حميد. ج. الدليمي - الدولة، الأخلاق والسياسة

القسـم الأول: نظرية السلطان.
الفصل الأول: في عقلانية السلطة والسلطان


I. عقلانيـة أسـُس السّلطـان:
في فكر ابن المقفع، هناك بالخصوص هذا المرتكز العقلاني للسلطة السياسية الذي ينحدر من طبيعة المجتمع نفسه المقسَّم إلى حاكمين ومحكومين. إنها فكرة جديدة في المجتمع الإسلامي وغريبة عن الإيديولوجيا المهيمنة. في الواقع، يقيم الإسلام ثنائية (مؤمن - كافر) لا ثنائية (حاكم - محكوم). وباستبدال الأولى بالثانية، يـبرهن ابنُ المقفع على الضَّرورة القصوى لوجود السلطان وجدواه. وهو في ذلك يتعارض أيضا مع بعض التيارات "الفوضوية" لعصره.


1. الدولة والعقل: الدولة العقلانية وسلطان العقل
من السابق لأوانه شيئا ما مناقشة مفهوم العقل عند ابن المقفع، ولذا سنتركه إلى سياق آخر من العمل الحالي. من الهام أوَّلا معرفة التمثل الذي يقيمه المؤلف حول العلاقة (عقل - دولة)، وكيف نجح في تأسيس السلطان على العقل مع شرعنة كليهما.
يتعلق الأمر في هذا المستوى بدراسة السلطان باعتباره ضَرُورَة ومنحه، بالتالي، خاصية " طبيعية ".
يجري ابن المقفع في واحد من كتبه النفيسة مُقارَنة مجازية بين ثلاثة عناصر أساسية، في نظره، لحياة المجتمع هي: الدولة، والعقل، ثم العافية، وذلك من خلال الحكاية التالية:
"اختلف ثلاثة في العقل والدولة والعافية، فقال بعضهم: العقل أفضل، وقال آخر: الدولة خير، وقال الثالث: العافية خير الأشياء كلها. وكل منهم أثنى على ما فضله وفضَّل ما انتصر له. فلما انتهى بهم الخطاب إلى غايته أتوا حكيما في عصرهم فاضلا له في الإصابة عجائب، حتى إنه يتصور في خاطره الأشياء على صور مختلفة، فسألوه أن يحكم بينهم ويبين لهم الفاضل من المفضول. فقال لهم: إني فاعل ذلك. ففكر فيما سألوه فتمثل له العقل على صورة شاب حسن اللون عليه ثياب فاخرة وزينة ظاهرة، وكأن وجهه الشمس الطالعة، ذات الأنوار الساطعة، وهو جالسٌ على قعدة مربعة. ثم تصورت له الدولة في صورة شاب طويل الجسم قوي البدن عَبْل الذراعين متين الساعدين عظيم المنكبين، لا يُحدّ مدى قدرته ولا يُوقف على غاية قوته، وفي بصره بعضُ الغشاوة، وهو قاعد على كرسي مستدير متدحرج، ثم تصورت له العافية في صورة امرئ مصبغ الثياب، طيب الريح، كثير الزينة، وهو جالس على عَجلة. فسأل الحكيم العقل وقال: ما هذا النور الذي عليك؟ قال: هو العلم والبَصَر. قال: فما هذه الزينة التي عليك؟ قال: هي الوقار والتي بها قوام العالم وتمام أمور الدنيا وهي اللذة العلمية التي عليها يجري المتعلمون. قال: فما هذا الكرسي المربع الذي أنت قاعد عليه؟ قال: هو لأني إذا حللت موضعا لم أزُل عنه إلا أن أزال. ثم سأل الدولة وقال: ما هذه القامة الطويلة والأوصال الغليظة والمادة الثابتة في الأحوال كلها؟ قال: هو عِظم قوتي، وشدة صولتي وغَلبتي، تفضل قوتي وقدرتي الكثير من الجند والعديد من الفرسان باليسير الضعيف من الأعوان. قال: فما هذه الغشاوة التي في عينيك؟ قال: لوقوعي إلى من لا يستحقني ومن يستحقني، وكوني في غير أهلي مرة وفي أهلي أخرى، فصرتُ لذلك أغشى. قال: فما بالك أمرد؟ قال: لأن ذلك أفضل حالات الإنسان. قال: فما هذه الثياب المصبغة التي أراها عليك؟ قال: هي حليتي وزينتي. قال: فما هذه العجلة التي أراك جالسا عليها؟ قال: هي سرعة إجابتي إذا حُركتُ، ولزومي موضعي إذا تُركتُ. ثم تصوّر له في خاطره كهل حسن الوجه ربع القد مُقتدر الحركات مُعتدل الأوصال، عليه ثياب بيض نِظاف، بإحدى يديه السّكَّر وفي الأخرى الصَّبر، وبين يديه دواء مركَّب، وهو جالس على سرير، له قوائم أربع، فسأله الحكيم وقال: من أنت؟ قال: أنا العدل. قال: فما بالك رَبع القامة معتدل الحركات؟ قال: كذا ينبغي أن يكون العدل واسطا بين الطرفين، قال: فما هذه الثياب البيض النظاف التي أراها عليك؟ قال: لأنه لم يَشبها دَنَسُُ ولا خِلطُُ. قال: فما هذا السّكر الذي في إحدى يديك والصَبر في الأخرى، وما الدواء المركب الموضوع بين يديك؟ قال: أما السكر، فهي الحلاوة التي يجدها من أقضى له بالحق؛ وأما الصبر، فهي المرارة التي يجدها من أقضى عليه؛ وأما الدواء المركب، فهو مركب من الأخلاط على التداوي ليكون معتدلا، وهو دليل الصلح يكون بين الخصمين. قال: فما هذا السرير الذي أراك جالسا عليه؟ قال: لا يصلح لي غيره لأنه لو نقص منه قائمة لنقص شكل المساواة ولظهر ميل السرير واعوجاجه وأنا ضدّ ذلك. قال الحكيم: فأنا أسألك أن تحكم بين هؤلاء وتقضي بينهم لأنك العدل. قال العدل للعقل: أما أنت فما معنى مخاصمتك لهذين وأنت تعلم أن الأمور كلها لها جهات، فبعض الأشياء أفضل في جهة وبعضها أفضل في جهة، وأنت أفضل في كل الجهات، وكل واحد من هذين الخصمين خُلق لأمر واحد وأنت المحيط بجميع العلوم؟ قال العقل: صدقت أيها العدل، وما أحوجني إلى هذا الموقف إلا ظلم الدولة إياي وجورها علي في باطن ادعائها الفضل لنفسها، ولا أستريح منه حتى تحكم بيننا بحكمك. قال العدل: أما إذا ادعيتم أني فاصل بينكم بحكمي فأقول: أيها العقل إنك بصر ونور، وأنت أيتها الدولة فقوة وقهر وتدبير، ولا تمام إلا باجتماعكما فاجتمعوا. قال: فاعتنقوا وصاروا هنالك شيئا واحدا، ثم التفت إلى العافية فقال: أنت زين وجمال ولذة ومتعة، فمن كنتِ معه انتفع بنفسه وطابت الحياة حسُن عيشه"[1].


أ - مناهضة الفوضوية عندَ ابن المقفع:
" وقد علِمنا علما لا يخالطه شك أن عامَة قط لم تصلُح من قبل أنفسها وأنها لم يأتهَا الصَّلاح إلا من قبل إمامها..."[2].
وإذن فالمؤلف يعتبر السلطة السياسية ضرورية للحياة داخل الجماعة ولتحقيق رخاء العامة التي يعتبرها تفتقر إلى الكفاءة والاستقرار على حال. وهو في ذلك يتعارض مع تيارات عديدة كانت تعمل داخل المجتمع:
1 - الأولُ القدريون، وكانوا يعلنون أنَّ تنصيب الإمام ليس ضروريا. ومثل هذه الأفكار كان يُنسَب لابن بكر الأعصم وهشام القوطي[3].
2 - وابن المقفع نفسُه يُشِيرُ إلى وُجُودِ فريق من الناس يقول: " الناس نظائر ولا يقوم بأمرهم إمام..."[4].
على العكس، عندما يعالج المؤلف ضرورة الحكم، فإنه يرجع إلى اللحظات المجيدة لملوك الفرس ليقابلهم بمعَاصِريه الذين أرسوا حكمهم على الدِّين. إلا أن مؤلفنا يرى أن العقل هو الذي يؤسس السلطان لا الدين:
" إنه لا جدال في أن الناس في الزمن الأول، مع معرفتهم لعلم الدين ومع ثباتهم ويقينهم، كانوا محتاجين إلى ملك صاحب راي ليقضي فيما يقع بينهم من خلالف ولا قوام للدين ما لم يبنه الرأي "[5].
أكثر من ذلك، يرى ابن المقفع أنه حيثما تغيب سلطة سياسية قوية تضمن أمن الإنسان، لا يمكن أن تكون هناك سعادة: لأن " شر البلاد بلادٌ لا خصب فيها ولا أمن "[6]. لا يتعلق الأمر هنا بأمن عسْكريّ فقط، بل يتعلق أساسا بسلطان يضمن العافية الاجتماعية. " أربعة أشياء أصفار: النهر الذي ليس فيه ماء؛ والأرض التي ليس فيها مَلك؛ والمرأة التي ليس لها بعل؛ والجاهل الذي لا يعرف الخيرَ من الشر "[7]. يرى ابن المقفع أن النظام عنصر أساسي للمجتمع، وهو في هذا يُعَارضُ العنفَ الذي صَارَ " شريعة للمحدثين ":
" فأما سنة الأولين فهي العدل، وقد درست معالم طريق العدل إلى حد أنك لو وصفت رجلا في عهدنا هذا بأنه عادل لحمله الجهل على العجب واستصعاب الأمر. وأما سنة الآخرين فهي الجور، فقد استراح الناس إلى الظلم إلى حد أنهم لا يتحولون عن سبيله الضارة إلى المنفعة التي يحصلون عليها بتفضيل العدل "[8].
إن غياب السلطان و/أو فساده هو ما يُصَعِّدُ العنفَ، ويزرعُ الفوضى داخل المجتمع:
" وإذا ضل الناس في زمن الفساد، ولم يكن يضبط الأمن، طمعوا فيما ليس لهم، وضاعت الآداب وأهملت السّنن وأغفل الرأي، واقتحم الخلق أنفسهم في مسالك لا تعرف نهايتها، وصرحت الغلبة، وحمل بعضهم على بعض برغم تفاوت المراتب والأقدار، حتى يقضى على الدنيا والدين جميعا، ويغدو الناس كالشياطين والوحوش "[9].
هذا ما يفسر لماذا استهلَّ المؤلف رسالته في الصحابة بمعالجة قضايا الجيش، ولماذا ألح على توحيد النظام القضائي... بعبارة أخرى، (هذا ما يفسر لماذا ألح) على الوسائل التي يملكها السلطان للتحكم في المجتمع. وانطلاقا من هذه النقطة بالضبط يتناول تأمل ابن المقفع مسألة أخرى، وهي الدَّوْلة والمجتمع. كيف تخلق الشرعية؟ (بالطاعة). من يخلقها؟ (المجتمع) ولصالح من؟ (النخبة).


ب - الطاعة، السّلطان والعقـل:
تتأسَّسُ شرعية الأمير، في تصوّر ابن المقفع، على الطاعة التي يجب أن توليها له العامة. بيد أنَّ الطاعة لا يمكن أن تقدَّمَ إلا لمن أسماهم بـ " الملوك العظام "[10]. لا يستحق الأمير الطاعة إلا إذا استجاب لتطلعات العامة والمهام المرتبطة بمرتبته[11].
لقد كاد هذا المشكل أن يفجر المجتمع الإسلامي، وأثار مجموع النقاش حول أصل الفِرق والمدارس الفكرية. وبالرجوع إليه، لم يجب ابن المقفع فقط عن سؤال الراهنية وإنما أرَادَ النفاذ إلى عمق سلطة الخلافة. بالإضافة إلى ذلك، كان يريد تطبيق جوابه أيضا على تحديد اختصاصات وصلاحيات مَن بيده السلطات الروحيةّ:
«فإنا قد سمعنا فريقا من الناس يقولون: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "؛ بنوا قولهم هذا بناء معوجا؛ فقالوا: " إن أمَرنا الإمام بمعصية الله فهو أهل أن يُعصى، وإن أمرَنا [غير] الإمام بطاعة الله فهو أهل أن يطاع؛ فإذا كان الإمام يُعصى في المعصية وكان غير الإمام يُطاع في الطاعة فالإمام ومَن سواه على حق الطاعة سواء "[12].
كان آخرون، بحسب ابن المقفع، يقولون أيضا: " بل نطيع الأئمة في كل أمورنا ولا نفتش عن طاعة الله ولا معصيته، ولا يكون أحدُُ منا عليهم حسيبا: هم ولاة الأمر وأهل العلم، ونحن الأتباع وعلينا الطاعة والتسليم "[13]. يشكك ابن المقفع في هذه الطاعة السلبية التي ليست " بأقل ضرارا في توهين السلطان وتهجين الطاعة " لأنها تنتهي " إلى الفظيع المتفاحش من الأمر في استحلال معصية الله جهارا صُراحا"[14].
وابن المقفع من أنصار نظرية توضح وتحدد الأحكام التي يجب طاعة الإمام على أساسها:
" فأما إثباتنا للإمام الطاعة فيما لا يُطاع فيه غيره، فإن ذلك في الرأي والتدبير والأمر الذي جعل الله أزمَّته وعراه بأيدي الأئمة، ليس لأحد فيه أمرُُ ولا طاعة، من الغزو والقفول والجمع والقسم والاستعمال والعزل والحكم بالرأي فيما لم يكن فيه أثر وإمضاء الحدود والأحكام على الكتاب والسنة ومحاربة العدو ومُخادعته والأخذ للمسلمين والإعطاء عنهم؛ وهذه الأمور كلها وأشباهها من طاعة الله - عز وجل - الواجبة، وليس لأحد من الناس فيها حق إلا الإمام؛ ومن عصى الإمَامَ فيها أو خذله فقد أوتَغَ نفسه "[15].
إلا أن الأمير يجب عليه، شأنه في هذا شأن العامة، أن يحترم اختصاصاته دون تجاوزها، وإلا فقد دعا العديد من التجاوزات من هذا الجانب وذاك إلى إراقة الدماء:
"فلما كثر الفساد وخرج الناس عن طاعة الدين والعقل والسلطان، وأصبحوا ولا زاجر لهم، بات مجدُ هذه الدولة ولا حمى له بغير إراقة الدماء "[16].
في الواقع، إذا كان المجتمع ينقسم إلى طبقات[17]، وبالخصوص إلى حاكمين ومحكومين، فذلك ليحترم كل واحد من هذين المكونين صلاحياته ووظائفه. على النحو ذاته، إذا كان ابن المقفع يقسم المجتمع إلى حاكمين ومحكومين، فلكي يشدد على ضرورة السلطان. ولكنه لا يذكر هل هذا التقسيم طبيعي أو ضروري.


2. عن ضرورة تقسيم المجتمع إلى حاكمين ومحكوميـن:

أ - عن طبيعة العامـة:
بخلاف الأمراء، فإن " الناس مجبولون على الشر والفتنة "[18]. وطبيعة العامة تجعل السلطة جزافية (aléatoire): " أشد ما يجب أن يُخشى عليـه هو ما ستصير العامة إياه". وإذن فهو حكم متشائم حول العامة[19]، ولكنه ليس نهائيا مادامت هذه العامة قابلة للتربية[20].
1 - العامَّة والانحطَاط: يبدأ الانحطاط عندما يُباحُ للرعايا أن يشغلوا أنفسهم بأشياء أخرى غير أشغالهم التقليدية وأنشطتهم المألوفة. العامة شديدة الحساسية إزاءَ المعتقدات، وهي تتبعها تقريبا دون تفكير في طبيعتها. ومن هذا الاختلاف للمعتقدات تنشأ بين الناس العداوة والكرَاهية، وهُوَ مَا يُعتَبَرُ مُناقضا لمبدإ الحيَاة دَاخل المجتمع نفسها:
"فإذا فشا الصراع تولد منه النظر في الأمور والفكر في الأصول، فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطبائع مختلفة فتختلف المذاهب ويتولد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم، وتضاغنهم، وتطاغنهم"[21].
عندما يبدأ الانحطاط، ينقسم الناسُ حول الأشياء قاطبة إلا حول كراهية ملكهم:
"وهم [الناس] في ذلك [ما سبق ذكره] مجتمعون في اختلافهم على بُغض الملوك لأن كل صنف منهم إنما يجري إلى فجيعة الملك بملكه"[22].
ويعتبر الدين الوسيلة المضمونة التي تتخذها العامَّة مطية للوُصُول إلى ذلك، لأنه يأتيها بأكبر عَدَدٍ من الأنصَار، فضلا عن أنه من الصَّعب جدا محاربته. فماذا يجري بعد ذلك؟
«ثم يتولد من عداوتهم كثرتهم فإن من شأن العامة الاجتماع على استثقال الولاة والتعاسة عليهم لأن في الرعية المحروم والمضروب والمقام عليه وفيهم من حميمه الحدود والداخل عليه بعز الملك الذل في نفسه وخاصته فكل هؤلاء يجري إلى متابعة أعداء الملك».
"يعيش القانع الراضي مستريحا مطمئنا وذو الحرص والشره يعيش ما عاش في تعب ونصب"[23].
إنَّ الحكم الذي يصدره ابن المقفع حول العامة حكمٌ قاس، ولكن يليق التقليل من حدته بالنظر إلى الوضعية الفوضوية التي كان يوجد فيها المجتمع في بداية حكم العباسيين. يلاحظ ابن المقفع أن وضع الأمير، في مثل هذه الظروف، لا يكون مريحا:
" أو [نجد أخيرا] حال رعية متَّزرة ليس من أمرها النَّصَف في نفسها، فإن أخِذَت بالشدة حميَت وإن أخِذَت باللين طَغَت[24].
إن العامة مجبولة دائما على التقلب، الأمر الذي يسقطها في أسوأ البلايا من جراء ما يصدر عنها من تصرفات مهووسة:
" تشبه معاداة الحكام فيضانا في غمرة الليل، لا يعرف المرء من أين جاء ولا كيف يحمي نفسه منه"[25]
هل يمكن تجنب هذه الوضعية؟ نعم بالتأكيد، ووسيلة ذلك هي التربية. على السلطان أن يقوم بتربية شعبه لتجنب انحلال الرعايا وضمان استقرار نظامه.


2 - عن تربية الشعب: يلاحظ ابن المقفع أنَّ:
«بالناس من الاستجراح والفساد ما قد علم أمير المؤمنين، وبهم من الحاجة إلى تقويم آدابهم وطرائقهم ما هو أشدّ من حاجتهم إلى أقواتهم التي يعيشون بها»[26].
تنشأ ضرورة تربية العامة من طبيعتها غير المستقرة ومن ميلها للفوضى واحتقار الحكام:
«اعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجساد الرعية وأنه لا سلطان للملوك على القلوب»[27].
الشعب في تصور ابن المقفع ذاتُُ ليِّنة، نوعٌ من النابض (ressort) الذي يمكن معالجته باليد في جميع الاتجاهات، ولكنه وحدَه يعرف اتجاه صحوه. في هذا المستوى، يجب على الأمير أن يتحكم في الشعب لتجنيب مُلكه الخراب.
بيد أنَّ الشعبَ هو أيضا خليط فئات من الأشخاص، وهناك فئة لن يكون لتربيتها و/أو الرفق بها أي نتيجة. في هذه الحالة يجب على الأمير ألا يتردَّد في استعمال القوة مع هذه الفئة «الأشد دناءة من الشعب».
ولكن هل يتوفر الأمير على طريق وسَط، بين اللين والقسوة، من شأنه أن يجنبه تقصير ذلك اللين وإسراف هذه القسوة؟ يجيب ابن المقفع بنعم:
«فإذا كان الملك محصنا للأسرار، متخيرا للوزراء، مهيبا في أعين الناس، بعيدا عن أن يقدَر عليه، كان خليقا ألا يُسلب صحيحَ ما أوتي من الخير»[28].
ومع ذلك، فتربية الشعب ليست مفروضة على الأمراء وحدهم، بل وكذلك على هذه النخبة التي استخلصها المجتمع، والتي يجب أن تكون مهيأة للعمل لما فيه خير للحياة الاجتماعية.


ب - عن الطبقة السياسية: النخبـة:
«وفي كل قوم خواصّ رجال عندهم على هذا معونة إذا صنعوا لذلك وتلطِّف لهم وأعينوا على رأيهم وقوّوا على معاشهم ببعض ما يفرغهم لذلك ويبطهم له»[29].
هذه النخبة هي ما يترجمه شارل بيلا بالفاعلين الخاصين (agents spéciaux). بأي وجه هم فاعلون؟ بتعبير آخر، ما هو الوضع الاعتباري الاجتماعي للنخبة؟ وما الوظيفة التي يمكن أن تؤديها؟[30]


الوضع الاعتباري للنخبـة:
يرى ابن المقفع أن الوضع الاعتباري للنخبة يتبع لطبيعة المجتمع. مادام المجتمع ينقسم إلى طبقات اجتماعية، فإن النخبة تتمتع بتفوق أخلاقي وتراتبي لا يناقش. إنها قمة المجتمع.
«اعلم أن الناس في الدين أربعة أعضاء، وقد ورد كثيرا في كتب الدين، بلا جدال أو تأويل أو خلاف أو أقاويل، أن هؤلاء يسمون الأعضاء الأربعة، ورأس هذه الأعضاء الملك. والعضو الأول هو أهل الدين. وهذا العضو أصناف، فمنه الحكام والعباد والزهاد والسدنة والمعلمون. والعضو الثاني المقاتلة، وهم قسمان: الفرسان والرجالة، وهم يتفاوتون بعد ذلك بمراتبهم وأعمالهم. والعضو الثالث الكتاب، وهم أيضا طبقات وأنواع، فمنهم كتاب الرسائل والمحاسبات والأقضية والسجلات والعقود وكتاب السير. ويدخل في طبقتهم الأطباء والشعراء والمنجمون. والعضو الرابع المهنة، وهم الرعاة والتجار وسائر أهل الحرف»[31].
ما معنى هذا التقسيم؟ إنه لا يحيل، من وجهة نظر الإسلام، على الأقل، على أي معيار ديني. أأراد ابن المقفع المقابلة بين ديانتي الأفستا والإسلام الذي يريد لنفسه أن يكون دين مساواة لا يشرعن وجود طبقات أم تراه أراد فقط أن يجيب عن انشغاله بالمحافظة على النظام الاجتماعي مُتصورا هذه الحالة التي وإن كانت قصوى، فهي تقليدية في الفكر القديم؟
في كليلة ودمنة، يحيل ابن المقفع ضمنيا على نظام اجتماعي ثلاثي يتألف من الحكام، والجيش، والفقهاء. إنها مَنابت النخبة الثلاث.
يتعلق الأمر هنا بتقسيم تقني دقيق، دليل على فعالية اجتماعية ووسيلة لاحترام النظام. وهو تقسيم لا يشرعن هيمنة طبقة على أخرى ولا يسمح بذلك إطلاقا، لأن المجتمع، في هذا الفكر، عبارة عن مجموعٍ لكل مكون من مكوناته قيمة ومكانة:
«ليس أحد يصغر أمره إلا وقد يكون بعض الغناء والمنافع عن قدره، حتى العود الملقى في الأرض ربما نفع فيأخذه الرجل فيحك له أذنه فيكون عدته عند الحاجة إليه»[32].
من أين تستمد النخبة تفوّقها؟ أمن معرفتها؟ أمن وَظيفتها السّياسية أم من دورها باعتبارها مربية للشعب؟ إن تفوق النخبة هو نتيجة تآلف ثلاث وظائف سبق ذكرها أعلاه، تعتبر أساسية للمجتمع والدَّولة.


الوظائف الاجتماعية للنخبة:
تبقى مسألة معقدة، وهي مسؤولية النخبة في استنكار تجاوزات السلطة السياسية ومعاكسة تصرفات الأمير السيئة. هنا نريد، بالأحرى، التركيز على القيمة الاجتماعية للنخبة بوصفها مجموعة من الأشخاص المتوفرين على معرفة كافية لمعرفة العامة ومشاكلها ثم لتربيتها: المنتمون إلى النخبة، بحسب ابن المقفع، «يتفقدون أمور عامة من هم بين أظهرهم، حتى لا يخفى عليهم منها مُهم، ثم يستصلحون ذلك ويعالجون ما استنكروا منه بالرأي والرفق والنصح...»[33]. كيف ستستطيع هذه النخبة أن تنجز وظائفها؟ يجب «إلغاء مركزيتها». ها هي فكرة يبدو أن باكورتها تعود إلى ابن المقفع: يرى أنه من الأساسي تقريب الشعب من التيارات والمكتسبات الثقافية لعصره:
«وأهل كل مصر وجند أو ثغر فقراءُ إلى أن يكون لهم من أهل الفقه والسنة والسير والنصيحة مؤدِّبون مقوِّمون يُذكرون ويُبصِرُونَ الخطأ ويعظون عن الجهْل ويمنعون عن البدع ويُحذرون الفتن»[34].
تستطيع النخبة أن تضمن الاستقرار للسّلطان والمجتمع لأنَّ حُضُورها يتيح[35]:
- أولا، رجوع مثيري القلاقل والشقاقات إلى النظام، عودة المحرضين على الفتنة إلى الوئام.
- في المقام الثاني، «ما يقوم أحدٌ بحركة تمسّ العامة إلا ويلاحظ حركته رجلٌ مخلصٌ أمينٌ، ما يُهَمْهِمَ أحدٌ إلا وتميل إليه أذنٌ شفوقة»[36].


II. عن طبيعة السلطـان وأشكالـه:

ما السلطة؟ سؤالٌ أبدي للإنسانية، حوله تمفصلت ولا زالت تتمفصل المجتمعات والأمم:
«ما يُستخلص من تاريخنا هو أن الحياة السياسية، تماما كتأملها في الفكر، لم تستطع إنتاج [شيء آخر] غير السلطة - ولكن ليس أي سلطة - لأن كل مجتمع يستوجب رؤية وشكلا محدَّدا من هذه السلطة»[37].
لكن إذا كانت السيطرة - نتيجة و / أو تجل للسلطة - واحدة، فإن أشكالها ومرتكزاتها الإيديولوجية تختلف من مجتمع لآخر. فقد كتب ابن المقفع لأمراء أسسوا سلطانهم على شرعية الانتماء إلى «بيت الرسول» وكانوا يعتبرون هذا السلطان بمثابة «هبة من الله». في هذه الظروف يتضمن عمق خطاب ابن المقفع كشفا عن هذا الإفراط في الشرعنة الدينية؛ بل إنه يمضي إلى حد القول بأنه ليس من الضروري البحث عن أصول السلطة السياسية في ميتافيزيقا - ولو دينية[38] - غير مؤكدة تماما. السلطة السياسية موجودة هنا، إنها واقع يومي يشكل جزءا لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية ويخضع لتجاذباتها وصراعات مُكوِّناتها. السلطة هي «العز والأمن والسرور والقدرة على طباع الأنفة والجرأة والعبث»[39].
ولكن صورة السلطان/القوة تكشف أيضا للمؤلف عن نوع من الغاب:
«وإنما شبه العلماء السلطان بالجبل الصعب المرتقى الذي فيه الثمار الطيبة والأنهار الجارية والجواهر النفيسة والأدوية النافعة، وهو مع ذلك معدن السباع والنمور والذئاب وكل ضار مخوف، فالارتقاء إليه شديد والمقام فيه أشد»[40].
لأن السّلطان موضوع صراعات دائمة بين جميع هذه الحيوانات التي تحاول الانقضاض عليه...، فإنه يصنع من الضحايا أكثر مما يصنع من المنتصرين. وإذن، فالسلطان يأخذ، في رأي مؤلفِنا الكاتبِ الأخلاقيِّ، كذلك سمات النقيصة (vice)، أو على الأقل سمات لعبٍ محفوفٍ بالمخاطر.


1. عن طبيعة السلطان: السلطان غير مستقر لأنه ثمين:
رأينا كيف يقسم المؤلف المجتمع إلى حكام ومحكومين. إلا أن هذا التقسيم، مع ذلك، ليس سوى مؤقت لأن كل فرع من فروع المجتمع يسعى إلى حيازة السلطان والتمتع بامتيازاته.


أ - تقلب السلطان:
يكمن السلطان في الحكم والسيطرة، ويمنح لمالكه وضعا اعتباريا يجعله «ساميا وعالي الرتبة» في المجتمع. غير أن بُعد السلطان بداخل الإنسان ليس عميقا. فهو ليس الدين، إذ لا ينفذ السلطان إلى داخل الشخص البشري. إن فعلية السلطة تتحدَّد في طبيعة الشخص البشري وفي تصرفاته التي يُظهرها. يشدد ابن المقفع - وهو أمرٌ جدير بالتذكير - على هذه الطبيعة المحدودة بالضرورة:
«اعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجساد الرعية وأنه لا سلطان للملوك على القلوب»[41].
أمثلة عديدة مقدَّمة على هذا النحو:
«واعلموا أنكم إن غلبتم الناس على ذات أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم»[42].
وإذن كيف نتعجَّبُ من أن تكون السلطة دائما مهدَّدة: فهي توجد وسَط صراعات بين طبقات، عائلات، جماعات، وبل حتى أشخاص. كثيرون هم الذين يتنافسون من أجل تملكها:
*) أوَّلا ممتلكوها القدماء: «لم يخرج الملكُ من قوم إلا بقيت فيهم بقيـة يتوثبون بها، ثم كان ذلك التوثب هو سبب استئصالهم وتدويخهم»[43].
*) وبالخصوص وارثها المحتمل:
«واعلموا أنَّ ابن الملك وأخاه وعمه وابن عمه كلهم يقول كدت أن أكون ملكا وبالأحرى أن أموت حتى أكون ملكا. فإذا قال ما لا يسر الملك، فإن كتمه فالداء في كل مكتوم، وإن أظهره كلم في قلب الملك كما يكون لقاحا للتباين والتعادي، وستجد القائل ذلك من المتابعين والمحتملين والمتمنين ما تمنى لنفسه ما يريده إلى ما اشتاق إليه شوقا. فإذا تمكن في صدره الأمل لم يرج النيل له إلا في اضطراب من الحبل وزعزعة تدخل على الملك وأهل المملكة. فإذا تمنى ذلك فقد جعل الفساد سلما إلى الصلاح ولم يكن الفساد سلما إلى صلاح قط، وقد رسمت لكم في ذلك مثالا لا مخرج لكم منه إلا به»[44].
يجب إذن على الملك أن يتجنب تنصيب ولي للعهد مُسَمَّى لأن ذلك يجعل الملكَ غير مستقر ويشكل خطرا على من بيده:
«فاعلم أن الملك قد فكر مليا في فساد من قد يسميه بعده. فإنه يعينه ويسميه سيجعله مناط تفكير الناس جميعا. فإذا قرب منه قليلا رجلا غيره نَفِسَ على من قرَّب. ثم ألا يقول الملك حين يرى ولي عهده "إن هذا الرجل ينتظر ويترصد موتي؟" وحينئذ يخمد ما في القلب من الود والمحبة والشفقة. وإذا كان صلاح الملك والرعية جميعا في غير هذا الرأي فالأولى أن يظل ولي العهد مستورا»[45].
*) أخيرا، هناك تنافس هذا الـ «ذكي» (ضئيل الحظ بالفوز) الذي، دون أن يحرز على شرفٍ / مقامٍ مَلكي، يسعى إلى الملك ويمكن أن يحرز عليه.
كثيرة هي الصراعات الممكنة حول الملك. والسبب في ذلك يعود إلى قيمته التي تجر عليه جميع الأطماع.


عـن قيمة السلطان:
من يعرفُ قيمة السلطان؟ الذين بأيديهم (هذا السلطان) طبعا. فوق ذلك، فالكل يعترف لهم بتفوق محقق:
«وعليك أن تعلم علم اليقين أن الملك هو النظام بين الرعية والجيش، وهو الزينة يوم الزينة، وهو المفزع والملجأ يوم الخوف من العدو»[46].
السلطان ثمين لأنه مصدر ما يحظى به الأمير من تشريفات.
ولكن هذه الصورة لا تخلو من وجه سيء، وعديدة هي المخاطر التي تحيط بمن يملك زمام الحكم. ومن ثم أهمية هذا العلم أو الأشياء التي «يجب على الملك أن يلزم بها نفسه ويحفظ ملكه ويثبت سلطانه»[47].
«المُلكُ عزيز، فمن ظفر به فليحسن حفظه وتحصينه، فإنه قد قيل: إنه في قلة بقائه بمنزلة قلة بقاء الظل عن ورق النيلوفر؛ وهو في خفة زواله، وسرعة إقباله وإدباره كالريح؛ وفي قلة ثباته كاللبيب مع اللئام؛ وفي سرعة اضمحلاله كحباب الماء من وقع المطر»[48].


2. أشكـال السلطان:
ليسَ السلطان إلا ما يفعله به الملوكُ أنفسُهم. ويتيح لابن المقفع معيارٌ أخلاقي أن يميز بين الملك الفاسد والملك الكامل، الحكم العادل والحكم الظالم. الأمير نفسه هو الذي يحدِّد قيمة مُلكه، ويلونه بمعادلته الشخصية. والتقليد المشرقي عموما، والإسلامي بالخصوص، يجهل التقسيم السقراطي للدولة إلى جمهورية، وملكية، وأرستقراطية. وبما أن التقليد الثقافي الشرقي عاش دائما تحت أنظمة مونوقراطية[49]، فإنه يجعل من الملك العنصر المركزي ومن الرعايا عنصرا محيطيا[50]. وفي الواقع، لقد أتاح عدم نقل المعرفة السياسية الإغريقية للمسلمين، في ذلك العصر، أن يتصوروا أشكال حُكمٍ خاصَّة بهم.
وابن المقفع لا يشكل استثناء: فهو يصوغ مبادئه وتصوراته خارج النموذج الإغريقي. بتعبير أدق، إنه يربط السلطان أولا بمفهوم للزمن ويميز بين الملك المشيَّد قديما والملك حديث العهد من جهة، ثم يعزل ثلاثة أصناف أخرى من السلطان، هذه المرة حسب معايير أخلاقية وعقلانية[51].


أ - تأثيـر الـزمـن على السلطان:
هناك علاقة بين الزمن والسلطان، إذ لا يكون السلطان واحدا بحسب ما إذا كان قديما أو حديثا. يُصابُ الملك ببلى الزمن، مُفضيا به هذا البلى إلى تلاشي الأجيال وتناقص الثروات. وبذلك يجب على الأمير أن يغير استراتيجيته بحسب ما إذا كان ملكه قديما أو شيِّد لتوه.
1) استراتيجية السلطان المشيَّد قديما: رأينا كيف أن الملكَ يفتقر إلى الاستقرار. فهو يثير أطماع جماعات عديدة وأشخاص عديدين. والأمير لا ينبغي أن ينسى أبدا هذه الحقيقة، ويجب عليه، بالتالي، أن يعتني بملكه يوميا وعلى الدَّوَام.
«وعلى العاقل ألا يستصغر شيئا من الخطأ في الرأي، والزلل في العلم، والإغفال في الأمور. فإنه من استصغر الصغير أوشك أن يجمع صغيرا وصغيرا، فإذا الصغير كبيرٌ. وإنما هي ثلمٌ يثلمها العجز والتضييع. ولم نر شيئا قط إلا قد أتيَ من قِبَل الصغير المتهاوَن به. قد رأينا الملكَ يؤتى من العدو المحتقَر به، ورأينا الصحة تؤتى من الداء الذي لا يُحفَل به، ورأينا الأنهار تنبثق من الجدول الذي يستخف به.
وأقل الأمور احتمالا للضياع الملك، لأنه ليس شيء يضيع، وإن كان صغيرا، إلا اتصل بآخر يكون عظيما»[52].
بالإضافة إلى ذلك، يجب على الأمير أن يتجنب هذا السّكر الذي يحدثه طولُ مُزاولة الملك. وإذن يجب عليه ألا ينسى الخصوم:
«ثم كلما ازداد [الملك] في العمر تنفسا وفي الملك سلامة، زاده في هذه الطباع (...) حتى يسلمه إلى سكر السلطان الذي هو لأشد من سكر الشراب فينسى النكبات والعثرات والغير والدوائر وفحش تسلط الأيام ولو مر عليه الدبر فيرسل يده ولسانه بالفعل والقول»[53].
إن السلطان لا يخلق حالات سُكر وحدَها، بل ويعطي أيضا مظهر نظام جيد يخفي غليانا خطيرا. وتلك حالة السلطان حديث العهد.


2) استراتيجية السلطان حديث النشأة:
يحذر ابن المقفع حديثي العهد بالملك من نفاق البعض وغباء و/أو سذاجة الوَرَثة. ففي تاريخ الأمم الأخرى أمثلة كثيرة تشير إلى أن أولياء العهد، عندما يستلمون الحكم، يعتقدون أنهم قد استلموا منتوجا كاملا، مملكة مستقرة وشعبا مُطيعا.
بيد أن الأمر يكون على خلاف ذلك مع الملك حديث العهد، إذ يُشكل دائما موضوعَ توترات وصراعات. فابن المقفع ينصح وارث السلطان بأنه إذا رأى أمورا تنفذ بغير تعليل وحاشية غارقة في الكرم، تُيسر له ممارسة عمله فليعلم أن ذلك وهما، لأن الأشياء التي لا عماد لها قابلة للهدم بسهولة[54]. وتلك فلسفة عهد أردشير بكامله.
هناك العديد من الحقائق الخفية عن السلطان حديث النشأة، بحيث لا يجب على الوارث نفسه أن يثق بخدعة مظاهر استقرار عابر، معتقدا أن القدماء لم يعملوا إلا من أجل راحته:
«ومنكم من سيرث الحكم عن الكفاة المذللين له مركبه، وسيجري على لسانه ويلقي في قلبه أن قد فُرغَ له وكفى واكتفى وفرغ للسعي في العبث والملاهي وإن من قبله من الملوك إلى التوطيد له أجروا وفي التمكين له سعوا وأن قد خُصَّ بما حُرموا وأعطِي ما مُنعوا فيكثر أن يقول مسرا ومُعلنا: خُصوا بالعمل وخصِّصت بالدعة، وقدموا قلبي إلى الغرور وخلفت في الثقة وهذا من الأبواب التي تسكن سكون الفساد وتهاج بها قربات البلاء ويغنى البصير اللطيف ما ينتهك من الأمور في ذلك. فإنا قد رأينا الملك الرشيد، السعيد، المنصور، المكفى، المظفر، الحازم في الفرصة، البصير بالعورة، اللطيف، المبسوط له في العلم والعمر يجتهد فلا يعدو صلاح ملكه إلا أن يتشبه به متشبه. ورأينا الملك القصير عمره، القريبة مدته، إذا كان سعيه بإرسال اللسان بما قال واليد بما عملت بغير تدبير يُدرَك، أفسد جميع ما قدم له من الصَّلاح ويخلف المملكة خرابا على من بعده»[55].
والأمراء الجدد مُلزمون - بنفس صفة سابقيهم - بواجبات العناية بمملكتهم من أجل البقاء في الملك أطول ما يمكن.
بمقتضى هذا العلم العام للملك، يُبيح ابن المقفع لنفسه وضعَ العائلة الحاكمة الجديدة موضعَ تسَاؤل، فيواخذ عليها كونها لم تلحق بالإمبراطورية تغييرات كثيرة، مُظهرا بذلك الأخطاءَ التي يجب أن يتحاشاها كل مُلك حديث النشأة:
«ثم كانت هذه الدولة، فلم يُتعلق من دونكم من الوزراء والعمال إلا بالأقرب فالأقرب ممن دَنا منهم أو وَجَدوه بسبيل شيء من الأمر؛ فوقع رجال مواقع شائنة لجميع أهل العراق حيثما وقعوا من صحابة خليفة أو ولاية عمل أو موضع أمانة أو مـوطن جهاد؛ وكان من رأي أهل الفضل أن يقصدوا حيث يُلتمسون، فأبطأ ذلك بهم أن يعرفوا ويُنتَفع بهم»[56].
وعندما لا تحتَرَمُ مثل هذه القواعد في مملكة ما، فإن المرء يجد نفسه أمام سُلطان قابل للإدانة أخلاقيا، وهو ما لم يتردد ابن المقفع في القيام به عندما أدان الحكومات المعاصرة له، بطريقة حازمة وموجزة في آن واحد.


ب - أصنـاف السّلطـان:
يُصنف ابن المقفع السلطان حسب معيارين: خلقي وعقلاني. غير أنّ الفصل بين الإثنين مجرد مؤقت، ذلك أن الملك المدان أخلاقيا لا يمكن أن يدوم طويلا.
*) المعيار الأخلاقي: يرمي إلى اتهام السلطان بـ «الهوى»، أو الرغبة الشخصية. وهذا النوع من الملك مُدَانٌ لأنه لا يعتبر إطلاقا مصالح الشعب ولا مستقبله.
وعلى العكس، فالسلطان الذي يرتكز على الدين والمعزَّز بالحزم سُلطانٌ يحظى بالتقدير.
*) المعيار العقلاني: ويمتحن الملك بمقياس المنفعة والضرورة. هكذا، فسلطان الهوى يبدو - استنادا إلى هذا المعيار - عابرا وآيلا بسُهُولةٍ إلى الخراب، بينما الملكان الآخران يُعتَبران قابلين للبقاء، سليمين ومُرْضِيين للعَامَّـة.
انطلاقا من هذين المعيارين، يميز ابن المقفع، إذن، بين ثلاثة أنواع من السلطان: «مُلك دين، ومُلك حزم، ومُلك هوى»[57].


أصناف السلطان الدائمـة:
*) مُلك ُالدين: عندما يُدخل المؤلف الدين، فإنه لا يقصد به الإسلام وحده. فهو يرى أن للدين معنى واسعا جدا يتجاوز العقيدة باعتبارها إيمانا إلى إدراكها باعتبارها مجموعة من الممارسات، والعادات، والمرامي وتصرفات مجتمع ما. والملك المرتكز على الدين هو السلطانُ الذي يحترم مصالح العامة. يوضح ابن المقفع رأيه على النحو التالي:
«فأما ملك الدين، فإنه إذا أقام للرعية دينهم، وكان دينهم هو الذي يعطيهم الذي لهم ويُلحق بهم الذي عليهم، أرضاهم ذلك وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم»[58].
وهذا الملك هو الأفضل لأنه يضمن النظام وإجماع المجتمع.
*) مُلكُ الحزم: هو نوعُ السلطان القوي الذي يقدم نفسه، في ظروف محدَّدة، باعتباره البديل الوحيد لتقويم أوضاع المملكة. إنه يذكر بالديكتاتورية القديمة. من الصعب إصدار حُكمٍ بصدده لأنه، من جهة، يلجأ إلى العنف وبالتالي يُوَلد الاستنكار والنقد، ومن جهة أخرى، يفرض نفسَه باعتباره ضروريا لإتباب النظام: «وأما مُلك الحزم فإنه يقوم به الأمر ولا يسلم من الطعن والتشخط[59]. ولن يضر طعن الضعيف مع حزم القوي»[60].
سُلطانان في النهاية يوافقان مصالح العامة؛ أحدهما يضمن الإجماع دون أن يريق الدماء أو يستخدم العنف إلا في حالات نادرة جدا، والآخر يضمن النظام ولكنه لا يبدي إلا قليلا من الحساسية تجاه الرأي العام.
وكلاهما يعتبره ابن المقفع إيجابيا مادام الأول يستجيب لمثاله الذي يهيمن عليه البحث عن الانسجام الاجتماعي وعن الإجماع. أما الثاني، فلا يقل تطابقا مع ضرورات عصره، وهو عصر مضطربٌ يطالب بسلطان قوي وفعال. ولكن السلطانين معا يتعارضان مع ملك الهوى.


سلطـان الهوى: شر غير نافـع
تنطلق إدانة سلطان الهوى من تحليل الإفراطات والتجاوزات التي تترتب عن ممارسته، وهو ما يلخصه ابن المقفع على النحو التالي: «وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار دهر»[61]. إنَّ هذا النوع من الملك هُوَ ما يُدينه المؤلف في سائر كتاباته تقريبا. أولا، لأنه يزرع العطالة بين العامة كما بين حاشية الأمير:
«واعلموا أن الملك ورعيته جميعا لحق عليهم ألا يكون الفراغ عندهم موضع فإن التضييع في فراغ الملك، وفساد المملكة في فساد الرعية»[62].
ثانيا، لأن الأمر يتعلق بنوع من الملك المثير للاستهزاء، يهلك نفسَه ويهلك العامة معه، وقد رأينا، في مؤلَّف آخر، أن الكاتب يشجب هذا النوع من «الزمن»:
«وشر الزمان ما اجتمع فيه فساد الوالي والرعية... فقولي في هذا الزمان إنه إلا يكن خير الأزمان، فليس على واليكم ذنب، وإلا يكن شرَّ الأزمان، فليس لكم أحمد»[63].
في مكان آخر، يسخط ابن المقفع على هذا الملك الذي يهمل المصلحة العامة، ويهيئ الشروط للقتل، والسرقة، وتضعضع الإيمان، والسفالة وعدم التديّن[64].



هوامـش

[1] كرد علي، رسائل البلغاء، القاهرة، 1937، صص. 169-171.
[2] الرسالة § 57.
[3] الدغيرين، في أصول الخلافـة، الرباط، 1987، ص. 27 وما يليها.
[4] رسالـة الصحابة، م. س.، ص. 13.
[5] كتاب تنسر (أقدم نص عن النظم الفارسية قبل الإسلام)، نقله إلى العربية: يحيى الخشاب، القاهرة، مطبعة مصر، (د.ت.)، ص. 32.(للإشارة، فإن حميد الدليمي اعتمد على الترجمة الفرنسية لهذا الكتاب، من إنجاز دارماستيتر:
- Darmasteter, Lettre de Tansar au roi de Tabaristan, J.A., 1894.
وسنحيل عليها كلما تعذر علينا أن نجد في الترجمة العربية (للرسالة ذاتها) مقابل ما يورده حميد الدليمي من النص المفرنس. [م].
[6] كليلة ودمنـة (ط. مكتبة لبنان)، م. س.، ص. 271.
[7] كليلة ودمنة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 202.
[8] كتاب تنسر...، م. س.، ص. 30-31.
[9] نفسـه، ص 35.
[10] كتاب تنسر...، م. س.، ص. 27 وما يليها.
[11] نفسـه، الصفحات ذاتها.
[12] الرسالـة، § 13.
[13] الرسالـة، § 14.
[14] نفسه، الفقـرة ذاتها.
[15] نفسـه، § 17.
[16] كتاب تنسر...، م. س.، ص. 36.
[17] نفسه، ص. 32-33. وأصل هذا التقسيم الأفيستا، راجع: المسعودي، كتاب التنبيـه، لندن، 1893.
[18] الرسالة § 55.
[19] عهد أردشير لابن المقفع، قدم له ونشره د. حميد الدليمي، تحت عنوان: «عهد أردشير. رسالة في العلوم السياسية عند الفرس»، ضمن مجلة أبحاث في العلوم الاجتماعية، العدد 24-24، السنة الخامسة، ربيع 1990، صص. 67-85.
[20] نفسـه.
[21] نفسـه.
[22] نفسـه.
[23] وحده هذا المقطع، من النسخ العربية الثلاث التي اعتمدناها، هو الذي يشترك مع الترجمة الفرنسية التي تتعداه بحيث يشكل نصها:
«La manie qu’ont les gens de se transporter sans cesse d’une situation à une autre, d’abondonner les conditions stables où ils se sont accoutumés à gagner leur subsistance, le désir de la classe inférieure d’aquérir les gains de ceux de la classe supérieure, tout cela est nuisible pour les gouvernants, tout cela est favorable à la déstabilisation d’une société, source de pourissement pour la bonne éducation, occasion pour le médecin d’abbattre l’homme généreux. L’imitation des uns par les autres s’en mêle, jusqu’à ce que l’on arrive à un danger grave», Le pouvoir et les intellectules ou les aventures de Kalila..., op. cit., p. 262.
ويخص رونيه خوام هذا المقطع بإحالة يذكر فيها أن الأمر يتعلق فيه بنثر أبيات شعرية لابن المناذر ضد غياث بن حرملة الهنائي. (م).
[24] الرسالـة، § 7.
[25] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 245.
[26] الرسالـة، § 55.
[27] عهد أردشيـر، م. س.، ص. 75-76.
[28] كليلـة ودمنـة، (ط. مكتبة لبنان)، م. س.، ص. 211-212. (في الترجمة الفرنسية نقرأ:
Le gouvernement obtient la victoire par la fermeté. Il acquiert la fermeté en prenant las avis de tous ses conseillers. Il adopte la solution nécessaire aux problèmes en gardant les secrets de ses consultations», Le pouvoir et les intellectuels..., op. cit., p. 230.
[29] الرسالـة، § 56.
[30] نفسه، الفقرة ذاتها.
[31] كتاب تنسر...، م. س.، ص. 32-33.
[32] نفســه، ص. 72، ويجب مقارنته بالـ Pancatantra.
[33] الرسالـة، § 55.
[34] نفسـه، § 55.
[35] نفسـه، §. 56.
[36] كتاب تنسر (الترجمة الفرنسية)، م. س.
[37] Mairet, G., Les Doctrines du pouvoir. La formaton de la pensée politique, Paris, Idées / Gallimard, 1978, p. 14.
[38] كتاب تنسـر (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 517.
[39] عهد أردشيـر، م. س.
[40] كليلة ودمنـة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 71.
[41] عهد أردشيـر، م. س.
[42] نفسـه.
[43] الرسالـة، § 43.
[44] عهد أردشيـر، م. س.
[45] كتاب تنسر...، م. س.، ص. 51.
[46] نفسـه، ص. 42.
[47] كليلة ودمنة (الطبعة الفرنسية)، م. س.، ص. 235.
في كليلة ودمنة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العملية)، م. س.، نقرأ في الصفحة 282 ما يلي: «فينبغي للملوك أن لا يصطفوا أحدا إلا بعد الخبرة بطرائقه والمعرفة بشكره. فإن من أقدم على المشهور بالاستقامة والعفة واسترسل إليه من غير اختبار ولا تجربة كان مخاطرا في ذلك مشرفا منه على هلاك وفساد (...) ولا ينبغي أن يختص بذلك قريبا لقرابته ولا أحدا من خاصتهم لشرفه إذا كان غير محتمل للصنيعة فإنه إنما شرف بتشريفهم إياه».
[48] نفســه، ص. 238.
[49] بالنسبة للنظام الإسلامي، راجع:
- Tyan, E., «La Monocratie», R.S.J.B., t. XX, 1968, p. 55-56.
[50] حول المجتمعات المؤسسة على هذا التصور، راجع:
- Hocart, M. A., Rois et courtisans, Paris, Seuil, 1978, 379 p.
[51] rationalité: صفة ما هو عقلي. (م).
[52] ابن المقفع، الأدب الصغير، م. س.، ص. 141-142.
[53] عهد أردشيـر، م. س.
[54] نفسـه، يقارن مع ماكيافيل، الأميـر (باللغة الفرنسية)، الفصل السادس.
[55] عهد أردشيـر، م. س.
[56] الرسالـة، § 22.
[57] الأدب الكبير، م. س.، ص. 24.
[58] نفسـه، الصفحة ذاتها، (يقارن بالفقرة الواردة في المجموعة الكاملة لمؤلفات عبد الله بن المقفع، م. س.، ص. 111، حيث ورد: «فأما ملك الدين فإنه إذا أقيم لأهله دينهم، وكان دينهم هو الذي يعطيهم ما لهم، ويلحق بهم الذي عليهم، أرضاهم ذلك، ونزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم»[م]).
[59] التشخط: الغضب.
[60] الأدب الكبير، م. س.، ص. 24.
[61] نفسـه، ص. 24، واليتيمة الأولى، م. س.، ص. 160.
[62] عهد أردشيـر، م. س.
[63] اليتيمة الثانيـة، م. س.
[64] كتاب تنسر (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 548


* عن موقع محمد اسليم



55.jpg

 
الدولة، الأخلاق والسياسة
حميد. ج. الدليمي


القسم الأول: نظرية السلطان.

الفصل الثاني:
مَأسَسَة المجتمَع أوْ تأسِيسُ الملكية



ليست الدولة، في تصور ابن المقفع، مفهوما مجردا فقط، إذ لا يدرسها باعتبارها قوة فكرية، بل باعتبارها أيضا - وأساسا - فاعلا ملموسا في حياة الناس، بنية فعلية للمجتمع، ومن ثمة ينطوي تأمله على جانبين اثنين:
1) الدولة باعتبارها قوة وتسلطا هي بنية للهيمنة. يتعلق الأمر بالدولة التي تقدمها اليتيمة الأولى كفكرة استعارية.
2) الدولة الملموسة، وهي بنية دينامية بداخلها تنسَج علاقات سلطَة. إنها تهتم بتدبير الأشياء العامة وإدارتها. يتعلق الأمر بالدولة المعروضة في رسالة الصحابة وفي كتاب تنسر.
تشكل الدولة، كما توضحها رسالة الصحابة، إن صحَّ القول، البنية التحتية للدولة التي تصفها يتيمة السلطان.
يستهل ابن المقفع فكره بعرض تصميم / برنامج للسياسة العمومية[1] يحدِّد فيه المهام ذات الصبغة الأولوية التي تنتظرها الرعية من الحكومة.
تصف رسالة الصحابة حالة الجيش، وبيت المال، وإدارة الشرطة، والأحكام القضائية. قبل الثورة، كان المسلمون يعيشون في ظل بنية دولاتية زائفة، أي في ظل نوع من الدولة الارتجالية المرتكزة على هيمنة دينية أو سياسية لا على تصور ميثولوجي ديني كما لازال البعض يرى[2].
يستند عمل ابن المقفع إلى قوة، لكنها مُعَقلَنة لأن القوة تشط، والعقل يلجم هذا الشطط، يروضه ويوجهه في الاتجاه الصحيح.
أي تعريف للدولة يمكن أن يستخلَص من ذلك؟
الدولة هي مجموع المؤسسات التي تجسد السلطان والمجتمع، وظيفتها ضمانُ التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي حتَّى يتمكن كل امرئ من الانشغال بالمهام الخاصة به، شرطٌُ لازمٌ لضمان تفوق الملِك. والدولة لا تختلط بالسلطان ولا بمن بيده المُلك / الملِك، كما لا تشتغل باعتبارها مؤسسة شخصية institu personae. إنها مؤسسة يتجاوز دوامها من هي بيده.
كيف ندرج هذه الرؤية لابن المقفع في الواقع التاريخي لذلك العصر؟
في الواقع، يعتبر عمل ابن المقفع تجريدا للدولة والسلطان المعاصرَين له من طابعهما الروحي.
1) تجريد الدولة من الطابع الروحي: يتمثل في توضيح مفهوم الدولة الذي استعمله ابن المقفع من قبل. يقول: إن الدولة قوة، ولكن كيف هي قوة؟ لأنها سيِّدَة السِّلم والحياة الجماعية. الناسُ عاجزون عن العثور بمفردهم على سبيل الرخاء، ولهذا السبب يصير وجود الدولة أمرا أساسيا. هنا فكرة يمكن أن تقرب ابن المقفع من الفكر المعاصر عندما يرسم الخطوط الكبرى لتَمَثل «دولة محضِّرَة»[3]. بيد أن طرحَه لا يهدف أساسا إلى جعل المسلمين يكتشفون الطبيعة الحقيقية للدولة؛ فهي مفهوم غريب عنهم ومقترن بأنظمة دُوَل أهل الشرك وحدَها.
2) بهذا التصور الذي يميل إلى الموضوعية السياسية، ينزع المؤلف الصبغة الروحية كذلك، وأساسا، عن أنظمة «الخلفاء» الذين كانوا، بموجب نوع من التلقائية الدينية البدئية، يطنبون في امتداح غموض هيمنتهم ويبقون الوضع على ما هو عليه من الخلل في تدبير الشيء العمومي.
مأسسة المجتمع هي جعل العدالة تسوده، وهو ما كان ضروريا بعد الثورَة. وإلا، فأي شيء يمكن أن يميز العباسيين عن الأمويين؟ وإجراء المأسسة مُفَصَّلٌ على نحو جيد في رسالة الصحابة، وكتاب تنسر وبعض الشذرات من كليلة ودمنة.
ولكن يكفي تصفح رسالة في الصحابة لأخذ فكرة عن النظرية المكتملة حولَ الدولة التي يجب أن يتطور المجتمع نحوها. إذ تعالج الرسالة مشاكل الجيش، ومصالح الاستخبارات، وهي مؤسسة مستعارة من الساسانيين وربما من الصينيين أيضا، ثم مشاكل الوظيفة العمومية، واللامركزية، والضرائب، الخ.
يرى ابن المقفع أن البنية الموجودة لا تكفي للحفاظ على الدولة. كذلك يجب أن تأخذ هذه الدولة شكلا «إيديولوجيا»، لأنه بالانطلاق من مبدأ أن الحكم وإن كان يطال الأجساد فالأبدان تفلت منه، ألا يجب تقوية السلطة على الأبدان بإيديولوجية تُجذر الدولة في «العقول» وتضمن بذلك استقرارا دائما. وإذن يجب على الدولة أن تراقب «المعتقدات» الكامنة التي تروج في المجتمع. كما يعود إليها أيضا أن ترسي ما يمكن أن نسميه بإيديولوجيا تتيح لها بلوغ درجة عالية من الاستدخال[4] في العامة. بتعبير آخر، لا يجب على الدولة أن تظل في مستوى سطحي من العلاقات الاجتماعية والبيفردية (inter-individuelles)، بل عليها أن تتجاوز ذلك إلى النفاذ إلى عمق كل فرد.
بماذا يختلف هذا التصور عن نظيره حول الدولة العصرية؟ مهما بدت هذه المقارنة عشوائية وخجولة، فإنها لا تخلو من وَجَاهَة. في الواقع، يعتبر ابن المقفع واحدا من هذه الوجوه التي لم يستكشفها العِلمُ السياسيّ بعد. فمفهوم الدولة الذي استخلصه لم يكتب له حظ البقاء. نعم، لقد أخذَه لاحقو ابن المقفع، لكن بمعنى العائلة الحاكمة، منضمين في ذلك إلى كتابات ابن خلدون. فمثلا، يعرِّف اللغوي أبو هلال العسكري الدَّولة بأن:
«الفرق بين المُلك والدولة أن المُلك يفيد اتساع المقدور... وقوة اليد في القهر للجمهور الأعظم.. والدولة انتقال حال سارة من قوم إلى قوم. والدولة ما يُنال من المال بالدولة فيتداوله القوم بينهم هذا مرة وهذا مرة»[5].
إن ابتكارَ الشأن السياسي من قبل ابن المقفع ليس من باب الصدفة، إذ تُرافقه فكرة تخليق الدولة. أيتعلق الأمر هنا بخاصية للفكر السياسي أم بالاقتران التقليدي بين الأخلاق والسياسة في التقليد المشرقي؟
إن ظروف تحرير أعمال ابن المقفع نفسها تجعل من الصعب إجراء كل تقدير حول الإسهام الحقيقي لكل ما تحمله من جدَّةٍ حول السياسة والأخلاق والمجتمع. ومع ذلك، يمكن التأكيد بأن فكره يشكل النموذَجَ الأصيل للفكر القابل للنفاذ والشفاف لتبادل التأثيرات بين التيارات التي سبقته وتلك التي أعقبته.


I. الدولة الوظيفية: الدفاع والتدبيـر:
للدولة وظيفتان أساسيتان تنحدران من طبيعتها نفسها:
- أولا لأن الدولة قوة، يجب عليها أن تدافع عن نفسها وعن رعاياها.
- ثمَّ لأن الدولة هي الوسيلة التي تتوصل بها العامَّة إلى رخائها، فإنه يجب عليها أن تتوفر على بنية لتدبير الشأن العمومي وتوزيع الثروة الاجتماعية بكيفية تجنب إفقار الرعايا[6]. وبذلك يسجل ابن المقفع أن «المهامَّ»[7] و«الميادين التي يجب أن يتدخل فيها الحكم عديدة»[8]. هذه «النزعة التدخلية» ليست شيئا آخر غير لازم التطور الاجتماعي والانتقال من الفوضى إلى الاستقرار المؤسسي للحضارات المتمدنة[9].


1. دولة: نظـامان (قوتان):
لقد غيَّرت الثورة العبَّاسية العلاقات داخل المجتمع الإسلامي: كانت «الإمبراطورية العربية» ترتكزُ بعمق على علاقات العصبية أو التضامنات العشائرية والعرقية. والعباسيون هم أوَّلا الفاتحون الجدد للسلطة، ارتبطوا بقوميات أخرى وتلقوا الدعم منها، ومن ثم ضرورة أن يتجنبوا تأسيس حكمهم على البنيات القديمة التي تمَّ تصورها وتشييدها منذ زمن الأمويين، بالخصوص في الدفاع والتدبير باعتبارهما مجالين حساسين.
والحالة هذه، يؤكد ابن المقفع أنَّ تفوق الدولة ينحدر من قوة رعاياها، من جهة، ومن قوة جيشها من جهة ثانية. وعليه يجب تقوية هذا الجيش والتصرف على نحو يتيح معرفة و- يتيح احتمالا - فحصَ «رغبات» العامَّـة ومَطالبهـا.
أ - عن المجـال الإقليمي أو الترابي (l’ordre spatial)
لا يمكننا إلا أن نندهش من كون ابن المقفع يستهل رسالته بإثارة مشاكل الجيش. بيد أن أهمية هذه النقطة مفهومة؛ فمن منظوره:
1) ترتكز نظرية الدولة على إدراكٍ لها باعتبارها قوة: كذلك الجيوش وإن كانت قليلة العدد تشكل قوة الدولة[10]؛
2) بالجيش نفذ العباسيون الثورة التي قادتهم إلى الحكم.
3) كان العصر عصرَ توازن اجتماعي مهزوز جدا، بفعل احتدام الصراعات الإقليمية[11]، بحيث لم يكن في استطاعة جيش قبيلي - على نحو ما كان عليه الأمر في عهد الأمويين - سوى أن يذكي الصراعات بدل أن يـهدئها.
حقا، إن الإمبراطورية الإسلامية إمبراطورية عسكرية بالأساس، ولكن مستوى تنظيمها العسكري لم يبلغ نظيره لدى الساسانيين، وقوة هذا الجيش تتأتى تقريبا وإطلاقا من التجارب الحربية للرحل العرب، من شجاعتهم، ومن إيمانهم بالعقيدة التي كانوا يدافعون عنها. ومنذ عهد الأمويين، خضع الجيش لتأثيرات عرقية كبرى. فقد كان مرتبطا بأهل الشام المتربعين على الحكم. أما العباسيين، فقد ارتبطوا بالمعارضين الخرسانيين، وبذلك وجدت المصلحة «الوطنية» ووظيفة الدفاع نفسيهما تحت تهديد تلك الصراعات. وإذا كان ابن المقفع يطالب بمأسسة الجيش وتحسين شروط حياته، فذلك من أجل إيقاف تلك الصراعات بشكل نهائـي.
مأسسة الجيـش:
تستجيب مأسسة الجيش لضرورات التوازن الاجتماعي، لكنها تستجيب أيضا لأسباب تاريخية. فقد كان الجيش القديم يرتكز على واجب كل مسلم في الدفاع عن دينه وأرضه. كما كانت تعبئة الجيوش تتم بشكل ظرفي. ومنذ اللحظة التي بدأ فيها التفكير بلغة الدولة، اتضح أن هذا التنظيم كان مُتجاوزا. فلضمان استقرار الدولة وقوتها، كان يجب عليها أن تنظم الانتقال ليس من الجيش القبيلي إلى الجيش الوطني فحسب، بل وكذلك من الجيش الثوري إلى جيش الدولة.
وإذن، يجب أن يتحقق إصلاح الجيش، حسب ابن المقفع، بتوضيح وظيفته ووضعه الاعتباري. ولأجل ذلك، يجب وضع «قانون» تنظيمي[12] يحرره رئيس الدولة ويوزع على قواد الجيش. يصوغ ابن المقفع، على النحو التالي، ما يجب أن يتضمنه هذا القانون:
«فلو أن أمير المؤمنين كتب أمانا معروفا بليغا وجيزا محيطا بكل شيء يجب أن يعملوا فيه أو يكفوا عنه، بالغا في الحجة قاصرا عن الغلو، يحفظه رؤساؤهم حتى يقودوا به دهماءهم ويتعهد به منهم مَن دونهم من عرض الناس، لكان ذلك، إن شاء الله رأيهم صلاحا وعلى من سواهم حجة وعند الله عذرا»[13].
أيتعلق الأمر بنوع من التعليم العقائدي[14]؟بالتأكيد لا، ونتيجة هذا التنظيم هو تجنب تأليه الأمير، وذلك بإيكال الجيش إلى الدولة لا إلى شخص بعينه. ويعزز ابن المقفع هذه المأسسة باقتراح ضرورة توحيد الجيش إيديولوجيا والتحكم في نفسية الجماعة التي تتألف منه:
«من يحارب خصما برجال لا يعرف ما إذا كانوا يتفقون معه في الفكر، في الكلام والأعمال، إنما يُشبِه امرئ ركب سبعا ليخيف الآخرين به، فإذا به يصير هو نفسه أشد خوفا»[15].
تقتضي مأسسة الجيش أن يُعتَبَر فئة اجتماعية مستقلة، وبالتالي يجب تحسين شروط حياتها.


تحسين شـروط عيش الجيش:
لأن الجيش هو قوة الدولة، يجب أن تكون أخلاقه وتربيته وظروف عيشه في مستوى مهامه. واضحُُ أنَّ المؤلف يرى في فساد الجيش فساد الدولة بكاملها. لمثل هذه الأسباب، يوصي الأمير بـ «تعهد أدبهم في تعلم الكتاب والتفقه في السنة والأمانة والعصمة والمباينة لأهل الهوى، وأن يظهر فيهم من القصد والتواضع واجتناب رأي المترفين وشكلهم»[16].
تعتبر الصعوبات المادية للجيوش أهم من سائر الصعوبات، ومن ثم اقتراح ابن المقفع تحديد راتب دوري ومنتظم، لوضع حد لكل فراغ وصبر وكل شكوى أو انتقاد. فوق ذلك، يلاحِظ المؤلف عجز الجنود عن مسايرة التضخم وغلاء المعيشة، فيقترح الحلول التالية:
1) الزيادة العامة في أجور الجيش لمواجهة عدم استقرار أسعار السوق؛
2) إنشاء مخازن خاصة - تعاونيات للشراء - لتموين الجيوش بأثمنة معتدلة؛
3) صرف الراتب على شكل أقساط، قسم منها عينا وقسم آخر نقدا، لكي لا يتحمل الجنود تقلـب أسعار السوق وتقلب الأثمنة، وأيضا لتجنب التباطؤات الإدارية للخازن.
وإذن فالنموذج الذي يقترحه ابن المقفع نموذج متقدم جدا. وانشغاله بتقوية الدولة وتقوية جيشها انشغالٌ واضحُُ، وقد فرض على المؤلف تصور مؤسَّسة أخرى للدفاع، هي مصالح الاستخبارات.


ب - الكفاح ضد الأمراض «الطفيلية» للدولة: مصالح الاستخبارات:
تعتبر الفوضى العـدو الداخلي لكل دولة، ولذا يجب تبيين أسبابها وتوقع عواقبها. ذلك أن أسوأ الأوضاع هي دولة يجهل فيها الأمير وضعية شعبه والتيارات التي تعمل في المجتمع. منطلقا من ملاحظة أنَّ السلطة السياسية لا تمارَسُ إلا على الجسد، يقترح ابن المقفع إنشاء مصلحة للاستخبارات ضمن منظور سدّ هذا القصور للسلطة السياسية.
لكن أي ثورة عرفتها هذه المؤسَّسة في التاريخ؟ وأي وظيفة ينيطها بها ابن المقفع؟


... في أصول مصالح الاستخبارات:
تشكل كتابات فقهاء القانون الصينيين النصوصَ الأولى التي نتوفر عليها في هذا الموضوع. يبدو أن مؤسسة مثل مصالح الاستخبارات كانت تلائم الإيديولوجيات التي تميل إلى تقوية الدولة والإيديولوجيات المنشغلة بإتباب النظام. فقد كتَبَ هان في تسو Han Fei Tseu في القرن الرابع قبل الميلاد:
«يتصرف الملك الجدير بهذا الاسم على نحو يجعل الأمبراطورية بكاملها تحت أنظاره وأسماعه»[17].
يذكر لنا ابن المقفع أن الشاهنشاه أنشأ هيئة من الجواسيس (وأما كتابتك أن الملك «قد نصب على أهل المملكة الجواسيس والمنهين، وأن الناس منهم في رعب وحيرة»[18])، وأنَّ ذلك أثار الذعر والحيرة بين الشعب بكامله. وهو ما يراه المؤلف ليس على صواب، لأن تلك الهيئة لم تكن تنتمي إلى جهاز القمع وكان مفروضٌ فيها أن توجَد تحت مسؤولية الأمير مُباشَرة.


وظيفة مصالح الاستخبارات:
يرى رجل الأخلاق - ابن المقفع - أن «جهل الملك وغفلته عن أحوال الناس باب من أبواب الفساد، ويجب أن يتنبه الملك فلا يستمع لمن لا يعتمد عليه ولا يوثق به، وعليه ألا يعمل عملي وألا يسير سيري ولا يفكر فيه ولا يقول: إني أقتدي بأردشير»[19]. لا ينصحُ ابن المقفع بالتقليد الأعمى للنموذج الساساني معتبرا أنَّ كل مجتمع يجب أن يطابقه جهاز مناسب. وفي الحالة الإسلامية، ألا يقتصر ابن المقفع على الجيش؟
«ومن جماع الأمر وقوامه - بإذن الله - أن لا يخفى على أمير المؤمنين شيء من أخبارهم وحالاتهم وباطِنِ أمرهم بخراسان والعسكَر والأطراف»[20].
يمكن لإنشاء مصلحة للاستخبارات أن يولِّدَ العنف عندما تفسد عناصر هذه المؤسَّسة. وابن المقفع لا يجهل هذه الحقيقة، فيثيرها طالبا من الأمير أن يحسِن اختيار الأشخاص الذين سيشغلون هذه الهيئة:
«ولا يجوز أن يفسح للأشرار المجال عن طريق التجسس ليرفعوا الأخبار للملك. ولو سار الملوك على هذا النهج، والعياذ بالله، لما أمنت الرعية ولا استراحت، ولما استطاع الملوك أن يتمتعوا ويثقوا بطاعة الناس وخدمتهم؛ وحين يصل أمر الملك إلى هذا الحد يحدث الانقلاب سريعا ويشهر الملك بفتور الرأي والعجز»[21].
ونظرا للحساسيات التي سيواجهها هذا الجهاز، فإنه يجب اتخاذ مجموعة من الاحتياطات لدى إنشائه، وإلا فـ «إن ترك ذلك وأشباهه أحزم بتاركه من الاستعانة فيه بغير الثقة، فتصير مغبته للجهالة والكذب»[22].
لماذا يباشر ابن المقفع النقاش حول هذه المسألة؟ هل هي من الأهمية بحيث تشكل جهازا هاما للدولة؟
يلاحظ ابن المقفع، في جميع الأحوال، أنَّ الملوك الذين دام ملكهم طويلا وكان الأكثر استقرارا هم الملوك الذين مضوا من قبل، «وكان الملك منهم يتعهد الجملة بالتفسير والجماعات بالتفضيل والفراغ بالاشكال (...) وقد كان من أولئك الملوك من من صحة ملكه أحب إليه من صحة جسده»[23].


2. الدولة: تدبيـر الفضاء والأشياء:
أي علاقات يمكن أن توجد بين الدولة والفضاء؟ أي علاقات يمكن أن توجد بين الدولة والشيء العمومي؟
معروفٌ أن غياب الدولة قوَّى الخلل في الأموال والفوضى في الإدارة. وقد طالب ابن المقفع بلامركزية متقدمة جدا تشمل الموارد الجبائية لكل منطقة من أجل ضمان عائدات دائمة للخزينة وتوزيع أموال المجتمع توزيعا عادلا.


أ - الدولة، المجال الترابي والسكان:
تعتبر «اللامركزية» في منظور ابن المقفع تقنية للتخفيف من حدَّة الاضطرابات التي تواصلت بعد الثورة. يجب تنظيم الامبراطورية بطريقة تتيح التحكم في الفضاء والسكان غير المستقرين.
الدولـة والمجـال الترابي:
يعتبر تحكم الدولة في المكان عامل نظام وطمأنينة، بل وأحيانا وسيلة للقضاء على التجمعات الجديدة. يعود ابن المقفع إلى التاريخ، فيظهر كيف قسَّم الإسكندر إيران بين أمرائه الذين أعطاهم اسم «ملوك الطوائف»[24]. وبذلك ساهم توزيع الفضاء الملكي إلى حكومات لا مركزية في ضمان أمن الأمير والذين جاؤوا من بعده.
يرى ابن المقفع أن من شأن استراتيجية اللامركزية أن تشكل ضمانة لاستقرار الدولة، بتقديمها للأمير دعمَ سكان الأمصار. بذلك، يرمي ابن المقفع، في مرحلة ما بعد الثورة، إلى استمالة أهل الشام لكي ينسوا تعسف العباسيين عبر المشاركة في وحدة «وطنية». ومنذ اللحظة التي ستجتمع فيها هذه الشروط، سيمكن الحديث عن دولة بالمعنى المؤسساتي، ربما ستكون على النقيض من العلاقات القبلية المهيمنة.


الدولة والسكـان:
يدور الوجه الآخر للامركزية حولَ الإنصاف الإداري والاجتماعي لسكان الأمصار الأكثر بُعدا عن المركز. في هذا الصدد، يذكر ابن المقفع مثال العراق الذي عانى سكانه طويلا لأن منطقتهم كانت في الماضي خاضعة لشرِّ الولاة ولأعوانهم المحليين الذين لم يكونوا أفضل منهم[25]. وإذن فللدولة مصلحة في التعرف على السكان، ومعرفة مزاجهم والتصرف تبعا لما يقتضيه ذلك، وخصوصا بعد اختلاط هذه العناصر المنحدرة من أصول مختلفة - عرب وغير عرب وخراسانيين - التي تقطن في الحاضرتين (البصرة والكوفة). بهذه الطريقة ستستطيع الدولة تهدئة غضب السكان الذين ظلوا معارضين للأمير. ولجعل المركزية تعطي أقصى ما يمكن من النتائج، فإن ابن المقفع يطالب إرفاقها بالعدل في التوزيع والمعالجة، بكيفية تضمن للمناطق البعيدة والفقيرة مواردَ وافدة من المناطق الأقل استيطانا ولكن الغنية:
«فإن رغب أمير المؤمنين لنفسه عن هذه السيرة (...) كان العدل أن يقتصر بهم على فيئهم فيجعل ما خرج من كوَر الشام فضلا، من النفقات، وما خرج من مصر فضلا، من حقوق أهل المدينة ومكة، بأن يجعل أمير المؤمنين ديوانَ مقاتلهم ديوانهم أو يزيد أو ينقص..»[26].


ب - الدولـة وتدبيـر المـوَارد:
وعيا من ابن المقفع بفكرة العدل الجغرافي للإمبراطورية، فإنه يتطرق طبعا للمسألة الضريبية، وبانكبابه عليها يغني نظريته في الدولة. في الواقع، بعيدا عن اعتبار الضريبة تقنية محايدة لجمع الموارد قصد الاستجابة لمصاريف السّلطات العمومية، يرى المؤلف فيها أداة للقوة الملكية وللعدالة الاجتماعية.
يعتبر تاريخ الضريبة في الإسلام دالا بالخصوص على تطور السلطان. ستكون لأبي يوسف، بعد ابن المقفع، إمكانية تطوير التأمل المرسومة خطوطه الكبرى حول النتائج الاجتماعية والسياسية للضريبة داخل الدولة كما في المناطق الحدودية.
يبدو ابن المقفع رائدا لأفكار أبي يوسف[27]. فقد أظهر في مناسبات عديدة كيف يمكن للضرائب أن تقود إلى استقرار الدولة. هل كان يستحضر في ذهنه معاملة الأمويين للمخلين بواجبهم في دفع الضرائب[28] أم كان يتمثل أسباب انحطاط الإمبراطوريات السابقة عندما كانت المحاصيل الجبائية تتقلص؟ أم أنه كان يتمسك على الخصوص بمفهوم العدالة الذي يجب تطبيقه أولا على الضرائب؟


الضرائب واستقرار الدولـة:
تبدأ الدولة في التدهور عندما يوكل نظامها الضريبي أو التقنيات الخاصة به إلى أيادي غير كفؤة. ولتجنب فساد الدولة، ومن خلالها جيشها، يوصي ابن المقفع الأمير بعدم تكليف العسكريين بجبي الضرائب، لأن ذلك سيؤدي إلى التمرد، إلى الإذلال والسفالة... كيف؟ ولماذا؟
«ومما ينظر فيه لصلاح هذا الجند ألا يولي أحدا منهم شيئا من الخراج، فإن ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة، ولم يزل الناس يتحامون ذلك منهم وينحّونه عنهم لأنهم أهلُ دالة ودعوى بَلاء، وإذا كانوا جُلابا للدرهم والدنانير اجترؤوا عليهما؛ وإذا وقعوا في الخيانة صار كل أمرهم مدخولا: نصيحتهم وطاعتهم؛ فإن حيل بينهم وبين رفعه أخرجتْهم الحميّة؛ مع أن ولاية الخراج داعية إلى ذلة وحُقرية وهَوان، وإنما منزلة المقاتل منزلة الكَرامة واللطف»[29].
في النهاية، يجب أن تكون الضريبة حاثا (stimulus) للنشاط الاقتصادي لا عبئا يثقل كاهل السكان ويولد المظالم.


الضريبة، النشاط الاقتصادي والعدالة الاجتماعية:
سيذكَّر الأمير بحالة النظام الضريبي على النحو التالي:
*) إنه نظام غير عادل لأنه يلزم الذين يشتغلون ويعفي الذين يتركون أراضيهم غير مزروعة.
**) ليس هناك أي قاعدة تتوقع مبالغ الضرائب، بحيث إن أساس الضريبة المفروضة على المساهمين ليسَ مضبوطا ولا معروفا.
***) إنَّ غياب الإصلاح يحرمُ الشعب من النتائج السعيدة التي يمكن أن تترتب عن إنشاء نظام ضريبي عادل، واضح وفعَّال.
وبذلك، فالأمر لا يتعلق بإلغاء النظام الجبائي، وإنما بإلحاق إصلاحات به، يحددها ابن المقفع في:
- تقنين النظام الضريبي بتحرير قانون مضبُوط وواضح، محدَّدة إوالياتُ اشتغاله.
- إقامة عدالة اجتماعية انطلاقا من النظام الجبائي.
نقف هنا على طريقة جديدة في تصور الدولة عبر مأسسة نظامها الضريبي. باعتبار الضرائب ركنا للدولة، فهي في نظر ابن المقفع ليست "عصبا للحرب" فحسب، كما أنها ليست - على الإطلاق - نوعا من الغنيمة أو السلب الذي يقوم به السلطان بحسب هواه. إنها مقننة بشكل جيد، ويجب أن تكون بالخصوص عامل توازن واستقرار اجتماعي، يجنب هجرات السكان والمظالم التي تتسبب فيها، ويحفز فئة الفلاحين ومجموع الطبقات الكادحة. إذا كانت الضرائب ضرورية للحرب، فهي أساسية للسلم بالخصوص.



II. الـدَّولـة والإيـديـولوجيـا:
يقول م. رُوبَـان:
«الإيديولوجيا هي مجموعة من المبادئ باسمها يجهد الفاعل السياسي نفسَه لـ"حشد" دعم أعضاء المجتمع للقرارات الواضحة التي تبدو له ضرورية»[30].
الإيديولوجيا هي هذا الشكل من الفكر الذي يؤسس قبول أو فعل فاعل سُوسْيوسِيَاسِي أو رفضه. يمكنها أن تتألف من قواعد قانونية مثلما يمكن أن تقوم على مبادئ عالمية النزعة أو على ديانة ما أو لقب مُعَين.
تريد الدولة لنفسها أن تكون ممثلَ الوحدة الاجتماعية، بصفتها كائنة ويجب أن تكون، في آن واحد بصفة كل فرد يشكل جزءا منها ويجب أن يشكل جزءا منها. ومن ثم، فهي تضفي قيمة على حاجة كل فرد لأن يعيش حياة اجتماعية وداخل المجتمع نفسه، أي أن يحوِّل معطى من الواقع إلى قصد، إلى نوع من إرادة لما قبل الإرادة، وبمثابة يمين مؤدى مُسبقا. لكي تبقى الدولة، ولكي تتحكم في الناس، فإنها تحتاج للإيديولوجيا. في الميدان السياسي، تعتبر الإيديولوجيا مصدر معتقدات للجماعات، وهي في هذا تلعب وظيفة «المبرِّر» لأفعال هذه الجماعات ذاتها.
لقد ظهرت الدولة في الغرب على أساس فعل «مؤدلج»، بمعنى أنَّ واجبا سياسيا كان في أساس الدولة مُعتَبَرَة [بمثابة] [31] «the entire hierarchy of institutions by life is determined».
لكن، رغم أنَّ الدولة تعتبَر محدِّدة للحياة (الاجتماعية) - بتعبير بوسانكيه - فإنه يبقى مع ذلك أنَّ كل دولة إلا وتحتاج بدورها لإيديولوجيا محدِّدة.
ومن ثمَّ ظاهرة ارتباط الدولة بعلاقات غامضة مع المبادئ والمؤسَّسات الاجتماعية التي تعوِّضُهَا. نفكر خصوصا في القانون والدين، وهما مجالان توجد بينهما أوجه شبه كثيرة، إذ يتألف كلاهما من مجموعة من القواعد للسلوك، أي مجموعة من التمثلات المجرَّدة، ولكن الإلزامية على مستوى معين من تطبيقها.
لقد تمَّ تأسيس الإيديولوجيا السياسية الخاصة بالإسلام في مرحلتين متعاقبتين، لكنهما متزامنتين تقريبا:
*) في مرحلة أولى، كان الدين هو الذي يحتكر مجموع الدينامية الاجتماعية. فالقرآن يمتلك الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، إنه نص مُطلق، كاملٌ وكاف، ومن ثم ظاهرة أن ما من فكر أو تأمل أو فعل «جديد»... إلا ويجب أن يتخذه مرجعا له.
*) في مرحلة لاحقة من التطور الاجتماعي، لم يؤد القرآن وظيفة المؤسس وحدها، بل صار مصدرا تغرف منه الإيديولوجيا، أي مَتْنا (corpus) من الأفكار لشرعنة نشاط الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين. ولهذا السبب، صار أداة كبرى للصراع حول السلطة بين مختلف الأطراف.
يكشف تحليل الأسس الإيديولوجية للبنية السياسية الإسلامية أن صراعا من طبيعة مختلفة بدأ يرتسم بعد الثورة. أرادت الثورة العباسية لنفسها - بل وهو ما كانته بالفعل - أن تكون مُتعدِّدة الأعراق، وبالتالي مُتَعَدِّدَة الثقافات، ولكن السلطة القائمة كانت تتمسك بالحفاظ على ذهنيةٍ أتاحت للدين أن يحافظ على هيمنته. هل كان بوسع القوميات الجديدة - العقلانية - أن تقبل بالحفاظ الكامل على ديانةٍ ما أن تأدلجتْ حتى أقصتها من السلطة؟ كيف ستعارض كتابات مرايا الأمراء المستقلة هذا الضرب من الإقصاء؟ وأي بديل سيَقتـرحُه للتيوقراطيا الموروثة عن الإسلام[32]؟
انطلاقا من تحليل الفكرة الغامضة التي تجعل من الدين القاعدة الظاهرية للبنية السياسية، سيرجح ابن المقفع فكرة ضرورة بناء الدولة على قاعدة عقلانية، وذلك في سياق كان يشهد أكبر الصراعات الفكرية بين الدولة والإيديولوجيا.


1. السياسة والديـن:
أ - حول المرتكز الديني للشأن السياسي:
تعتبر البنية السياسية الإسلامية انعكاسا، بهذا القدر أو ذاك، للذهنية الناشئة عن التعبئة من أجل نشر دين جديد وعَد الإنسان بالخلاص. ومع الثورة العباسية، كان الدين قد دخل في مرحلة غموض بين نقاء الشأن الديني ومُدنس الشأن اليومي. ولذا، طرحَ السؤالان: ما العلاقة بين الدولة والدين في الإسلام؟ ما إسهام «الفقهاء السياسيين» [33] (théologues) الجديد في هذه الإشكالية؟
علاقة الشأن الديني بالشأن السياسي:
من المسلم به أنَّ الإسلام لا يفصل بين الشأن الديني والشأن السياسي بما أن السلطة تنتمي لله. وإذا صرفنا النظر عن غموض الوضع الاعتباري لخلفاء النبي، فإن الخلفاء كانوا يتمتعون بسلطات سياسية أكثر من السلطات الدينية التي كان يتمتع بها العلماء «الفقهاء السياسيون». بكيفية عامة، كان أصل هذا «الالتباس» يكمن في تأويل هذين الحقلين من الحياة الاجتماعية، وهو تأويلٌ صعَّده في الإسلام - وبكيفية مستمرة - دوامُ الطبيعة الدينية للفعل السياسي والألقاب التي استأثر بها خلفاء الإسلام لشرعنة أنفسهم.
غير أن التاريخ سَارَ في اتجاه الفصل بين هذين الحقلين، وهو ما تبينه ابن المقفع. فمنذ عهد الأمويين بدأت سيرورة للفصل بين الحقلين:
«In the beginning, the Caliphate absorbed the Umma, but the religious and the political aspects of Muslim Communal life came to be separated by a historical process that involved three developments. In the frist phase Arab rebellions against the Caliphate caused the formation of sectarian movements within the once unified body of Muslims. The Arab empire had caused an unexpected revolution in the conception and practice of the Caliphate, wich Muhammad had bequeathed and the frist Caliphs had ratified. As heirs to the Byzantine and Sassanian empires, and Students of former imperial character of their office, the importance of the allegiance to the State, and the quasi sacred nature of the Calliph. By developing court ceremonials, adopting new coinages, constructing great monuments, and supervising religious activities, the Ummayyad dynasty (661-750) claimed an absolute authority for the Caliph’s rule. In policy decisions it favored the preparedness of its armies, the efficiency of administration, and the central government. The Umayyad depened the political as opposed to the religious aspects of the Caliphate according to Byzantine and Sassanian precedents».[34]
في أصل هذه السيرورة توجد في الواقع مصلحتان: مصلحة دينية تريد الحفاظ على النفوذ الواحد والوحيد للدين، ومصلحة مؤسساتية / سياسية تريد توسيع دائرة الشأن السياسي دون أن تزعم - مع ذلك - تقليص الشأن الديني. وهذا الصراع يفترض وجُود قطبين للفكر، هما: عُلماء السياسة / الكُتَّاب الذين يتدخلون في عملية المأسسة الاجتماعية، والعلماء / «الفقهاء السياسيون» الذين يظل وضعهم الاعتباري ووظيفتهم في حاجة إلى تحديد.
الفقهاء السياسيون: الوضع الاعتباري والوظيفة:
ينشأ الوضع الاعتباري «للفقهاء السياسيين» من توفيق بين الضرورة التدبيرية للإمبراطورية، التي تفرض - مع ذلك - ليونة دينية، والقواعد الدَّقيقة التي يُدَافَع عنها باسم القرآن. وقد اضطلع «الفقهاء السياسيون»، في العصر الكلاسيكي، بـ «وظيفة نقدية من خلال تذكيرهم، بلا كلل ولا ملل، من بيدهم السّلطة بضرورة تطبيق الشريعة»[35].
ولكن ربما كان هذا الضغط القوي جدا هو ما انتهى، بالضبط، إلى ترسيخ فكرة إمكانية تعايش دائرتين مستقلتين، بل وفي بعض الحالات إمكانية انسحاب الشأن الديني لفائدة الشأن السياسي. على كل حال، فهذا التنازل هو ما أتاح «للفقهاء السياسيين»، حسـب م. إ. لابيدوس، بُلوغََ بعدٍ اجتماعي أساسي جدا في الإسلام.


ب - الشأن السياسي بين الدين والعقل:
إذا كان «الفقهاء السياسيون» قد اضطرّوا للابتعاد عن الشأن السياسي، فإنهم لم يـتخلوا عنه كليا، إذ استمروا في النظر إلى الدين باعتباره مُرشدا للشأن السياسي وجوهرا للحياة داخل المجتمع نفسه. عكس ذلك، سعى فكرُ مرايا الأمراء المتمحور أكثر حول ضرورة الدولة وبنيتها إلى إدخال علمنة نسبية بمنح العقل مكانة مُكمِّلة للنقل. ربما بهذه التكاملية نفسها، انتهى العقل إلى الحصول على وضع اعتباري شبيه بالوضع الاعتباري للدين. كيف تمكن ابن المقفع من التمهيد لهذه الخلاصة في فضاء ثقافي يهيمن فيه الدين؟ يجب أولا، وقبل كل شيء، تعريف العقل ووظيفته وأنواعه.


من العقل العملي إلى العقل السياسي:
يبدأ ابن المقفع بالمقارنة بين العقل والدين، فيكتب:
«فصل ما بين الدين والرأي، أن الدين يسلم بالإيمان وأن الرأي يثبت بالخصومة، فمن جعل الدين خصومة، فقد جعل الدين رأيا، ومن جعل الدين رأيا فقد صار شارعا، ومن كان هو يَشرَع لنفسه الدينَ فلا دين له.
قد يشتبه الدين والرأي في أماكن، لولا تشابههما لم يحتاجا إلى الفصل»[36].
نتيجة لذلك، يعترف الكاتب بأن بين الدين والعقل نقطا مشتركة، ومن ثمة ضرورة المقارنة بينهما.
إضافة إلى ذلك، يستدعي العقلُ والدينُ عنصرا ثالثا، هو الأخلاق. والأخلاق هي العقل والدين مُمارسَين في اليومي. ومع أن هذه الفضائل الثلاث لا تنفصل، فإننا سنحاول أن نعين - بكيفية لا تخلو من مجازفة - وظيفة محدَّدة لكل واحدة منها:
- العقلُ يعادل التدبير (تدبير الحكم)؛
- الدينُ يعادل الإيمان العميق لدى الشخص؛
- الأخلاقُ تعادل السّلوك الاجتماعي.
العقلُ تداوُلٌ وتشاور، حسابٌ وتفكير في عواقب الفعل. والعقل السياسي يمكن أن يكون حيلة أو دهاء غايته تحقيق مصلحة مشتركة لا يمكن ترجمتها بالأنانية أو بفعل مذموم رغمَ مجازفته بأن يبدو غير متلائم مع الأخلاق التي ما أن تعقلَن حتى تصير نموذج سلوك الإنسان المثالي.


العقل السياسي في عالم يهيمن فيه الشأن الديني:
كيف توصل ابن المقفع إلى إدماج مفهوم العقل في العالم الثقافي الإسلامي؟ إنه يَعترف له بالوضع الاعتباري نفسه الذي يتمتع به الدين ويرى فيه وسيلة للوصول إلى السعادة في الحياة الدنيا. والعقل يسد «ثغرات» الدين لأنّه يتطور بينما الدين ثابت لا يتغير. بدون العقل قد يكون الدين غير نافـع:
«فغاية الناس وحاجاتهم صلاح المعاش والمعاد، والسبيل إلى دركها العقل الصحيح. وأمارة صحَّة العقل اختيار الأمور بالبصر وتنفيذ البصر بالعزم. وللعقول سجيات وغرائز بها تقبل الأدب، وبالأدب تنمى العقول وتزكو»[37].
«ثم لو أن الدين جاء من الله، لم يغادر حرفا من الأحكام والرأي والأمر وجميع ما هو وارد على الناس وحادث فيهم مذ بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم يلقونه إلا جاء فيه بعزيمة، لكانوا قد كلفوا غيرَ وسعهم، فضيق عليهم في دينهم وآتاهم ما لم تتسع أسماعهم لاستماعه ولا قلوبهم لفهمه، ولحارت عقولهم وألبابهم التي امتنَّ الله بها عليهم ولكانت لغوا لا يحتاجون إليها في شيء ولا يعلمونها إلا في أمر قد أتاهم به تنزيل؛ ولكن الله منَّ عليهم بدينهم الذي لم يكن يسَعه رأيهم كما قال عباد الله المتقون:﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف: 41-42]»[38].


2. الدَّولـة والقانــون:
تعتبر مسألة القانون واحدة من أعقد قضايا الإشكالية التاريخية للإسلام، ذلك أنها لا تطرح مشكلة الدور والوضع الاعتباري للقاضي في النظام السياسي-الاجتماعي فحسب، بل وكذلك مسألة العلاقات بين القاضي والدولة والأمير، من جهة، ومصادر القانون «الفقهاء السياسيين»، من جهة ثانية، الذين غالبا ما يكونوا قضاة أيضا. واللبس يتأتى أيضا من كون القضاة لعبوا دور مشرعين حقيقيين ربما أكثر من الخليفة نفسه. في هذا الصدد، يكتب ج. شاست: «لقد أسس القضاة المسلمونَ الأوائل، وهم موظفون للحكومة الأموية، أسسوا بقراراتهم ما سيصيره القانون الإسلامي»[39].
حاول الأمويون أن يتحكموا في الوضع الاعتباري للقضاة، عبر إحداث تعيينهم، بيد أن تلك المحاولة لم تولد كل النتيجة المتوقعة. في الواقع، ظل القضاة إلى حدود ما بعد الثورة العباسية، بدون تنظيم محدَّد وغير متفقين كليا حول المذاهب التي يتعين عليهم تطبيقها:
«كان رجال القانون خواصّ، يتميزون عن عامة المسلمين بأهميتهم الخاصة، وبالاحترام الذي كان يحيطهم به الشعب، وبالاعتراف المتبادل فيما بينهم بأنهم عقول من طراز واحد»[40].
وهذه الوضعية ستولِّد خلافا كبيرا حول الحلول التي يتعين تقديمها للنزاعات. القانون الإسلامي قانون اجتهادي أساسا. ونقصد بالاجتهاد جميع مصادر الحق الإسلامي التي لا توجد في القرآن ولا في السنة. وبذلك، قد يكون مصطلح الاجتهاد اسم جنس يتيح التمييز بين المصادر الأولى (القرآن والسنة)، والمصادر الثانية - دون أن تكون ثانوية - وهي هذا المجموع من الإواليات والقرارات والمساعي الصادرة عن القضاة/ الفقهاء.


أ - قانـون القدماء وقانون المحدثين:
ينطلق ابن المقفع من مثال تاريخي، فيلاحظ أن هناك سُنَّتَيْن: سُنة الأولين، وسنة الآخرين[41]. سُنة القدماء اندثرت، محاها تعاقب المظالم والفتن، ومع ذلك فهي تبقى الأفضل في نظره. أما سُنة المحدثين، فليست سوى جور وظلم[42]. يجب العمل على محو آثار الظلم قديمة كانت أو حديثة. وهذا الواجب يمر عبر إصلاح هذه القوانين التي تعتَبَر دينية والحال أنها لا تعدو مجرد أحكام صادرة عن قضاة يسفكون الدماء «بغير بينة ولا حجة على الأمر الذي يزعَم أنه سنَّة»[43]، حتى «إذا سئل [أحدهم] عن ذلك لم يستطع أن يقول "هريق فيه دم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأئمة الهدى من بعده"»[44].


في أصول الجـور:
سبب الظلم «الأحكام المتناقضة التي بلغ اختلافها [في البصرة والكوفة] أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال»[45].
يرى المؤلف أن الخطورة تأتي من الطبيعة العشوائية للأحكام التي يصدرها القضاة، خصوصا عندما تكون قراراتهم متناقضة بشكل صارخ. بهذا الصدد، يقدم ابن المقفع بعض الأمثلة: «يستحل الدم والفرج بالحيرة وهما يحرمان بالكوفة، ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة، فيستحل في ناحية منها ما يحرم في ناحية أخرى»[46]. ولكن بُعد المشكلة ليس شخصيا فقط، بل هو ذو طبيعة مذهبية. فالأزمنة الأولى التي أعقبت الثورة شهدت تطور مدرستين متعارضتين:
1) المدرسة الحجازية: ارتبطت بروح القرآن والسنة النبوية، وكانت ترفض الانفتاح على الأوضاع الجديدة التي واجهها المجتمع.
2) مدرسة العراق: ارتكزت في قراراتها على العقل أكثر مما ارتكزت على النص.
أخيرا، إنَّ سببَ الجور السائد ثباتُ سوابق في كل مدينةٍ وحيّ وأحكام فردية غير مراقبَة وغير منسجمة مع مجموع القرارات القضائية[47]. يرى ابن المقفع أن هذه الممارسات لا تتلاءم مع تصور الدولة والمتطلبات الجديدة للإمبراطورية، وتضر بالدين عبر مساندة آراء لا أساس لها في القرآن ولا في السنة[48].
هل يمكن إصلاح الإطار التشريعي والقضائي؟ أيحتمل أن تنجح مثل هذه الإصلاحات؟ رأي ابن المقفع إيجابي في هذه النقطة، والدليل الذي يقدمه على ذلك نموذجُ الشاهنشاه (ملك الملوك).


نموذج الشاهنشاه الفارسي:
أفضى الإصلاح الجنائي للشاهنشاه إلى إرساء العدل والنظام، لأنه صنَّفَ العقوبات والجنح:
«اعلم أن العقوبات قد فرضت على ثلاثة أنواع من الجرائم: الأول: الجريمة بين الفرد والله عز اسمه، حين يرتد عن الدين ويحدث البدع في الشريعة. والثاني: الجريمة بين الفرد والملك، حين يعصى أو يخون أو يغش. والثالث: الجريمة بين الأفراد، حين يظلم بعضهم بعضا»[49].
إذا كان ابن المقفع يَرْجع إلى هذا الإصلاح كأنه يعودُ إلى نموذج، فلأنه يرتكز على التوفيق بين «الرغبة والرهبة [باعتباره إجراء ممتازا للحكم الجيد]» [50].
في زمن القدماء كان كل من ابتعد عن الدين يتم قتله بدون تجريم، فعارض الشاهنشاه ذلك، إذ أمر بأن يُسجن الأثيم في السجن، وأن يداوم العلماء تلاوة أحكام الشريعة عليه مدة سنة، ويغدقون عليه النصائح، ويعرضون عليه الأدلة والبراهين ويبددوا الشبهة عنه. فإن تابَ واستغفر أطلقَ سَراحُه، أما إذا أبقاه الإصرار والاستكبار في الردة أمروا بقتله. وفيما يخصّ القتل، في القديم، لم يكن ينجو منه أبدا الثوار ضد الملك أو الفارّون من الحرب. ولكن الشاهنشاه، أمر بألا يُقتل منهم إلا قسم لإفزاع الآخرين والاعتبار بهم. فوق ذلك، فقد ألغى قانون القصاص الذي تمسك به الإسلام، ثم استبدله بالجراحة والغرامة، لكي يشقى الجاني ويستفيد منه المظلوم. على العكس - يضيف ابن المقفع - عندما تقطع يدُ السَّارق، فإن هذه العقوبة لا يفيد منها أحد، بل وتلحق ضررا بالصالح العام بالنظر إلى النقصان الفاحش الذي سيقع بينهم...[51]


ب - نحـو دولـة الحـق:
يقدم ابن المقفع اقتراحات تقف على طرفٍ نقيض مـن الرؤية التقليدية للعلاقة بين الدولة والقانون، إذ نجد أنفسنا، في فكره، إزاء قانون للدولة أكثر مما نجد أنفسنا أمام دولة يتحكم فيها قانون معين (؟).


أولوية القانون على الدولة:
كانت بنيات «الدولة الإسلامية التقليدية مُكيَّفة (...) مع تدبير أمَّةٍ، وليس مع (une nation) بالمعنى العصري للكلمة»[52]. والبنية السياسية التي أفرزها الإسلام ونظمها تابعة للقانون الذي صاغه الإسلام، بتعبير آخر تابعة لمن يمتلكون المعرفة الدينية. بهذا الصدد يكتب لامبتون:
«The law precedes the State and is immutable at all times and under all conditions. The state is there to carry out the law. To disobey a law or to neglect a law is not simply to infringe a rule of the social order: it is an act of religious disobedience, a sin, and as such involvers a religious penalty»[53].


قانون الدولة:
انطلاقا من وضعية العصر، يلاحظ ابن المقفع تفاقم الأحكام في الإمبراطورية، والسَّبَبُ في ذلك غيابُ تدخل الدولة في هذا المجال. ما العمل؟
يجب أولا جمعُ سائر الأحكام القضائية ورفعها للأمير في كتاب، بعد ذلك يتعين على الأمير / الخليفة أن يبدي رأيه في كل مسألة ويدلي به للقضاء. وفي مرحلة ثانية، يكون تقنين القواعد أمرا أساسيا:
«فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فتُرفَع إليه في كتاب (...) وكتب بذلك كتابا جامعا لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطإ حكما واحدا [و] لرجونا أن يكون اجتماع السير قرينة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه...»[54].



هوامـــش

[1] راجع:
- Maurice Robin, Histoitre comparative des idées politiques, Paris, éd. ةconomica, 1988, t. 1.
[2] L’Etat musulman est-il un mythe?
«The answer depends on the definition. There is no myth of origin telling us that “kingship came down from heaven”, but there is a clear conviction that the State is religiously motivated. As an institution it is based on God’s law as expressed in the koran. Il is part of Islam itself, whitch today is often regarded as an identifiable entity or principle that has been given to mankind trough the revelation and wich it is man’s task to transform into concrete reality. It is this that gives Islamic political theory its flexibility, more unsophisticated in the earlier literature, which by the aid of the koran, Sunnah and Ijma’ tries to give theoretical motivations for status quo, more meditated in modernism, which seeks a way to ‘’realizing Islam’’ within the framework of a modern society, partly even by means of a certain adaptation to western technique and western culture. Thus Islamic political theory is basically religious, and a distinction between religion and a secular State such as has been tried in Turkey is strictly speaking; from an Islamic point of view the life of society is part of man’s existence and cannot be withdrawn from God’s control. The problem is to find in each time the right from this divine control of society», Ringgren, H., «On the Islamic theoty of State», in The Myth of the State, Stokholm, 1972, p. 103-108.
[3] تعبيرٌ مستعار من:
- Pharo, P. Le Civisme ordinaire, Paris, 1985, p. 59.
[4] استدخال ((intériorisation: مصطلح ينتمي إلى حقل التحليل النفسي، ويعرفه بونتاليس ولابلانش على النحو التالي: «غالبا ما يؤخذ [الاستدخال] تبعا لمدرسة ميلاني كلاين خصوصا، بمعنى الاجتياف، أي بمعنى العبور الهوامي لموضوع "طيب" أو "سيء"، كلي أو جزئي، إلى داخل الشخص. ونتكلم عن الاستدخال بمعنى أكثر تخصيصا حين تنصب العملية على "العلاقات". فيقال مثلا أن علاقة السلطة ما بين الأب والإبن تستدخَل في علاقة الأنا الأعلى بالأنا. تفترض هذه العملية تمايزا بنيويا ضمن النفس بما يتيح لبعض العلاقات أو الصراعات أن تعاش على الصعيد النفسي الداخلي. وهكذا يتلازَم الاستدخال مع مفاهيم فرويد الموقعية وخصوصا مع تلك التي تمت إلى النظرية الثانية للجهاز النفسي». عن:
- Jean Laplanche et J.-B. Pontalis, Vocabulaire de la psychanalyse, Paris, P.U.F., 1967, p. 206.
أو (ترجمته العربية): جان لابلانش وج. ب. بونتاليس، معجم مصطلحات التحليل النفسي، ترجمة: د. مصطفى حجازي، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط. II / 1987، ص. 67، ومنه سقنا نص التعريف. [م].
[5] نقلا عن رضوان السيد في تحقيقه لكتاب الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر في سياسة الملك وأخلاق الملك، بيروت، 1987.
[6] الأدب الكبير، م. س.، ص. 181، وكليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 217)، يتيمة الحكم، م. س.، ص. 152.
[7] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 256.
[8] نفسـه، ص. 295.
[9] ابن خلدون، المقدمـة، بيروت، دار الجيل، (د.ت.)، «فصل في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك»، صص. 167-168.
[10] رسالة الصحابـة، م. س.
[11] السيد، رضوان، الأمة والجماعة والسلطة، بيروت، 1984، ص. 104.
[12] الرسالـة، § 23.
[13] نفســه، § 11.
[14] Goiten, S.D., A turning point..., art. cit., p. 123.
[15] كليلة ودمنـة (الترجمة الفرنسية)، م. س.
[16] الرسالـة، § 25.
[17] Levi, J. Dangers du discours. Stratégies du Pouvoir IV e -III e siècle avant J.-C., Traduit du chinois et présenté par Jean Levi, Aix-en-Provence, ALINEA, 1985, p. 46.
[18] كتـاب تنسـر...، م. س.، ص. 49.
[19] نفسـه، ص. 49-50.
[20] الرسالـة، § 29.
[21] كتاب تنسـر...، م. س.، ص. 50.
[22] الرسالـة، § 29.
[23] عهد أردشير، م. س.
[24] كتاب تنسـر...، م. س.، ص. 21 و22.
[25] الرسالـة، § 31.
[26] الرسالـة، § 42.
[27] أبو يوسف، كتاب الخراج، م. س، ص. 43.
[28] في هذا الصدد يورد فان فلوطن «أما الذين يعجزون عن دفع الجزية المفروضة عليهم، فكانوا يخضعون للتعذيب بحرارة الشمس الحارقة أو بصب الزيت على الضحايا في حالات اشتداد العقاب. وفوق ذلك كانوا يجبرون على تعليق حجارة أو جرار ممتلئة على قدم واحدة، مما يحول دون استطاعتهم بعد ذلك السجود للصلاة. وفي بلاد ما وراء النهر (جيحون) خضع الدهاقين بدورهم لتعذيب عمال الخراج، فكانوا يعرضونهم للشمس مجردين من ثيابهم ويلقون بزنانيرهم في وجوههم». انظر: فان فلوطن، السيطرة العربية، [ترجمه د. إبراهيم بيضون وخصه بتقديم مطول، ثم نشر النصين في كتاب واحد تحت عنوان: الدولة الأموية والعارضة. مدخل إلى كتاب السيطرة العربية للمستشرق الهولندي فان فلوطن]، بيروت، دار الحداثة، الطبعة الأولى، 1980، ص. 78-79. [م].
[29] الرسالة، § 10.
[30] Robin, M., Histoire comparative d’idées politiques, Paris, ةconomica, 1988, t. 1, p. 25.
[31] Bosanquet, H., The Philosophical of the State, London, 1923, p. 149 et s.
[32] انظر رأيا مخالفا لعبد الله العروي في:
A. Laroui, Islam et Modernité, Paris, La Découverte, 1986, pp. 31-36.
[33] يستعمل حميد الدليمي كلمة (théologue) ليفرق بين ما يمكن اعتباره «تخصصين» للفقهاء: الأول يقتصر على الجانب العقائدي والتشريعي في الدين، والثاني (هو المعني بالتسمية التي نحن بصددها) يحيل على الجانب السياسي لفكر الفقهاء، ولا سيما حين يسعى هؤلاء إلى جعل الشأن السياسي جزءا من الشأن الديني. [م].
[34] Lapidus, M. I., The Separation of State and religion in the development of early Islamic society, IJMES, 6 (1975), p. 336.
[35] Arkoun, M., Islam, morale et politique, Paris, 1986, p. 60.
[36] عبد الله بن المقفع، الأدب الصغير، م. س.، ص. 155.
[37] نفسـه، ص. 126.
[38] الرسالـة، § 18-19.
[39] Schach, L., Introduction au droit musulman, Paris, 1983, p. 32.
[40] نفســه، ص. 35.
[41] كتاب تنسر...، م. س.، ص. 30.
[42] نفسـه، ص. 31.
[43] الرسالــة، § 35.
[44] الرسالــة، § 35.
[45] الرسالــة، § 34.
[46] الرسالــة، § 34.
[47] الرسالــة، § 36-37.
[48] الرسالــة، § 35.
[49] كتاب تنسر...، م. س.، ص. 38.
[50] نفســه، ص. 39. (ما بين معقوفين لا يوجد في الترجمة العربية لكتاب تنسر[م]).
[51] نفســه، ص. 39.
[52] Talbi, M., «Les caractéristiques de l’Etat traditionnel», in Arkoun, M., L'Islam..., op. cit., p. 187-191.
حول حداثة عهد العالم العربي بهذا المفهوم، راجع:
Gilbert Granguillaume, «Langue, culture et identité nationale au Maghreb, Peuples Méditerrannéens, n°9.
(أو: جلبير غرانغيوم، اللغة والسلطة والمجتمع، ترجمة محمد أسليم، مكنـاس، الفارابي للنشر، 1995، صص. 73-105. [م]).
[53] Lambton, A.K.S., State and government in Medieval Islam, Oxford University Press, 1981., p. 1.
[54] الرسالـة، § 36.
 
الدولة، الأخلاق والسياسة
حميد. ج. الدليمي

القسـم الثاني
الأخلاق والسياسة. مشروع ابن المقفع.

الفصـــل الأول: الملكية


لا مكان إطلاقا، في مسعى ابن المقفع، لشكل آخر من النظام السياسي غير الملكية التي يطرحها باعتبارها واحدا ووحيدا. في الواقع، يجوز الشك في تعلق المؤلف بالمظهر الشكلي، بالوصاية نفسها المقترنة بالملكية التي - بمجدها وعظمتها في التقليد الشرقي - تبدو بمثابة مكان للمثال (idéal) في فكر ابن المقفع. بالنظر إلى أنها هي الضرورة نفسها، ضرورة الحماية، والعدالة، وتوطيد نوع من تفوق الكائن. ألم يقل لاوْ تْسُو نفسُه:

«الطريقُ كبيرة، والسماء كبيرة. في الوسط هناك أربعة أشياء كبيرة، ولكن الملك وحده هو المرئي»[1].
سببُُ واحدُُ فرض الملكية الفارسية التي تشكل مرجعا حاضرا بكثرة لدى ابن المقفع. العظمة التي يتوفر عليها الملك عظمة إلهية، ولكنها تنعكس على الرَّعَايا من خلال ملكهم. وظروف ظهور الملكية في فارس تحيط بها ميثولوجيات تعود إلى حقبة ما قبل داريوس الأول (522-487 ق. م)، الذي يعتبر بمثابة مؤسِّس «الملكية المقدَّسَة»[2] التي شرعنها الإله أهورا مازدا. وقد دامت الطبيعة التيوقراطية للملكية الفارسية إلى عهد الساسانيين.
محتفظا في ذهنه بهذا المرجع الثابت للماضي الفارسي، يبتكر ابن المقفع تصوره الجديد للنظام الملكي انطلاقا من تأمل في طبيعة الدين ووظيفته، ثم يقدم مشرُوع بنية للعمل الاجتماعي وللاستقرار.

I. ابـن المقفـع وفكـرة النظـام الملكـي:

«إنه لا جدال في أن الناس في الزمن الأول، مع معرفتهم لعلم الدين ومع ثباتهم ويقينهم، كانوا محتاجين إلى ملك صاحب رأي ليقضي فيما يقع بينهم من خلاف ولا قوام للدين ما لم يبينه الرأي»[3].
تتردَّدُ هذه الصيغة عند ابن المقفع بإلحاح، وهو يرى أنَّ الشكلَ الملكيَّ للحكم ترتب، من جهة، عن أوضاع تاريخية قديمة جدا عندما أدرك الناس ضرورة وجود ملك قوي وحكيم يحميهم من الفتن واضطرابات الفوضى، و(ترتب) من جهة أخرى عن طبيعة السلطة السياسية نفسها. فهذه الأخيرة لا يمكنها بأي حال أن تكون مُقتسمَة:
«حالتان يمكن لكل واحد فيهما أن يبدو بمظهر ليس جميل: حالة الحاكم الذي يقتسِم حكمَه مع [شخص] آخر؛ وحالة الزوج الذي يقتسم زوجته مع [رجل] آخر»[4].
ليس هناك بديهية أوضح من هذه لتأسيس الضرورة الملكية.

1. في دراسـة الملكيـة:
يرى ابن المقفع أنه ما أن تطرَح فكرة الملكية حتى يجب استلهامها من نموذجين: نزع القداسة عن السلطان، ثم تصوره تصورا وظيفيا.
وبذلك تُخَلَّصُ الملكية من غمُوضها الإيديولوجي والاجتماعي، ومن ثم، فقد يكون الملك، في آن واحد، فيضا ربانيا وقائدا عسكريا. وإذا كان يحتل مكانة فوق رعاياه، فذلك لا يعود أبدا لاعتبارات تتصل بأصله العائلي؛ الملكُ رجُلٌ يكمن تفوقه في عدالة فعله[5].
مجرَّدا من القداسة، يعزز السلطانُ المقفعي في الآن نفسه دورَه الوظيفي: إنه مُناطٌ بواجبات سياسية واجتماعية تقيِّده بقدر ما تجعله لا يُعَوَّض. وإذا تقدمنا بهذا الاستدلال قليلا، انتهى إلى فرض مجموعة من الواجبات على الأمير، بدونها قد تنتفي ضَرُورَة وُجُود الـمُلْكِ.

أ - تجريد الملكية من القداسة:
مع ابن المقفع لا نعود بتاتا أمامَ مَلكية دعمَتها أو وضَعتها السلطة الإلهية، إذ ليس سمو الملك عن رعاياه سوى سمو ممتلك السلطة السياسية على من يشكل موضوعا لها. والسلطان نفسُه ليس هبة إلهية، إنه موضوع صراع بين البشر. وفي سائر الأحوال، لا يستمد الأمير تفوقه من الآلهة، وإنما يستمده من فعله نفسه:
«واعلموا أنه لا سبيل إلى أن يعظم الوالي إلا بالإصابة في السياسة، ورأس إصابة السياسة أن يفتح الوالي لمن قلبه من الرعية، ما بين أحدهما باب رقة ورحمة وبشر وتهلل وابتساط وانشراح»[6].
إذا كان الملوك الآلهة أو (الملوك) الفيض من الآلهة في غنى عن كل شخص وكانوا لا يُقهَرُون، فإن الملكَ / الإنسان، عند ابن المقفع، مهدَّدٌ على الدوام في سلطانه، ومن ثمة في حاجة إلى الغير: «لا غنى للملوك عن الحكماء»[7].
السلطة الملكية ليست خالدة ولا كلية، لأنه إذا كان الملِكُ يستطيعُ أن ينتزع من الناس ما يمتلكونه، فإنه لا يستطيع أن يجردهم من ذكائهم[8]. أيضا، هناك أشخاصُُ يتجاوز تفوقهم نظيره لدى الملك، هم الحكماء، مثلا، ورجال الدِّين، والنساك أو الأشخاص الورعين. يليق بالملك أن يعترف بأن هؤلاء الناس، من وجهة نظر الدين، هم أعلى مرتبة منه، وأكثر منه تحمسا وانشغالا بقضيته نفسه»[9].
يكون الأمير أحيانا، بل في أغلب الأحيان، عاجزا أمام وضعيات خاصة:
«واعلموا [أيها الملوك] أنكم تقدروا على ختم أفواه الناس من الطعن والإذراء عليكم ولا قدرة بكم على أن تجعلوا القبيح حسنا. واعلموا أن لباس الملك ومطعمه مقارب للباس السوقة ومطعمهم»[10].
وإذن فهو لا يختلف في أي شيء عن باقي الناس، فهو ليس قوة مقدَّسَة ولا إنسانا أعلى، يجب عليه فقط أن يقوم بوظائف تطابق السلطة التي يمتلكها.

ب - الملك الوظيفـي:
إنَّ ما يحتاج إليه الناس هو نظامُُ يضمن لهم تحقيق عدد من الوظائف. وإذا كانت الملكية قد فرضت نفسها تاريخيا، فذلك لأنها استجابت لحاجيات الشعب. ما هي هذه الوظائف؟ يوضح المؤلف،
في اليتيمة الأولى، أن:
«خيار الأزمنة ما اجتمع فيه صلاح الراعي والرعية، وكان الإمام مؤديا إلى الرعية حقهم في الرد عنهم، والغيظ على عدوهم، والجهاد من وراء بيضتهم، والاختيار لحكامهم، وتولية صلحائهم، والتوسعة عليهم في معايشتهم، وإفاضة الأمن فيهم، والمتابعة في الحق لهم، والعدل في القسمة بينهم؛ والتقويم لأولادهم، والأخذ لهم بحقوق الله عز وجل»[11].
يتعلق الأمر هنا بـ «بنود تعاقدية»، تشدّ الشعب إلى الملك، وليس بوظائف طقوسية دينية. الأميرُ مرتبط بهذه السلطات / الوظائف أكثر من ارتباط الشعب بها عبر واجبه في الطاعة.
في الواقع، إن ما يؤسس الشرعية الملكية ويحدِّد العلاقات بين الملك والرعايا هو هذه البنود نفسها: إذا لم يؤدِّ الأمير وظائفه سقطتْ جميع الواجبات عن الرعايا وصار لهم الحق في توبيخه:
«قبحا للملوك الذين لا حمية لهم ولا حرمة، ولا يحبون أحدا ولا يكرم عليهم إلا إذا طمعوا فيما عنده من غَناء واحتاجوا إلى ما عنده من علم»[12].

2. الملكيـة باعتبارها النظام الأفضـل:
يقول سيرفييه: «تعتبر سلطة القائد ظاهرة ثقافية تتنوع من حضارة لأخرى»[13].
الملكية في التقاليد القديمة هي السلطة السياسية نفسُها، وهي ضرورية لأن الناسَ يُوصَفُون بكونهم «كائنات للشهوة، والغضب، والفجور»[14].
يقوم تفضيل الملكية، عند القدماء، على البحث عن ضمانة إلهيةٍ بواسطة صُورَة ملك تنصبه الآلهة. في زمن الشاهنشاه، كانت الملكية نصف اقتراعية وإلهية، وكان تعيينُ الملك يعود بشكل غامض إلى أمناء السِّر، إلى مستشارين ورجال «خالصين». ولكنه كان، في نهاية المطاف، يعود إلى كبير الموابذة (الزعيم الديني)[15]. ويبدو أنَّ هذه الممارسة التي وصفها ابن المقفع، تهمه أكثر من فكرة الملكية الاقتراعية نفسها التي يدافع عنها هو نفسه على حساب الملكية الوراثية. وهي فكرة أصيلة لأنها في الوقت نفسه الذي تشكل فيه مرتكزا لمشروع ابن المقفع تمثل تقدما بالقياس إلى ما كان موجودا على عهد الساسانيين أنفسهم.

أ - الملكية نصف الاقتراعية: نمـوذج تاريخي:
تعتبَر الملكية نصف الاقتراعية نموذجا تاريخيا يحلله ابن المقفع في رسالة تنسر. فبحسب الرسالة[16]، يجب على الملك أن يُخضِعَ اختيار وارثه المحتمَل للاستشارة المسبَقة لدى أصحاب الرّتب العالية في دولته. وقد عمل الشاهنشاه بهذه الطريقة، حيث أخضَعَ تسمية وريثه لاستشارة كبير رجال الدين - سلطة دينية -، للمستشار الأكبر - رئيس الجهاز التنفيذي -، ثم لقائد الجيوش الأعلى - السلطة العسكرية. وفي هذه المناسبة، يجب على الملك أن يبقى بعيدا وألا يجري أي محادثة، بهذا الشأن، مع أي كان وأن يكتفي - في المقابل - بإرسال ثلاثة كتب إلى الشخصيات المذكورة. كتاب «لا يتضمن، بدون شك، إلا ملاحظات عامة: حول كفاءات مختلف المرشحين، وحول حاجيات الدولة، كما لا يتضمن توصية خاصة، لأنه، في هذه الحالة، لن تكون هناك مداولة قط ولا اختيار للقواد الثلاثة»[17].
وبموت الملك، سيتم استدعاء كبير الموابذة، والمستشار وقائد الجيوش الأعلى. وسيجتمعون للتشاور حول مَنْ مِنْ أبناء الملك يكون له العرش. إذا اتفقوا أذاعوا ذلك في الناس، وإلا فإن كبير الموابذة سيصلي صلاة استخارة ليلهمه الله الاختيار السليم. وفي نهاية الصَّلاة، سيلتحق كبير الموابذة مرفوقا بالهرابذة (الإكليروس) وكبار الشخصيات والوزراء باجتماع أبناء الملك؛ سيصطفون كلهم أمام الأمراء وسيقولون: «"لقد تشاورنا أمام الله العظيم فألهمنا الرشاد وأطلعنا على الخير"، ويصيح الموبد قائلا: "إن الملائكة يرضون عن ملك فلان بن فلان فيا أيها الناس أقروه أنتم أيضا وأبشروا"»[18].
إذن يبدو، من خلال هذه الحكاية، أنَّ الملك ليس له إمكانية تعيين ولي العهد. فهذا الإجراء، في الواقع، من اختصاص الذين يتبعون سير شؤون الدولة ويشتغلون بتربية الأمراء. غير أن الاختيار يكون محدودا مادامت أهلية الانتخاب ضيِّقة. والسبب في ذلك هو تحاشي أن يصعد إلى الحكم من لا يستحقونه. يقول ابن المقفع في في العهـد:
«اجعلوا أولاد الملك من بنات عمومتهم ثم لا يصلح من أولاد بنات الأعمام إلا كامل غير سخيف العقل ولا عازب الرأي ولا ناقص الجوارح ولا معيوب عليه في الدين»[19].
مثل هذا العُرف مُوصَى به لتجنب كثرة الطامحين إلى الحكم ولضمان استقرار الدولة. متى أرسيَ هذا العرف، تقلص عدد المتطلعين إلى الحكم؛ ومتى تقلص عددهم ارتاح الجميع، وعاد كل واحد إلى مكانه وعرف مرتبته الخاصة به؛ «فإنكم إذا فعلتم ذلك قل طلاب الملك وإذا قلَّ طلابه استراح كل امرئ على جديلته وعرف حاله وغض بصره ورضي معيشته واستطاب زمانه»[20].
تعتبر العودة إلى هذا النموذج ذات دلالة في ظل نظام لا ترتكز فيه قواعد تعاقب الملوك على نصوص واضحة ولا على وقائع تاريخية سابقة. لقد فضل ابن المقفع هذا النموذج استنادا إلى معيارين: الحفاظ على استقرار السلطان، ثم البحث عن الرجل شديد القدرة على ضمان هذا الاستقرار.

ب - الملكية الاقتراعية ضامنة للاستقرَار والفعالية:
السلطان بطبيعته لا يورَث. فهو متقلب ويسعى دائما إلى الوقوع في أيدي من يستحقونه. ولذا، فإن تعيينَ شخصية ما باعتبارها وارثة للمُلك يُعتبر خطأ جسيما، إذ من شأنه أن يتسبب في الفوضى وعدم الاستقرار:
«ولم يجعل الملك هذا الأمر [وراثية الملك] سنة وهو ألا يعين من بعده وليا لعهده ولم يضع عليه خاتمه ولكنه أعلن ما يجب اتباعه وقال: 'لسنا نمنع أن ينتهوا إلى رأينا، فإنا لم نقف على علم الغيب، وعالم الغيب علوي ونحن في عالم الكون والفساد، ولم يتيسر لأهل هذا العالم الوقوف على جميع المعاني والأوجه المتضادة، ومن الجائز أن تجيء الأيام على غير رأينا ويكون الخير على عكس ذلك'»[21].
يقدم لنا ابن المقفع مثـال الشاهنشاه الذي أرسَى هذه القاعدة[22].
مهما يكن من أمر، فإنه ليس في المستطاع فرضُ أمير ما على الشعب، خصوصا إذا كان ليس من العائلات الأميرية:
«لا يحسن في السياسة العامة للبلاد (...) أن يُنصَّب على الخاصة والعامة، ملكٌ لا ينحدر من جنسهم ولا ينتمي إلى أحد بيوتهم الأميرية. سوف لن يقبله السكان، لأنه لن يكف عن الحط من قدرهم والتنقيص من قيمتهم»[23].
ينيط ابن المقفع هذا الاختيار قبل كل شيء بفعالية الأمير. إذا تم تعيين أمير فذلك لتجنيب الدولة الخراب، أي (تجنيبها) من الذي يستسلم لسُكر السلطان أو الذي يستخف بتدبير الأمور العامة.


II. المحيط المثالـي للملك النموذجي:

الملِكُ نموذجُُ للمجتمع الذي ليسَ بشيء آخر غير اتساع حاشية هذا الملك أو اتساع محيطه. ويستشهد ابن المقفع على طرحه بصورة تثير الهرمَ «الفيودالي» لا محالة:
«اعلموا أن لكل ملك بطانة، وأن لكل رجل من بطانته بطانة، ثم لكل امرئ من بطانة البطانة بطانة، حتى يجتمع في ذلك أهل المملكة، فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب أقام لكل امرئ منهم بطانة على مثل ذلك حتى يجتمع على الصلاح عامة الرعية»[24].
يرى ابن المقفع، رَجلُ الأخلاق، أنه نظرا إلى أن المجتمع عبارة عن تراكب من الجماعات الصغيرة، فإن الانتقال من الفرد إلى المجتمع يجري انطلاقا من محيط كل فرد للوصول إلى العقلية[25] الاجتماعية.
وبذلك، يجب على الإصلاح الاجتماعي أن يتأتى من التطهير الفردي. هكذا، تتأسس هذه الحركة المستمرة بين الملك - النموذج ومحيطه، أي المجتمع المثالي، مجتمع التعاون والتآزر.
تفسَّرُ علاقة الملك - النموذج / المجتمع المثالي، فضلا عن ذلك، بنظام للتعويض عن الفضائل؛ مثلا، فسمو أخلاق الحكومة يستجيبُ لإخلاص المحكوم ووفائه. بذلك، يمكن تسجيل تماثل، في اليتيمة الأولى، بين خصال الملك - النموذج والرعية المثالية[26]:

واجبــات الأميــر
واجبــات الرعية المثالية
1) الدفاع عن الشعب
1) اختبار التعاطف تجاه الأمير
2) اختيار إداريين جيدين
2) إسداء النصيحة الجيدة
3) الرخاء
3) الإحجام عن وضع السلطان موضع تساؤل
4) الأمـن
4) الصبر عندما يخطئ الأمير
5) العدالـة
5) فكرة قمع المتمردين
6) تجنيب الأجيال المقبلة مخاطر البؤس والفقر
6) مساعدته
7) جميع الحقوق المتوقعة من قبل الله.
7) عدم تفضيل أي شخصية أخرى عدا الأمير

هذا التماثل يحكم الشروط المثالية التي ضمنها يمكن للأمير النموذج أن يقود عمله. في هذا المستوى، يُختزَلُ ابن المقفع إلى كاتب أخلاقي خالص. ولكن الرهان السياسي يتضح بعد هذا الاستطراد ذي الطابع الأخلاقي.

1. عن الملك النموذجـي:
لا وجود للأمير المثالي، وابن المقفع يصوغه انطلاقا من عناصر تاريخية وشخصيات وُجِدَت وعرفت كلها كيف تجمع بين عنصرين:
1) الصورة الإيجابية لما يطلب ابن المقفع من الأمير ألا يكون إياه.
2) مجموعة من النصائح التي تبرز ما يجب أن يفعله الأمير أو يكون إياه.
الأمير النموذجي، في هذا المنظور، هو مجموعة من الأفعال، أفعال تجاه نفسه. إنها مجموعة أفعال تميل إلى صنع أخلاق الأمير، وجعله صورة لما يتطلبه حُكم المجتمع.
الأمير المشكَّل على هذا النحو هو عمل ثقافة لا تنحصر في في مفهومين للعدالة والحكمة مجرّدَين، وإنما تتسع أيضا لتشمل نمط الفعل.
أ - صفـات الأميـر النموذجـي:
تقوم مثالية ابن المقفع على أن يكون الأمير فيلسوفا، مثقفا وحكيما. وما يمكن أن يمنحه الله للأمير النموذج، يصفه ابن المقفع في شخص أنوشروان:
«لأنه كان أكبر ملوك الفرس، وأكثرهم حكمة، وأسدهم رأيا، وأرشدهم تدبيرا، وأحبهم للعلوم، وأبحثهم عن مكامن العلم والأدب، وأحرصهم على الخير وتقربه إلى الله تعالى وإلى اقتناء ما يزينه بزينة الحكمة من طالبي الأدب والعلم في معرفة الخير والشر والنفع والضر والصديق والعدو.
ولم يكن يعرف ذلك إلا بنور الله تعالى في سياسته عبيده وبلاده لإقامة رعيته وأموره، وهو الملك المعظم في قومه كسرى المتزين بزينة البهاء الفاضل الماجد الرشيد السعيد الذي لم يعدله أحد ممن مضى قبله من ملوك الفرس، الناقد البصير الكامل الأدب، المعينة له نفسه على التماس فروع الحِكم، المستعين بنور العقل وجودة الفكر، الذي اختصه الله تعالى بهذه النعمة السابغة حتى أذعنت له الرعية وطاعت لسلطانه البرية، وصفت له الدنيا ودانت له البلاد، وانقادت له الملوك وركنت إلى طاعته وخدمته ومناصحته. وذلك منحة من الخالق جل وعلا قسمها له في دولته وجمله بها في أقطار مملكته»[27].
كما يجب على الأمير أن يمتلك صفات أخرى تجعله في مستوى وظيفته. يلح ابن المقفع على هذه الصفات، يصفها ويدرس نتائجها على الأمير ثم على المجتمع. ما هي؟
يجب على الملك النموذجي[28] أن يكون قويا وحازما، كله مبادرة، عميق التفكير، عادلا، أهلا للاستعانة به، وفيا بوعوده، معترفا بالذين أسدوا له خدمَات، حفيا، منشغلا بمصير أصدقائه، مواظبا، جلودا، خبيرا بالأشخاص والأوضاع، شغوفا بالعلم، محبا لممتلكات الناس، قاسيا مع الظالمين، يخشى الخوف، ويمارس سلطته بيد حازمة. يجب عليه أن يقبل عن طيب خاطر إثراء رعاياه بمنحهم ما يسعدهم وبتجنيبهم المتاعب التي يمقتونها.
والملك النموذجي لا ينساق مع قوة شعبه؛ إنه يتصرف دائما على نحو يجنب جيشَه وأعضاء عائلته الهلاكَ ولا يدفعهم إليه، لأنه «ليس مما يناسب شرف الملك أن يلقي بجيشه إلى التهلكة وأن يعرضه للخسائر الكبرى. يليق بالملك بالأحرى أن يحفظ حياة ذويه مضحيا، إذا اقتضى الحال، بثرواته ومعرضا نفسه [للخطر] كي يحميهم»[29].
إضافة إلى ذلك، بما أن الملكَ هو قبل كلّ شَيْء رَجلُُ لا يعلو على الآخرين إلا بسداد عمله، فإنه ملزَمٌ بكرم أكثر، برَحمة أكثر، بشفقة أكثر، وبعطف أكثر... وكأن مقابل السلطان يقوم على إلزام الملك بالتحلي بمزيد من الصفات الإنسانية.
لا يجب على الملك أن يكون بخيلا، لأن البخل يدفع إلى الانشغال بأشياء غير جديرة بالعاهِل، والملك لن يسمح لنفسه بأن يُحتَقَر. لا يجب عليه إطلاقا أن يترك الغضب يستولي عليه، بما أن الغضب والعنف يولدان الألم والندم. كما لا يجب عليه أن يتعاطى لضروب التسلية والتصرفات الطائشة، فهما شكلان للهو وتجزية الوقت، كما ليس له الحق في أن يبقى متعطلا، لأن العطالة من سمات الأوباش. بالإضافة إلى ذلك، الملكُ النموذجُ هو الذي لا يحسد الملوك الآخرين إلا على حسن سير شؤونهم. أخيرا، يمنَعُ على الملك أن يتصرف بطريقة استبدادية لأن ذلك سمة للإنسان فاسد الخلق[30]: الاستبداد يفسد العدالة ويسد جميع الطرق أمام العقل[31].
ب - نصيب العدالة في بناء الأمير النموذجي:
يُعدّ العدل معطى أساسيا في تكوين الأمير المثال. فللعدل، أولا، بعدٌ اجتماعي. وهو يدور حولَ الدفاع عن إنسان الشَّرْط الوَضيع (L’homme de basse condition) ضد الإنسان المتميز بأصوله أو بثروته، حولَ معاملة الضعيف والقوي معاملة متساوية، وتقويم الأخطاء، وإقامة الشّرُوط لهذه العدالة نفسها، وإكثار توزيع الجوائز والهبات والتبرعات[32]. تُقدَّم العدالة باعتبارها ضرورة للمجتمع[33]. والحاكم الأفضل هو الذي يكون عادلا تجاه رعاياه[34]. فضلا عن ذلك، تضيف العدالة للملكِ الحظوة مثلما تنزعها عنه رغبة القمع وضعف التقدير[35]. في الواقع، يقول ابن المقفع، تنتهي عواقب الجور السيئة بالانقلاب على صاحبها[36]. ونصيحة الملك النموذج يجب أن تكون نصيحة للعدل والإنصاف: «فإن الملك إذا لم يكن في مُلكه قرَّة عيون رعيته، فمثله مثل زنامة العنز التي يمصها، وهو يحسبها حلمة الضرع، فلا يصادِف فيها خيرا»[37]. ولكن يجب الاعتراف بأن إقامة العدل أمـرُُ مُعَقَّدٌ، لأنَّ الذي يعتزم إقامته أو إعادته إلى نصابه يمكن أن يصطدم بمقاومة من قبل العقليات المعتادة على الظلم أو المستفيدة منه:
«... استراح الناس إلى الظلم إلى حد أنهم لا يتحولون عن سبيله الضارة إلى المنفعة التي يحصلون عليها بتفضيل العدل. بل إنه لو أحدث المحدثون عدلا لقيل: "ليس هذا لائقا بهذا الزمان" ولهذا لم يبق للعدل ذكر ولا آثار. ولو نقض الملك شيئا من ظلم الأولين الذي لا يصلح لعهدنا وزماننا لقيل: "إن هذا (الذي نقضه الملك) رسم قديم وقاعدة من قواعد الأولين". ويجب أن تعلم الحقيقة: يجب الاجتهاد لتبديل آثار ظلم الأولين والآخرين»[38].
يثير كل من رجل الأخلاق، ورجل القانون، وعالِم السياسية، العدالةَ باعتبارها حاجزا ضد الاستبداد. وابن المقفع يلحّ هو أيضا على هذه النقطة، مسجلا أن «الملك إذا لم يكن في ملكه قرة عيون رعيته، فمثله مثل زنمة[39] العنز التي يمصها، وهو يحسبها حلمة الضرع، فلا يصادف فيها خيرا»[40].
باعتبار العدالة فضيلة سلطانية، فإنها في شكلها المنمَّى باستمرار لا تضمن إدراك الأمير مسؤولياته على نحو جيد فحسب، بل وتهيئ بالخصوص شروط قيام المجتمع المثالي.

2. المحيـط المثـالـي: المجتمع السلمي:
ضمن أي شروط يمكن لعمل الأمير النموذج أن يُمارَسَ؟ هل يخضعه ابن المقفع لمحيط اجتماعي من شأنه أن يُيَسِّرَه؟
يبحث رجلُ الأخلاق [= ابن المقفع] عن نوع من المجتمع. مجتمع أخوي وسلمي يتعين على الأمير أن يعكسَه، ويجب - بكيفية مُتبادلة - أن يتم الإحساسُ به من قبل المحكومين. النظام الأخلاقي عند ابن المقفع جوابُُ عن الشأن الاجتماعي والشأن السياسي، إنه طريقة في رُؤيَة الحقل الاجتماعي باعتباره ميدانا خصبا للفعل السياسي لأن الناس، حسب - ابن المقفع دائما - لن يتمتعوا أبدا بالازدهار والرخاء في غياب أمير، ولأن فعل هذا الأمير نفسه لن يكون أبدا وجيها في غياب رعايا يتوفرون على الحس الأخلاقي. ومعنى ذلك أنَّ ابن المقفع يرى أن قوة الأمير الذي يكون رعاياه ضعافا أخلاقيا لا تعدُو مجرَّد وَهْم.
يعتبر تكامل السياسي والأخلاقي عنصرا رئيسيا في الفكر المقفعي؛ فهو يتمفصل بالخصوص حول المعيار الاقتصادي الذي يدعوه ابن المقفع «المعاش». ولاشك عنده في أن الفقر والبؤسَ سببٌ للفساد والفوضى وعدم الاستقرار.

أ - عن المجتمع الأخوي: استعارة حكاية: تعليق على فصل باب الحمامة المطوقـة:
«إن العاقل لا يعدل بالإخوان شيـئا. فالإخوان هم الأعوان على الخير كله، والمواسون عند ما ينوب من المكروه»[41].
المجتمع الأخوي هو المجتمع الذي شيَّدته رمزيا الحيواناتُ التي تريد بطبيعتها وغريزتها أن تكون أعداء لبعضها البعض، إلا أنها بإرادتها نجحت في تشييد عالم سعيد يتيح لها أن تتآزر بشكل متبادل. الحياة مجموعة من الفخاخ، من المجازفات والمخاطر التي يتيح الوجود الاجتماعي النجاة منها. في الواقع، ضمن الشروط الأشد صعوبة، أين يتحقق الإنسان من قيمة المجتمع ومن المصير المشترك:
«لا تخاذلن في المعالجة، ولا تكن نفس إحداكن أهم إليها من نفس صاحبتها؛ ولكن نتعاون جميعا»[42].
تعتبر أخلاقية هذا المقطع واضحة: يتعلق الأمر باقتراح كيف «أنَّ مخلوقات حيوانية، رغم أبعادها الصغيرة، رغم ضعفها واختلافها، استطاعت الإفلات من روابط وضعية مشؤومة، وذلك مرات عديدة، بفضل حنانها المتبادل المحسوس بطريقة صادقة ومخلصة، بفضل ثبات قلوبها في الإحساس بهذا الشعور، بفضل النجدة التي قدمها بعضها للبعض الآخر. والإنسان الذي مُنِحَ الذكاء والفهم، الذي منح ملكة التمييز بين الخير والشر، وملكة تمييز الأشياء وإمكانية معرفتها معرفة عميقة، الإنسان إذن هو أكثر كفاءة وأكثر جدارة بربط علاقات مع أمثاله والإسراع إلى نجدتهم وتلقي النجدة منهم»[43].
ومن ثم صورة مجتمع جميعُ الحيوانات فيه حكيمة وحاملة لخطابٍ، لمثالٍ، لصورة إنسانية ذات مرمى سياسي. كل واحد يساهم، بطريقته، في بناء المجتمع. على النحو نفسه، المجتمعُ الواقعي مصنوعُُ من كائنات بشرية يمكن أن تكون أصدقاء كما يمكن أن يكون بعضها فريسة للبعض الآخر أو معتديا عليه. إلا أنَّ الإنسان يظل، في نهاية المطاف، اجتماعيا بشكل أساسي[44]. والوحدة، بالنسبة إليه، امتحانُُ مرعب[45]، وقابلية الاجتماع هي الخاصية التي يتميز بها عن جميع باقي المخلوقات:
«إني وجدت الأمور التي اختص بها الإنسان من بين سائر الحيوانات أربعة أشياء، وهي جماع ما في العالم، وهي: الحكمة والعفة والعقل والعدل. والعلم والأدب والروية داخلة في باب الحكمة. والحلم والصبر والوقار داخلة في باب العقل. والحياء والكرم والصيانة والأنفة داخلة في باب العفة. والصدق والإحسان والمراقبة وحسن الخلق داخلة في باب العدل»[46].
في باب الحكمة يُدرج ابن المقفع العِلمَ، وهو التكوين الفكري والرّؤية الصائبة للأشياء. و تحت القناعة، يدخل الحشمة، والكرم، والتواضع والتكتم. أما الذكاء، فيشمل الرأفة، والمواظبة واحترام كرامة الغير. أخيرا، يشمل العدلُ الإخلاصَ، وفعل الخير، والحرص على الصالح العام وكمال الطبع. من هناك، يلخص ابن المقفع أدبه بكامله الذي لا يكون الإنسانُ فيه كاملا إلا إذا كان نافعا لنفسه، ولكن كذلك للآخرين مُظهرا التضامنَ معهم:
«كم هو جميلٌ العون الذي يقدَّم للآخرين لمواساتهم أحزانهم، للتخفيف من اضطرابهم يوم الامتحان! إنه لقاء امرئ بأخيه، ونقل كل امرئ أسرارَه لصديقه»[47].
إذا كانت الحيوانات، على قصورها وافتقارها للعقل، قادرة على العيش ضمن المجتمع، فما بال الإنسان الذي أوتي العقل والحكمة؟!

ب - خطـابُُ حول الوضع البشري:
تعتبر الأخلاق التي طوَّرها ابن المقفع نقطة انطلاق لكل خطاب حول الوضع المادي للإنسان. في هذا المستوى لا توجد لدى المؤلف نظرية فلسفية، ولكن «نزعة مادية صريحة»؛ معناه، في الواقع، أنه بتحسين الشروط المادية للإنسان، يحسَّنُ نتيجة لذلك «نمط» عيشه. يمضي ابن المقفع بعيدا بفكرته، كما يعالج أيضا العواقب الاجتماعية - النفسية للفقر. الفقر، قبل كل شيء، هو سببٌ للاضطراب الاجتماعي. إنه فرصة لإضعاف العقل، لفقدان المروءة في السلوك، والخطأ في إصدار الحكم، والنسيان في العلم وحسن التربية، وتراكم المصائب وكثافة جميع الشكوك[48]. الفقرُ هو المصيبة الكبرى، إنه معادل الموت، بل إن الموتَ يفضَّلُ على الفقر الذي يرغم من يقع تحت طائلته على طلب المساعدة حتى من الأشرار[49].
الفقرُ يجعلُ التوازنَ الاجتماعي هشا، ويُفضي إلى إقصاء بعض مكونات المجتمع، وهم الفقراء، لأن من يصاب بالإملاق تنقطع روابطه بأقاربه، وإخوانه أنفسهم يتخلون عنه تاركين إياه يواجه مصيره بمفرده. والذين يشفقون على الناس ينبذونه، فيفقد عقله، ويُنسى وجودُه حتى. وستجبره الحاجة اليومية إلى الأكل والبحث عن الغذاء على تزييف عناصر شخصيته وممارسته الدينية[50].
يعرض الفقرُ مجموع العلاقات الاجتماعية للفساد. فالتصوّرَات، والطبائع، والسلوكات تتنوع حسب ما إذا كان المرء غنيا أو فقيرا:
«ووجدت الفقر رأس كل بلاء، وجالبا إلى صاحبه كل مقت، ومعدنَ النميمة. ووجدتُ الرجل إذا افتقر اتهمه من كان له مؤتمنا، وأساء به الظن من كان يظن فيه حسنا: فإن أذنب غيره كان هو للتهمة موضعا. وليس من خلة هي للغني مدح إلا وهي للفقير ذم، فإن كان شجاعا قيل: أهوج؛ وإن كان جوادا سمي مبذرا؛ وإن كان حليما سمي ضعيفا؛ وإن كان وقورا سمي بليدا. فالموت أهون من الحاجة التي تحوج صاحبها إلى المسالمة، ولا سيما مسألة الأشحاء واللئام. فإن الكريم لو كلف أن يدخل يده في فم الأفعى، فيخرج منه سما فيبتلعه، كان ذلك أهون عليه، وأحب إليه من مسألة البخيل اللئيم»[51].
يعتبر الفقر والغنى موضوعين ثابتين في الخطاب الأخلاقي الشرقي. يذكر لنا السعدي، في الغولستان[52]، أنَّ شحاذا مغربيا أعلن أمام باعة النسيج: «يا أهل الغنى، لو كانت لكم العدالة وكانت لي القناعة لانقطعت عادة طلب الثوب من هذا العالم»[53].


هوامـــش
[1] Hani, J., La royauté sacrée du Pharaon au roi très chrétien, Paris, 1984, p. 267.
[2] Cf. Le pouvoir et le sacré, ACER I, Bruxelles, Institut de Sociologie, ULB.
[3] كتاب تنسر...، م. س.، ص. 32.

[4] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 48.
[5] عهـد أردشيـر، م. س.
[6] نفســه.
[7] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 68.
[8] عهـد أردشيــر، م. س.
[9] نفســه.
[10] نفســه.
[11] اليتيمـة الثانية، م. س.
[12] كليلـة ودمنـة (طبعة مكتبة بيروت)، م. س.، ص. 263.
[13] Servier, L’Homme et l’invisible, Paris, 1964, p. 117.

[14] Robin, M., Histoire..., op. cit., p. 177.
[15] «موبذان: موبذ هو كبير الموابذة (مكوبت). والموابذة هم الطبقة العليا من رجال الدين الزردشتي، وقد قسمت الدولة إلى مراكز دينية على رأس كل منها موبذ. وأما الطبقة الدنيا من رجال الدين فهم المغان. والكتاب الإغريق واللاتين أطلقوا كلمة مجوس للدلالة على المغان والموابذة معا. وأما العرب فقد استخدموا كلمة موابذة للدلالة على رجال الدين الزرادشتي عامة». عن: كتاب تنسر...، م. س.، ص. 64، هامش رقم 1. [م].

[16] نفسـه.
[17] كتاب تنسر (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 544.
[18] عهد أردشير...، م. س.
[19] عهد أردشيـر، م. س.
[20] نفسـه.
[21] كتاب تنسـر... ، م. س.، ص. 63.
[22] نفســـه، صص. 63-66.
[23] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 62.
[24] عهـد أردشيـر...، م. س.
[25] rationalité: صفة ما هو عقلي. (م)
[26] ابن المقفع، «يتيمة الملك»، ضمن علي كرد، رسائـل البلغـاء، القاهرة، 1937.
[27] كليلة ودمنــة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 24، وكذلك: «وقد رزق الله ملكنا السعيد كسرى أنوشروان من العقل أفضل الحظ وأجزله ومن العلم أجمله وأكمله، ومن المعرفة بالأمور أصوبها. وسدَّده من الأفعال إلى أسدها ومن البحث عن الأصول والفروع إلى أنفعه. وبلغه من فنون اختلاف العلم وبلوغ منزلة الفلسفة ما لم يبلغه ملك قط من الملوك قبله، وكان هو القابل لذلك بجودة المادة القابلة لانطباع الصور. فبلغ بذلك الرتبة القصوى في الفضل على من مضى من الملوك قبله. حتى كان فيما طلب وبحث عنه وسمت إليه نفسه من العلم أن بلغه عن كتاب بالهند من كتب فلاسفتها وعلمائها مخزون عند ملوكهم. علم أنه أصل كل أدب، ورأس كل علم، والدليل على كل منفعة، ومفتاح عمل الآخرة وعلمها ومعرفة النجاة من أهوالها، والمقوي على جميع الأمور، والمعين على ما يحتاج إليه الملوك في تدبيرهم لأمور ممالكهم وآداب السوقة فيما يرضون به ملكهم ويصلحون به معايشهم، وهو كتاب كليلة ودمنة. فلما تيقن ما بلغه عن ذلك الكتاب وكشف عما فيه من المنافع من تقوية العقل والأدب رآني أهلا لذلك وندبني إلى استخراجه والله الموفق، والسلام»، نفسـه، ص. 28-29.
[28] نفســه، ص. 114.
[29] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 114.
[30] عهـد أردشير، م. س.
[31] ابن المقفع، «يتيمة السلطان»، ضمن علي كرد، رسائل البلغاء، م. س.
[32] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 77-78.
[33] نفسـه، ص. 63.
[34] نفسـه، ص. 165.
[35] نفسـه، ص. 251.
[36] نفسـه، ص. 52.
[37] كليلة ودمنة (طبعة محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، 161.
[38] كتاب تنسـر...، م. س.، ص. 31.
[39] زمنة: لحمة تتدلى من عنق العنز.
[40] كليلة ودمنـــة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 161.
[41] كليلة ودمنة (طبعة مكتبة لبنان)، م. س.، ص. 183.
[42] نفســـه، ص. 184.
[43] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 56.
[44] نفسـه، ص. 218.
[45] عبد الله بن المقفع، الآدب الكبير، م. س.، ص. 56.
[46] كليلة ودمنة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 12.
[47] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 322.
[48] نفسـه، ص. 217.
[49] نفســه.
[50] نفسـه، ص. 216.
[51] كليلة ودمنة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 136.
[52] Fouchécour (de), Ch. H. Moralia, Les notions morales dans la littérature persane du 3°/9° au 7°/13° siècle, Paris, 1986, Recherche sur les civilisations, Synthèse, n° 3, 1986., pp. 328-248.
[53] نفســـه، ص. 342.
 
الدولة، الأخلاق والسياسة
حميد. ج. الدليمي

القسم الثاني:
الأخلاق والسياسة. مشروع ابن المقفع.
الفصـل الثاني: تنظيم الحكوم


الحكومة هي هذا المجموع من الأشخاص الذين بواسطتهم تنفَّذ قرارات الملك وتشتغل دواليب الدولة. وعندما تكون الحكومة جامدة (inerte)، لاشيء يمكنه أن يتقدم، إذ لا تفيد الشعبَ نوايا الملك الحسنة، والدولة تظل سلبية أو، أسوأ من ذلك، تتحول إلى آلة للقمع والخراب. لذلك، يحث ابن المقفع الأمير على اختيار حكومتَه بعنايةٍ وذلك لسببين:

1) أولا، لأن السلطان لا يمكن أن يُمارَسَ بطريقة صلبة إلا بدعم من أهل «الرأي والعفاف»[1]. يعتبر اختيار الوزراء حاسما في الحياة السياسية والاجتماعية. واختيار الأمير رجلا واحدا، قد يعادل اختيار ألف[2]. على العكس، إذا أخطأ الأمير في اختيار المساعدين، فإن حكومته، على كثرة رجالها، لن يكون لها أساس ولا دوام[3].
2) لتجنب احتجاج الرعايا وشيوع أسرار الملكية:
«فإذا كان الأمير محصنا للأسرار، متخيرا للوزراء، مَهيبـا في أعين الناس، بعيدا من أن يُقدَرَ عليه، كان خليقا ألا يُسلَبَ صحيحَ ما أوتي من الخير»[4].
بالطريقة نفسها التي حدَّد بها ابن المقفع دورَ الملِك النموذج، يعرضُ الصَّاحب الكامل. إنه الرفيق الفاضل، الذي يعمل حسب الآداب الدقيقة للمهنة من أجل خير الملك وخير الدولة.
ولكن ما العمل عندما نكون إزاءَ حكومة فاسدة وأمير طاغية / جائر؟ ما وسائل الكفاح ضد هذا النوع من الحكومة؟
I. المبدأ المنظِّـِّـم: الفضيلـة:
1. أخلاق صحابة الأميـر:
تتمثل الوظيفة الأولى للوزير في عدم ادخار أي جهد لحث الأمير على القيام بكل ما يصلح للزيادة في قوة سلطانه ومجده، تجنّبِ كل ما يمكن أن يُؤذيه أو يغطيه بالعار[5]. يخصص ابن المقفع الفصل الثاني من الأدب الكبير لأخلاق الصحابة، فيعالج ما يجب أن يكون عليه الوزير النموذج، ويعرف الحكومة الفاسدة وإجراءات الفساد.
أ - الأميـرُ وضِعفـه (Le prince et son double):
لماذا الحديث عن صحابة الأمير؟ لأنهم، بتعبير ابن المقفع نفسه، «بهاء فنائه وزينة مجلسه وألسنة رعيته والأعوان على رأيه ومواضع كرامته، والخاصة من عامته»[6]. إنهم الوزراء والكتاب، نُسَخ الأمير الذين بدونهم لا شيء يمكن أن يتمَّ. إنهم القنوات التي عبرها تمر أعمال الأمير الصالحة. وابن المقفع يثبت وينكر، في آن واحد، جمودهم وقصورهم في الحالة التي بلغتها الأشياء في عصره. إنه يبحث عن نموذج للمساعِد التاريخي. قد يكون هو بُزُرْدْج مِهْر كليلة ودمنة أو هذا التنسر الذي أرسِلتْ رسالته إلى مَلك طبرستان. أمثلة عديدة من النسَخ الذي خدمت الأمير بالطريقة الأكثر روعة وجدارة بالخلود في الذاكرة.
ب - الصاحب النموذجي:
يسجل المؤلف أنَّ مهام الحكومة عديدة، ولذلك فهي تقتضي الكثير من الولاة والأعوان. ولكن ابن المقفع يعترف أيضا بأن الذين يجمعون ميزات النصيحة الجيدة وصواب الحكم والرصانة هم قليلون. يجب أوَّلا التعرف على هؤلاء الأشخاص الفضلاء لصالح الحكومة، معرفتهم ثم فحص سلوكهم[7].
الوزير الجيد هو الذي يمكن لمرونته أن تستجيب لتقلب مزاج الأمير، هذا الأخير الذي لا يعرف في أغلب الأحيان رعاياه إلا عبر وزرائه؛ إذا كان هؤلاء منافقين ومرائين تعرض الأمير من جراء ذلك للخطإ واتخاذ الخطوات غير الصائبة «لأن الوالي لا علم له بالناس إلا ما قد علم قبل ولايته»[8].
كذلك، ليس الوزير النموذجي هو الذي يغطي الأمير بالمديح والثناء، وإنما هو الذي يخاطبه في حدود الاحترام، بدون مبالغة. كما لا يجب عليه إطلاقا أن يُشيعَ عيوب الأمير، لأن من شأن ذلك أن يسيء إلى السلطان ويعرض الوزير نفسه للهلاك.
عندما يحصُلُ أن يكون للوزير رأيٌ مخالف لرأي الأمير، فإنه يجب على الوزير أن يحترز من إبداء أي نقد ويمتنع عن مؤاخذة الأمير على طريقته في النظر للشيء المختلف حوله، إذ نادرا ما تصيب هذه المؤاخـذات هدفها، بالإضافة إلى أنها غالبا ما تنتهي إلى نتيجة عكسية.
والخلاصة أنه يجب على الوزير النموذجي هو الآخر أن يحترز من سكر السلطة، والمال، والعلم نفسه، ومن الحاشية، والشباب، لأن هذا النوع من السُّكر يزيل كل اعتبار عن الأشخاص الذين يتمكن منهم.
ينسب ابن المقفع للأخلاق، أخلاق الأمير وصحابته على السواء، وظيفة رئيسية. في الواقع، يبدأ فساد الحكم بفساد الوزراء أو فسَاد الأمير. وبمزج الأخلاق بالسياسية، يمكن لابن المقفع أن يعترف باكتشافه لحل يبعد عن السلطة كل فسادٍ وتدهور.
2. عن فسَـاد الحكـومَـة:
أ - المبـادئ المُفسِدَة:
إذا صدقنا ابن المقفع كان هناك ست آفات تفسد السلطان، وهي: الحرمان، والفتنة (ثورة الرعايا)، والهوى، والفظاظة، والزمان، ثم الخرق[9]. يفسر ابن المقفع لماذا وكيف تؤثر هذه النقائص على الحكم، فيلاحظ، مثلا، أن حرمان حكومةٍ مَّا يحول بينها وبين المساعدين، والمستشارين، ورؤساء الرِّتَل السياسية الذين لهم موهبة الحكم، والأكفاء والجديرين بالثقة. والفتنة تستثير بعضهم على البعض الآخر وتولد الحرب الأهلية. أما الأهواء، فتدفع الحكومة إلى الانهماك في التسليات، في الصيد وفي انشغالات شبيهة. في حين تعتبر الفظاظة تبذيرا للقوة المتوفرة. أما تلف الزمن، فيصيب الناس بمضي السنين، ليصلوا بعد ذلك إلى الموت. والخرق يحمل على استعمال الشدة حيثما يجبُ استعمال اللين، واللين في موضع الشدة[10].
ب - عن السُّكـر:
يعتبر سُكر السلطان - الذي سَبَقَ ذكره - نكبة. فهو يُعمي ويصمي الأميرَ ومساعديه، ويحمل على احتقار الأمير، ويشجع على دسائس الأشرار، وظلم المفترين، الخ[11].
السّكرُ يمكن أن يُفسِدَ الملك وولي العهد على السواء و/أو الوزير؛ فهو يهاجم كل الذين ينسون أنفسهم داخل طموح السلطان ورفاهيته:
«فإن صيغ [الملك] على غير صيغ الرعية، فالملك يطبعه العز والأمن والسرور والقدرة على طباع الأنفة والجرأة والعبث ثم كلما ازداد في العمر تنفسا وفي الملك سلامة، زاده في هذه الطباع الأربعة حتى يسلمه إلى سكر السلطان (...) الذي هو لأشد»[12].
في حالة السّكر، تقلب الحكومة سُلوكاتها فترضى عن الذين يستحقون غضبها وتغضب على الذين يستحقون رضاها[13]. والحال أنه ليس هناك أخطر، بالنسبة لمجتمع ما، من حكومة يخشاها البريء.
II. فقدان الفضيلة: الكفاح ضد الاستبداد:
هل من المشروع و/أو من الملائم مساءلة فكر ابن المقفع حول موضوع الكفاح ضد الحكومة الاستبدادية؟
يتساءل ابن المقفع، من جانب كتاباته ونظامه الأخلاقي السياسي، داخل منظور مغاير، عن ذلك الذي خلفه لنا الإسلام. في الواقع، ليس فكره سوى «مقاومة» حكيمة لنموذج من السلطان لم يتبلور بعد، ونتيجة لذلك غرق في الاستبداد والتعسّف. واعيا بهذه الحقيقة الواقعية، يموضع المؤلف فكره في مستوى مختلف عن مستوى القرآن. ففي هذا الكتاب المقدس، الملك المستبد / الظالم / المتسلط - وكلها مصطلحات تتقارب بهذا القدر أو ذاك - هو الذي يمارس سلطته على حساب الله والدين المنزل. صفة ظالم لا توحي بأي حال من الأحوال بعلاقةٍ بين الحاكم وشعبه. الحكومة الظالمة، عند ابن المقفع، هي التي تمارس سُلطتها ضد مصلحة رعاياها. الظلم - وقد رأينا هذا - لا يمكن أن يكون إلا اجتماعيا. هو الذي يُفقِدُ توازن علاقة حاكم / محكوم ويزيفها. يصير الأمير متغطرسا عندما يفطن إلى السلطة التي يتمتع بها، والقوة التي يستطيع أن يفرض بها إرادته، فيتهكم على رعاياه، ويقلل من أهميتهم ويعاملهم بخبث[14]. في هذه الظروف، من المبرَّرأن يطرح المؤلف أسئلة وجيهة؛ هل يجب تحمّل حكومة ظالمة؟ هل يجب على الأرْوَاح أن تعتاد على التعسف عندما يظهر عند ملك ما[15]؟ هل يمكن الكفاح ضد هذه الحكومة بطريقة أخرى غير الكلمة؟ هل يجب المضي إلى حد طلب الدعم من جماعات أخرى أو دول أخرى؟
يثير المؤلف هنا إمكانيات المقاومة أو الكفاح ضد هذا النوع من الحكومة. ولكن، بحسَبه، لا يمكن الكفاح ضد الاستبداد بإجراءات من شأن عواقبها أن تكون مماثلة لعواقب هذا الاستبداد نفسه. ومن ثم، فإنه يعود للمثقف أن يقود هذا الكفاح ويتصوره. إنها وظيفته السياسية بامتياز. ولكن كيف؟ وماذا سيصير الرعايا؟ هل سيبقى لهم دورٌ مَّا؟
1. من الحدود الموضوعية إلى الجـور: نظرية الحكيم-الرَّادع
يقدَّمُ الحكيم / المثقف باعتباره ضامنا للتوازن، دورُه هو تقييد الظلم وإرشاد عمل الأمير بدقة. لا يتعلق الأمر هنا بمؤسَّسَة تحكّمٍ دائمة، ولكن بنوع من العناية الظرفية بالرعايا. بيد أنَّ المثقفَ ما أن يباشر فعله التحكمي حتى يشكل سلطة عليا وأعلى من السلطة الملكية. ماذا عن المبدإ وأصوله؟
أ - مبدأ نظريـة الحكيم-الرادع:
لا يكتفي ابن المقفع بطرح الدور السياسي للمثقف، بل يطور نظرية حقيقية تجعل من الحكيم العنصر الأساسي في الدولاب / الجهاز الدَّوْلاتِي، وهي نظرية تنحدر من طبيعة السلطان ومن التصور الذي يقيمه عنه ابن المقفع.
السلطانُ يقود إلى الفساد، وهذا قانونٌ طبيعي. ما أن يرى أميرُُ ما سلطانه راسخا على نحو جيد وقوته قد زادت حتى ينزع إلى تغيير طريقة الحكم والانسياق مع «سُكر السلطان» الأكثر إضرارا من سائر باقي ضروب السّكر. آنذاك يصير الحكيم رعاية إلهية بالنسبة للدولة والرعايا:
«فلما استوسق له الأمر، واستقر له الملك، طغى وبغى وتجبر وتكبر؛ وجعل يغزو من حوله من الملوك. وكان مع ذلك مؤيدا مظفرا منصورا، فهابته الرعية. فلما رأى ما هو عليه من الملك والسطوة، عبث بالرعية واستصغر أمرَهم وأساء السيرة فيهم. وكان لا ترتقي حاله إلا إذا ازداد عتوا. فمكث على ذلك برهة من دهره»[16].
إنه قانونُُ عامُُ يجعلُ: «الملوك يصابون بنوع من السكر، مثل ذلك [السكر] الذي يصيب الشباب... [و]لا يصحون من هذا السكر إلا تحت تأثير مواعظ يلقيها العلماء و[تأثير] التربية التي ينصح بها الحكماء»[17].
بتعبير آخر، «يكمن واجب الملوك في تطبيق المواعظ التي يلقيها عليهم الحكماء...»[18].
من الواضح أن وظيفة الحكيم أو واجب المثقف، على نحو أدق، بالنسبة لابن المقفع، يدور، في هذه الحالة، حول تقويم عيوب الملوك بالخطاب وترويض طبعهم بفضل الحكمة، وذلك بإرشادهم بطريقة واضِحَةٍ إلى السبب الضروري لتغيير سلوكهم، وذلك لوضع حد للتصرفات الجائرة والزيغ عن طريق العدل[19]. من أين جاءت هذه النظرية؟ وفي أي ظروف رأى ابن المقفع أن من واجبه صياغتها؟
ب - الحكيم-الرادع: أصول نظرية ومحيطها:
لنظرية الحكيم-الرادع، المعبر عنها في كليلة ودمنة أساسا، أصولها الهندية. في الواقع، وكما أظهر ذلك م. روبن، يقدِّمُ كلّ من الباكاطانطرا والكوتيلية (Les Pacatantra et la Kutiliya) الحكيمَ بمثابة سلطة خلقية وسياسية وضعها الاعتباري أعلى من نظيره الذي للأمير. ولكن الإسلامَ نفسه قريبٌ من هذه الرؤية؛ فالخليفة في الإسلام ليسَ سِوَى سُلطة زمنية، بدون سلطة تشريعية أو دينية، ومن ثمَّ التفوق المزعوم لممتلكي المعرفة الدينية. لقد حث انحطاط السلطة الدينية في زمن ابن المقفع، وبالتالي انحطاط المثقفين، حثَّ المؤلفَ على العمل من أجل عودةٍ إلى حكومة الحكماء. ألم يـسجل المؤلف قصور السلطات السياسية ووجودَ أزمة عميقة داخل النخبة؟
«إن الفضائل التي تميز الرجل الحقيقي تمثل الآن هدفا يُرَادُ غرس السهام فيه، [سهامٌ] مسدَّدة من أعلى رتب السلم الاجتماعي إلى أسفلها. تعظمت الدناءة وتدعمت. غادر السلطان أهل الجدارة ليعاشر أولئك الذين تنعدم فيهم الخصال الإنسانية الحقة»[20].
2. في مقـاومـة الجـور:
تعتبـر مقاومة الظلم من واجب الحكيم كما من واجب الفرد من الرعايا.
أ - الوسائـل المبعَـدَة:
ولكن هذه المقاومة المشروعة، المنطلقة من تعلق بالقيم الإنسانية، يجب أن تحترم المبادئ التي عللتها. ومن ثم فكرة إبعاد استعمال العنف والذكاء مع الأجنبي.
1) - العنـف: يجب إبعاد العنف من الحقل السياسي الداخلي، سواءُُ من جانب الأمير أو من جانب «المقاومين». يجب على الحكيم أن يمتنع عن كل ما يمكن أن يؤولَ إلى تواطؤ مع القتل أو مع العنف بصفة عامة. يجب أن يُبعِدَ من ذهنه كل فكرة تجذب إلى إيذاء أمثاله، أي كل فكرة للغضب، للسرقة، للخيانة، للكذب، للافتراء، للنميمة. يجب أن يتمثل في وعيه عدمَ إلحاق الحرمان بأي شخص، وألا يُكَذِّبَ رُسُلَ الله ولا بعث الموتى، ولا مكافأة الأعمال الحسنة، ولا عقاب أشرار هذا العالم[21].
2) - عن الذكاء مع الأجنبي: هذا الإجراء مُبعَدُُ بحكم الواقع من قِبل التصور الذي يحمله المؤلف عن «الوطن» باعتباره حجر الزاوية للوفاء إلى هويته الخاصة.
مـن ناحية أخرى، يُستبعَد أن يكون من المحقق - في نظر ابن المقفع - أن يكون اللجوء إلى عناصر خارجية أمرا نافعا:
«فلو مضى بنا الأمر إلى حد طلب دعم أشخاص آخرين، فإن معارضتنا لن تتحسن مع ذلك»[22].
ب - عن الكفاح السلمـي:
أيّ علاج يتبقى؟ يقترح علينا ابن المقفع كفاحا سلميا، بتعبئة الرعايا واستشارتهم، وينسب لخطبة الحكيم المثالية العبارات التالية:
«فلما رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية، فكر في وجه الحيلة في صرفه عما هو عليه، وردّه إلى العدل والإنصاف، فجمع لذلك تلامذته، وقال: أتعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه؟ اعلموا أني أطلت الفكرة في دبشليم وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشّرّ ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية؛ ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك، إلا لنردهم إلى فعل الخير ولزوم العدل. ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزم وقوع المكروه بنا، وبلوغ المحذورات إلينا؛ إذ كنا في أنفس الجهال أجهل منهم؛ وفي العيون عندهم أقل منهم. وليسَ الرأي عندي الجلاء عن الوطن. ولا يسعنا في حكمتنا إبقاؤه على ما هو عليه من سوء السيرة وقبح الطريقة. ولا يمكننا مجاهدته بغير ألسنتنا. ولو ذهبنا نستعين بغيرنا لم تتهيأ لنا معاندته. وإن أحس منا بمخالفته وإنكارنا سوء سيرته كان في ذلك بوارنا. وقد تعلمون أن مجاورة السبع والكلب والثور على طيب الوطن ونضارة العيش الغدر بالنفس»[23].
يعتبر الكفاحُ السلمي وسيلة فعالة للكفاح ضد الظلم لأنه يمزج بين الحكمة والسلم ويقابل العنفَ بالعقل:
«فوجدت ما قالت العلماء فرضا واجبا على الحكماء بملوكهم ليوقظوهم من سِنة سكرتهم؛ كالطبيب الذي يجب عليه في صناعته حفظ الأجساد على صحتها أو ردّها إلى الصحة. فكرهت أن يموت أو أموت وما يبقى على الأرض إلا من يقول: إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم الطاغي فلم يردّه عما كان عليه»[24].


هوامــش

[1] Fouchécour, Ch. H. de Moralia..., op. cit., p. 294;
وأدب الصحابة، م. س.، ص. 145.
[2] نفسـه، ص. 144.
[3] نفسـه.
[4] كليلة ودمنـة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 144.
[5] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 150.
[6] الرسالة، § 44.
[7] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 256. في السياق نفسه يقول ابن المقفع: «لا يُستطاعُ السلطان إلا بالوزَراء والأعوان، ولا يُنفع الوزراء إلا بالمودة والنصيحة، ولا المودة إلا مع الرأي والعفاف...». الأدب الصغير، م. س.، ص. 145 وما يليها.
[8] عبد الله بن المقفع، الأدب الكبير، م. س.، ص. 36-37.
[9] كليلة ودمنة، (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 140، وكليلة ودمنة (طبعة دار الكتاب اللبناني)، م. س.، ص. 115، وكليلة ودمنة (طبعة دار التوفيق للطباعة والنشر والتوزيع)، م. س.، ص. 110.
[10] كليلة ودمنـة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 140؛ وكليلة ودمنة (طبعة دار الكتاب اللبناني)، م. س.، ص. 116.
[11] عهـد.أردشيـر، م. س.
[12] نفســــه.
[13] نفســه.
[14]كليلة ودمنـة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 63.
[15] نفسـه، الصفحة ذاتها.
[16] كليلة ودمنـة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 7.
[17] نفســه، ص. 81.
[18] نفسـه.
[19] نفســه.
[20] نفســـه، ص. 115.
[21] كليلة ودمنـة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 108-109.
[22] نفسـه، ص. 64.
[23] كليلة ودمنـة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 7-8.
[24] نفســه، ص. 18.
 
الدولة، الأخلاق والسياسة
حميد. ج. الدليمي

خاتـمـة


الدولة باعتبارها بنية، الدولة باعتبارها صورة، مجتمع التكافل، الإنسان الكامل، الحكيم الفعال...، في منظور مغاير للمنظور الديني. الثورة ضد الجمود، ضد رفع المسؤولية عن سادة الشأن العمومي، ابتكار معايير أخرى للملِك - النموذج. تحديدٌ جديد للشأن السياسي وباكورة من أجل علمانية معتدلة، خجولة وعقلانية... كلها مواضيع تدخلنا في الحقل الأصيل والجديد لإسهام ابن المقفع في العلم السياسي.

تكتسي هذه الموضوعات أهمية رئيسية بالنظر إلى ظروف صياغتها والطريقة التي تمت بها هذه الصياغة. وإذا كانت قد تعرضت فيما بعد للإخفاء، لا بل وحتى «للإقبار» من قبل الأمراء و«الفقهاء السياسيين» الذين وَضَعَتهم مَوضع تساؤل، فذلكَ بالضبط لأن مؤلفها قام بعمل في منتهى الأصالة، دون أن يكتفي بإعادة إنتاج نماذج موجودة آنفا. في روح كتابات ابن المقفع، لم يكن استخدام نوع ونماذج قديمة، في الواقع، سوى وسيلة لمنح فكره بُعدا كونيا وموضَعته داخل إطاره التاريخي المشروع.
إن استعمال ابن المقفع لمَصَادِره ليس مجرد تجميعات ومنتخبات، وإنما هو تأليف نماذج من أجل تصور منتوج أصيل، متكيف مع وضعية تاريخية محدَّدَة.
تعتبر رسالة ابن المقفع واضحة نسبيا، وتتلخص على النحو التالي: «لكي يكون المرء مثل الآخرين، يجب عليه أن يتبنى ما يصنع عظمتهم، ولكن يجب عليه أن يكون هو نفسه متهيئا للتكيف مع ما سيُستعارُ من الآخرين». كان المجال مفتوحا كليا لابن المقفع كي يلاحظ تردد المسلمين تجاه البنيات الاجتماعية للأمم الأخرى، والوسيلة التي بقيت له هي أن يُبيِّنَ لهم احتمال تطابق مَشرُوعه مع البنية الإيديولوجية الإسلامية. بيد أنَّ تصميمَ المسلمين وحزمهم في مواجهة كلّ ما يمس العقيدة، أفضى إلى وضع ابن المقفع على رصيف المجتمع، ثم على رصيف التاريخ، بدل منحه المكانة الوحيدة التي طمحَ إليها، وهي مكانة المثقف المنشغل بمستقبل مجتمعه.
ما وراء هذا «النسيان» وهذا «الجحُود»، سيفرض فكر ابن المقفع نفسَه خارج كل سجال[1]، وسيُغري الأمراء ويضطرهم إلى إجراء تأمل مُعمق. وذلك لا يخلو من صواب، إذ أننا، مع ابن المقفع، نكون في منأى عن تفكير ناقص أو مشوَّه ومتعدد الشكل. ثمة وحدة، تجانس وتماسك يتعين اكتشافه في الوسائل المستعملة، في بنيات الكتابة وانطلاقا من نص مشتت لأسباب محدَّدة - بدون شك - ولكن لا يمكن كشفه بسهولة. مشرُوعُُ يُستخلصُ بصُعوبة، ولكن ما أن نضع عليه أيدينا فجأة حتى يغير طريقتنا في تبصّر كل كتابة، سواء كانت سياسية أو أدبية في الظاهر. في هذه الحالة، يفرضُ المشروع المقفعي على المرءَ إعادة كتابة تاريخ العلم السياسي منذ الأصول حتى أيامنا هذه. ولكن مثل إعادة الكتابة هذه يجب أن تحترز من القبليات الإيديولوجية والسطحية التي جردت كتابة تاريخ الأفكار السياسية من طبيعتها. يطرح فكرُ ابن المقفع نفسَه باعتباره يكاد يكون مختلفا اختلافا كليا عن الإشكالية الإسلامية. والحاضرة الإنسانية التي تصورها ابن المقفع وامتدحها، سيقابلها التقليدُ الإسلامي - تقليد «الفقهاء السياسيين» - بدوغمائية دون ابتكار.
تتمثل أصَالة العِلم السِّياسِي المقفعي في كونه ألح على قدرة العقل على تأسيس دولة، على تدبير إمبراطورية وتحقيق سعادة الإنسان انطلاقا من الانسجام الاجتماعي. ولكن التناقض هو الأقوى وحاضرة الإنسان هذه ستختفي نهائيا لفائدة حاضرةٍ لله يمتدحها «الفقهاء السياسيون» و/أو حاضرة ميتافيزيقية «يستنسخها» الفلاسفة. ومعناه، في الواقع، أنه مع هذه المدارس الأخيرة ستتبع مفاهيم سياسية خالصة للفقه، أي لهذا «العلم» المهيمن الروتيني الذي انصب اهتمامه على قضايا خاصة للشأن اليومي وليس على الشمولية الاجتماعية. وحتى عندما سيَدرُس تيار «الفقهاء السياسيين» القواعد الدستورية للجماعة، سيفعل ذلك دون أي استقلال وسيختزلها إلى جزء من الفقه وكذلك القضايا الثابتة كقواعد الإرث وقواعد الالتزامات والعقود. بيد أن الشأن السياسي، كما يتبين من عمل ابن المقفع، هو علمُُ تجريبي مُرتكِز على تجارب الذين سبقونا. إنَّ الشغل الأساسي «للفقهاء السياسيين» لم يكن هو مسألة النظام ولا مسألة الانسجام الاجتماعي، مادام من المفروض أن يكون هذا الانسجام مُحصَّلا عليه داخل الأمة. كان انشغالهم بالأحرى يتمثل في أن يظهروا، من جهةٍ، الأصولَ الدينية للخلافة، ويبينوا، من جهة أخرى، جمع أحكام وممارسات دينية خاصَّة بالسّلطان.
لذا، فابن المقفع لا يشكل صورة أصيلة تجاه عَصْره فحسب، بل إن رسالته وإن لم تفهم في عصره، فإنها تظل أكثر نجاعة في العصور التالية التي ستفهمها. وهناك مجال للتساؤل: من أين تستمد أعماله طبيعتها المجدِّدة إلى هذا الحد؟
إذا كان لابن المقفع الكثير مما يريد قوله، فذلك راجعٌ أوَّلا لشخصيته، لوسطه ولتجربته. باعتباره رجُلا رهيفا، حاد الذهن وسريع التأثر، فقد رأى موهبته ككاتب تظهر في ملتقى ثقافتين. منحدرا من الأرستقراطية الفارسية القديمة التي ضيَّق عليها الحاكمون الخناق، فإنه يبقى بعيدا عن أن ينكر القيم والتقاليد الموروثة عن الأجداد و، ماوراء هذه التقاليد، مجموع المكتسب الهندي-الفارسي؛ عندما يحيل عليه، فذلك ليس للتضحية بهذا الميراث العظيم، ولا لمجرد التذكر المبهم لماض بعيد. بيد أنَّ ابن المقفع هو أيضا المثقف المسلم، الذي نشأ في التقليد الإسلامي واللغة العربية، وتغذى من أفضل المدارس العراقية. منتميا إلى النخبة المحلية القديمة التي تعرضت للانحطاط في نهاية الفتح الإسلامي، فإنه لم يشغل بالتأكيد منصب شخصية سياسية سامية ولكن موقعه لم يبعده - مع ذلك - عن دوائر الحكام وبالتالي لم تَفلت من حدة ذكائه رهانات السلطة وما تحدثه من مكائد ودسائس سياسية. محرَّرا من الأوهام، هناك أيضا دواعي لذلك؛ فالعائلة الأموية - المقدَّمة باعتبارها تألقت بظلمها - تشغر المكان للعائلة العباسية التي وإن وصلت إلى السلطة بثورة حقيقية، فهي لا تبدو قادرة على تبرير الآمال المعقودة عليها. في هذا السياق اعتقد ابن المقفع أن من واجبه أن يصوغ فكره، متغلبا على الكراهية والنفور الذين يوحي بهما إليه نفاق الحكومات وعدم كفاءتها وغطرستها وكيفية استخدامها الدين لأغراض سياسية. الظرف مناسب أكثر من أي وقت مضى، بحسبه، لترك الكلمة للحكماء، لأهل العقل الذين ظلوا إلى ذلك الحين صامتين عن حذَرٍ أو عن وَهْم. تعتبر هذه الجرأة أول ميزة لابن المقفع، ولربما كانت الوحيدة لو لم يكفه الوقت ليخلف كتابات نادرة جدا قبل أن يتعرض للقتل من قِبَل السلطان الذي كان يهدِّده بواقعيته الكاملة. خلافا للحكماء الرواقيين من الحضارة الإغريقية - الرومانية القديمة، المنسحبين من العالم والمحتقرين لأباطيله، فإن الحكيم الشرقي وريث التقاليد الآسيوية يرى من واجبه التدخل لدى الأمير لتنويره وإرشاد سياسته.
بقي حاجزُُ كبير: لم يكن ابن المقفع مدعوا مباشرة إلى إطلاع العاهل الحاكم على آرائه ووصاياه. هل كان تقليد استشارة الحكماء في طور التلاشي أم كانت فعاليته في طور الإفراغ تحت ضغط سلطة تيوقراطية وغليظة؟
ثمة مجال لافتراض ذلك. على الأقل يزعم ابن المقفع تجديد الصلة مع هذا التقليد وإصلاحه في كل بُعدِه السياسي الشفاف. وقد نجح في ذلك، وأعماله هنا لتشهد بذلك، ولكن هو نفسه دفع حياته ثمنا لالتزامه.
معناه أن جنسَ مرايا الأمراء الذي اختاره ابن المقفع شكلا تعبيريا لإضفاء حلة الأصالة على أفكاره، لم يكن مُتَصَنَعا بالشكل الذي كان يمكن انتظاره من صورة مرآوية. ألم يكن في تسجيل ذاكرة الأمراء الهنديين للبانكاطانطرا أو شاهنشاه الفُرس، حَطٌّ، في الآن نفسه، من ذاكرة الخلفاء المتزينين مع ذلك بلقب خلفاء الرسول؟ يوحي ابن المقفع بذلك بالكاد، وبطريقة محجوبة بغطاء الخرافة.
ولكن ماهذا الفكر الصَّاقل والكريم الذي لا يطيقه السلطان القائم؟
ابن المقفع أوَّلا هو المحلِّل الذي يفرض نفسَه، هو الرجل الذي يعرف وضع مسافات بينه وبين مجتمعه، ومحيطه، والإيديولوجيا المهيمنة. تتجلى فيه مسبقا الخصال العلمية التي قد تباهي قرن ديكارت: واضعا قواعد العلم السياسي، ينطلق من تقطيع، من تجريدٍ يتيح له أن يعزل مفهوم الملك. هذا السلطان يوجَد في استقلال عما يمكن أن يبرِّره (الدين أو الأخلاق وحدها)، إنه في آن واحد حتمي وضروري، يتعالى عن القرون والأمصار، يهدف إلى غاية موضوعية هي الدوام أو الاستمرار على الأقل. ومن هذا التسلسل من الضرورة إلى السلطان ومن السلطان إلى العقلية[2]، يستخلص ابن المقفع قوانين ليس لها أية علاقة (بالقوانين-التنظيم) أو (القوانين-الأحكام). هذه القوانين هي ثمرة تفكير علمي حق حول الإواليات الضمنية التي تحكم الظاهرة السياسية: إنها لا تملى، إنها تلاحِظُ وتُحلل. بالفعل، يرخص ابن المقفع لنفسه، من خلال كتاباته، باستخلاص عدد من المعطيات السياسية موضوعية قابلة للتعميم.
لا تكمن إشكالية السلطان في البحث عن بديل له (ولا في اختيار شكل مثالي لممارسته، لأن ابن المقفع يقصي كل احتمال للمُلك المتقاسم أو المشترَك على أعلى مستوى)، وإنما (تكمن) في البحث عن توازن أكبر وأساس أفضل لهذا السلطان. وللوصول إلى هذه النتيجة، لا يتوقف ابن المقفع عند أي اعتبار ذي طبيعة أخلاقية، أو على الأقل عند الوسائل التي يجب استعمالها لأنها جميعا صالحة ومشروعة شريطة أن تعود على السلطان بربح الاستقرار، وهو ما يصير الغاية في ذاتها للحكيم السياسي. ومن ثمَّ، عند المقفع، تبرير شكل دولة من نوع عصري وعقلاني، متوفرة على جهاز قوي: جيش دائم، مُكوَّن بعناية ويتلقى راتبا منتظما، ومصالح الاستخبارات للإمبراطورية، واللامركزية. أخيرا، من بين أركان الدولة، لا يتردَّد ابن المقفع في التطرق للإيديولوجيا، وبالخصوص الدين، قالبا على هذا النحو نمط المقاربة الإسلامية للظاهرة السياسية.
ولكن الدولة، بعيدا عن أن تنتهي إلى تشكيل نوع من الوحدة العضوية، ليفياتان[3] قاس لا ينثني وشخصي، لا تتصوَّرُ إلا ضمن منظور خدمة الأمير. ذلك أنه لا يمكن أن يكون هناك سلطان سام ما لم يكن شخصيا، لا يجب على الدولة أبدا أن تتجاوز شرطها، وهو شرطُ الانبثاق عن الأمير. ففي الأمير تقيم كلُّ قوة وعليه يعتمد كلَّ خير. في هذه المرحلة يتطور الـشق المثالي والإنساني عند الكاتب، لأنه إذا كان يقبل بضرورة السلطان، بل وبقدريته، فإنه يرى إلى جانب ذلك أن المَدعُو للمُمَارَسَة يجب أن يكون جديرا باستعمال شيء ثمين لدرجة أنَّه يمكن أن يغدو مصدرَ الخير كله لدولةٍ ما أو مصدر الشر كله لشعب ما. وظيفية، وعقلانية، تستقر الملكية بين يدي رجُل. وهذا الرجل يتعين عليه، بفضيلته، أن يلهم شعبَه. بدون هذه الفضيلة لا تكون الدولة سوى آلةٍ يمكن أن تصاب بالجنون، أن تـسكِرَ أو تصاب بعطب مفاجئ، بدون هذه الفضيلة يكون الشعبُ غابة، وبدونها يغدو الملِك مصدر خوف للمرء وإن كان بريئا. ولذلك، إذا كان ابن المقفع لا يبرِّر وُجودَ السلطان بمؤسَّسة إلهية أو ببحثٍ أخلاقي، فإنه يؤمن في المقابل بالفضيلة باعتبارها مبدأ مُنظِّما لكل نظام سياسي. وهذه القناعة تقوده بعيدا جدا لأنه، وهو يتخذ لحسَابـه المنطِق «المكوِّن» للخليفة، يصل في كليلة ودمنة إلى تخيل إمكانية «مقاومة» الشعب (الحكماء) لسلطان الظلم. وبدون لُـبْسٍ يضع ابن المقفع نفسَه في الخشبة منيطا بذاته دور «الحكيم - الرادع»، وبـ «الخليفة» الحاكم دورَ المستبدّ. كان التلميحُ واضحا، فأدى حياته ثمنا عنه، واختبر نظريته نتيجة لذلك: السّلطانُ كان موجودا بالتأكيد خارج كل ما كان يمكن أن يبرره، والفضيلة لم يكن بإمكانها أن تكون إلا ترفا، ترفا ثمينا مثلَ حياة رَجُلٍ رفضَ وضعية التشيّـؤ.


هوامـــش

[1] حسب الذهبي، لقد «طلب المنصور من المكي بن العباس تحرير كتابٍ وجمع قضاته على طريقة القرآن...»، راجع: السيد، ر. الأمـة...، م. س.، ص. 107.
[2] rationalité: صفة ما هو عقلي [م].
[3] ليفياتان (Leviatan): نسبة إلى كتاب توماس هوبز تحت العنوان نفسه.
 
الدولة، الأخلاق والسياسة
حميد. ج. الدليمي

القسم الثاني:
الأخلاق والسياسة. مشروع ابن المقفع.
الفصـل الثاني: تنظيم الحكومة


الحكومة هي هذا المجموع من الأشخاص الذين بواسطتهم تنفَّذ قرارات الملك وتشتغل دواليب الدولة. وعندما تكون الحكومة جامدة (inerte)، لاشيء يمكنه أن يتقدم، إذ لا تفيد الشعبَ نوايا الملك الحسنة، والدولة تظل سلبية أو، أسوأ من ذلك، تتحول إلى آلة للقمع والخراب. لذلك، يحث ابن المقفع الأمير على اختيار حكومتَه بعنايةٍ وذلك لسببين:

1) أولا، لأن السلطان لا يمكن أن يُمارَسَ بطريقة صلبة إلا بدعم من أهل «الرأي والعفاف»[1]. يعتبر اختيار الوزراء حاسما في الحياة السياسية والاجتماعية. واختيار الأمير رجلا واحدا، قد يعادل اختيار ألف[2]. على العكس، إذا أخطأ الأمير في اختيار المساعدين، فإن حكومته، على كثرة رجالها، لن يكون لها أساس ولا دوام[3].

2) لتجنب احتجاج الرعايا وشيوع أسرار الملكية:
«فإذا كان الأمير محصنا للأسرار، متخيرا للوزراء، مَهيبـا في أعين الناس، بعيدا من أن يُقدَرَ عليه، كان خليقا ألا يُسلَبَ صحيحَ ما أوتي من الخير»[4].
بالطريقة نفسها التي حدَّد بها ابن المقفع دورَ الملِك النموذج، يعرضُ الصَّاحب الكامل. إنه الرفيق الفاضل، الذي يعمل حسب الآداب الدقيقة للمهنة من أجل خير الملك وخير الدولة.
ولكن ما العمل عندما نكون إزاءَ حكومة فاسدة وأمير طاغية / جائر؟ ما وسائل الكفاح ضد هذا النوع من الحكومة؟

I. المبدأ المنظِّـِّـم: الفضيلـة:

1. أخلاق صحابة الأميـر:
تتمثل الوظيفة الأولى للوزير في عدم ادخار أي جهد لحث الأمير على القيام بكل ما يصلح للزيادة في قوة سلطانه ومجده، تجنّبِ كل ما يمكن أن يُؤذيه أو يغطيه بالعار[5]. يخصص ابن المقفع الفصل الثاني من الأدب الكبير لأخلاق الصحابة، فيعالج ما يجب أن يكون عليه الوزير النموذج، ويعرف الحكومة الفاسدة وإجراءات الفساد.
أ - الأميـرُ وضِعفـه (Le prince et son double):
لماذا الحديث عن صحابة الأمير؟ لأنهم، بتعبير ابن المقفع نفسه، «بهاء فنائه وزينة مجلسه وألسنة رعيته والأعوان على رأيه ومواضع كرامته، والخاصة من عامته»[6]. إنهم الوزراء والكتاب، نُسَخ الأمير الذين بدونهم لا شيء يمكن أن يتمَّ. إنهم القنوات التي عبرها تمر أعمال الأمير الصالحة. وابن المقفع يثبت وينكر، في آن واحد، جمودهم وقصورهم في الحالة التي بلغتها الأشياء في عصره. إنه يبحث عن نموذج للمساعِد التاريخي. قد يكون هو بُزُرْدْج مِهْر كليلة ودمنة أو هذا التنسر الذي أرسِلتْ رسالته إلى مَلك طبرستان. أمثلة عديدة من النسَخ الذي خدمت الأمير بالطريقة الأكثر روعة وجدارة بالخلود في الذاكرة.
ب - الصاحب النموذجي:
يسجل المؤلف أنَّ مهام الحكومة عديدة، ولذلك فهي تقتضي الكثير من الولاة والأعوان. ولكن ابن المقفع يعترف أيضا بأن الذين يجمعون ميزات النصيحة الجيدة وصواب الحكم والرصانة هم قليلون. يجب أوَّلا التعرف على هؤلاء الأشخاص الفضلاء لصالح الحكومة، معرفتهم ثم فحص سلوكهم[7].
الوزير الجيد هو الذي يمكن لمرونته أن تستجيب لتقلب مزاج الأمير، هذا الأخير الذي لا يعرف في أغلب الأحيان رعاياه إلا عبر وزرائه؛ إذا كان هؤلاء منافقين ومرائين تعرض الأمير من جراء ذلك للخطإ واتخاذ الخطوات غير الصائبة «لأن الوالي لا علم له بالناس إلا ما قد علم قبل ولايته»[8].
كذلك، ليس الوزير النموذجي هو الذي يغطي الأمير بالمديح والثناء، وإنما هو الذي يخاطبه في حدود الاحترام، بدون مبالغة. كما لا يجب عليه إطلاقا أن يُشيعَ عيوب الأمير، لأن من شأن ذلك أن يسيء إلى السلطان ويعرض الوزير نفسه للهلاك.
عندما يحصُلُ أن يكون للوزير رأيٌ مخالف لرأي الأمير، فإنه يجب على الوزير أن يحترز من إبداء أي نقد ويمتنع عن مؤاخذة الأمير على طريقته في النظر للشيء المختلف حوله، إذ نادرا ما تصيب هذه المؤاخـذات هدفها، بالإضافة إلى أنها غالبا ما تنتهي إلى نتيجة عكسية.
والخلاصة أنه يجب على الوزير النموذجي هو الآخر أن يحترز من سكر السلطة، والمال، والعلم نفسه، ومن الحاشية، والشباب، لأن هذا النوع من السُّكر يزيل كل اعتبار عن الأشخاص الذين يتمكن منهم.
ينسب ابن المقفع للأخلاق، أخلاق الأمير وصحابته على السواء، وظيفة رئيسية. في الواقع، يبدأ فساد الحكم بفساد الوزراء أو فسَاد الأمير. وبمزج الأخلاق بالسياسية، يمكن لابن المقفع أن يعترف باكتشافه لحل يبعد عن السلطة كل فسادٍ وتدهور.

2. عن فسَـاد الحكـومَـة:
أ - المبـادئ المُفسِدَة:
إذا صدقنا ابن المقفع كان هناك ست آفات تفسد السلطان، وهي: الحرمان، والفتنة (ثورة الرعايا)، والهوى، والفظاظة، والزمان، ثم الخرق[9]. يفسر ابن المقفع لماذا وكيف تؤثر هذه النقائص على الحكم، فيلاحظ، مثلا، أن حرمان حكومةٍ مَّا يحول بينها وبين المساعدين، والمستشارين، ورؤساء الرِّتَل السياسية الذين لهم موهبة الحكم، والأكفاء والجديرين بالثقة. والفتنة تستثير بعضهم على البعض الآخر وتولد الحرب الأهلية. أما الأهواء، فتدفع الحكومة إلى الانهماك في التسليات، في الصيد وفي انشغالات شبيهة. في حين تعتبر الفظاظة تبذيرا للقوة المتوفرة. أما تلف الزمن، فيصيب الناس بمضي السنين، ليصلوا بعد ذلك إلى الموت. والخرق يحمل على استعمال الشدة حيثما يجبُ استعمال اللين، واللين في موضع الشدة[10].
ب - عن السُّكـر:
يعتبر سُكر السلطان - الذي سَبَقَ ذكره - نكبة. فهو يُعمي ويصمي الأميرَ ومساعديه، ويحمل على احتقار الأمير، ويشجع على دسائس الأشرار، وظلم المفترين، الخ[11].
السّكرُ يمكن أن يُفسِدَ الملك وولي العهد على السواء و/أو الوزير؛ فهو يهاجم كل الذين ينسون أنفسهم داخل طموح السلطان ورفاهيته:
«فإن صيغ [الملك] على غير صيغ الرعية، فالملك يطبعه العز والأمن والسرور والقدرة على طباع الأنفة والجرأة والعبث ثم كلما ازداد في العمر تنفسا وفي الملك سلامة، زاده في هذه الطباع الأربعة حتى يسلمه إلى سكر السلطان (...) الذي هو لأشد»[12].
في حالة السّكر، تقلب الحكومة سُلوكاتها فترضى عن الذين يستحقون غضبها وتغضب على الذين يستحقون رضاها[13]. والحال أنه ليس هناك أخطر، بالنسبة لمجتمع ما، من حكومة يخشاها البريء.

II. فقدان الفضيلة: الكفاح ضد الاستبداد:

هل من المشروع و/أو من الملائم مساءلة فكر ابن المقفع حول موضوع الكفاح ضد الحكومة الاستبدادية؟
يتساءل ابن المقفع، من جانب كتاباته ونظامه الأخلاقي السياسي، داخل منظور مغاير، عن ذلك الذي خلفه لنا الإسلام. في الواقع، ليس فكره سوى «مقاومة» حكيمة لنموذج من السلطان لم يتبلور بعد، ونتيجة لذلك غرق في الاستبداد والتعسّف. واعيا بهذه الحقيقة الواقعية، يموضع المؤلف فكره في مستوى مختلف عن مستوى القرآن. ففي هذا الكتاب المقدس، الملك المستبد / الظالم / المتسلط - وكلها مصطلحات تتقارب بهذا القدر أو ذاك - هو الذي يمارس سلطته على حساب الله والدين المنزل. صفة ظالم لا توحي بأي حال من الأحوال بعلاقةٍ بين الحاكم وشعبه. الحكومة الظالمة، عند ابن المقفع، هي التي تمارس سُلطتها ضد مصلحة رعاياها. الظلم - وقد رأينا هذا - لا يمكن أن يكون إلا اجتماعيا. هو الذي يُفقِدُ توازن علاقة حاكم / محكوم ويزيفها. يصير الأمير متغطرسا عندما يفطن إلى السلطة التي يتمتع بها، والقوة التي يستطيع أن يفرض بها إرادته، فيتهكم على رعاياه، ويقلل من أهميتهم ويعاملهم بخبث[14]. في هذه الظروف، من المبرَّرأن يطرح المؤلف أسئلة وجيهة؛ هل يجب تحمّل حكومة ظالمة؟ هل يجب على الأرْوَاح أن تعتاد على التعسف عندما يظهر عند ملك ما[15]؟ هل يمكن الكفاح ضد هذه الحكومة بطريقة أخرى غير الكلمة؟ هل يجب المضي إلى حد طلب الدعم من جماعات أخرى أو دول أخرى؟
يثير المؤلف هنا إمكانيات المقاومة أو الكفاح ضد هذا النوع من الحكومة. ولكن، بحسَبه، لا يمكن الكفاح ضد الاستبداد بإجراءات من شأن عواقبها أن تكون مماثلة لعواقب هذا الاستبداد نفسه. ومن ثم، فإنه يعود للمثقف أن يقود هذا الكفاح ويتصوره. إنها وظيفته السياسية بامتياز. ولكن كيف؟ وماذا سيصير الرعايا؟ هل سيبقى لهم دورٌ مَّا؟
1. من الحدود الموضوعية إلى الجـور: نظرية الحكيم-الرَّادع
يقدَّمُ الحكيم / المثقف باعتباره ضامنا للتوازن، دورُه هو تقييد الظلم وإرشاد عمل الأمير بدقة. لا يتعلق الأمر هنا بمؤسَّسَة تحكّمٍ دائمة، ولكن بنوع من العناية الظرفية بالرعايا. بيد أنَّ المثقفَ ما أن يباشر فعله التحكمي حتى يشكل سلطة عليا وأعلى من السلطة الملكية. ماذا عن المبدإ وأصوله؟
أ - مبدأ نظريـة الحكيم-الرادع:
لا يكتفي ابن المقفع بطرح الدور السياسي للمثقف، بل يطور نظرية حقيقية تجعل من الحكيم العنصر الأساسي في الدولاب / الجهاز الدَّوْلاتِي، وهي نظرية تنحدر من طبيعة السلطان ومن التصور الذي يقيمه عنه ابن المقفع.
السلطانُ يقود إلى الفساد، وهذا قانونٌ طبيعي. ما أن يرى أميرُُ ما سلطانه راسخا على نحو جيد وقوته قد زادت حتى ينزع إلى تغيير طريقة الحكم والانسياق مع «سُكر السلطان» الأكثر إضرارا من سائر باقي ضروب السّكر. آنذاك يصير الحكيم رعاية إلهية بالنسبة للدولة والرعايا:
«فلما استوسق له الأمر، واستقر له الملك، طغى وبغى وتجبر وتكبر؛ وجعل يغزو من حوله من الملوك. وكان مع ذلك مؤيدا مظفرا منصورا، فهابته الرعية. فلما رأى ما هو عليه من الملك والسطوة، عبث بالرعية واستصغر أمرَهم وأساء السيرة فيهم. وكان لا ترتقي حاله إلا إذا ازداد عتوا. فمكث على ذلك برهة من دهره»[16].
إنه قانونُُ عامُُ يجعلُ: «الملوك يصابون بنوع من السكر، مثل ذلك [السكر] الذي يصيب الشباب... [و]لا يصحون من هذا السكر إلا تحت تأثير مواعظ يلقيها العلماء و[تأثير] التربية التي ينصح بها الحكماء»[17].
بتعبير آخر، «يكمن واجب الملوك في تطبيق المواعظ التي يلقيها عليهم الحكماء...»[18].
من الواضح أن وظيفة الحكيم أو واجب المثقف، على نحو أدق، بالنسبة لابن المقفع، يدور، في هذه الحالة، حول تقويم عيوب الملوك بالخطاب وترويض طبعهم بفضل الحكمة، وذلك بإرشادهم بطريقة واضِحَةٍ إلى السبب الضروري لتغيير سلوكهم، وذلك لوضع حد للتصرفات الجائرة والزيغ عن طريق العدل[19]. من أين جاءت هذه النظرية؟ وفي أي ظروف رأى ابن المقفع أن من واجبه صياغتها؟
ب - الحكيم-الرادع: أصول نظرية ومحيطها:
لنظرية الحكيم-الرادع، المعبر عنها في كليلة ودمنة أساسا، أصولها الهندية. في الواقع، وكما أظهر ذلك م. روبن، يقدِّمُ كلّ من الباكاطانطرا والكوتيلية (Les Pacatantra et la Kutiliya) الحكيمَ بمثابة سلطة خلقية وسياسية وضعها الاعتباري أعلى من نظيره الذي للأمير. ولكن الإسلامَ نفسه قريبٌ من هذه الرؤية؛ فالخليفة في الإسلام ليسَ سِوَى سُلطة زمنية، بدون سلطة تشريعية أو دينية، ومن ثمَّ التفوق المزعوم لممتلكي المعرفة الدينية. لقد حث انحطاط السلطة الدينية في زمن ابن المقفع، وبالتالي انحطاط المثقفين، حثَّ المؤلفَ على العمل من أجل عودةٍ إلى حكومة الحكماء. ألم يـسجل المؤلف قصور السلطات السياسية ووجودَ أزمة عميقة داخل النخبة؟
«إن الفضائل التي تميز الرجل الحقيقي تمثل الآن هدفا يُرَادُ غرس السهام فيه، [سهامٌ] مسدَّدة من أعلى رتب السلم الاجتماعي إلى أسفلها. تعظمت الدناءة وتدعمت. غادر السلطان أهل الجدارة ليعاشر أولئك الذين تنعدم فيهم الخصال الإنسانية الحقة»[20].

2. في مقـاومـة الجـور:
تعتبـر مقاومة الظلم من واجب الحكيم كما من واجب الفرد من الرعايا.
أ - الوسائـل المبعَـدَة:
ولكن هذه المقاومة المشروعة، المنطلقة من تعلق بالقيم الإنسانية، يجب أن تحترم المبادئ التي عللتها. ومن ثم فكرة إبعاد استعمال العنف والذكاء مع الأجنبي.
1) - العنـف: يجب إبعاد العنف من الحقل السياسي الداخلي، سواءُُ من جانب الأمير أو من جانب «المقاومين». يجب على الحكيم أن يمتنع عن كل ما يمكن أن يؤولَ إلى تواطؤ مع القتل أو مع العنف بصفة عامة. يجب أن يُبعِدَ من ذهنه كل فكرة تجذب إلى إيذاء أمثاله، أي كل فكرة للغضب، للسرقة، للخيانة، للكذب، للافتراء، للنميمة. يجب أن يتمثل في وعيه عدمَ إلحاق الحرمان بأي شخص، وألا يُكَذِّبَ رُسُلَ الله ولا بعث الموتى، ولا مكافأة الأعمال الحسنة، ولا عقاب أشرار هذا العالم[21].
2) - عن الذكاء مع الأجنبي: هذا الإجراء مُبعَدُُ بحكم الواقع من قِبل التصور الذي يحمله المؤلف عن «الوطن» باعتباره حجر الزاوية للوفاء إلى هويته الخاصة.
مـن ناحية أخرى، يُستبعَد أن يكون من المحقق - في نظر ابن المقفع - أن يكون اللجوء إلى عناصر خارجية أمرا نافعا:
«فلو مضى بنا الأمر إلى حد طلب دعم أشخاص آخرين، فإن معارضتنا لن تتحسن مع ذلك»[22].
ب - عن الكفاح السلمـي:
أيّ علاج يتبقى؟ يقترح علينا ابن المقفع كفاحا سلميا، بتعبئة الرعايا واستشارتهم، وينسب لخطبة الحكيم المثالية العبارات التالية:
«فلما رأى الملك وما هو عليه من الظلم للرعية، فكر في وجه الحيلة في صرفه عما هو عليه، وردّه إلى العدل والإنصاف، فجمع لذلك تلامذته، وقال: أتعلمون ما أريد أن أشاوركم فيه؟ اعلموا أني أطلت الفكرة في دبشليم وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشّرّ ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية؛ ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك، إلا لنردهم إلى فعل الخير ولزوم العدل. ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزم وقوع المكروه بنا، وبلوغ المحذورات إلينا؛ إذ كنا في أنفس الجهال أجهل منهم؛ وفي العيون عندهم أقل منهم. وليسَ الرأي عندي الجلاء عن الوطن. ولا يسعنا في حكمتنا إبقاؤه على ما هو عليه من سوء السيرة وقبح الطريقة. ولا يمكننا مجاهدته بغير ألسنتنا. ولو ذهبنا نستعين بغيرنا لم تتهيأ لنا معاندته. وإن أحس منا بمخالفته وإنكارنا سوء سيرته كان في ذلك بوارنا. وقد تعلمون أن مجاورة السبع والكلب والثور على طيب الوطن ونضارة العيش الغدر بالنفس»[23].
يعتبر الكفاحُ السلمي وسيلة فعالة للكفاح ضد الظلم لأنه يمزج بين الحكمة والسلم ويقابل العنفَ بالعقل:
«فوجدت ما قالت العلماء فرضا واجبا على الحكماء بملوكهم ليوقظوهم من سِنة سكرتهم؛ كالطبيب الذي يجب عليه في صناعته حفظ الأجساد على صحتها أو ردّها إلى الصحة. فكرهت أن يموت أو أموت وما يبقى على الأرض إلا من يقول: إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم الطاغي فلم يردّه عما كان عليه»[24].


هوامــش

[1] Fouchécour, Ch. H. de Moralia..., op. cit., p. 294;
وأدب الصحابة، م. س.، ص. 145.
[2] نفسـه، ص. 144.
[3] نفسـه.
[4] كليلة ودمنـة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 144.
[5] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 150.
[6] الرسالة، § 44.
[7] كليلة ودمنة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 256. في السياق نفسه يقول ابن المقفع: «لا يُستطاعُ السلطان إلا بالوزَراء والأعوان، ولا يُنفع الوزراء إلا بالمودة والنصيحة، ولا المودة إلا مع الرأي والعفاف...». الأدب الصغير، م. س.، ص. 145 وما يليها.
[8] عبد الله بن المقفع، الأدب الكبير، م. س.، ص. 36-37.
[9] كليلة ودمنة، (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 140، وكليلة ودمنة (طبعة دار الكتاب اللبناني)، م. س.، ص. 115، وكليلة ودمنة (طبعة دار التوفيق للطباعة والنشر والتوزيع)، م. س.، ص. 110.
[10] كليلة ودمنـة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 140؛ وكليلة ودمنة (طبعة دار الكتاب اللبناني)، م. س.، ص. 116.
[11] عهـد.أردشيـر، م. س.
[12] نفســــه.
[13] نفســه.
[14]كليلة ودمنـة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 63.
[15] نفسـه، الصفحة ذاتها.
[16] كليلة ودمنـة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 7.
[17] نفســه، ص. 81.
[18] نفسـه.
[19] نفســه.
[20] نفســـه، ص. 115.
[21] كليلة ودمنـة (الترجمة الفرنسية)، م. س.، ص. 108-109.
[22] نفسـه، ص. 64.
[23] كليلة ودمنـة (ط. محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية)، م. س.، ص. 7-8.
[24] نفســه، ص. 18.


المصدر
http://www.m-aslim.net/site/modules/news/article.php?storyid=150
 
الدولة، الأخلاق والسياسة
حميد. ج. الدليمي

المصادر والمراجع

1. باللغة العربية

أ - مؤلفات ابن المقفع:
ابن المقفع، عبد الله، «يتيمة السلطان»، ضمن كرد علي، رسائل البلغاء، القاهرة، 1937، صص. 169-173.
ابن المقفع، عبد الله، «فصل في الدولة والعقل والعافية»، ضمن كرد علي، رسائل البلغاء، م. س.، صص. 169-173.
ابن المقفع، عبد الله، المجموعة الكاملة لمؤلفات عبد الله ين المقفع: الأدب الصغير، الأدب الكبير، رسالة الصحابة، كليلة ودمنة، دراسة وتحليل، بيروت، دار التوفيق للطباعة والنشر والتوزيع، 1978.
ابن المقفع، عبد الله، الأدب الكبير والأدب الصغير، بيروت، دار الجيل، 1981 (191 ص.).
ابن المقفع، عبد الله، كتاب كليلة ودمنة، بيروت، مكتبة لبنان، الطبعة الثانية 1991.
بيدبا الفيلسوف الهندي، كليلة ودمنة، ترجمه إلى العربية: عبد الله بن المقفع، بيروت، منشورات محمد علي بيضون - دار الكتب العلمية، 1998.
ابن المقفع، عبد الله، كتاب تنسر (أقدم نص عن النظم الفارسية قبل الإسلام)، [ترجمه ابن المقفع من البهلوية إلى العربية، وفقدت نسخة هذه الترجمة، فأعاد تعريبه من الفرنسية إلى العربية يحيى الخشاب. علما بأن النسخة الفرنسية ترجمها درماستيتر من البهلوية سنة 1894، ونشرها في Le Journal Asiatique]، القاهرة، بدون تاريخ، مطبعة مصر.
ابن المقفع، عبد الله، عهـد اردشيـر، قدم له ونشره د. حميد الدليمي، تحت عنوان: «عهد أردشير. رسالة في العلوم السياسية عند الفرس»، ضمن مجلة أبحاث في العلوم الاجتماعية، العدد 24-24، السنة الخامسة، ربيع 1990، صص. 67-85.
ب - مصادر ومراجع عامـة:
ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمـــة، بيروت، دار الجيل، (د.ت).
الدغيرني، في علوم الخلافـة، الرباط، 1987.
السيد، رضوان، الأمة والجماعة والسلطة، بيروت، 1984.
غرانغيوم، جلبير، اللغة والسلطة والمجتمع في المغرب العربي، ترجمة محمد أسليم، مكنـاس، الفارابي للنشر، 1995.
فلوطن، فان، السيطرة العربية، [ترجمه د. إبراهيم بيضون وخصه بتقديم مطول، ثم نشر النصين في كتاب واحد، يعتليه اسمه [=ابراهيم بيضون]، تحت عنوان: الدولة الأموية والمعارضة. مدخل إلى كتاب السيطرة العربية للمستشرق الهولندي فان فلوطن]، بيروت، دار الحداثة، الطبعة الأولى، 1980.
الماوردي، أبو الحسن، تسهيل النظر وتعجيل الظفر في سياسة الملك وأخلاق الملك، تحقيق وتقديم: رضوان السيد، بيروت، 1987.
المسعودي، أبو الحسـن، كتاب التنبيـه، لندن، 1893.

2. بالأعجميـة:

Abu Yusuf, Kitab al-Kharadj, trad. Fagnan, Paris, 1921.
Al-Mouqaffa’, Abdallah Ibn, Le pouvoir et les intellectuels ou les aventures de Kalila et Dimna, traduction intégrale faite sur les manusscrits arabes par René Khawam, Paris, Editions Maisonnoeuve & Larose, 1985, Coll. Les Jardins secterts de la littérature arabe 3.
Arkoun, M., Islam, morale et politique, Paris, 1986.
Bergson, H., Les deux sources de la morale et de la religion, Paris, 1959; Levy Bruhl, L., La Morale et la science des moeurs, Paris, 1959; Goby, I., Les niveaux de la morale, Paris, PUF, 1961.
Bosanquet, H., The Philosophical of the State, London, 1923.
Fouchécour (de), Ch. H. Moralia, Les notions morales dans la littérature persane du 3°/9° au 7°/13° siècle, Paris, 1986, Recherche sur les civilisations, Synthèse, n° 3, 1986.
Goitein, S.D, «A turning point in the history of the muslim State», IC, XXVIII, 1949, p. 120-135.
Hani, J., La royauté sacrée du Pharaon au roi très chrétien, Paris, 1984.
Hocart, M. A., Rois et courtisans, Paris, Seuil, 1978.
Lambton, A.K.S., State and government in Medieval Islam, Oxford University Press, 1981
Lapidus, M. I., The Separation of State and religion in the development of early Islamic society, IJMES, 6 (1975).
Laroui, A., Islam et modernité, Paris La Découverte, 1986.
Le Senne, R., Traité de morale générale, Paris, 1967.
Levi, J. Dangers du discours. Stratégies du Pouvoir IV e -III e siècle avant J.-C., Traduit du chinois et présenté par Jean Levi, Aix-en-Provence, ALINEA, 1985.
Machiavel, Le Prince, Paris, Flammarion, 1981.
Mairet, G., Les Doctrines du pouvoir. La formaton de la pensée politique, Paris, Gallimard / Idées, 1978.
Pellat, Charles, IBN AL - MUQAFFA’ (Mort vers 140/757) «CONSEILLEUR» du Calife, Paris, 1976, G.-P. Maisonneuve et Larose, Publications du Département d’Islamologie, éd. l’Université de Paris-Sorbonne, II.
Pharo, P. Le Civisme ordinaire, Paris, 1985.
Polin, R., Ethique et politique, Paris, Vrin, 1968.
Robin, M., Histoire comparative des idées politiques, Paris, éd. ةconomica, 1988.
Schach, L., Introduction au droit musulman, Paris, 1983.
Servier, J., L’Homme et l’invisible, Paris, 1964.
Talbi, M., «Les caractéristiques de l’Etat traditionnel», in Arkoun, M., L'Islam..., op. cit., p. 187-191.
Tyan, E., «La Monocratie», R.S.J.B., t. XX, 1968.
 
الدولة، الأخلاق والسياسة
حميد. ج. الدليمي

تقديم بقلم البروفيسور م. تيي



قرأت باهتمام كبير عمل حميد الدليمي، فوجدته يتيح تحقيق معرفة أفضل بعمل ابن المقفع الذي يعتبر أحد كتاب النثر الأوائل في اللغة العربية (ت. 757م/140 هـ). في الواقع، من الجيد معرفة الأفكار السياسية لهذا المؤلف الذي كان كاتبا للخليفة، مثل معاصره عبد الحميد الكاتب. لا يتعلق الأمر عند ابن المقفع بـتصحيح «نظام سياسي»، لأن لا شيء في فكره منهجي ومُنظم، إذ هو عبارة عن نصائح موجهة للأمير (وصايا عملية تأخذ نماذج لها مرايا الأمراء في الثقافة الفارسية)، إنه حكايات خرافية يقتضي الوقوف على معناها السياسي القيام بعمل تأويلي.

وفي جميع الأحوال، تظل أطروحة حميد الدليمي في هذا الكتاب هي أن الشأن السياسي، بالنسبة لابن المقفع، هو مؤسَّسة إنسانية لا توجد مبادئها في الدين. ولإظهار ذلك، قام حميد الدليمي، في سياق آخر[1]، بتذكير مُسهَب بالتطورات التاريخية لتشكُّل مجموع المسلمين، ختمه بتعريف بابن المقفع...
كان الدليمي على صواب بالتأكيد في توضيحه الانشغال السياسي عند ابن المقفع، وقد سعى إلى البحث عن مصادر هذا الانشغال. ربما هناك مصادر إغريقية؛ لماذا تُجهَل سياسة أرسطو ظاهريا؟ نرى أنَّ هذا العمل لم يُترجَم إلى اللغة العربية، وأنه لم يُقرأ في العصر الوسيط حتى[2]، ومن ثم نجاح المنتحلات التي ينسَبُ إليها هدف سياسي (سرالأسرار[3]، رسائل أرسطو إلى الإسكندر). لذلك، بينما كان يجعل أرسطو من السياسة علما مِعماريا، يضع ابن المقفع الأخلاق في الأساس؛ ولكن أليس هناك صعوبة فيما يخص عَلاقات السياسة بالدين (بما أن التعاليم الدينية تكون دائما ذات طبيعة أخلاقية)؟ يوجد هنا غموضُُ، أحسَّ به حميد الدليمي، ويحتاج إلى مزيد من التحليل.
إذا كان ابن المقفع قد انتقِد من قِبل معاصريه، وافتري عليه حتَّى، وأخيرا تعرض للمحاكمة، أليس ذلك لأنه كان «فوضويا» مثل عروة بن الورد؟ إننا نقلق من المعنى المعطى لصعلوكنا الذي يطلق عادة على «الشحاذ».
أظهر حميد الدليمي، بعمله هذا، أن ابن المقفع سعَى إلى القيام بسياسة عملية أكثر منها نظرية. والحال أنه لم ينشئ مذهبا بشكل فعلي، كما يُردِّد ذلك محرر هذا الكتاب الذي يسجل أيضا الجانب «العلمي» في عمل ابن المقفع. أمام نصوص ابن المقفع، نحن بعيدون عن أفلاطون وأرسطو. وكان من شأن المقارنة بين الفيلسوفين الإغريقيين والكاتب العربي الإسلامي أن تمضي أبعد. فالتمييز بين الحاكم والمحكوم ليس من ابتكار ابن المقفع، إنه معروف جيدا عن أفلاطون، وأرسطو، وبعض الأفلاطونيين الجُدُد. أما الرواقيين، فالدليمي يتحاشى كليا ذكر أن لهم مرامي سياسية وأنَّ عناصر من مذهبهم قد انتشرت بكيفية واسعة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
لقد أجاب حميد الدليمي بوضوح، بصواب وإخلاص، عن الأسئلة التي طرحها. وهو يعترف أيضا بحدود عمله. ولإنهاء هذه الكلمة أشدد على فائدة هذا العمل والأهمية التي يكتسيها. فهو يُظهر لنا مُفكرا من القرن الثامن الميلادي وهو [= المفكر] يعرض أفكاره، التي يخلف بعضها اليومَ صدى باعتباره راهنيا. لقد أحسَّ هذا المسلم الشرقي عن صوابٍ بأن الشأن السياسي - في المجتمعات الإسلامية نفسها - لا يمكن أن يُستخلص من الكتاب، وأن مَصادره لا توجد في الدين. كان من اللائق قوله فيما مضى، ومن اللائق تدريسه اليومَ.


البروفيسور م. تييه
أستـاذ بجامعة السوربون


هوامــش

[1] Hamid Dlimi, Ibn Al Muqaffa’. Essai sur la genèse de la science politique musulmane, Thèse pour l’obtention de Doctorat en Droit, Université de Paris X - Nanterre (UER Science Juridiques, Administratives et politiques, 1990.
[2]...... Cf. la tradition manuscrite grecque
[3] تم نشره باللغة العربية تحت عنوان: سر الأسرار. السياسة والفراسة في تدبير الرئاسة، تقديم سليمان الأعور، بيروت، دار الكتب للجميع، الطبعة الثانية 1986 (174 ص.) [المترجم].
 
أعلى