نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

دراسة عبد الباقي قربوعه - نظرية المدينة لدى بن خلدون ونظرية العلاقة لدى أحلام مستغانمي.

'قراءات في رواية' | الروائي عبد الباقي قربوعه.

  1. الروائي عبد الباقي قربوعه

    الروائي عبد الباقي قربوعه عبد الباقي قربوعه روائي وقاص جزائري.

    21
    16
    .. الأكثر سخرية أن أحلام مستغانمي تدعو النساء إلى انتفاضة عارمة ليجعلن من الرجل مادة رخوة، ثم تهز من إرادتها علانية وتستثمر لكبريائها في صمته وكلامه وفي غيابه وحضوره، حتى في هدوئه وغضبه.. تستثمر حتى في تبعية المرأة وأشباهها حين تقنعهن بأنها بين أحضان من نار وعليها أن تهرب، والأكثر من ذلك فإن غرورها الذي تريد أن تبرره بالشجاعة والعلمية والفنية والجرأة أمام المرأة بأنواعها: الطيبة حين تظن أنها كانت مغفلة، السريعة الظن حين تشعر أنها انتبهت، والأمية المنفعلة التي تعتقد أن كل الناس ضدها حتى زوجها، والحسنة الظن حين تتوهم بأنها كانت نائمة، والجارية (الزوجة) التي تراودها نية الانتقام ممن أجبروها على علاقة لم تكن تريدها، وكذلك الجنديات الجديدات من المرهقات اللاّئي تهيئهن للخدمة الزوجية كما تبتغي أحلام القائدة.. هؤلاء هم قراء أحلام مستغانمي وجنودها الفاشلون في حروب سابقة وآخرون يخافون أن يفشلوا في المستقبل: " أجمل حب هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر"، " الحداد ليس في ما نرتديه بل في ما نراه . إنّه يكمن في نظرتنا للأشياء . بإمكان عيون قلبنا أن تكون في حداد... ولا أحد يدري بذلك"، " ما حاجتك إلى "صدقة" هاتفية من رجل. إذا كانت المآذن ترفع آذانها لك وتقول لك خمس مرات في اليوم أن رب هذا الكون ينتظرك ويحبك"، " أصبحت امرأة حرة .. فقط لأنني قررت أن أكف عن الحلم, الحرية أن لا تنتظر شيئاً..والترقب حالة عبودية"، "لا أحد يُخيّر وردة بين الذبول على غصنها... أو في مزهريّة .العنوسة قضيّة نسبيّة. بإمكان فتاة أن تتزوّج وتنجب وتبقى رغم ذلك في أعماقها عانسًا، وردة تتساقط أوراقها في بيت الزوجيّة "....
    صراحة لا أريد أذكر كل روايات أحلام مستغانمي خصوصا التسعين بالمائة من "الأسود يليق بك" كنموذج عن رغبة أحلام في قيادة المرأة عن بعد. كأني بها تنادي بعكس المقولة القائلة: "وراء كل رجل عظيم امرأة"، تريد نسخ النظرية إلى: "وراء كل امرأة عظيمة رجل"، لأن الرجل عظيم حين تصبر المرأة وتغض طرفها وتظهر كأنها لم تر شيئا وتضحي وتبذل، لكن أحلام تريدها أن تكون يقظة وشرسة وصارمة وأن الرجل هو الذي حان الوقت أن يفعل ذلك، بالنهاية أحلام في كل روايتها أرادت العظمة لنفسها فقط، وكان لها ذلك في خضم هذه الاستجابة والإنقيادية الجزافية، ولا أقلل بهذا الطرح من تجربة أحلام على قدر ما أنا أشيد بذكائها الخارق، لأن الكتابة إستراتيجية أيضا، عملية تشبه الغزو، فلا بد أن أسأل عن الفئة التي ساستهدفها قبل أن أحمل القلم، وأتساءل عن بيئتها وبؤر حرمانها وأنواع نزواتها وأسباب عقدها ودواعي انفعالاتها، وما يخيفها وما يفرحها وما يحزنها، وأن أضع خريطة اجتماعية وأحصي فيها المواقف الإنسانية الشائع منها وغير الشائع، والمعلن منه والمسكوت عنه، وكذلك ما يحتاج إلى جرأة لإعلانه أو إلى صبر لكبته.. وهكذا.
    فكل كاتب باعتقادي من حقه أن تكون لديه رؤية قوية لتحديد إستراتيجية معينة، الحكاية تشبه الوحي حين نكون أربابا في مساحات بسيطة من الكون، فإذا جاء النص المقدس حفظا للنفس من كل المخاطر النفسية والجسدية بين الإنسان ونفسه من جهة، وبينه وبين الآخرين من جهة ثانية، وثالثة بينه وبين ما يربطه بطوارئ الطبيعة المفاجئ منها والمألوف، كأن يأتي النص الوضعي لحفظ الحب – مثلا - مما يبدو لنا كبشر من تهديدات وشوائب، وهذا ما راهنت عليه أحلام مستغانمي وقد نجحت باقتدار، ولا يهمها في هذه الحالة أن يتسلق نصها أذهان النخبة التي تحدد ضالتها في الكتابات المعرفية، وتعتقد أن الكلام في الحب وعلاقة الرجل بالمرأة وموضوعات الخيبة والفشل في التجارب العاطفية مجرد عودة عمرية، وعادة ما يعتبرونها صفة غير محمودة، فنجدهم يكتبون فيما تتطلع إليه الأنا الكبيرة لديهم، ويكبحون ذكريات مراحلهم العمرية ويتجنبون الخوض في مواقف يعتقدون أنها لم تعد لهم، وهناك مثل جزائري يقول: "من انتهت أيامه فلا يطمع في أيام الآتين"، فأحلام تمردت عن النظرية واكتسحت أيام الآتين وحتى الذين لم يولدوا بعد: "إن لحظة حب تبرر عمراً كاملاً من الانتظار.".
    النموذج الأنثوي الذي تحمله أحلام في لا وعيها انطلاقا من شفقتها على المرأة من خلال ما ذاقته من بؤس على مدى التاريخ، ثم لا تأبه بنفسها فتنصرها من هيمنة الرجل لتسلط عليها هيمنة من جنسها بما يشبه النيران الصديقة دائما، المراد قوله أن وابل النصائح الموجهة للمرأة عبودية أخرى، لأنها لم تترك لها ما تقوله أو ما تبديه، فصارت اقتباسات أحلام بمثابة المرشد، لأن أحلام احتكرت النكد والكيد والحكي وفنون الإغراء اللغوي، وهذه أدوات موجودة في الحياة ومطروحة للنساء كافة وليست حكرا على أحلام وحدها، كما أنه لا يُشترط أن تكون باللغة العربية الفصيحة أو بالدارجة فقد تكون حتى بالإماء، يتجلى ذلك في آلاف أفعال الأمر الموجهة للمرأة تتضمنها روايات أحلام مستغانمي، ناهيك عن الأفعال التي تعاتب تجارب ماضيها والمضارعة التي تهيئها فيها لعلاقات أخرى، وحتى أفعال المستقبل التي تشكك المرأة في ذكائها وقوتها ومهارتها في مواجهة الرجل وإمكانية الاستحواذ عليه، مقارنة بالاستعراض المدهش لحضور أحلام في جميع متونها، الإشكالية إن صح الإسقاط تشبه نظرية بن خلدون وهو يُنَظّر لخصائص المدينة الفاضلة، كأن أحلام تقابله في الجهة الأخرى وهي تنَظّر لخصائص العلاقة الفاضلة بين المرأة والرجل، أو أنها تريد أن تبدأ هذه المدينة من هذه العلاقة ربما: " نحتاج أن نستعيد عافيتنا العاطفية كأمة عربية عانت دوماً من قصص حبها الفاشلة، بما في ذلك حبها لأوطان لم تبادلها دئماً الحب."



    [​IMG]
    عبد الباقي قربوعه
     

    الملفات المرفقة:

    آخر تعديل: ‏3/12/17
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..