مقامات منقول - فن المقامة في الأدب العماني

المقامة كلمه مشتقة من مادة ( قوم ) وهذه المادة تدل على القيام و الإقامة ، ووردت في القران الكريم اسما لموضع القيام كما في قوله تعالى " و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " و موضع الجنة في الأيه الكريمة (وحسنت مستقرا و مقاما ) أما المعنى الاصطلاحي للمقامة فهو جنس أدبي نثري يتميز بخواص معينة وله سماته المختلفة عن سائر الأجناس . فهو نوع من الحكايات القصيرة غايتها لغوية أدبيه ترفيهية و كل مقامه نكته أدبية أو لغوية و فيها صناعة لفظية وبيانية إذ تمتلئ بالسجع و بأساليب البديع و الوصف و التشبيه ,وتروي المقامة على لسان أحد الرواة، وبطلها رجل أشتهر بالدهاء و قنع القليل من الرزق. وقد يحتال عادة للحصول على الطفيف من الرزق، مستعينا على ذلك بما أوتي من قوة البيان ، و براعة القول و حذق الإنشاء و تتكون المقامة من ثلاثة عناصر :
1. الرواية: الذي يروى المقامة مثل عيسى بن هشام في مقامات بديع الزمان الهمذاني .
2. مكد : و هو شخص خيالي في الأغلب و واسع الحيلة و هو بطل المقامة ؛ حيث تدور القصة حولة و تنتهى بانتصاره في كل مرة مثل أبي الفتح الأسكندري في مقامات بديع الزمان .
3. ملحة أو نكتة أو عقدة تحاك حولها المقامة.
سمات المقامة و موضوعاتها:
إن الناظر إلى فن المقامة يلاحظ أنها تبنى على الإغراق في الصناعة اللفظية خاصة، و الصناعة المعنوية عامة و موضوعاتها، أما أن تكون أدبية أو فقهية أو فكاهية أو حماسية ؛لذلك نجد المقامات تحتوى على النوادر و الأخبار و الإشارة إلى وقائع الزمن و أعلام التاريخ ، وهي حافلة بالحكم و الأمثال ، و النكت اللغوية و الأدبية، و الأحاجي النحوية و الرسائل المبتكرة، و الخطب المحيرة ، و المواعظ المبكية، و الأضاحيك الملهية في المقامة .
ويشيع في المقامة أسلوب الحوار بين الأشخاص و خاصة بين الراوي و البطل و كذالك يشيع في المقامة الشكل اللفظي المسجوع، ذو الفقرات القصار ، والبديع المتواتر، و الاستشهاد بالقرآن الكريم و الحديث النبوي وأشعار العرب، و من السمات الواضحة في فن المقامة عنايتها بالمكان قلبا و قالبا فهي تستوحي اسمه وجغرافيته و ذاكرته التاريخية ، بالإضافة إلى عادات أهله و تقاليدهم ، كما ترسم ملامح من طباعهم و ميولهم و أذواقهم .
نشأة فن المقامة:
إن فن المقامة فن شغل أدباء العربية و كتّابها مدة طويلة، و كثر حوله التساؤل ، من أنشأ هذا الفن و ابتدعه ؟ و كذالك هل هذا الفن قصة أم حكاية أم شكل نثري ؟ و كذالك متى ظهر ؟
يقول الدكتور شبر الموسوي " تعود نشأة فن المقامة إلى القرن الرابع الهجري حيث كان أول ظهوره على يد ابن دريد ( أبو بكر محمد بن الحسن ) المتوفى في سنه 321هـ، إلا أن المقامة لم تأخذ شكلها الفني إلا على يد بديع الزمان الهمذاني المتوفى 398هـ والذي يعد مبتكر ورائد هذا الفن " ومما يؤكد هذا الرأي أن الدكتور زكي مبارك يقول" أن بديع الزمان عارض بمقاماته أربعينيا حديثا أنشأها ابن دريد، والمعارضات كانت تقارب دائما في الكمية " ومن هذه الأقوال نكتشف أن بداية فن المقامة كانت على يد ابن دريد الأزدي ثم على الرغم من "أن أحاديث ابن دريد لم تكن إلا أحاديث تعليمية صرفة مليئة بالغريب من الألفاظ وهي في بعض الأحيان قصيدة شعرية ، وأحيانا تكون قولا منثورا ولا نجد فيها العناصر الضرورية للقصة إلا نادرا " ثم صارت المقامة عند بديع الزمان شكلا أدبيا لهو سماته الخاصة و المختلفة عن سائر الأجناس . ثم جاء الحريري فصير المقامات إلى ظاهرة أدبية و انتشرت مقاماته في جميع الأقطار العربية, وصارت مضرب المثل في الفصاحة و البيان "ويعد الحريري أشهر من نظم المقامات وإليه يرجع الفضل في ذيوع هذا الفن الجميل ".
ثم تمضي القرون فتكثر المقامات فنجد الزمخشري وابن الجوزي والسيوطي وغيرهما الكثير.و في العصر الحديث نجد أن محمد المويلحي في حديث (عيسى بن هشام) الذي تعد مقاماته أول عمل قصصي طويل في الأدب العربي ، يجمع بين شكل المقامة وشكل الرواية وقد تأثر المويلحي بالثقافة العربية القديمة فصاغ كتابه على طريق المقامة ، تأثر بالثقافة الأوربية في رسم الشخصيات و تصوير المواقف ،وعلى الرغم من تعدد المقامات إلا أنها أخذت نفس الشكل والقالب والصبغة " والفرق يرجع إلى صور الثقافات في مختلف العصور، فبديع الزمان صور مشكلات عصره ، والحريري مثل معضلات زمانه ، والسيوطي فصّل أوهام الناس وعلومهم في أيامه ".
أما عن توصيف هذا الجنس الأدبي فقد اختلفت الآراء فمنهم من يقول (( أنها قصة و منهم من يرى أنها ليست بقصة و إنما هي حديث أدبي بليغ ليس فيه من القصة إلا الظاهر فقط " وتجد العناية فيها بالثورة اللفظية البيانية و يهمل فيها الاهتمام بالمعنى.
أشهر كُتَّاب المقامة في عمان:
إن المتتبع لفن المقامة في عمان ليجد أن هناك أدباء كتبوا مقامات تضاهي مقامات الهمذاني والحريري ومن هؤلاء سعيد بن راشد بن بشير الخروصي، والمؤرخ العماني ابن رزيق ، و البر واني ، وعبدالله بن علي الخليلي ، وسأقوم بتفصيل القول في كل واحد موضحا المقامات التي كتبها والمصادر التي أوردها
1-الشيخ سعيد بن راشد بن بشير الغشري الخروصي الأزدي ،و الشيخ من مشاهير علماء عمان في القرن الثاني عشر الهجري، وله ديوان مطبوع وقد أورد ابن رزيق مقامة نثرية له اسمها السونية في كتابه الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين " ، وهو شاعر فصيح له شعر في الوعظ وفي مدح الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلام وفي مدح آل من بني خر وص ، وله مقامة واحدة اسمها المقامة السونية نسبة إلى ( السوني ) بلدة العوابي من عمان وفيها يقول " روى اليافث بن تمام قال أجدبت أرضنا ذات سنة ، حتى منع الطوى من السنة ، وأقوت من الأقوات الربوع المرابع فلذا تجافينا عن المضاجع وأسكت السماء عن الرجع والأرض عن الصدع ... فحينئذ أزمعت الرحيل إلى سوني القديمة فلم أنزل أنجد وأغوار وأقطع الدمث والوعور ، والصحاري والصخور ، إلى أن وافيت جنابها الرحيب ،و روضها العشيب وزهرها القشيب... ).
2- المؤرخ ابن رزيق:
هو"حميد بن محمد بن رزيق" أديب وعالم ومؤرخ عاش في الفترة ما بين 1783ـ 1874م ، وترك عدة مؤلفات أدبية وتاريخية منها عدة دواوين شعرية :( سبائك اللجين ،السلك الفريد وفصول المرجان، سلوة الأنام، و القصيدة النورانية، جواهر الأشعار ، فريدة الأفكار ) وكتب تاريخية منها ( الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين ، ويعد أول كتاب يتناول تاريخ عمان منذ فترة ما قبل الإسلام حتى قيام الدولة آلبوسعيدية ، ويشير الدكتور شبر الموسوي أن ابن رزيق لدية كتاب بعنوان علم الكرامات المنسوب إلى نسق المقامات ) والكتاب لا يزال مفقودا ويحتوى على ستين مقامة منها المقامة الشاذونية الذي ذكرها في كتاب الفتح المبين. " حكى الوارث بن بسام شيخ العتيك عن أبي جواب الضريك ، قال ، ألفت ذات سنة ، مناعة للسنة ، فتنة فئة بشاذون ، من أخيها شاذون ، فرحلت عنهم إلى قصوى ، ثم توجهت إلى بصرى ، فلما حططت بها رحل الشملان وألقيت العصي عن اليمين أو الشمال ، جاءني شيخ أعرج الظهر أبرص الثغر ـ حلته محرقة ، ولحيته محرقة ، فسلم علي تسليم السليم، الشاكي من الإثم، ومن مضايقة الأليم.....).

البرواني :
هو "محمد بن علي بن خميس البراوني من أصول عمانية ولد في جزيرة ( زنجبار ) من جنوب شرق أفريقيا من 1878م إلى 1953 م . عاش البراوني في زنجبار منذ مولده إلى أن توفي ولم يتركها إلا لرحلات طويلة إلى مصر وبلاد الشام ، وقد اهتم البراوني بتدوين تفاصيل هذه الرحلات وتفاصيل المدن التي زارها في كتاب رحلة أبي الحارث .
كانت للمؤلف مؤلفات أخرى شعرية ونثرية إلا أن معظمها فقدت بزنجبار إبان ثورة الزنج على العرب " . ومن الكتب التي وصلتنا كتاب( مقامات أبي الحارث)،طبعته وزارة التراث والثقافة ، ومقامات البراوني عبارة عن خمس مقامات عنون لكل منها باسم جغرافي معروف ، فالمقامة (السنجارية ) نسبه إلى سنجار ،" وهي بلد مشهور في العراق " والمقامة الصحارية نسبة إلى صحار والمقامة العمانية نسبة إلى عمان والمقامة المكية نسبه إلى مكة المكرمة والمقامة النادية نسبه إلى النادي . ويتضح من خلال قراءة هذه المقامات أن البراوني تأثر بسابقيه من كتاب المقامات فهو ينهج نهجهم في هذا الفن ، وكما يتضح من تضمينه لمقاماته نصوصا دينية وأخرى بلاغية وثالثة تاريخية ) يقول البر واني في المقامة الصحارية : "حكى هلال بن إياس قال :أزمعت الرحيل ، في ركب من بني الحارث البهاليل ، وما منهم إلا أغر نجيب ، ندب إذا عدّ الكرام نسيب ...فما زلنا نستقري المنازل والمعاهد ونطوى السباسب والفدافد إلى أن دخلنا صحار في رائعة النهار فبينما نحن نجول في شوارعها ونستقصي مشارعها ، فإذا نحن على قاصية الحضيض بناد قدا احتوى له القوم بالقض والقضيض ...) فنلاحظ أن البراوني نهج نهج سابقية كالهمذاني والحريري فاستهل بالسند واعتمد على راو بعينه وركز على شخصي البطل والراوي وغابت الحبكة والحدث وطغت الثورة اللفظية ووظف الأماكن الجغرافية ليدل على مكان وقوع أحداث المقامة .

[1] البراوني ، من مقامات أبي الحارث،ص65

منقول

المقامات.jpg
 
فن المقامة في الأدب العماني

عبدالله بن علي الخليلي :

ولد عبدالله بن علي بن عبدالله بن خلفان الخليلي سنة 1922م في قريته سمائل من أسرة عريقة، فجده لأمه الشيخ أحمد بن سعيد الخليلي قدوة أهل الفضل والعلم وكان عمه محمد بن عبدالله الخليلي إماما لعمان والشاعر عبدالله بن علي الخليلي شاعر مخضرم يعد من أبرز شعراء عمان وتنسب له إمارة الشعر في عمان ويطلق عليه شيخ البيان أصدر الشاعر أربعة دواوين هي " من نافذة الحياة "، طبع بمصر عام 1972 ،وديوان العبقرية عام 1978م، وديوان وحي النهي ،وعلى ركاب الجمهور عام 1988، وقد تتلمذ الشاعر على يد القارئ البارع ( زاهر بن مسعود الرحبي، ثم انتقل إلى أستاذ اللغة العربية الفاضل النحوي الكبير حمدان بن خميس بن سالم اليوسفي ثم قرأ على الشيخ العلامة عبيد بن مسلم والشيخ حمد بن شاهين السليمي اللذين يشغلان رتبة القضاء ).
للأديب مؤلفات كثيرة بالإضافه إلى الدواوين السابقة نجد أنه ألف ست مقامات لا تزال محفوظة حتى الآن، وهي موجودة لدى أبنائه ، كما نجد أربع مقامات تشير إلى أسماء مدن عمانية هي المقامة النزوية نسبة إلى نزوى المشهورة والمقامة الجعلانية نسبه إلى جعلان المعروفة والمقامة السمائلية نسبه إلى سمائل بلد الكاتب والمقامة السمدية نسبه ألى مدينة سمد الشأن المعروفة وعلى حين تشير اثنتان أخريات إلى موضوعين يطرحان للمناقشة فالمقامة التسائلية دارت حول تسائلات طرحتها سيدة على البطل، أما المقامة اللغوية فدرات حول بعض الألفاظ الغوية( العجوز ، العين) لها أكثر من معنى ويختلف كل معنى باختلاف الاستعمال، وهما ( المقامة التساؤلية ) و( المقامة اللغوية ) يقول الشيخ الخليلي في المقامة النزوية ( حدثني أبو الصلت الشاري بن قحطان وكان مفوهاً معسولا ، قال : خرجت من سمائل صحوة النهار، أقطع الطرق وأجوب القفار ركوبتي أنيقة المظهر ، متينة المخبر وتسبق الطير ، ولا تكل من السير ، تفوت ذهن القائد الشديد ، وتخصي بصر ذي البصر الحديد ، حتى أشرقت على العلياء من نزوى ومن هناك أخذت بعقود راحلتي نحو الجامع ، لأشهد حلقات الذكر بين المجامع فلما وقفت منه على السارية الكبيرة لأصلي ركعتين تحية المسجد قبل الظهيرة ، لم أكد انفلت " .
نلاحظ أن الشيخ التزم في بناء مقامات براوية لجميع المقامات الست و ببطل في خمس منها كما أن الإطار المكاني للمقامات هي واحدة عمان و الخليج و الجزيرة العربية ، وأسماؤها تدور في أشهر المعالم العمانية مثل المقامة النزوية.
ومن الأمور التي نلاحظها أن المؤلف التزم السجع في المقامات و برز الجانب القصصي في مقامه فتقول الدكتورة نورية الرومي فقد اشتملت المقامات الست على الحدث و الشخصيات و المضمون، أما الحبكة الفنية فقد جاءت بسيطة في المقامات الأربعة النزوية و الجعلانيةو السمائلية و السمدية . فالراوى ينتقل من مكان إلى أخر ليلتقي بالبطل في وضع من الأوضاع و يستمع إليه- يعجب به- ثم يفترقان. و جاءت الحبكة الفنية بسيطة مفككه في المقامتين التساؤلية و اللغوية .
أن الناظر إلى المقامات التي كتبها أشهر كتاب المقامة في عمان نلاحظأنها تتخللها جملة من القضايا الموضوعية والسمات الفنية ، ومن بين تلك السمات .

أولا: طرائق الابتداء والحكي:
إن طرائق الابتداء والحكي في المقامات جميعها تشمل بعبارات ( حدث... قال ) أو (حكى ...قال ) أو (روى... قال ) فالبرواني يقول في مقدمة المقامة النادية ((حكى هلال بن إياس قال: بينماأنا بناد من أندية الأدباء ....) ونجد سعيد بن محمد الخروصي في مقامته السونية يقول (( روى اليافث بن تمام قال....)) ونجد ابن رزيق في مقامته الشاذونية (( حكى الوارث بن بسام.......قال.....)) ونجد كذلك عبدالله الخليلي يقول في مقامتة النزوية (( حدثني أبو الصلت الشاري بن قحطان ........قال......)) فهذه الصيغ متجذرة في التراث العربي الإسلامي استخدمها رواة الحديث النبوي ورواة الأخبار والسير ومن ثم نلاحظ رد المقامة إلى راوبعينه يتكرر في كل المقامات بغرض إثبات الصدق لأخباره "لأنه راويها والشاهد العيان على أحداثها ".

ثانيا: الشخصيات :
لا تختلف المقامة العمانية عن باقي المقامات العربية التي تعتمد على شخصية الراوي الموحد والبطل الموحد اللذين يتكرر ذكرهم في مقامات المؤلف الواحد ." وقد يكون بديع الزمان الهمذاني هو أول من اهتدى إلى شخصية الراوي الواحد ممثلا في عيسى بن هشام والبطل الواحد ممثلا في أبي الفتح الأسكندري".
وكذلك من جاء بعده من أمثال الحريري الذي جعل راوية الحارث بن همام وبطله أبي زيد السروجي وسار على هذا المنهج كتاب المقامة في عمان فاختار سعيد بن راشد الغشري لمقامته شخصية اليافث بن ثمام راويا وشخصية أبي عبيد الفلوجي بطلا. وكذلك اختار ابن رزيق لمقامته شخصية الوارث بن بسام راويا يروي مغامرات البطل أبي جواب الضريك ثم تبعهم بعد ذلك البرواني الذي اختار هلال بن أياس راويا وبطله أبو الهيثم ثم جاء عبدالله بن علي الخليلي وجعل الراوي لمقاماته شخصية أبو الصلت الشاري ابن قحطان ولبطله فراهيد بن هود إلا أن في المقامة السمائلية ((فقد ظهر ابن أخيه... ليعرفنا بشعر عمه ...)).

ولعل اختيار أسماء رواه وأسماء الأبطال لم تأت عبث وإنما تحمل دلالة خاصة تدل على ثقافة الكاتب فبطل المقامة الغشري أبي عبيدة الفلوجي قريبا في النطق والشكل من اسم بطل مقامات الحريري أبى زيد السروجي ، كذلك جاء اختيار عبدالله الخليلي لراويه" فاسم الصلت هو اسم أثير في التراث العماني، حمله أعلام أمثال الصلت بن مالك الخروصي اليحمدي الإمام الذي ازدهرت عمان في عهده من القرن الثالث الميلادي ، والفقيه الصلت بن خميس الخروصي المكنى بابي المؤثر من فقهاء القرن الثالث".

وكذلك البطل ( فراهيد بن هود ) الاسم يذكرنا بفراهيد أحد أبناء مالك بن فهم الذي حكم عمان ردحا من الزمن مع شخصية الراوي والبطل في مقامات الخليلي أنها عربيان خالصان.
إن المتأمل في شخصية البطل في المقامات العمانية من حيث مظهره الخارجي وسلوكه وبعده الفكري والنفسي يلاحظ ذلك التناقص فتارة يتسم بالكبر مثل ما ورد في المقامة النزوية لعبدالله الخليلي " حتى رأيت شيخا عليه سمة الوقار، وسمة الصالحين، يصلوه الخشوع والانكسار...". وتارة آخرى يظهر هذا الشيخ في حالة ترف ورخاء برجل علية حلة من لبد...)، وتارة يظهر في حاله بؤس وفقر ( طويل السبال، رث الجسم والسربال...".
إما من ناحية سلوك هذه الشخصية فنلاحظ التناقض من حيث إننا نجدها مفتخرة بأصلها ونسبها فيقول"أني من سلالة سروات القبائل، والكرام الأفاضل..."، ثم نجد هذه الشخصية ضعيفة فقيرة ذليلة تطلب العون " فهل من حر مغيث لأعرج مستغيث، قد غادره الدهر لقاء بعد التفكير والارتقاء...".
أما إذا تأملت الجانب الفكري لهذه الشخصية فنجد أنها تتسم بالذكاء والفطنة كما وصف الراوي لها إذا يقول عنها في المقامة "أظهر من ذكائه ( أي الحارث) ما قصر عنه إيناس " ، ونلاحظ في هذا الذكاء أنه " ممزوج بالمكر والدهاء يتضح من كفاءته في تقمص شخصيات مختلفة عبر مواقف المقامات "، كما أن هذه الشخصية تظهر في مواقفها بقدرة عالية فمرة يكون واعظا أخلاقيا يتمتع بقدرة على الاقتناع والتأثير صاحب بلاغة وقدرة لغوية فائقة.
أما شخصية الراوي فقد قل ذكرها والتركيز عليها فها تتسم بصفات منها أنها كثيرة الغناء والتنقل والرحال كما جاءت في مقامات البر واني ( قذفت بي النوى.... إلى مطارح البين "[1] نجده يقول في المقامة الشاذ ونية ( فرحلت عنهم إلى قصوى، ثم توجهت إلى بصرى...".
وكذلك نجده يميل إلى الصحبة مع الرفقة والجماعة كما يقول " عن نفسه " ( وأزمعت الرحيل، في ركب من بني أبي الحارث البهاليل..." .

ثالثا: الحبكة والحدث :
إن الناظر إلى الحبكة في المقامات العمانية أنها ضعيفة وغائبة في بعض الأحيان وذلك لغلبة الصنعة اللفظية وتعمد التكلف في ذكر المحسنات اللفظية مما تشير إلى أن المقامات عمل صناعي وليس عملا أدبيا .
أما الحدث فلا نجد له حضوره إذ تأتي الأحداث بسيطة كمثل حدث سطو اللصوص "زعانيف الأرياف " . على الحارث مما اضطره إلى أن يسلمهم ( الناقة والجمل أجمع". وتقول الدكتورة آسية آلبوعلي مبينة دور هذه الأحداث البسيطة فهي " بمثابة التعليل الذي يبين كيفية تعرف الراوي وأصحابه على البطل: وبعبارة أخرى كانت الأحداث عبارة عن الجسر أو همزة الوصل التي ربطت بين طرفين بين الراوي وأصحابه من جهة والبطل من جهة أخرى .هذا فضلا عن إن تلك الأحداث كانت بمثابة المناسبة أو المقدمة التي افتتحت المجال لدخول البطل للقيام بدوره نحو طرح الموضوعات المختلفة على مستمعيه في المقامات.....".

رابعا اللغة السردية:
تميزت اللغة السردية في المقامات بأنها تشمل على مجموعة من الأساليب البلاغية للألفاظ الغريبة ولا شك أن كتّاب المقامة في عمان سلكوا مسلك سابقيهم في اللغة والأساليب والألفاظ الغريبة ، فالبرواني مثلا استخدم الألفاظ الغريبة أمثال قوله " الجحف ، اليلندد، والعنفجر ، القعدد " كما أننا نلاحظ استخدام المحسنات البديعية بكثرة في المقامات، فمثل توظيف الجناس ( الراحة والراح)، ( أعوج و أعرج )، ووظف كتّاب المقامة الاستعارة في جمل من مثل قول الراوي" قذفت بي يد النوى ونوازع الهوى " ، وقوله " وردوا حياض المنايا " ، كما نلاحظ استخدام التشيبة بكثرة في المقامات من مثل قول :
" فتنة كزهر الربى أو كزهر نجوم الدجى" ، كما نلاحظ استخدم الراوي تلك الصفات والألفاظ في وصف البطل ،وتبختره وغرارة علمه وسعي الناس إليه وبراعة قوله و حسن لفظه وعلى الرغم من أن هذا الإسراف والمبالغة في استخدم المحسنات قلل من قيمة الحدث والحبكة في المقامة إلا أنه لا يخلو من دلالات تدل على الحدث فلكل فن جماله وأسلوبه ولغته.

خامسا:. المكان والزمان :
إن الناظر إلى المقامات العمانية يلاحظ أن أسماءها جاءت في أغلبها أسماء لمواقع جغرافية وبلدان معينة معروفة ، وغالب ما تكون هذه البلدان من عمان موطن الكتاب وهذا يدل على مدى تأثير الحيز المكاني والموطن على الكاتب ومدى قوة انتمائه لوطنه حتى وأن عاش متغربا بعيدا عن وطنه .
وخلاصة القول: إن المقامات العمانية تتشابه مع البنية الفنية العامة للمقامة. فالمقاميون العمانيون نهجوا نهج من سبقهم حيث ركزوا على شخصيتي الراوي والبطل، وضعفت الحبكة والحدث بسبب طغيان المحسنات البديعية لا سيما السجع والجناس ، كذلك نجد أماكن فرعية تتضمنها المقامات كمسرح لأحداث المقامة . ومما سبق يتضح أن المكان في المقامات العمانية متنوع بتنوع الأماكن فيها وهذا التنوع ينم عن دلالات معينة منها أنه يشير إلى الحركة في المقامة والتنقل ويعطي وصفا دقيقا للمكان وما يحويه فيه من مظاهر الحياة وقداستها .


[1] البراوني ، من مقامات أبي الحارث،ص65

* منقول
 
أعلى