ، ورضاه بما فيه من الاحتمال ، فلم يكن له شيء ، كما لو خالعها على ما ليس بمال ‏.‏ فإذا لم يستحق شيئاً ، كان الخلع بغير عوض ‏.‏ وقد قال أحمد ‏:‏ إذا خلع امرأته على ثمر نخلها سنين ، فجائز ترضيه بشيء قبل حمل نخلها ‏.‏ قيل له ‏:‏ فإن حمل نخلها ‏؟‏ قال ‏:‏ هذا أجود من ذاك ‏.‏ قيل له ‏:‏ يستقيم هذا ‏؟‏ قال ‏:‏ نعم جائز ‏.‏ قال القاضي ‏:‏ قوله ‏:‏ ترضيه بشيء على طريق الاستحباب ، لأنه لو كان واجباً لتقدير بتقدير يرجع إليه ، وقال ‏:‏ وفي معنى هذا إذا خالعها على حكم أحدهما ، أو حكم أجنبي ، أو على ما في يدها ، أو بيتها ، أو بمثل ما خالع به فلان زوجته ونحو ذلك ‏.‏ وقال أبو الخطاب ‏:‏ يرجع عليها بصداقها ، وقال ابن عقيل ‏:‏ إن خالعها على حمل أمتها ، فلم يخرج الولد سليماً ، فله مهر المثل في هذه المواضع كلها لما تقدم ‏.‏

فصل ‏:‏

إذا قال ‏:‏ إذا أعطيتني عبداً ، فأنت طالق ، فأعطته عبداً لها ، ملكه ، وطلقت ، سليماً كان أو معيباً ،قناً أو مدبراً ، لأن اسم العبد يقع عليه ، فقد وجد شرط الطلاق ، وإن دفعت إليه حراً لم تطلق ، لأنها لم تعطه عبداً ، ولم تملكه شيئاً ، وإن دفعت إليه عبداً مغصوباً ، لم تطلق ، لأن معنى العطية هاهنا التمليك ، ولم تملكه شيئاً ‏.‏ وإن قال ‏:‏ إن أعطيتني هذا العبد ،فأنت طالق ، فدفعته إليه ، فإذا هو حر ، أو مغصوب ، لم تطلق كذلك ‏.‏ وعنه ‏:‏ تطلق ، وله قيمته ‏.‏ وإن خرج معيباً ، لم يرجع عليه بشيء ، ذكره أبو الخطاب ، لأنه شرط لوقوع الطلاق، فأشبه ما لو قال ‏:‏ إن ملكته ، فأنت طالق ، ثم ملكه ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ له رده ، والرجوع بقيمته ، أو أخذ أرشه ، لأنها خالعته عليه ، أشبه ما لو قالت ‏:‏ اخلعني على هذا العبد ، فخلعها ‏.‏ وقال - فيما إذا قال ‏:‏ إن أعطيتني عبداً ،فأنت طالق - ‏:‏ يلزمها عبد وسط ، كذلك ‏.‏ وإن قال ‏:‏ إن أعطيتني ألف درهم ، فأنت طالق ، ونويا صنفاً من الدراهم ،حمل العقد عليها ‏.‏ وإن أطلقا ، حمل على نقد البلد ، كالبيع ‏.‏ وإن لم يكن للبلد نقد غالب ، حمل على ما يقع عليه الاسم ‏.‏ ولا يقع الطلاق بدفع ألف عدداً ناقصة الوزن ، ولا تدفع نقرة زنتها ألف ، لأن الدراهم في عرف الشرع المضروبة الوازنة ‏.‏ وإن دفعت إليه مغشوشة تبلغ فضتها ألفاً ، طلقت بوجود الفضة ، وإن نقصت عنها، لم تطلق ، لأن الدراهم اسم للفضة ‏.‏

فصل ‏:‏

فإذا خالعها على رضاع ولده مدة معلومة ، صح ‏.‏ وإن أطلق ، صح أيضاً وينصرف إلى ما بقي من الحولين ، لأن الله تعالى قيده بحولين ، فينصرف الإطلاق إليه ‏.‏ فإن ماتت المرضعة أو الصبي ، أو جف لبنها قبل ذلك ، فعليها أجرة المثل لما بقي من المدة ، لأنه عوض معين ، تلف قبل قبضه ‏.‏ فوجبت قيمته ، أو مثله ، كما لو خالعها على قفيز ، فهلك قبل قبضه ، وإن خالعها على كفالة ولده عشر سنين ، صح ، ويرجع عند الإطلاق إلى نفقة مثله ، كما ذكرنا في الإجارة ‏.‏ فإن مات في أثناء المدة ، فله بدل ما يثبت في ذمتها ‏.‏

فصل ‏:‏

ويجوز التوكيل في الخلع من الزوجين ، ومن كل واحد منهما ، مع تقدير العوض ، وإطلاقه ، لأنه عقد معاوضة، فجاز ذلك فيه كالبيع‏.‏ فإن وكل الزوج، فخالع وكيله بما قدر له ، أو بزيادة عليه ، أو بصداقها عند الإطلاق ، أو زيادة عليه ، صح ، ولزم المسمى لأنه امتثل أمره ، أو زاد خيراً ‏.‏ وإن خالع بدونه ، ففيه وجهان ‏:‏

أحدهما ‏:‏ لا يصح ، اختاره ابن حامد ، لأنه خالف موكله فلم يصح تصرفه ، كما لو وكله في خلع امرأة ، فخالع أخرى ‏.‏

والثاني ‏:‏ يصح ، ويرجع على الوكيل بالنقص ، اختاره أبو بكر ، لأنه أمكن الجمع بين تصحيح التصرف، ودفع الضرر، فوجب، كما لو لم يخالف‏.‏ وذكر القاضي وجهين آخرين ‏:‏

أحدهما ‏:‏ يتخير الزوج بين قبول العوض ناقصاً ، وبين رده ، وله الرجعة ‏.‏

والثاني ‏:‏ يسقط المسمى ويجب مهر المثل ، وإن عين له جنس العوض ، فخالع بغيره ، أو خالع عند الإطلاق بغير نقد البلد ، أو بمحرم ، لم يصح ، لأنه خالف موكله في الجنس ، أشبه ما لو وكله في بيع شيء فباع غيره ‏.‏ فأما وكيل الزوجة فمتى خالع بالمقدر، أو دونه، أو بصداقها عند الإطلاق ، أو دونه ‏:‏ صح ، لأنه امتثل أو زاد خيراً ‏.‏ وإن خالع بزيادة لم تلزمها، لأنها لم تأذن فيها، وتلزم الوكيل، لأنه التزمها للزوج ‏.‏ وقال القاضي ‏:‏ يلزمها مهر المثل ‏.‏

فصل ‏:‏

إذا ادعى الزوج خلعها فأنكرته، أو قالت ‏:‏ إنما خالعك غيري بعوض في ذمته ، بانت بإقراره ، والقول قولها في نفي العوض مع يمينها ، لأنها منكرة ‏.‏ وإن ادعته المرأة فأنكرها ، فالقول قوله ، ولا شيء عليه ، لأنه لا يدعيه ‏.‏ وإن اتفقا على الخلع ، واختلفا في قدر العوض ، أو جنسه أو صفته ، أو حلوله ، فالقول قول المرأة ‏.‏ نص عليه ، لأن القول قولها في أصله ، فالقول قولها في صفته، ولأنها منكرة للزيادة المختلف فيها، والقول قول المنكر ، وإن أقرت ، وقالت ‏:‏ إنها في ضمان زيد ، لزمتها ، الألف ، ولم يلزم زيداً شيء ، إلا أن يقر به ‏.‏




.
 
أعلى