هويدا صالح - صورة المرأة في السرديات العربية / سيدة الأسرار نموذجا

تجليات الذات الأنثوية في مسرحية سيدة الأسرار
للكاتبة التونسية حياة الرايس

إن صورة المرأة في السرديات العربية و حضورها السوسيو-ثقافي و خلخلة مختلف البنيات الرمزية للمتخيل الإبداعي الذي يرتبط في تشكلا ته وارتباطاته بعدد من المعطيات السوسيو-ثقافية والتاريخية والميثولوجية يعد مهمة صعبة ، لأن هذه العناصر تحضر في الخطاب السردي لارتباطه بالمجتمع ،وبالتالي بخصوصياته وسماته السوسيو- تاريخية التي تضمر كل المحددات والعوامل المشكلة لمنتوجاته الثقافية الفكرية والحضارية مما يؤدي إلي التأثير على طبيعة اشتغالات الكتابة الإبداعية . كل هذا يحيل إلي النظرة بعمق علي وضعية وخصوصية المرأة كنموذج . المرأة هي الآخر المهمش ،و من خلال رؤيته و تجلياته ، ونظرته تجاه العالم والأشياء ، فإذا كانت صورة المرأة في السرد تتشكل ملامحها انطلاقا من اختزالها في جسد شبقي وكائن مخادع ومخاتل ومسبب لتعاسة وجحيم الرجل ، فقد صار الرجل علي يقين ،أنه كلما أحكم سيطرته عليها وعنفها وعذبها كلما اكتملت فحولته ورجولته وبالتالي عاش في أمان. إن المسكوت عنه واللامقول يؤطر هذه الرؤية الذكورية التي حددت وضعية المرأة في المجتمع العربي ، والسرد صورة لهذا المجتمع ، وانعكاس لرؤاه وأيدلوجياته المتحيزة ضد المرأة ، التي ورثت الميراث الثقافي من القهر والعنف الموروث منذ الحضارات القديمة ، و حتى اليوم . وإن جسد المرأة هو نتاج وضعيتها الطبقية و الاجتماعية وإن النظرة الشبقية للمرأة وحصرها في المحدد الجنسي باعتبارها موضوع اللذة الذكورية إن هو إلا تعبير مقنع عن حالات التيه والفقر والمعاناة الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع العربي . كل هذا يكشف وبعمق عن صورة المرأة بين السارد والمجتمع .
. تحيلنا السرديات العربية المختلفة أثناء معالجتها لشخصية المرأة إلى بعض التفاصيل والجزئيات، التي تحدد سلوكها وفضاءاتها الأنثوية ،ومرجعياتها الثقافية وتاريخها البيولوجي ، وتقزيم دورها في المجتمع ،وبنظرة سيسولوجية للتاريخ الثقافي للمرأة العربية ، نجد أن قهر المرأة لجسدها أشد ، فمنذ اللحظة الأولي المولود الأنثى قد يكون مرفوضا في بعض البلدان العربية التي ورثت الفكر الذكوري البدوي،ومارست القهر علي الأنثى منذ البداية ، كما تمارس المرأة علي الأنثى قهراً أشد علي جسدها وليس أدلّ علي ذلك من عملية الختان التي تصر عليها الكثير من الأمهات في كثير من البلدان العربية .
أما علاقة المرأة / الرجل فتمثلت في تلك النظرة المتوارثة منذ الأساطير الأولي ، منذ أن انحسر وأُقصي دور المرأة ،واقتصر علي الوظيفة البيولوجية ،منذ أسطورة إنانا وجلجامش في ثقافة بلاد الرافدين ، في البدء كان الفكر الطوطمي ، وكانت المرأة تمثيلا قويا للطبيعة ، فهي واهبة الحياة ، وراعيتها ، وكانت النساء إلهات خالقات وسيدات الأكوان ، فمعظم الحضارات القديمة تحيزت ضد المرأة .
حملت الأسطورة الجذور الثقافية الأولى المؤسسة على ثنائية الجنس البشرى، المرأة والرجل . وكانت الكيفية التي تأسس عليها هذا الفهم ، هي الربط بين الجنس والخطيئة ، وكانت المرأة تمثيلاً قوياً لهما معاً . لقد بقى هذا الربط أصيلاً في الميثولوجيا البشرية ، ومتنقلاً في التحولات التي طرأت عليها .
كانت عشتار إلهة الحب والعشق والإنجاب ، هذه وظيفتها ، واهبة الحياة ، أمثولة الخصوبة التي تقاوم بها الموت وتحمى الجنس البشرى من الفناء . هكذا تدعو عشتار جلجامش إلى مضاجعتها ، لكن جلجامش ، مسكون بالخلود ، يرفض دعوتها ، ويتهمها بالدنس ويذكرها بخطاياها .
فى سياق آخر ، تدخل ( تيامة ) ، الإلهة الأنثى فى صراع مرير مع ( آنو ) ، الذي اغتصب من تيامة عملية الخلق ، فصار الخلق من الفم بدلاً من الفرج .
وبقراءة ما حدث بين جلجامش وعشتار وتيامة ( إنانا )نجد أنفسنا أمام ثنائية السماء والأرض ، الأعلى والأدنى ، المغيب والمجسد ، الروح والجسد ، المقدس والمدنس .
وهكذا يمكن القول ، إن ثنائية المرأة والرجل ، هى شكل لثنائية كبرى تضع الثقافة فى مواجهة الطبيعة . وكأنما الثقافة هى سعينا البشري للخلاص من الخطيئة الأولى . ومن ثم ، ففى تاريخ الثقافة البشرية ، تكون المرأة هى الجانب المسكوت عنه ، المرغوب تهميشه ، والذى فى أفضل حالاته يكون موضوعاً لا ذاتاً ، مفعولا به لا فاعلا .
ومنذ ذلك التاريخ ، منذ ورثت الحضارات التالية ذلك الفكر الذكوري الذي اختزل المرأة في الجسد ، لم ترق علاقة المرأة بالرجل، في المتن الحكائي إلى مستوى التحرر والتحضر الكاملين. فقد ظلت المرأة حبيسة جسدها وحاجتها الملحة إليه ، حتى يضمن أمنها الذاتي والنفسي معا. ولعل في مثل هذه الحاجة الملحة ما يقود المرأة، بصورة أو بأخرى، إلى استخدام إغرائها الجسدي، حتى تبلغ حاجتها وتلبي رغبتها .
وإن كانت المرأة في تجربة الوجود الأولي هي التي قادت إلي المعرفة ، عندما أكلت من الشجرة المحرمة ، شجرة الخلود ، شجرة التفاح في الجنة ، فإن الرجل مجرد تابع لها ، وهل يتساوى ألم الكشف المعرفي ببهائه وجماله بالتلقي دون ألم أو معاناة ؟ هيهات بين لذة المرأة ، تلك اللذة التي تنبثق من تعب ، وبين لذة الرجل التي تنثال عليه دونما جهد أو معاناة .
ربما صارت الذات وتشظيها ، والجسد وما يمارس عليه من طقوس ، هو الموضوع الأثير في الآونة الأخيرة من إبداع المرأة .
والنص الذي سنتعرض له هو مسرحية سيدة الأسرار ، وطبعا مسرحية شعرية ربما تجدونها أبعد عن السرد ، ولكنني بقراءة المسرحية وتحليلها وفق قراءة نسوية أشير إلي نقطتين
الأولي رؤية حياة الرايس العصرية للمرأة الأسطورية عشتار التي تمثل التمفصل الحقيقي الذي انحرفت عنده الرؤية التحيزية ضد المرأة ، فعشتار وجلجامش مرحلة هامة ومفصلية انحرف عندها الخط البياني الذي حوّل مسار المرأة الطوطم مركز الحضارة الإنسانية إلي المرأة المهمشة ، المتهمة بكل التهم التاريخية التي يتناقلها الفكر الذكوري حتى الآن ، المرأة الواقعة تحت قهر التابوهات بشتى أنواعها ، فمسرحية سيدة الأسرار تعالج قصة تمثل تاريخ أسطورة المرأة في حضارة بلاد الرافدين .
السبب الثاني الذي جعلني أغوص في عالم مسرحيتها مساحات السرد الذي تقدمه فيما يشبه المشاهد القصصية المتجاورة ، فالمسرح كدراما شعرية تعني في العموم بفكرة الدراما والفعل والأداء وتهتم بما يوحي للقارئ بأن الحدث يحدث أمامه الآن ، ولكن حياة الرايس في عملها هذا انتهجت طريقة الحكي عن، أو الرواية عن في مشاهد عديدة مما حول مسار العمل من دراما آنية إلي سرود مشهدية متراصة ومتتابعة .
تبدأ الكاتبة في فكرة إسباغ الإنسانية علي الملكة الإلهة وحاجتها الملحة للبوح ، ولننظر في فكرة البوح ، هي فكرة نسوية لا محالة ، فحاجة الكاتبة الأنثي إلي البوح بالمسكوت عنه ، إلي البوح بما أوقعه عليها التاريخ من ظلم ، استجلاء صورة الأنثى غير المكمم فمها ، فتح كوة لها لينظر العالم إلي داخلها . صارت رغبتها الملحة أن يصبح الداخل خارجا هاجسا أوليا للكتابة النسوية . إن الملكة والإلهة تحتاج فقط لتصرخ فلتسمعوا لي لأنني في النهاية محض أنثي ترغب في أن تكشف عن داخلها ، أن تخبركم باللامقول الذي ظل كامنا سنين طويلة .......
وبإشارة من الإلهة عشتار تتوقف كل حركة، تخر العذارى ساجدات. تتقدم وزيرة الإلهة إلى مقدمة الخشبة :
ـ ” اليوم يتوقف كل شاك عن الشكوى وكل داع عن الدعاء وكل ناذر عن النذر وكل
متضرع عن أي ضراعة، اليوم تنقلب الأدوار وتتبدل المواقع من أجل سماع قصة عشتار:
مأساة بحجم الآلهة.
من قال إن الآلهة لا تحتاج إلى لحظة بوح ؟
ومن قال إن قصص الآلهة أقل مأسوية من قصص البشر؟
عشتار تخرج عن صمتها:
“امرأة مثلكن أنا
امرأة من سلالة الآلهة
و امرأة من نسل النساء
أحببت
فتألقت وتوهجت نيزكا في الظلام
ثم في العالم الأسفل سقطت
على تموز وقعت عيني
أنا إلاهة الأرض المرحة الشهوانية الشهية
أحببت تموز حبا جارفا
تموز إله النبات وتكاثر الحيوان .
وكأن الكاتبة كانت واعية تماما حين تؤكد علي فكرة تبادل الأدوار ، أو لنقل رجوع الوضع إلي طبيعته المحتمة والمقدرة ، فهي تستجلي صورة طمست بفعل آلاف السنين من النعوت والأوصاف التي أطلقها جلجامش ، وتناقلتها الأجيال جميعها وراءه
اللغة عند حياة الرايس رغم أنها تهجس باللغة الشهوانية الجسدانية إلا أن الكاتبة لا تلجأ لتلك اللغة ، بل تلبسها ثوب المجاز الاستعاري والكنائي ، فهي تلمح ولا تصرح ، تكني بلغة مجازية عن حالة شبقية جسدانية :
كان الإله الشاب يحمي حيوانات
السماء وحيوانات الأرض
يدرأ عنها أخطار أشعة شمس
الظهيرة المحرقة..
هذه الأشعة، اشتعلت في جسدي
حينما على تموز وقعت عيني…
وتؤكد في موضع آخر من النص بلغتها الوجدانية علاقتها بتموز ، وأنهما يكمل أحدهما الآخر ، فالمرأة عند حياة الرايس لا تجد في الرجل الضد المعادي ، بقدر ما تري فيه الاكتمال والتوحد ، كما تؤكد علي دور المرأة الأسطوري ، المرأة مانحة الحياة ، مانحة الخصب والنماء ، وهذا هو المقلوب التاريخي لتشويه جلجامش للمرأة التي وصفها بأخسّ الأوصاف وأحقرها ، ها هي كاتبة من هذا القرن تعيد البهاء لوجه المرأة ، تعيد إليها كرامتها التي أهدرت ، ودورها الذي تشوه ، فهي وتموز الرجل سيعيدان للبشرية خصوبتها المفتقدة تقول :
أما الآن فلم أعد راغبة إلا
في الرجل الوحيد الذي عرفت
الحب في أحضانه
وعرفت ذلك الإحساس (الجديد عليّ)
بالامتلاء والكمال السعيدين لأناي الخاص
ذلك الإحساس الذي لا يمنح إلا
للرجل والمرأة اللذين لم يخلق
أحدهما إلا للآخر
هذا الاشتهاء للواحد المفرد
جعل الإلهة التي ـ تفتح أرحام النساءـ
مثالا تحتذيه جميع النساء
فليس بكاف أن تشبع لذة الاتحاد الجسدي
الحواس فقط
بل عليها أن تروي القلب أيضا
وقد روى تموز بالحبّ قلبي
عندما ضمّ قلبه إلى قلبي…
وكلّ معانقاتي قبله لم تكن
تعادل عناقا واحدا من تموز
الذي توّج بالحبّ قلبي
وتواصل الكاتبة تقديم رؤيتها للمرأة التي تكون علي استعداد للتضحية بحياتها من أجل من تحب ، فها هي مليكتنا عشتار ، تقرر أن تنزل للعالم السفلي عالم اللاعودة ، حتى تعيد تموز ثانية وتبعث الحياة فيه ، ولكنها تتعرض من جديد للظلم والفهم الخاطئ فها هم العامة يرون في تضحيتها رغبة من ملكة السماء في السيطرة علي العالم السفلي ، عالم أريشكيجال تقول :
كنت أحب تموز
وكنت مستعدة لكل المخاطر من أجله
لكي أبرهن لكل الناس أن على المرأة
العاشقة أن تقبل كل التضحيات
لكي تفوز بالرجل الحبيب وتحتفظ به
وعليها بدافع الحب ألا تتراجع
أمام المخاطر مهما بلغت ولو كانت
الموت نفسه
ولذلك شرعت بارتياد طريق الجحيم
لأبعث في تموز الحياة من جديد
بتحميمه في الينبوع المقدس.
وبعد أن تفديه ، تأسرها ملكة العالم السفلي أريشكيجال ، ولكن وزيرتها ، تدور علي المعابد ، تستعطف الآلهة ، أن تعيد إنانا أو عشتار مانحة الحياة والخصب إلي الكون ، وتفلح في إقناع إله الحكمة أن يساعدها ، وحين تعود المرأة المقدسة ، تجد حبيبها قد نسيها ، وجلس في بهائه وجماله يعزف نايه لامرأة أخري ، فعل وفاء وتضحية يقابله فعل غدر وخيانة من الآخر الرجل ،،، فتثور في لحظة غضبها وتسلم حبيبها لمملكة العالم السفلي وتتعرض ثانية لظلم العالم الذي لم يقدر تضحيتها ولا دورها في منح الحياة :
اعتزمت النزول إلى العالم الأسفل
بيت الأموات المخيف المظلم من أجل
استعادة تموز حبيبي وزوجي.
لكن الناس لم تقدر تضحيتي.
واتهموني بأني لم أكن لأكتفي
بمملكة “الأعلى العظيم” بل أردت
أن أبسط نفوذي أيضا على
“الأسفل العظيم” .
وتقدم لنا حياة الرايس رؤيتها لدور المرأة الطوطمي الأمومي ، فهي أصل الحياة ، وهي من تعمر الأرض ، وهي الخصب والزرع ، وهي كل مظاهر النماء علي الأرض :
أيتها الأم الكبرى
لا تنزلي
إذا نزلت من سيعمّر الأرض بعدك ؟
أنت الأم الأولى
ولدت كل البشر من رحمك
وأنت ملكة الكون
إيقاع جسدك ينبض كما إيقاع الطبيعة
أنت الأم وأنت الأرض
أنت الأنثى وأنت الخصب
أنت الزرع وأنت القمح
أنت الحياة وأنت الولادة التي لا تنضب
يفيض جسدك بأجساد أخرى
ولا تنس الكاتبة أن تؤكد أن السلام والحرب بسلاح الكلمة والمحبة هما وسيلة المرأة ، وهذا يحيلنا طبعا للرؤية النسوية التي تري أن الرجال هم سبب الحروب والدمار للبشرية ، وأن كل الكوارث التي مرت بها البشرية علي مرّ التاريخ سببها الرجال ،وأن المرأة هي الصانعة منذ أول التاريخ ، وهي المخترعة لكل ما يسهل الحياة علي الأسرة ، وهي التي تحمي المجتمع وتحافظ علي كينونته حين يكون الرجال في الحرب ، وتتفق حياة الرايس دون وعي مع فكر الناقدات النسويات اللواتي يتساءلن عن إغفال التاريخ لدور المرأة ، حين يكون الرجال يشعلون الحروب والدمار من كان يظل في القري والمدن يحافظ علي الأسرة وينمّي الزرع ويخترع ويصنع ما يسهل الحياة للأسرة .
بأسلحتك السلمية جعلت الجنس الأضعف بدنا
أقوى قدرة وخلقا
كنت المسئولة الأولى
عن حياة الأطفال وما زلت
رغم كل الانقلابات التي حصلت…
أنت أول من أحسّ برجفة
الوليد حين ولد
حوّلت جلود الحيوانات إلى
ملابس وأغطية ومفارش
فكنت النسّاجة الأولى
تحيكين نسيج الحياة.
وتغزلين خيط القدر.
بهذا تتضح لنا رؤية الكاتبة التونسية حياة الرايس لأسطورة المرأة الحديثة مقارنة بأسطورة عشتار التي تعتبر بداية التحيز الحقيقي ضد المرأة في العصور القديمة .



هويدا صالح
القاهرة
سبتمبر 2007
 
أعلى