لطفيّة الدليمي - ما للنساء وللكتابة والعمالة والخطابة هذا لنا، ولهنّ منّا أن يبتن على جنابة!!

(8)
هذا هو الخطاب المتحكم بالمجتمعات العربية التي تراجع فيها خطاب التحديث وهيمن عليها إرث السلف الغابر والاستشهاد بفقه الغزالي بدل الانتباه إلى خطاب ابن رشد.
المرأة كما يريدها الأصوليون آلة متعة وإنجاب وللرجل الكتابة والعمالة والخطابة ..
خطاب الثقافة التاريخية المنصرفة إلى تقييد الزمن بحقبة غابرة تلغي ما هو حاضر وما يفضي إلى المستقبل هو خطاب الإتباع والتراتبية الملزمة في مجتمعات تتراجع بسرعة تعجيل خارقة عن العصر ومتغيراته، لتتوقف خطاها المترنحة عند حقبة التنظيم الإسلامي للمجتمع البدوي وما يتطلبه هذا التنظيم من محدّدات لإشاعة التعاليم الجديدة، وفي كل هذا التجاذب وأساليب الإقصاء تكون المرأة أول الفئات المتضررة من النزعة الأصولية وإكراهاتها الصادمة.
لقد تمحور التنظيم الاجتماعي حينها على تأكيد أفضلية الرجال على النساء وإزاحة ما تبقى من سلطة للنساء ثم إدراجهن في مراتب دنيا مقابل الهيمنة الذكورية، وتكرست ثقافة المجتمع القائمة على إرث طويل من تغييب النساء واستبعادهن من المشهد اليومي للحياة وأسهمت طرائق التربية وهيمنة النظم الأبوية الصارمة المستندة إلى الأصولية على مر القرون في تحجيم ادوار النساء وتقييد انطلاقتهن الفكرية والإبداعية..
وقد نبه ابن رشد في نهجه التنويري إلى أن تردي المجتمع الإسلامي وتخلفه يعود في أهم أسبابه إلى تردي أوضاع المرأة فيه..
وهو الذي جاهر في تعليقه على كتاب السياسة لأفلاطون: بأن النساء والرجال نوع واحد وأن لا فرقَ بين الرجل والمرأة في الغاية الإنسانية. والفرق الوحيد الذي يراه هو في احتمال الكدّ الجسدي الذي يَقدر الرجل عليه أكثر من المرأة(وهذا مثار نقاش أيضا) فيما أن النساء أكثر حذقاً في أعمال أخرى، كفن الموسيقى. وبما انه لا فرق بين المرأة والرجل في الطبع الإنساني، وجب على النساء أن ينلن التربية نفسها التي يحظى بها الرجال وأن يشاركنهم سائرالأعمال، حتى الحرب والرئاسة،
وانتقد ابن رشد وضع المرأة في المجتمع الإسلامي حين قال : "وإنما زالت كفاية النساء في هذه المدن لأنهن اتُّخذن للنسل وللقيام بأزواجهن، وكذا للإنجاب والرضاعة والتربية، فكان ذلك مبطلاً لأفعالهن (الأخرى). ولما لم تكن النساء في هذه المدن مهيئات على نحو من الفضائل الإنسانية، كان الغالب عليهن فيها أن يشبهن الأعشاب. ولكونهن حملاً ثقيلاً على الرجال صرن سبباً من أسباب فقر هذه المدن. وبالرغم من أن الأحياء منهن فيها ضعف عدد الرجال، فإنهن لا يقمن بجلائل الأعمال الضرورية، وإنما ينتدبن في الغالب لأقل الأعمال، كما في صناعة الغزل والنسيج، عندما تدعو الحاجة إلى الأموال بسبب الإنفاق) ولم يقل ابن رشد إنهن يعملن أو يقمن بالأعمال بل قال (ينتدبن) أي بفعل سلطة مهيمنة هي سلطة المجتمع والهيئات العامة التي تتحكم في مسار الأحداث و تدافع عن مصالحها بطرق شتى وتحول دون تبوّء الآخر – وهو هنا المرأة- مكانة يستحقها أو مرتبة هو جدير بها..

ما يسود الآن في المجتمعات العربية هو خطاب الغزالي وابن تيمية، الخطاب الذي تنتهجه الأصولية في مواقفها من المرأة ونشاطها الاجتماعي والثقافي، فصوتها لديهم عورة ووجودها ينطوي على عشر عورات – برأي الغزالي- يستر الزواج واحدة ويتكفل القبر بستر التسع الباقيات، وكلاهما يدعو إلى حبسها في المنزل حبساً مطلقاً، وشبهوها بالعبد على نحو ما قاله بن تيمية الذي يرى بأن المرأة مثل العبد فكلاهما مملوك، العبد لسيده والمرأة لأهلها أو بعلها. فوضعوا بكل تلك الآراء الفقهية الأساس الأول والإطار السياسي والإيديولوجي لاستبعاد المرأة من الحياة العامة، واستعبادها. ذلك أن (القول الجامع في المرأة أن تكون قاعدة في مقر بيتها، قليلة الكلام لجيرانها، لا تخرج من بيتها، ولا ترى الرجال ولا يراها الرجال، فإذا اضطرت للخروج بإذن زوجها ، خرجت خفية في هيئة رثة وقذرة) بحسب قول الغزالي في الجزء الثاني من الباب العاشر من كتاب ( إحياء علوم الدين)..
في هذه المجتمعات المرتدة إلى الأصولية بعد محاولات التحديث المتعثرة في القرن العشرين، لابد أن تتراجع مكانة المرأة ويندر منجزها الثقافي ونرى غيابها أوفر من حضورها فالسلطات المهيمنة تتيح للأصولية متسعا من الحريات مقابل أن لا تتعرض للحكام وأنظمة الحكم فتطلق يدها في المجتمع تحلل وتحرم وتفتي بالتكفير وهدر الدم للمفكرين والمفكرات والمبدعين والمبدعات وتفرق بين الأزواج وتدعو إلى حبس الكتاب والكاتبات دون أن تتدخل الحكومات لحماية مواطناتها ومواطنيها من تجبّر الجهات الأصولية وعسفها، بل إنها تغض النظر عنها طالما لا تمسّ سلطتها ..

2
لم تكن المرأة مغيّبة أو مقصاة منذ البدء ، بل إن عصورا أمومية مرّت على البشرية كانت فيها النساء مهيمنات على المشاعيات الأولى، وكانت المرأة تمسك بزمام الإبداع وتسيّر الحياة وتبتكر وتنتج دون قيود مسبقة من قبل المجتمعات المتضامنة الفقيرة، ولكن،عندما اكتشفت المرأة تقنية الزراعة تغير الوضع البشريّ وحدثت قفزات في مجال إنجاز المرأة وتبدلات في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع البدائيّ، ثم أفضت المتغيرات الاقتصادية اللاحقة ونشوء بذور الدولة إلى تراجع تاريخي لدور المرأة..
لقد أنقذ ابتكار المرأة لتقنية الزراعة الجنس البشري من الفناء جوعا، وأحدث ثورة حضارية وثقافية كبرى، ووضع البشرية على منعطف مهمّ وساعد في تكييف الطبيعة وفق احتياجات الإنسان بدل أن يسعى الإنسان للتكيف مع أحكام الطبيعة..
ووضع (إنتاج القوت) حدا للحياة الهمجية وعصور الصيد وجمع القوت وانتهت أزمة الطعام، وعند هذا الانقلاب الحضاري بدأ دور المرأة ومنجزها الرائد في تغيير نمط العلاقة بين الإنسان والطبيعة وبين جنسي النوع الإنساني: الرجل والمرأة، فبعد أن كانت العلاقة بينهما علاقة اتحاد وتضامن إزاء الطبيعة تحولت عبر نشأة (الملكية الخاصة) التي أدت إليها الزراعة -إلى علاقة مالك ومملوك وسيد وعبد، وبدل أن يترسخ تحرر الإنسان من هيمنة الطبيعة، دفعت النساء ثمن اكتشافهن للزراعة عبودية عمل وكدح امتدت حتى يومنا هذا .
كان دافع المرأة لاكتشاف وتطوير الزراعة عرضيا أول الأمر فهي بمراقبتها لتحولات الطبيعة خلال تعاقب الفصول، تعرفت إلى إمكانية إنبات البذور في التربة الرطبة بعد المطر وعندما نجحت في إقامة أول حقل لها انبثقت رغبتها في (الاستقرار) قرب هذا الحقل في مواطن شبه ثابتة وامتلاك مسكن يحمي من غضب الطبيعة ويعدها بالأمان، وهكذا استقرت الجماعة البشرية- التي كانت تطارد الفرائس وتجمع القوت من البراري - قرب مصادر المياه ومواطن المطر وغادرت الكهوف والمغاور ..
وبتوفر القوت ظهر هناك فائض من الوقت لدى النساء، واستطعن رفد الحياة بكشوفات مهمة كتقنيات صنع الخزف والفخّار وتقنيات النسيج، مثلما بدأن في ابتكار أغاني ترافق تلك الأعمال بمعنى قول الكلام المنغم -الشعر- فظهرت أغاني الحصاد وأغاني النسيج ، مثلما استدعى صنع الخزف تطوير قدرات فنية أخرى لديهن كالرسم على الأواني وتشكيل زخارف ورموز من تفاصيل تلك الحياة البدائية كشفت عن ملامح ثقافة نسوية وطرائق تفكير النساء وأحلامهن ومخاوفهن ونظرتهن إلى العالم من حولهن وأحاسيسهن الأنثوية إزاء الجمال والفن ..
وفي فائض الوقت بدأ الرجال بتطويرالسلاح من حجر الصوان وظهرت أدوات جديدة تستخدم في الدفاع عن المستوطنة التي بدأت تتعرض لغارات من جماعات بشرية مترحلة تجهل الزراعة - فتقدم الرجال ليحتلوا مقدمة المشهد دفاعا عن المحاصيل والبيوت واستدعت الحاجة إقامة أول سياج حول أول مستوطنة وحقل ونشأت فكرة الملكية الخاصة ثم حراستها التي أفضت إلى ظهور منازعات وغزوات، وعندما توفر فائض من الإنتاج ظهر نشاط تبادلي تجاري جعل من المزرعة مصدرا لاقتصاد العشيرة أرغمت النساء على العمل المضني في الحقول والمنزل وبدأ عصر قنانة النساء فدفعن ثمن اكتشافهن للزراعة عبودية وكفاحا يوميا مدى الحياة وانتقل المجتمع من واقع (الشراكة) بين الجنسين في عصر جمع القوت إلى هيمنة النظام الأبوي والاستقطاب الذكوري واستخدمت أعداد هائلة من النساء في أعمال الحراثة والزراعة والحصاد وتحمّلن على مدى آلاف السنين (تبعة) اكتشافهن الزراعة وعبودية العمل المضني.
وفي مراحل عبادة الخصب دفعت النساء أرواحهن ودماءهن لاستجلاب الخصب والوفرة وقدمن كقرابين أو نثرت دماؤهن على خطوط الحراثة لضمان الخصوبة ووفرة الغلة..
ثورة الزراعة إذن أدت إلى ظهور (الاستقرار) وابتكار (الفنون) التي أنتجتها المرأة والى نشوء (التجارة) التي كرست استعباد أعداد هائلة من النساء، وتوجت بظهور نظام الدولة- المدينة التي أعادت المرأة إلى أدوارها الأولية وحالت بينها وبين تواصل جهدها الإبداعي المبكر..
لكن وجود آلهة مؤنثة تمثل الجنس والخصب والحب والكواكب والنجوم أعاد إلى حد ّمّا المكانة الاعتبارية للنساء في حضارات كثيرة ثم أزيحت عندما اقتحم الآلهة الذكور بانثيون الأرباب قبل أن يتوحدوا في اله ذكر واحد ..
إن أية حضارة ما كانت لتدوم وتزدهر لولا جهود جموع النساء وإبداعهن وشراكتهن مع الرجال ، وطوال العصور تراوحت مكانة المرأة بين تمجيد وتبجيل تارة وبين إقصاء وازدراء تارة أخرى، ورغم إبداع النساء المشهود، أهمل التاريخ وتجاهل المدوّنون ذكر النساء البارزات في مجالات الإبداع والحكمة والكتابة إلا في حالات نادرة تكون فيها المرأة من طبقة ذات سلطة ونفوذ فيذكرها مدونو الحوليات ونحاتو المسلات كالملكات والمحظيات المقربات من العرش، ولم يذكر التاريخ المدون من الشاعرات القديمات في الحضارات الرافدينية - سوى الشاعرة الاكدية الأميرة (انخيدوانا) ابنة الملك سرجون الاكدي التي تجرأت ودونت اسمها على قصيدة (سيدة النواميس الإلهية) بحكم نفوذها وسلطتها، فكم من مبدعة وشاعرة وفنانة تجاهلها المدونون المحكومون بالرؤية الأبوية التي تقصي النساء من الذاكرة الإنسانية.. ؟؟

3
يصف المفكر الفرنسي (رولان بارت) المرأة بأنها (المعمل الثقافي).. ويقول: أنا لا أتصور حضارة بدون المرأة وعندما تكون المرأة ( تحت الصفر) فلا مجال مطلقاً للحديث عن (شعب) وإنما يجب الانتباه إلى مأساة كبرى يواجهها (قطيع بشري)، وقوله إن المرأة (معمل ثقافي) يشير فعلا إلى أنها منتجة النبع الثقافي للجماعة البشرية ..
وعندما تقصى المرأة عن ساحة الفعل الثقافي يتعطل المجتمع ويقف عمل (المشغل الثقافي) ويعجز عن أداء دوره في بناء وجدان الشخصية لدى الأجيال الجديدة وتزويدها بمنظومات قيم متطورة تؤمن بالتغيير والمعاصرة وتجعل من هذه الأجيال شريحة متماسكة وقادرة علي المبادرة والفعل وإعلان آرائها بقوة وجرأة تليق بالشخصية المتفتحة الواثقة الجديرة بالشراكة وتفعيل (الذات).
ورغم سياسات (النظم الذكورية) التي تمثلها الدكتاتوريات خير تمثيل فإن المرأة وعبر تجربتها الإنسانية الطويلة لبثت تدافع عن ذاتها بتكتيكاتها الخاصة وأساليبها المتجددة والتي ترقى أحيانا إلى مستوى العمل السحري الذي ندعوه : المنجز الإبداعي، وهذا أحد البراهين على أن بوسع المرأة إذا ما امتلكت قدرة إظهار (الذات الفاعلة) وآمنت بهذه القدرة أن تكون منتجة للثقافة وتستطيع أن تحطم قشرة التاريخ المتقرحة فتخرج إلى سعة الوجود ويتخلص المجتمع من معيقات تطوره وعندئذ فقط ــ يجري رد الاعتبار للجنس البشري ويمكن أن نطلق عليه اسم (النوع الإنساني) القائم على شرط الشراكة والتكامل بين الجنسين.
وإذن فإنّ تغيير المجتمع وأحواله وجعله مجتمعاً حياً وديناميكياً ومعاصراً، يتحقق من جهود النساء والرجال معا لإنجاز الشراكة الكاملة واثبات الذات وإعلان ما تصبو إليه الشخصية الإنسانية وما يترتب عليها من مسؤوليات إزاء المجتمع والنفس على حد سواء. وقد تكون الدساتير أحد العوامل الرافعة والمساعدة لتحقيق ذلك التغيير المرجو الذي يبدأ من مرحلة التربية الأولية في البيت ثمّ في المدرسة لتكوين شخصيات سوية يربي معها الصغار علي فهم معنى (المساواة) عبر الممارسة العملية ويربي الطفل على انه لا يمثل إلا (نصف المجتمع) فإذا استأثر(الذكور) بالمكانة والسلطة والحقوق فإنهم سيدفعون بالمجتمع إلى (الإعاقة) الاجتماعية والعسف السياسي وبالتالي إلى التخلف والانغلاق.. وعندما يربى الصغار علي أهمية دور المرأة في بناء الحياة الإنسانية وتطورها وتعليمهم أن ادوار المرأة تمتد إلى (خارج البيت) لتشمل مناحي الحياة المختلفة فلا يقتصر وجودها على أداء (الأدوار التقليدية) التي تبعدها عن التعامل مع القوانين العامة لحدوث الأشياء وتتوقف عن البحث والتساؤل عن المسببات والنتائج. وتنغمس في مجال (أسطرة) الواقع باللجوء إلى (الغيبيات) بديلاً عن (اشتغال العقل). وهنا تبقى المرأة في منطقة (الوهم) وتبتعد عن (العقلانية) وفهم المعطيات العلمية وتنجرف إلى تشكيل نفسها في صورة كائن (استهلاكي) يستمتع بالعمل المحدود ويبقي أسير المزاجية التي لا تعطي صورة محدودة عن تفكير أو سلوك الشخصية الأنثوية وتؤطرها ضمن الرؤية التقليدية وتحصرها في دور الإنجاب والرعاية التي لا تحتاج إلى مهارات عقلية بل إلى جهد (بدني كبير) ينتهي إلى انهماك المرأة في الاهتمامات المظهرية لتنال رضا الرجال وقبول المجتمع ، وبذا تبقى أسيرة وضعها المتدني فلا تتفتح شخصيتها ولا تمتلك (الإرادة الحرة) لاختيار تفاصيل حياتها وتطوير قدراتها، وتحقيق إنسانيتها على مستوى المشاركة والمسؤولية المتساوية.
وطالما ذكرنا كلمة (التساوي) في المسؤولية والمشاركة فإن (المساواة) في الحقوق والواجبات تهدف إلى تغيير البنى الثقافية في المجتمع لإعادة تفحص العلاقة بين الرجل والمرأة من علاقة تراتبية (أعلى ــ أدنى) إلى علاقة (مساواة) تقوم على حقها في الأداء والمسؤولية، تتجه المناداة بالمساواة إلى تفعيل نصف طاقة المجتمع الإنساني المهملة ــ ودفعها للنمو والازدهار والإبداع وإخراج المرأة من (أدوارها التقليدية) إلى الإسهام في الشأن الاجتماعي والثقافي.
وتقوم فكرة المساواة على مقومات أساسية أولها إثباتات (علم النفس الحديث) على أن المرأة تملك ما يملكه الرجل من القدرات الفعلية مثل قدرة الانتباه والتصور والتخيل والإدراك والتحليل والتركيب والبناء والابتكار والإبداع، ولكن بما أن السلطة المهيمنة تتركز منذ حقب طويلة في أيدي الرجال فإنهم لم يقروا بوجود مثل هذه القدرات لديها وعزوها لأنفسهم ليحصروها في أدوارها التقليدية ويهمشوا وجودها ويستأثروا بالمنزلة العليا على مرّ العصور مما رسخ لدى الكثير من النساء صورة زائفة عن ذواتهن ..
إن كون المرأة (الأنثى) لها سلوكيات معينة هو محصلة لظروف (ثقافية) واجتماعية متوارثة ونظرة مسبقة وشبه ثابتة للإنسان. فالنساء لا يولدن نساء بل يصنعهن المجتمع علي تلك الصورة، يصوغهن الأب والأم والمجتمع بكامله وقد كشف الباحثون الانتربولوجيون أن معظم الخصائص السلوكية الحالية للرجال والنساء ليست نتيجة لاختلاف الجنس إنما هي انعكاس لأثر ثقافة المجتمع الذي يعيشون به والتربية المنزلية والمدرسية، وما يعتقده الناس انه شيء عام بين النساء والرجال تبين انه خاص بمجتمعات معينة وثقافتها الموروثة بشأن مكانة الرجال ومكانة النساء، أي ليست هناك (طبيعة ثابتة) ولا توجد طبائع خاصة بالرجال وأخرى للنساء، إنما هناك (نموذج ثقافي) يميز مرحلة من مراحل تطور التاريخ الإنساني..
تتصور كثير من النساء أنفسهن من خلال (المعطيات الثقافية) أي العادات والتقاليد والأحكام المسبقة (المذكرة) مما ينأى بهن عن إيجاد تصور حقيقي وموضوعي عن أنفسهن وكما يظهرن لأنفسهن وقد اقر (فرويد) أمام جمع من تلامذته بعدم معرفته الكاملة بالأنثى حين قال (إذا أردتم معرفة المزيد عن الأنوثة فعليكم بسؤال تجربتكم الخاصة، أو توجهوا إلى المبدعين أو انتظروا بالأحرى أن يستطيع العلم تقديم معلومات أكثر اتساقا وعمقاً) وهذه الإقرار (الفرويدي) اعتراف نادر بجهل الرجال ومنهم (فرويد) بحقيقة الأنوثة التي يتعاملون معها في المختبرات بتجريد وكأنها معطى نظري يقوم على حدود رياضية ثابتة.

4
المرأة مسؤولة إلى حد كبير عن تعزيز عملية غيابها أو تغييبها عن الأفق العام للفعل الثقافي، عندما تسهم أعداد من النساء في تكريس المكانة الثانوية للمرأة في مجتمعاتنا بقبول الأدوار التكميلية والمراتب الدنيا بحكم الخوف من المنافسة مع الرجال وخشية الفشل في الأداء ، بينما تصر أعداد أخرى من النساء الطموحات على خوض مجازفة الفعل الثقافي وإجادته في تحد حقيقي للمعوقات والخوف ونظرة المجتمع الملتبسة إلى المرأة في المشهد الثقافي، هذا المشهد الذي يتوفر على طرز لا منظورة من السلوك العنفي إزاء المبدعات الجادات اللواتي يشكلن تهديدا لبعض الرجال في مواقعهم الثقافية، أو يعرضن شخصيات زملائهن لاختبار المواقف بإجراءاتهن الفكرية واشتغالهن المتجاوز لمألوف مجتمعاتهن ..
ويبقى شأن ضعف الفعل الثقافي للمرأة أو ندرته أمرا مرهونا بالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة وثقافة المجتمع القامع وصعود الأصولية وهيمنتها على شرائح واسعة من المجتمعات العربية التي جرى تجهيل أجيال منها وتدجينها في النظم الديكتاتورية فسهل استيعابها من قبل الحركات السلفية والأصولية في وقتنا الراهن ..
 
أعلى