منقول - الجسد الأنثوي في قصائد الملحون

ما من شك في أن أكثر العلوم التعبيرية التصاقا بالمظاهر الخارجية للأشياء هي الفينومينولوجيا التي اهتمت بالجسد من حيث اعتباره غلافا ماديا لذواتنا ودليل لضمان حضورنا في العالم. كما أن نظرية العقد الاجتماعي التي ظهرت وتطورت في القرن السابع عشر، حررت الإنسان من ذاته وأصبح سيد جسده ولممتلكاته بعدما ظل الإقطاعيون يمارسون هيمنة مطلقة بحق حياتهم وموتهم[1].
وقد تم الاعتراف بهذا التحرر خصوصا بعد ظهور المجتمع المدني علي يد كل من "سبينوزا" و"هوبس"، هذا المفهوم لعب دورا أساسيا في تحرير الفيزيائية الرياضية. كما أن النظرة الاقتصادية الليبرالية دعمت بدورها هذا المفهوم بالتركيز على الجسد البشري كقدرة حرة على الإنتاج.
أما الأبحاث الأدبية والفلسفية التي تناولت بالدرس والتحليل "الجسد" كقضية وكإشكالية، فهي عديدة نذكر من بينها تجربتين لمشيل فوكو في " تاريخ الجنون في العهد الكلاسيكي " سنة 1961 و "المراقبة والمعاقبة" سنة1975 [2].
بهذا الاستهلال القصير والمختصر للجسد وتاريخه الطويل مع الألم، وضمن سياقات إبداعية ذات المنحى الإحتفالي، برز الجسد في الثقافة الشعبية بكل تمظهراتها معبرا _برمزيته وبلاغته _ عن خصائصه الجمالية والفيزيقية من جهة، ومنبع أو موضوع ينهل منه كل مبدع باختلاف إبداعه عن الإبداعات الأخرى من حيث التمثل.
في هذه المداخلة سنركز على نقط أساسية وهي بمثابة تيمات صغرى:
• المرأة في الملحون.
• خطاب العاطفة، وخطاب الجسد.
• الوشم.
وسأنطلق من أسئلة ستؤطرني وسأحاول الإجابة عنها وهي :
ما هو الموقع الذي تحتله المرأة في هذا اللون الشعري؟، وماهي تمظهرات الجسد؟. وإلى أي حد وكيف توفق الشاعر في عكس تمثله عن المرأة بواسطة الكلمة؟، وكيف استطاع الشعراء من تكثيف اللغة من أجل عكس تصور معين (فردي أو جماعي) حول الوشم؟.
لقد كانت المرأة من أكثر الموضوعات بروزا على واجهة المتن الشعري في القصيدة الزجلية، حيث وجد الشاعر الشعبي في المرأة مجالا خصبا جعله ينفتح على غرض شعري جدير بالاهتمام وغني في مواقفه وقضاياه، فصاغ لنا تصور متكاملا في الجمال ورؤية شعرية يمكن القول عنها أنها تعكس نظرة مقدسة للجنس الأخر تنطق بلغة الأحاسيس والعواطف حينا، و" بلغة واصفة " - إن صح لنا القول- للجسد ولمكوناته أحيانا أخرى.
غير أن المرأة في قصائد الملحون لم تكن عاشقة أو معشوقة فقط، بل كانت أيضا تلك الفتاة الثائر على زوجها في "الشايب والشابة" للتركماني مثلا، وهي كذلك تعاني من لامبالاة زوجها السكير في قصيدة "الصبارة" لولد الموشوم، وهي الأم التي تفتخر بتربية ابنها تربية حسنة وجعلت منه رجلا كاملا في "عجوز أوشابة"، وهي الأم التي يجب على الابن معاملتها معاملة تليق بها في قصيدة "الأم" لعبد المجيد وهبي...إلى غير ذلك من المواقف والقضايا التي طرحت في شعر الملحون. وهذا يجعلنا نتأكد من أن المرأة حاضرة في كل الموضوعات، ولا نكاد نجد اسم امرأة من الأسماء القديمة أو الجديد لم ينظم فيه قصيدة أو عدة قصائد.
وعموما يمكن القول أن "العشاقي" في الملحون غرض شعري يختص بالتطرق لمحاسن و أوصاف المرأة والعلاقات العاطفية بين الرجل والمرأة على اختلاف مشاهدها الدرامية المشحونة بقوة الإحساس والعواطف أو بعبارة أخرى "الغزل".
إذن، فقصائد هذا اللون الشعري إما أن تكون قصائد دموع، و إما أن تكون قصائد بسمات، وقد تبدأ بالدموع وتنتهي بالبسمات أو العكس، وإما أن يكون (المعشوق) موافي فنلتمس في القصيدة المتعة، الطرب، الغبطة والانشراح.
ومن قصائد "الوافي" الياسمين للحاج الإدريسي:
طاب السرور ونسيم رضاك يفوح كل حين "" ويعطر الرياض اويعبق بالطيب من كمامك.
وأما يكون "المعشوق" - مجافي - فتكن القصيدة مليئة بالحنين، ففي قصيدة "ناكر لحسان" لمحمد أنجاز نجد:
سير أناكر لحسان، ليام تشيط وراك بالقهر "" ويبان البرهان فيك امن خـــان حبيبه
مصبرني لتيهان، غير مكايد ونزيد في الصبر """ وعقلي حيران شاكي من حر لهيبو.
وقد نعثر على قصائد تجمع بين الموقفين المشار إليهما معا أي تلك التي تبدأ بالدموع وتنتهي بالبسمات، ونذكر هنا قصيدة "فاطمة" للحاج الإدريسي:
خذي نفرشو بالشوق الذوك القدام شوفي بعين لمحنا في القلام
ماكان هكذا ظني يابنت الكرام.
وتنتهي بانفتاحها على موقف إيجابي بالفرح والابتهال إذ يقول:
واش هادي يقضا ولامنام
عهدي بالشمس قبيل فالسما
فسع لاح نورها فرصامي كاصورة الادامي
والخليلة تضحك حتى طيح وتقول أنا لغزال فاطما
وقد تبلغ المقابلة غاية المحبك والإتقان عند المدغري، فهو يقدم لنا قصيدة حوارية رائعة تبادل فيها الشكوى مع (إمرأة) فجعلها تصف نفسها في ردها على شكوا فإذا شكى جمر نار قلبه ذكرت له جمر خدودها.
أمنين أشكيت أجماري قالت لبدرحتى جمري لاح
فوق أخدودي لحلاح زاد تلحاحي
نار قلبك و اخدودي ما تزول لحلاح
إلى شكيت اكحال الليل الطويل قالت زين النواح.
من خلال اطلاعنا على هذه القصائد وقصائد أخرى تندرج ضمن هذا الغرض الشعري الفني في مواقفه وقضاياه والجريء في مواضعه، كان ثمة سؤال يفرض ذاته وهو: هل تلك التجارب العاطفية صادقة؟، أم أن شاعر الملحون يستعين بخياله الطليق ليرسم لنا الجمال وينسج لنا تفاصيل حدث درامي مشوق؟، فحينما يصف الشاعر مفاتن المرأة، هل ذلك مجرد تصوير مفتعل ومبالغ فيه؟، أم أن الأمر يتعلق باحساس صادق يولد هذه الدقة في الوصف وهذا الغوص في أعماق الجسد الأنثوي؟.
خطاب العاطفة:
نجد في "العشاقي" قصائد عاطفية صادقة، بل هناك من شعراء الملحون من عاش تجربة عاطفية واحدة طوال حياته ومحمد بن سليمان نموذج لهذا النوع. وإذا وقفنا عند داليته أو لاميته نجده يرمز إلى المرأة بالوردة وفي قصيدة "مكسور الجناح" يشبهها بالياقوتة.
أبها وعلا من البدر ياقوتا محضية في جيب السلطان.
وهنا يعكس لنا درجة الحصانة، أي ليس باستطاعة أحد أن يصل إليها. وكما يعرف في الصيغ المتداولة في الملحون "الحجبا والرتبا". كما ان القارئ أو السامع لهذه القصيدة، ينتبه إلى أن الشاعر استعمل تشبيهات تلتقي في معنى واحد هو الإشراق،الضياء والصفاء، كما أنها تعكس جوانب العفة والحصانة. لذلك نظر إلى المرأة من زاويتين (الكمال والجمال).
وبالتالي فمحمد بن سليمان لا يرى في المرأة فقط محاسنها ومفاتنها الخارجية المجزئة، وإنما يراها بنظرة يتكامل فيها البعد الباطني والأخلاقي بالبعد الجسدي والجمالي.
خطاب الجسد:
إذا انتقلنا من التعبير العاطفي الصادق والذي جسده محمد بن سليمان إلى لون أخر من شعر العشاقي، نجد الشاعر يرسم صورة المرأة مفصلة الأجزاء مكتملة الأبعاد مبتدأ بشعرها ومنتهيا بأصابع أرجليها. وقد برز التهامي المدغري في تقديم لوحات رائعة في هذا اللون الشعري[3]، ليكون بذلك قد أسس نموذج خاص في هذا اللون الشعري تبعه في ذلك شعراء أمثال : الحاج ادريس بن علي و محمد بن عمر...إلخ[4].
ما يمكننا أن نقول في هذا النوع هو ان الشاعر اقتصر على الوصف الدقيق لمحاسن المرأة، وذلك بأسلوب الإغراء فيغذو الجسد صورة مكشوفة منقولة للسامع بتفاصيلها وإيقاعاتها قد تصل حدود الجرئ.
وإذا وقفنا عند قصيدة "الباكي" لهذا الشاعر، نجده يخاطب المستمع بلغة الجسد والذي اتخذ أشكالا مفككة، كالشعر، الجبين، الخد...ونذكر على سبيل المثال بعض أبياته:
وســوالف وضفايــــر الشعــــر باليقوت الرفيع ونسوم ذكيـــــــــــا
والخـــد العـــــــكري بـــــلا عكر والخال غلام في عريصا مسقيــــــــــا
والمعطس سوسان رونقا ركابو للسلطان عاقدوا من ذهب التسحــار
والمبسم مختوم والثغـــــــر عقدوا مصيون والسفايف قرفيا[5].
يمكننا القول في القصائد المدروسة، - مع اماننا بتعدد أوجه النظر حول ما قلناه- أن المرأة تبقى حاضرة في قصائد محمد بن سليمان كوحدة وككيان مكتمل، في حين أخذت في شعر التهامي المدغري أشكالا متعددة ومجزئة، ترجمت لنا قصائده عبر خطاب طغى فيه الجسد على العاطفة.


[1] - "الحياة الثقافية"، ندوة الجسد والفلسفية، عدد 66-1993.

[2] - إبراهيم الحيسن:"فن الجسد"، جريدة الإتحاد الإشتراكي، عدد 5287، فاتح فبراير 1998.

[3] - عباس الجراري:" القصيدة"، مطبعة الأمنية الرباط 1970، ص207.

[4] - في هذه النقطة، يذهب الأستاذ عبد الصادق سالم في مقال له تحت عنوان:" الأصول الثقافية والإجتماعية لفن الملحون بتافيلالت"، ضمن مجلة "واحة تافيلالت"، العدد الثالث، 2000. إلى كون أن محمد بن علي بوعمرو الفيلالي والمشهور لدى أشياخ الملحون بالعشيق أو العاشق، هو من أدخل غرض الغزل والنظم في المرأة في القصيدة الملحونية، وقد وجد معارضة شديدة من طرف معاصريه وخاصة "لمراني" والذي قال فيه:
زنديق بن الزنديق الوغد اللي إيردنا فسـاق يستاهل الرجيم بلحجر حتى يموت بالتحقيق
ويلا يموت إتصلب عام وبعد ذلتو يحـــراق أنشــتتو رمادو وأنـــقولو هكذا بغي العشيق.


[5] - مجلة "المناهل"، عدد 45 السنة 19،1994، ص131.
 
أعلى