جعفر البحراني - الجنس في الألغاز الشعبية الخليجية

برع آباؤنا وأجدادنا في كثير من الفنون والمهن القديمة، ورغم بساطتهم وعدم تلقيهم للعلم، إلا أن لديهم معرفة متطورة وبارعة في فنون مختلفة سواء كانت تلك الفنون مهنية للتكسب والعيش أو كانت فنون لفظية للتسلية وإزجاء الوقت، ولعل الشعر الذي كان ولا يزال حاضرا عند مختلف المناطق والقبائل العربية، يشكل علامة بارزة في فنون الكلام.

وحيث أن العرب كانوا على درجة عالية من رهافة الحس وشاعرية الكلمة، فقد كان السجع علامة بارزة لكثير من كتب القدماء، كما كان الرجز أحد أهم حماسيات القتال بين العرب. وإلى عهد قريب كان اللفظ المسجوع يمثل رقي أدبي وثقافي عند كثير من الكتاب والمثقفين العرب.

ومن بين الفنون القديمة التي أبدع وبرع فيها آباؤنا وأجدادنا فن حياكة القصص والخرافات وكذلك فن إلقاء النكته والطرفة وفن صياغة الحزاوي والألغاز، وهذه الفنون برع فيها المتعلم وغير المتعلم على حد سواء.

ولم يكن فن صياغة وصناعة الحزاوي والألغاز فنا يقل في براعته عن فنون الشعر والسجع وحياكة القصص والخرافات، بل هو فن راقي جدا لا يمكن لأي كان أن يتمرس ويبرع فيه إلا الحاذقين.

وقد شكلت الحزاوي والألغاز مادة أساسية في إثارة العقول واستثارتها ولهذا فهي تعد من الرياضات الذهنية الهامة التي تحفز على التفكير.

وشعوب الخليج كغيرهم من شعوب العالم كان لهم اهتماما واسعا بهذا الفن الذي اشتغل في صياغته الرجال والنساء على حد سواء.

ويبرز الذكاء في الألغاز من جانبين جانب صياغته وجانب حله، فمن يصيغ اللغز لا بد وأنه يتمتع بجانب كبير من الذكاء والحنكة، وكذلك الذي يقتنص حل اللغز هو أيضا على جانب كبير من النباهة والذكاء.

وقد كانت الألغاز تتداول بشكل سلس بين الناس في الخليج في مختلف المحافل والاجتماعات العامة والخاصة وبين مختلف طبقات المجتمع وفئاته، كما كانت هناك ألغاز بريئة ومحتشمة، وهناك بالمقابل ألغاز مستفزة ومليئة بالايحاءات الجنسية المختلفة.

ومن خلال بعض الألغاز والحزاوي القديمة سنتعرف إلى أي حد كانت براعة آباؤنا وأجدادنا في هذا الفن الذي بدأ ينحسر شيئا فشيئا عن الواقع المعاش حاليا لأسباب مختلفة أولها إنشغال الناس من جانب وظهور محفزات عديدة لإزجاء الوقت من خلالها.

وقبل أن ننطلق في أستعراض بعض الألغاز ودراستها لنتعرف أولا على بعض المعاني لمفردة لغز وحزاية من واقع القواميس العربية.

ففي المعجم الوسيط نجد أن كلمة لغز تعني مال به عن وجهه يقال لغز في كلامه، وألغز في كلامه أو ألغز فيه أي عمى مراده وأضمره على خلاف ما أظهره، واللغز ما يعمى به من الكلام وجمعه ألغاز .

أما كلمة حزاية فلم أجد لها معنى، ولعلها محورة عن كلمة حزر في اللهجة المصرية كقولهم حزر فزر، وقد وجدت في المعجم الوسيط أن حزر الشي حزرا بمعنى قدره بالتخمين فهو حازر[ii].

ومن تلك التعريفات نجد أن الألغاز والحزاوي تعني بإعماء وأبهام وأخفاء المعنى الحقيقي بالدرجة الأولى، وبالتالي فهو لعبة تعتمد على الذكاء والفطنة والكياسة والنباهة وسرعة البديهة.

ورجوعا إلى الالغاز الشعبية التي شاعت وكان لها رواج في الخليج العربي نجد أنها صيغت بشكل إحترافي وإبداعي سواء على مستوى الإعماء والإبهام أو على مستوى الإيحاءات الأخرى التي تركز على الجانب النفسي وتصدم المتلقي بعبارات لم يكن يتوقعها فتدفعه للتفكير في تلك الإيحاءات بدلا من التفكير في اللغز ذاته، خصوصا وإن بعض تلك الألغاز تأتي بشكل مستفز للغاية من خلال إقحام الأم أو الأخت في اللغز كقولهم مثلا:

أخضر في السوق أحمر في أمك؟!

وحل هذا اللغز بسيط جدا وهو (الحناء) حيث أنه يباع في السوق كطحين أخضر ولكن بعد أن يتم عجنه ومسحه على الجسد يصبح لون الجسد الممسوح به أحمر ، ولهذا جاءت هذه العبارة لتؤكد هذا المعنى من جانب ومن جانب آخر تعميه من خلال تحديد الأم فيه الأمر الذي يشكل صدمة عند المتلقي بالدرجة الأولى، نظرا لما تمثله الأم من أعلى مراتب الطهر عند كل البشر، ولهذا نجد أن إقحامها في هذا اللغز بهذه الصورة يجعل المرء مصدوما بها قبل أن يفكر في جواب اللغز! حيث أن وجودها وتحديدها بالذات فيه ، يجعل التفكير ينسحب وينحصر عليها ، وهذا هو أساس الفن والإبداع في صياغة اللغز الذي يتمكن من استفزاز المتلقي ويلعب على العامل النفسي ( توجيه الصدمة ) أكثر من اللعب على عوامل التحفيز العقلي لحل اللغز.

وفي لغز آخر نكتشف إلى أي حد تم استخدام هذه التقنية التي تركز على الجانب النفسي بالدرجة الأولى كعامل اختلال وبؤرة تركيز، يقول اللغز:

حمرة قبته يعجب أمك دخلته وإذا حرها بالته؟!

ويكمن حل هذا اللغز في (السوار وكذلك في الخاتم أيضا) وهو الحلية التي تحبها كل النساء، وكلمة حرها تعني أوجعها أو أصابها بإلتهاب وطفح جلدي، لكن هذا المعنى للسوار أو الخاتم بقي غائرا تحت استفزاز وصدمة المتلقى بالمفردات التي تضافر استفزازها وصدمتها مع مفردة الأم فقامت على تشتيت وشل تفكير المتلقي، بل حاولت أن تحصر تفكيره في إيحاءاتها الجنسية فقط !

وفي لغز آخر لنفس المعنى ونفس الجواب نجد إلى أي حد هذا الاستفزاز واللعب بالمفردات التي توحي بالجانب الجنسي أكثر من أي شيء آخر وهو أمر من شأنه أن يشكل صدمة كبيرة جدا للمتلقي، ولهذا نجد أن هذه الألغاز مستفزة وصادمة بشكل كبير جدا، حيث يتوارى (الخاتم أو السوار) خلف مفردات وجمل متتابعة لا توحي بغير الجنس الذي يستفز عقل المتلقى ويصدمه بمعاني مغايرة لا توحي بغير الجنس فتعميه تماما عن الشيء المقصود يقول اللغز:

احمر في صلعته، لو وجع البنت بلته، وكل ما بلته دخلته، وكل ما دخلته استحلته؟!

وأحمر في صلعته أو حمرة قبته إشارة إلى فص الخاتم أو السوار على أساس أن الخاتم أو السوار سيكون مزين في الغالب بحجر الياقوت، وغالبا ما تتوجع البنت وهي تدخله أو تخرجه من معصمها أو أصبعها ولذلك تضع عليه مادة لتسهيل دخوله أو خروجه من المعصم أو الأصبع ولهذا كلما بلته أدخلته أو أخرجته بسهولة وإذا أدخلته في أصبعها أو معصمها سيكون حلا لها.

ونجد في لغز آخر ما يلي:

عكرته في أمك وقمته في أختك؟!

والعكرة كلمة عامية كان يتداولها الفلاحين وبالأخص في الساحل الشرقي من الجزيرة العربية تطلق على أصل الشيء وغالبا كانت تطلق على السعف الذي يتوسط النخلة والذي يمثل أساسها وأصلها وقاعدتها الثابته.

أما القمة فهي في اللهجة العامية تعني أي شيء مدبب ومسنن ويشكل مقدمة كرأس القلم أو رأس الحربة.

ولهذا يصبح اللغز (قاعدته في أمك ومقدمته في أختك)، ولعله بهذه الطريقة أصبح أكثر تقبلا وأكثر سهولة من ذي قبل، ولكن يبقى وجود الأم والأخت شيء مستفز في سياق اللغز.

ويكمن حل هذا اللغز في (ثدي المرأة المرضعة) حيث تكون قاعدة الثدي في صدر الأم بينما تكون حلمته التي تشكل مقدمة كرأس مسنن في فم الأخت التي ترضع منه، لكننا وجدنا أنه بطريقة عرضه التي مثلت جانب انتقائي للمفردة وزجت بالأم والأخت في براثن الجملة جعلت من عموم الكلام صادم ومستفز، يأخذ المتلقي إلى معاني بعيدة عن المعنى الأساسي من خلال إيحاءات أخرى لن يجد المتلقى فيها البراءة أبدا، خصوصا عندما نجد أمثال اللغز التالي يرد على لسان فتاة، فلن نتمالك إلا بوصفها بقلة الحياء.

يقول اللغز:

دق الباب وفتحت له، وغمزلي وانسدحت له، دخل فيني وارتحت له، طلع مني وما خليته؟!

وكلمة أنسدحت تعني أنبطحت، بينما كلمة ما خليته تعني ما تركته، وبهذا يزداد الإعماء أكثر، كما يزداد الاستفزاز، وتزداد الصدمة والدهشة معا، بل والحيرة أيضا في هذا اللغز الذي أقل ما يقال عنه أنه وقح ومستفز وصادم ومدهش للغاية.

ولعلنا من خلال هذا اللغز سنجد أن المتلقي يقف خجلا من جانب وحائرا من جانب آخر ومدهوشا من جانب ثالث ومرتبكا من جانب رابع ومصدوما من جانب خامس ويعيش حالة من الاستفزاز والضغط النفسي في أبسط وأعقد حالاته.

كما نجد من جانب آخر إلى أي حد لعبت المفردة في هذا الإعماء، وإلى أي حد لعب الذكاء في صياغة هذا اللغز الصادم والمدهش والمستفز في آن معا.

هذا اللغز يصف حالة من العلاقة العاطفية وكذلك الجنسية المريبة في ظاهرة لكنه يخفي في باطنه حلا لن يخطر على بال المتلقي أبدا.

ولعله يكشف من جانب آخر حالة حقيقية وصفها البطل الذي صاغ هذا اللغز صياغة وصفية دقيقة جدا من جانب وعامية كليا من جانب آخر، حيث يظن من يسمع هذا اللغز أنه أمام حالة جنسية بحته.

لكن عندما يتم كشف اللثام عن حالة الإعماء لهذا اللغز نجد أننا كنا أمام أنفسنا في افتراض سوء النية التي بنينا عليها حالة جنسية تامة، بينما كانت هذه المفردات تصف حالة طبيعية يعيشها كل شخص عندما يغالبه النعاس ومن ثم النوم الذي لا نرغب أن نصحو منه.

وقوله دق الباب وفتحت له أي وصول الجسد لحالة متعبة يريد فيها النوم، وفي حالة النعاس نغمض أعيننا ونفتحها وكأننا نغمز لأحد وهي ليست إلا غمزة النعاس إيذانا في الشروع بالنوم ، الذي يرخي جسدنا فننبطح فوق الفراش طلبا للنوم الذي يريح الأجساد والنفوس أيضا فلا نريد أن نستيقظ منه.

ولعل الصيغة الأخرى لهذا اللغز لا تقل عن السابقة بشيء في ايحاءاتها الجنسية والمستفزة ، حيث يقول اللغز:

يخش فيك ويرخيك واذا طلع زاع فيك؟!

وكلمة يخش تعني يدخل، ويرخيك أي يجعلك مرتخيا، زاع فيك أي أنزل عليك ما يملى معدته، ولكنها هنا كجملة كاملة تحمل إيحاءات مغايرة تماما تقترب في مفرداتها من الإيحاءات الجنسية.

ولعل حالة الإعماء والإبهام لعملية وضع العجين بعد خبزه في الفرن وإخراجه منه بعد أن ينضج تمثل جانبا آخر من عملية الاستفزاز والصدمة للمتلقي من خلال مفردات تأتي بشكل متتابع ومتسلسل كجمل شاذة كليا كما في اللغز الذي يقول:

أشطه وأبطه، أشيله وأحطه، أحطه ابيض نايم، وأخرجه احمر قايم؟

(شطه) عبارة عن نقل العجين بعد تحويره بين اليدين ومن ثم (بطه) أي وشمه بخرق صغير، ثم رفعه على وسادة من القماش ووضعه في الفرن، فالخباز يضعه كعجين أبيض لين ومستوى ثم يخرجه وقد أحمر ومشدود ومنتفخ أي قايم باللهجة المحلية الدارجة.

وقد جاء هذا اللغز بصيغة أخرى أيضا لكنها لم تخرج عن الإيحاء الجنسي فيها، حيث يقول اللغز:

يدخل لين متطعطع ويطلع خشن وقايم؟[iii]

متطعطع أي طيع يتلوى نتيجة ليونته الكبيرة ويطلع خشن وقايم أي خشن ومشدود.

تلك كانت نماذج، وهناك الكثير من الألغاز التي تعتبر من الألغاز الخادشة للحياء وغير المحتشمة نظرا لإيحاءاتها الجنسية المفرطة، التي تستفز قائلها قبل أن تستفز متلقيها.

وأخيرا لا أجد أمام القارئ الكريم غير العذر على إدراج هذه الألغاز التي لا يستسيغها البعض بهذه المفردات التي تعتبر نوعا ما خادشه للحياء، ولكن عذري هنا أنني أضعها من أجل دراستها كجانب تراثي وصلنا من آباء وأجداد حاذقين جدا وعلى درجة عالية من الذكاء في الوصف المتداخل بالإعماء المريب والمستفز والصادم وغير المحتشم أيضا.

مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط ، الطبعة الرابعة، مكتبة الشروق الدولية، مصر 2004م ص 830.
[ii] المصدر السابق: ص170.
[iii] نقل لي هذه الألغاز وغيرها أيضا أبن العم عبد الله بن محمد بن صالح بن محمد البحراني.
 
أعلى