جورج كدر - سقيفة حُبّى

"سقيفة حُبّى" الذي صدر مؤخرا عن دار أطلس بيروت جاء ضمن مشروعي "مكتبة الجنس في حياة العرب" الذي أعمل عليه منذ أربع سنوات".
وحُبَّى من نساء العرب اللواتي دخلن تاريخهم وكنّ من أبطال أساطيرهم، لكن قصصها تناثرت في كتب التراث العربي.

من هي حُبَّى المدينة؟ هل هي امرأة حقيقية أم من نسج خيال الرواة؟
وإن كانت شخصية تاريخية فما هو الدور الذي لعبته في مجتمع المدينة/يثرب؟.

تحدثنا كتب الأمثال وبعض كتب الأدب في التراث الإسلامي، عن امرأة كانت تُرّضع كل طفل جديد يولد في المدينة فاستحقت أن تلقب بـ"حواء أم البشر"، بعض مؤرخي المدينة قالوا: إنها مرضعة الخليفة عمر بن الخطاب، وقالوا: إن أشراف المدينة كان يجتمعون في سقيفة حُبَّى يسألونها وهي تجيب، وقالوا: إن فتيان قريش وفتياتها كانوا يجلسون إليها فيتحدثون عندها بكل صراحة وشفافية عن أحوال الرجال والنساء وفنون النكاح وكانت هي تجيبهم دون حرج.. ويروي ابن طيفور في بلاغات النساء أن فتيان المدينة وكان بينهم ابن حُبَّى، تذاكروا يوما في أي حالات الرجال أحب الى النساء ان يأخذوهن عليه، فقالوا لابن حُبَّى: ويحك! علم هذا والله عند أمك، قال: إذاً آتيكم والله بعلمه.

فأي عِلم كان عند هذه المرأة ليأخذه أهل المدينة عنها؟

تناثرت قصص حُبَّى وأخبارها في كتب بطون كتب التراث، تارة تظهر حكيمة من حكيمات العرب، وتارة ناقلة لـ"كلام القدماء وأهل البدو"، في أخرى نجدها "مغنية مشهورة". بعض الرواة يجعل "حُبَّى المدينية من المغتلمات، وبعضهم يقول: إنها "كانت من كبار السحاقات"، وبعضهم رأى فيها "ماجنة".

نجدها مرة تتحدث لفتيات المدينة قصص مثيرة للشهوة الجنسية، ونجدها في أخرى تنصحهم وتعلمهم كل ما له علاقة بشؤون الفراش مع التركيز على وضعيات الجماع وفنون الشخير والنخير. تارة توبّخ الخليفة "عبد الملك بن مروان لقتله مصعب بن الزبير وتارة تستدي النصحية لمن يحتاجها من أشراف المجتمع.


فمن هذه الـ"حُبَّى" التي تنوعت أخبارها وألقبها؟

دخلت حُبَّى عالم الأمثال العربية وضربت العرب فيها المثل بشدة "الشبق" والشهوة الجنسية التي لا يضاهيها فيها إنسان، قيل" أشبق من حُبَّى" لأنها عشقت في شيخوختها شاباً يافعاً فارساً وشاعراً، هامت بحبّه، فتزوجها.

شخصية عجيبة مليئة بالتناقضات والتشابكات رسمها الرواة العرب عن هذه المرأة، ولأن قَصصها وأخبارها تناثرت في بطون كتب تراثنا، فإن تسليط الضوء عليها ووضعها تحت مجهر الباحث والمتقصي عنها، سيضيئ لنا جانبا مهما عن مجتمع المدينة. سيما أن العصر الذي عاشت فيه حُبَّى كان عصراً مفصلياً في تاريخ العرب، ويمسّ الحد الفاصل بين الجاهلية والإسلام، وهو من أكثر العصور حساسية عند الباحث في تناول المرويات العربية، يقول الجاحظ:" الناسُ بمآثر العرب في الجاهليَّة أشدُّ كلفاً" وعليه فإن أي محاولة لتفكيك المرويات العربية في الجاهلية يحتاج إلى تأنٍ لأن مرويات الجاهلية على اختلافها، إسلامية المرجع، وبالتالي لم تسلم المروية من مُدخلات أثرت على نسيجها التاريخي فتداخلت فيها عناصر الزمان والمكان، وكانت أقرب لفضاءات الأسطورة..

نقرأ في تراث الجاحظ والنيسابوري والزمخشري وأبي هلال العسكري أن "نساء المدينــــة تـــسمين حُبَّى "حــــــواء أم الـــبشـــر، لأنها علمتهــن ضــــروبا من هيـــــــآت الجمــــــــاع، ولقـــبت، كل هيئة منها بلقب منها: القبع والغربلة والنخير والرهز. وأن أشراف المدينة كانوا يجتمعون في سقيفتها، يسألونها وهي تجيب، وكان فتيان قريش وفتياتها يجلسون إليها ويتحدثون عندها بكل صراحة عن أحوال الرجال والنساء وفنون النكاح وكانت تجيبهم دون حرج.

كتاب حُبَّى المدنية رحلة في مدرسة حُبَّى التي كانت رسولة من رسولات الحب عند العرب نزيل فيه غبار التاريخ عن الأسطورة ونفكك الأسطورة العالقة في التاريخ.




* بوهيميا .
 
أعلى