هيفاء عثمان عباس فدا - حدود المنهج والمصطلح في نقد الشعر المغربي القديم

ينطلق الموضوع من جملة من الافتراضات لعل أهمها القول ضمنيا بتميز الشعر المغربي من غيره، ولذا يستوجب منهاجا خاصا في أي محاولة لمقاربته.
إن وجود شعر خارج الثقافة قضية تستدعي المناقشة، فإلى أي حد يمكن القول بوجود شعر "مطلق"؟ وما حدود ارتباطه بثقافة أوانفصاله عنها؟
وأيا ما كانت الإجابة، فلا يمكن إنكار وجود قواسم مشتركة بين الشعر والثقافات المختلفة والمتباينة في جذورها ومقوماتها. وأعتقد أن الجاحظ كان يستحضر هذه الإشكالات وغيرها عندما قال باستحالة نقل الشعر من لغة إلى أخرى، وما أظنه كان يقصد بذلك ما شاع لدى بعضهم من أن الجاحظ إنما كان يريد بذلك ما نلمسه من صعوبات لغوية عند النقل. ولعله من نافلة القول أن نردد مرة أخرى أن شعر أي أمة صورة من صور فكرها وقيمها ومعاييرها الجمالية وغيرها، والشعر المغربي بهذا المعنى إنتاج ثقافة معينة في ظرف تاريخي معين، وعلى الرغم من الصلات التي كانت وما تزال بين المغرب والمشرق، وهي صلات عميقة تعود أساسا إلى الجذور الدينية واللغوية للثقافة في كل من المغرب والمشرق، فإننا لا يمكننا إلا أن نجزم، وذلك بناء على معطيات كثيرة جدا، بخصوصية الثقافة المغربية، وبتميز الشعر المغربي عن نظيره المشرقي والأندلسي، وهي خصوصية نابعة من جملة اختيارات المغرب في المجالات المذهبية والسياسية والفكرية. والوقوف عند ذلك بقصد بيانه قد يطول بحيث يخرجنا عن القصد، على أن دراسة الشعر المغربي تكشف في جملة ما تكشف هذه الخصوصية وذلك التميز، ولعلنا نلم بشيء من ذلك في سياق البحث.
وإذا سلمنا بتميز الشعر المغربي فإنه سيكون من الضروري أن ندعو الدارس إلى بلورة منهاج في النقد يراعي ذلك التميز، وهو منهاج لا يمكن إلا أن يكون نابعا من الشعر المغربي نفسه، وعليه فمن الخطأ الاحتكام إلى المقاييس التي أفرزها النقد العربي في المشرق لتقييمه، وليس من الصواب في شيء أن نقيس شعر الجراوي وابن حبوس وابن عبد المنان وأضرابهم من "فحول" الشعر المغربي بما أفرزته دراسة شعر البحتري وأبي تمام والمتنبي... وسيكون من الغبن لشعرائنا مقارنتهم بشعر المتنبي على أساس أن شعر المتنبي هو المرجع والقياس.
ومن المؤسف أننا كثيرا ما نفعل ذلك، متأثرين بما روجته الكتابات النقدية قديما وحديثا، وقد استطاعت الدراسات النقدية الحديثة للشعر العربي المشرقي نشر وتعميم مجموعة من المعايير والمقاييس تخص هذا العصر أو ذاك من عصور الشعر وهذا الشاعر أو ذاك من شعراء العربية في المشرق، ومن الصعب التخلص من تأثير تلك المفاهيم في دراستنا للشعر المغربي.
وليست عملية بلورة منهاج نقدي يخص الشعر المغربي أمرا سهلا، وذلك يرجع إلى أسباب منها أن التآليف النقدية العربية القديمة، أعني الكتابات النقدية التي ظهرت في القرون الثلاثة الأولى، لا تقدم للدارس إلا أدوات محدودة، وعليه فإن على الباحث أن يرتاد منابع أخرى، وبيان ذلك أن الشعر المغربي إنما تبتدئ حدوده الزمنية مع القرن الخامس، أي أن الشعر المغربي ظهر في الوقت الذي كانت فيه شجرة الشعر العربي في المشرق آيلة إلى السقوط بعد أن ذبلت أوراقها وجف ماؤها.
لقد ظهرت في الشعر المغربي "أغراض" شعرية لم يعرفها الشعر المشرقي، ولم ينظر لها النقد العربي القديم، كما ظهرت في الشعر المغربي تقنيات جديدة وجماليات مستحدثة مما لم تتعرض له كتب النقد القديمة، لذلك ولغيره فإنه يتعين الرجوع إلى التراث الأدبي المغربي بكل مكوناته لأجل تحديد مفاهيم ومقاييس ومعايير تخص الشعر المغربي، ولعل أول ما يلفت نظر الباحث في هذا المجال، التراث النقدي المغربي، أعني تآليف النقد الأدبي والتصانيف البلاغية التي وضعها المغاربة تسعف في استجلاء صوره أو صور جديدة من المقاربات المجدية في "معالجة" الشعر المغربي.
والحق أن نقادنا القدماء لم يتمكنوا من الخروج عن التآليف النقدية المشرقية فيما ألفوه.
نعم نحن لا نجد لدى صاحب "المنزع البديع" ولا لدى مؤلف "الروض المريع" ولا لدى غيرهما أي عناية بالشعر المغربي، لم يورد النقاد المغاربة شعرا للمغاربة فيما ألفوه في باب النقد لا على سبيل الاستشهاد ولا على سبيل التمثيل أو الإيضاح. إن إهمال الشعر المغربي القديم من لدن النقاد والشراح المغاربة أمر يبعث على الدهشة حقا، فهذا صاحب "الحماسة" أبو العباس الجراوي لم يأت في كتابه بشيء من شعر المغاربة، بل إنه لم يذكر في كتابه شيئا من شعر نفسه.
وأما السجلماسي فقد أتى ببيت يتيم، واكتفى أبو القاسم السبتي في شرح المقصورة، والثعالبي الفاسي في شرحه على بديعية الحلي، بإيراد شيء من شعريهما (1)، ولم يرد في الشرحين المذكورين عدا ذلك سوى أبيات.
الحق أنه يصعب علينا فهم أسباب إهمال نقادنا القدامى لشعر شعرائنا، وهذا الإهمال أصاب أيضا شعر المغاربة في المختارات الأدبية والشعرية التي وضعها المغاربة. والمتتبع لمصادر الشعر المغربي يجد أن أغلبها أندلسية، فالفضل يرجع إلى الأندلسيين في حفظ جل الشعر المغربي (2)، وقد وقفنا على إشارات تفيد أن شعراء المغرب أنفسهم كانوا يتمنعون من إذاعة شعرهم فكان ذلك من دواعي ضياع شعرهم، فهل يمكن أن نستخلص من كل هذا موقفا نقديا؟
لعل أهم ما يستخلص من ذلك هو أن الشعر المغربي كائن غريب في تراثنا، ولعل الشاعر نفسه كان كائنا غريبا في مجتمعه ينازعه الفقيه والعالم، ويزاحمه كل من هذين الأخيرين في بلاطات السلاطين والأمراء، وكأن أولئك السلاطين كانت حاجتهم إلى الفقهاء أكثر من حاجتهم إلى الشعراء وكان الأمر بالفعل كذلك، لذا قل في تاريخنا شعراء البلاطات الذين ينصرفون إلى الشعر يدبجون به مدائح الملوك. (3)
ويبدو أنه لما ضعف الإقبال على الشعر انصرف الشعراء إلى القصائد الدينية (نبويات زهديات توسلات أذكار...) وإلى المتون العلمية ينظمونها شعرا، فكان لذلك كله خير الشعر ما قيل في الجناب النبوي وفي التوسل إلى الخالق جل علاه. (4) ولا يخفي ما في هذه المواقف المذكورة من أثر في خلق مفاهيم ومعايير تخص الشعر المغربي. ولا يمكن قيام أي نظرية تخص الشعر المغربي دون الأخذ باعتبار تلك المواقف.
ومن المصادر المعول عليها في بلورة نظرية الشعر المغربي نفسه، وتأمله يفضي إلى القول بخصوص هذا الشعر كما ذكرنا من قبل، كما يفضي إلى مجموعة من الملاحظات إذا أمكن تجميعها وفحصها تكشفت عنها جملة من المبادئ يمكن اعتبارها من مقومات الشعر لدى المغاربة، وفي طليعة تلك الملاحظات تغلغل المعارف الفقهية والحديثية والمنتهية إلى خلق المعنى الشعري وتكوين الصورة الشعرية، وذلك أن المعارف الذهنية أصبحت من الركائز التي يعتمد عليها الشاعر.
ثم إن الشعر كان لدى أجدادنا المغاربة عملا ذهنيا يقوم على جملة من التقابلات العقلية والحدود المنطقية، وهو في هذا وذاك مما ذكرنا قبل، ثمرة كد للذهن، وإعمال للفكر، يكشف عن عقلية هندسية ورياضية، ومجال الخيال فيه محدود في اصطياد تلك التقابلات المشار إليها. (5)
هذا وليس القصد هنا إلى تقديم دراسة للشعر المغربي، وحسبنا الإشارة إلى بعض الملاحظات العامة التي نراها تكون دعامة الشعر لدى المغاربة القدماء.
ويجب أن أستطرد لأقول: إن ما قدمته من نعوت الشعر المغربي ليست قادحة فيه بحال من الأحوال، فليس من المتفق عليه بين المدارس النقدية والمذاهب الشعرية أن الشعر محض خيال، وإذا كانت المختارات الشعرية التي وضعها المغاربة لا يرد فيها عادة شعر المغاربة، فإن الناظر إلى ما تضمنته تلك المختارات وإلى المنهج الذي سار عليه واضعوها في ترتيب ما اختاروه من شعر، يمكن أن يستخلص من ذلك كله بعض ما يفيد في صياغة نظرية نقدية للشعر تعكس ضمن ما تعكسه مفهوم الشعر لدى المغاربة، وقد كانت المختارات الشعرية وما تزال من المصادر المعتمدة في استجلاء مفهوم أو مفاهيم للشعر، وشروح النصوص الشعرية، وهي كثيرة في تراثنا الأدبي، ومنبع من منابع النقد الأدبي ونقد الشعر خصوصا، وعلى الرغم من كون أغلب ما انتهى إلينا من شروح أدبية إنما هي شروح على شعر شعراء من غير المغرب، فإن الباحث يمكنه الإفادة منها كذلك في مجال بلورة نظرية أدبية أو شعرية.
وقد حظيت المدائح النبوية مثل "الشقراطسية" و"البردة" و"الهمزية" بعناية الشراح المغاربة، وشروح هذه القصائد وأمثالها تقدم لنا معايير جديدة في فهم الشعر وتذوقه، وهي معايير مستمدة من شعر شاع وانتشر بين شعراء المغرب ولم يجد من نقاد الشعر عناية تذكر.
والقصيدة النبوية والربانية، وإن اشتركت مع قصيدة المديح في بعض السمات، فإنها تختلف عنها في أكثر من وجه، فللنسيب في النبويات والربانيات وظيفة غير وظيفته في المديح، وكذلك الأمر فيما يخص الرحلة وتعداد المواقع، وإذا كانت القصيدة المدحية لقيت عناية كبيرة من لدن النقاد فخصوها بالتآليف المفردة، فإن القصيدة النبوية والربانية لم تجد من يبين عن أسرارها إلا ما كان من ومضات منثورة في ثنايا الشروح والمدونات الفقهية، من نوازل وغيرها فيما يجب أن يعتمد في بناء نظرية للشعر المغربي القديم.
ففي كتاب "المعيار" للونشريسي على سبيل المثال آراء يفيد منها دارس الشعر، وهي آراء وردت في مواضع عديدة من الكتاب، وأما كتاب "الإمتاع والانتفاع بمسألة سماع السماع" لابن دراج السبتي فيحتوي نصوصا نقدية من صميم نقد الشعر، وذلك في حديثه -مثلا- عن المقبول والمرفوض شرعا من شعر النسيب.
والحق أن المعارف الفقهية واصطلاحات الفقهاء والعدول صارت من مكونات معاني شعراء المغرب، ولا غرابة في ذلك، فما أكثر الشعراء من القضاة والعدول وطلبة الفقه، وشعر الفقهاء عبارة كثيرا ما يفهم منها ما يقدح في شاعرية هؤلاء، وليس الأمر كذلك على الإطلاق(6) . إن المادة الأدبية والشعرية منها على الخصوص موزعة بين أصناف متباينة من التآليف، ونظرا لندرة الدواوين الشعرية في التراث المغربي وندرة المادة النقدية كذلك، وتوزعها كما ذكرنا في مصادر عديدة ومتباينة، فقد وجب على الباحث أن يعود إلى المجاميع والكنانيش والفهارس والنوازل وكتب التاريخ العام، وتواريخ المدن والأمصار وتواريخ الرجال، ليجمع ما تناثر في جميعها من مادة نقدية، وهي في الغالب إشارات عابرة بقصد الإفادة منها في بناء نظرية للشعر المغربي تكون أساسا في دراسة نقدية لهذا الشعر.
ومن الأكيد كذلك أن دراسة التوجهات المذهبية في المغرب على المستوى العقدي والمذهبي والصوفي ضرورية في أي عمل يقصد به بلورة تصور نقدي، وفي هذا المجال يجب التذكير بأن التراث المغربي، ومنه التراث الأدبي، تحكمه تلك التوجهات، ومن ثم فإن الوقوف على تلك الاختيارات التي تمت في المغرب على المستويات المختلفة من شأنه أن يعمل كذلك على بناء مفهوم أو مفاهيم للشعر في المغرب.
ولعله قد بان للتراث المغربي الأدبي خصوصية تتجلى في أكثر من مظهر، وعليه فإنه لا يمكن صياغة منهج أو مناهج في نقد الشعر المغربي دون الانطلاق من تلك الخصوصية، وتأكيدنا على ضرورة الانطلاق من صياغة منهج للنقد أو لنقد الشعر المغربي نابع من الإيمان بعدم وجود نص[...] شعريا كان أم غير شعري.
إن المناهج التي دعت إلى دراسة النصوص بمعزل عن محيطها ومكوناتها تنتهي عادة إلى قتل تلك النصوص.
هذا ونحن من الذين يرون أن المناهج المخصبة للفكر، والمنتجة للمعرفة والمؤدية إلى الفهم والإفهام، والفهم والإفهام من وظائف أي نقد أدبي، ليست قوالب جاهزة، بل إننا نذهب إلى أبعد من ذلك إذ نعتقد أن المنهج أداة اختبار وليست وسيلة كشف. إن عملية الكشف تتم من خلال محاورة صامتة بين النص والمتلقي، النص بأبعاده المختلفة وإشاراته القريبة والبعيدة، بطاقاته الدلالية وبما اختزنته من نصوص، والقارئ بصفته [...] أو المتلقي بصفته مخبرا تجمعت آلياته التحليلية والتفسيرية أيضا بفعل انصهار وتفاعل مالا يحصى من التجارب والمعارف.
إن إلغاء الذات في أي "قراءة" موضوعية أمر لا يتأتى في الأدب وفي الشعر خاصة، وذلك بحكم كل ما سبق ذكره.
إن تعدد مناهج النقد دليل على خصوبة النص وتشابك دلالته ومدلولاته.(7) ولعل قائلا يقول: وأي المناهج السائدة حاليا في مجال نقد الشعر أنسب لنقد الشعر المغربي؟ الحق أن ساحتنا الجامعية تشهد سيلا من مناهج النقد الأدبي اختلفت مصادرها وتباينت طرائقها وأهدافها، وإن أنسبها ما يكون كفيلا بالإجابة عن الأسئلة المطروحة على النص الشعري.
وليس المصطلح النقدي عنصرا غريبا عن المنهج النقدي، فالمصطلح يحمل ضمن ما يحمل بعضا من التصورات المنهجية من المصطلحات العروضية في الشعر العربي-مثلا- تفيد شيئا مما كان العرب القدامى ينظرون به إلى الشعر، كالبيت والوتد وما إلى ذلك كما يحمل المصطلح أيا كان نوعه وميدانه بعضا من التصور الخاص بميدانه، وهو قبل هذا وذاك ذو عمق أو جذور ثقافية وحضارية، ومن ثم فإن تحديد المصطلح النقدي في دراسة الشعر المغربي القديم يستلزم الرجوع إلى كل المظان التي حددنا من قبل إطارها العام بصفتها أساس كل عمل يهدف إلى بلورة نظرية للشعر المغربي القديم.
وقد كان المصطلح النقدي في الأدب العربي في المشرق موضوع دراسات جامعية عديدة (9)، ولم يتم شيء من ذلك بخصوص المصطلح النقدي في التراث الأدبي المغربي مع شدة الحاجة إلى ذلك، وذلك لظهور ألوان وأشكال شعرية جديدة لا عهد للشعر العربي في المشرق بها، وهي ألوان وأشكال تفتق عنها الشعر المغربي نتيجة عوامل عديدة. وليس المجال هنا مجال حصر تلك المصطلحات، ولا مجال دراستها، ومع ذلك يمكن القول إن منها ما ينصرف إلى الأشكال الخارجية للقصيدة أي إلى البناء الخارجي للقصيدة، ومن ذلك : الوتريات والوربيات(10) إلخ... ومنها ما يخص أغراض القصيدة أو مضامينها، ومن ذلك العيديات والمولديات والربانيات. ثم وجدت في الشعر المغربي أنماط من التصرف في القصيدة عبر عنها بمصطلحات منها التصدير، والتعجيز، والتخميس، والتشجير... وكان شعراؤنا ولعين بضروب من التشجير، ووصلوا في ذلك غايات بعيدة.. وتحديد هذه المصطلحات، وغيرها كثير، يتطلب فحصا دقيقا لتراثنا الأدبي، وجلها لا يضمها كتاب مفرد، بل هي موزعة بين أشتات من التصانيف وألوان من التآليف.
وقد حفلت شروح البديعيات بالمصطلحات النقدية والبلاغية، ومن ذلك شرح الثعالبي الفاسي على بديعية الحلي. وقد عني المتأخرون من المغاربة وغيرهم بضروب من التلوينات الصوتية في شعرهم، وأحدثوا لكل ضرب مصطلحا، وأغلب تلك المصطلحات إنما ترد في الشروح.
إن مصطلحات نقد الشعر في التراث المغربي لا ترد مشروحة في كثير من الأحيان، وتحديد معانيها يرجع فيه إلى النصوص الشعرية بقصد استقرائها، وهذا يتطلب جهدا مضنيا وصبرا لا حدود له.
وتجب الإشارة إلى أن كثيرا من المصطلحات الرائجة في نقد الشعر المغربي القديم قد راجت كذلك بين الأدباء المتأخرين في المشرق العربي، إلا أن منطلق أكثرها كان من المغرب، ومن ذلك مصطلح المولديات والنعاليات، ويذكر المقري في "فتح المتعال" أنه فاجأ المشارقة بما لدى المغاربة من شعر في النعال النبوية، وكان ذلك حافزا لهم للنظر في الغرض نفسه.
وأما المولديات ففن شعري مغربي خالص،، وكذلك الحجازيات، فقد ذكر صاحب "صبح الأعشى" أن أغلب ما في هذا اللون الأدبي أي الحجازيات هو للمغاربة، والحجازيات كما تكون نظما ترد نثرا أيضا.
والتصدير والتعجيز شكل شعري شاع لدى المغاربة. وكان يعرف عند غيرهم بالتشطير على ما ذكر الرافعي في "تاريخ آداب اللغة العربية". والبديعيات لون شعري لم يتم الجزم في موضوع من ابتكره، وإذا كان قد ارتبط بالمديح النبوي، فإن للمغاربة بدييعيات في غير المديح النبوي، وعلى أي حال فلا يمكن الإتيان هنا على كل المصطلحات ولا على جلها، وحسبنا الإشارة إلى بعضها، على أن غايتنا هنا في تحديد المنابع الكبرى لتلك المصطلحات وبيان روافدها الثقافية.
ولعله قد بان من خلال هذه الورقات أن أي منهاج في نقد الشعر المغربي لن يؤتي أكله إذا لم ينطلق من نظرية خاصة بهذا الشعر تحدد مفاهيمه وتقدم جمالياته، وقد بان أن بلورة تلك النظرية تتطلب دراسة شاملة للتراث الأدبي المغربي خاصة والتراث العربي عموما.
والمصطلح النقدي ليس في نهاية المطاف إلا عنصرا من عناصر ذلك التراث الأدبي المشار إليه فيما سبق.
وما من شك في أن الدراسات الحديثة للشعر المغربي القديم تسير في هذا الاتجاه المفضي إلى تكوين مفاهيم ومعايير ومصطلحات نابعة من الشعر المغربي.

د. هيفاء عثمان عباس فدا




55.jpg

 
أعلى