نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

منقول - محاكمة ليلي بعلبكي في بيروت الستينات.. دفاع عن الحرية

'كلام في مقهى' | نقوس المهدي.

الوسوم:
  1. نقوس المهدي

    نقوس المهدي كاتب

    12,679
    2,527
    "إن محاكمة ليلى بعلبكي هي الأول من نوعها في تاريخ القضاء اللبناني، وهذه هي المرة الأولى التي يحكم كاتب عن كتاب ألفه".

    هذا ما قاله محسن سليم، محامي الآنسة بعلبكي في قضية كتابها "سفينة حنان إلى القمر".

    وكانت المؤلفة قد قدمت بمجموعتها (وقد نشرت إحدى قصصها، التي سمي الكتاب بكامله باسمها، أولاً في (حوار) إلى مسابقة جمعية أصدقاء الكاتب للقصة القصيرة في العالم الفائت، ولم تربح الجائزة. وقد شاعت آنذاك أقاويل كثيرة عن أسباب، لا علاقة لها بالأدب، حرمت هذه المجموعة من الجائزة. ألا أن قضية الكتاب طرحت الموضوع على بساط البحث من جديد، ونشر أحد أعضاء اللجنة المكلفة بمنح الجائزة مقالاً ذكر فيه أن اللجنة كانت قد قررت بالاجتماع منح الجائزة لليلى بعلبكي لكنها رأت إن تحجب الجائزة عنها لأن كتابها (فيه شيء من الحرية الأدبية لم تصبح مألوفة بعد في الأدب العربي إلى الحد الذي يسمح للجنة بتحميل الدولة مسؤولية الجائزة!)

    ومضت ثمانية اشهر منذ صدور الكتاب، مرخصاً به من وزارة الأنباء (ومضت أشهر أطول منذ صدور القصص التي يضمها مبعثرة في المجلات)، وقيل فيه الكثير. وفجأة، قامت السلطات بمصادرة الكتاب من ناشره ومن المكتبات المختلفة، واحتجزت شرطة الأخلاق المؤلفة ثلاث ساعات ونصف الساعة واستجوبتها، وأحالتها إلى المحاكمة.

    وكان السبب المباشر لذلك تعليقاً ورد في مجلة (صباح الخير) القاهرية بإمضاء معلقة اسمها (نادية). فاقتبست في تعليقها مقطعاً من أربعة اسطر ورد في الكتاب (وجاءت فيه كلمة (لحوس) التي لعبت فيما بعد دوراً رئيسياً في القضية) واختتمت كلمتها القصيرة بقولها: (شعرت بقشعريرة وبتقزز، وقلت لنفسي بضيق: ياست ليلى بعلبكي، لحوس إيه، وحام إيه، وطرية وناعمة إيه، وأدب إيه؟ ملعون هذا الأدب يا شيخة!)
    وقد نقمت بعض الصحف في بيروت على اهتمام السلطات فيها بملاحقة الكتاب لمجرد نشر نقد له في مجلة (صباح الخير) بالذات. ووجدت نوعاً من (العدالة) في أن إحسان عبد القدوس نفسه، صاحب هذه المجلة، تعرض فيما بعد مشاكل مماثلة في القاهرة لروايته الجديدة (أنف وثلاث عيون)، التي قال المستشار في إدارة قضايا الحكومة في القاهرة في عريضة الدعوى أنها (تتضمن انحلالاً وتحطيماً لكل القيم الإنسانية والروحية والخلقية والدينية، فضلاً عن منافاتها لأبسط قواعد الآداب العامة). وربما كانت مثل هذه الملاحقات في بال الأستاذ عبد القدوس عندما كتب في زاوية له في (روز اليوسف): (كارثة على الأدب العربي على وشك أن تهب. وعندما تمتد يد غير المختصين وغير الفاهمين لتحاول أن تخنق إنتاجاً أدبياً، فهي كارثة. ليست كارثة على واحد من الأدباء، ولكنها كارثة على كل الأدباء، وعلى الأدب).

    وقد وصفت الآنسة بعلبكي استجواب مفوض الشرطة لها:

    لم أتمكن من إخفاء استغرابي وهو يسألني: لماذا تكتبين بهذه الطريقة؟ وسألت نفسي هل يحق لأحد أن يسأل فناناً لماذا يكتب هكذا؟ بصوت مرتفع أجبت: لأنني اعتبر نفسي أتمتع بحرية الرأي والفكر والعمل الممنوحة لكل شخص في لبنان.

    سؤال: ألا يتهيج المراهقون بعد قراءة كتابك، ويجب مصادرته؟
    جواب: الكتاب يتكلم عن البشر، عن الناس، عن الأشخاص، في هذا البلد. يصور الواقع بطريقة أدبية فنية. وإذا كانت تجب مصادرته فالأصح أن تصادر البشر هنا، لأنهم مادته…

    سؤال: لماذا استعملتي هذه الكلمة بالذات؟ جواب. لم اجب. بماذا أجيب؟ هل علي أن أفسر لماذا استعملت هذه الكلمة بالذات، لا تلك، لحظة خلقي الفني؟ من هو الوصي على الموهبة هنا عندنا في لبنان؟ من؟ شرطة الأخلاق؟ من هو المحاسب؟ من هو المعاقب؟
    ثم افتراء. افتراء أخذ كلمة واحدة ونزع ما قبلها وما بعدها وحصر التهمة بها.

    وانتهى الاستجواب، والدقائق ثقيلة تزحف في عيني، والصمت يزيد غضبي واستنكاري الأخرس. كان المقصود أن يشعرني بالخجل مما اكتب، والذنب. أحسست فقط أنني وحدي في غابة، وكنت مليئة بالحزن، حزن كبير يغرق العالم.

    وسرعان ما جاء ردود الفعل بين الأدباء والمفكرين والفنانين. وكان أبرز هذه الردود بيانين هامين، جاء في أولهما:

    نحن الموقعين نؤكد أيماننا بحرية الفكر وتمسكنا بكرامة الكاتب، ونعتبر كل تعرض لهما أو تعد عليهما امتهاناً لحرمة الخلق والإبداع، ولذ استنكر مصادرة كتاب الأديبة ليلى بعلبكي، كما نستنكر استحضار الكاتبة واستجوابها أمام شرطة الأخلاق، ونرى في هذا التدبير ما يجاوز موضوع كاتب معين أو كاتبة معينة إلى صميم الحرية الفكرية التي هي القوام الحيوي لمختلف وجوه النشاط في لبنان… ونحن على يقين أن الحرية الفكرية التي نعلن تعلقنا بها إنما هي متنفس الأدب الحق، فضلاً عن كونها من أهم الأسباب لتبلور القيم الروحية ولتفجير الطاقات الخلاقة على مستوى الأفراد والجماعات.

    وجاء في الثاني:

    يعتبر مفهوم الحرية بأبعاده كافة، وخاصة حرية الفكر والرأي والتعبير الفني، جزاءاً لا يتجزأ من وجود لبنان. ولقد وقع بالأمس ما يعتبر تجاوزاً على حرية التعبير عندما قامت الدولة ممثلة بالمحقق وشرطة الأخلاق بمصادرة كتاب ليلى بعلبكي بتهمة الإخلال (بالأخلاق العامة) وبالتحقيق مع صاحبته من قبل شرطة الأخلاق في مركز الشرطة، وتلا ذلك مصادرة الكتاب من الناشر ومن المكتبات كافة.

    إن هذا الأجراء يدعو إلى التساؤل عن ما هي الرقابة في لبنان، وعن الجهة المسؤولة عنها: أهي شرطة الأخلاق، ومسؤوليتها كما نعلم ذات (طبيعة خاصة)، أم جهاز للرقابة ملحق بوزارة الأنباء يقوم بمراقبة الأعمال الأدبية على أساس تقيمها فنياً والنظر إليها على ضوء ما تقتضيه المصلحة العامة؟

    وقد وقع البيانين حوالي خمسين أديباً ومفكراً وفناناً.

    وبالإضافة إلى هذين البيانين كتب الكثير من الأدباء في موضوع الكتاب بالذات والقضية بوجه عام. فبعث الأستاذ خليل تقي الدين، سفير لبنان في لندن، وهو أديب معروف، بتقرير إلى وزارة الخارجية جاء فيه:

    ولا اخفي عليكم أنني استغربت كما استغرب الكثيرون في خارج لبنان وفي داخله أن تقدم شرطة الأخلاق والنيابة العامة على مصادرة كتاب كهذا وملاحقة مؤلفته بحجة أنه مخالف الأدب في بلد كلبنان كان ولا يزال يقدس الحرية الفكرية ويصونها ويقيم الدليل كل يوم على أنه بلد التحرر والتجديد لا بلد التحجر والجمود.

    إن أدب ليلى بعلبكي ليس أدباً رخيصاً، ولا مبتذلاً، ولا إباحياً. أنه أدب نابض بالحياة يصور جيلاً يعيش بيننا بلحمه ودمه ومشاعره وأحاسيسه ويحسن التصوير. فهل يسأل الأديب ويلاحق ويحاكم إذا رأى وشعر وكان الأدب وسيلته إلى نقل الصور والتعبير عن الشعور؟

    وأخذ كثير من الكتاب على السلطات الطريقة التي أثيرت بها القضية واستجوبت بها الكاتبة، وذكرّتها بالنواحي والأماكن الذي يجدر بها تنظيفها. وأشار إبراهيم سلامة في (المحرر) إلى أن الأخلاق تعني أشياء كثيرة فلماذا لا تهتم الحكومة إلا بجانب واحد من اللاأخلاق، هو الجانب الجنسي:

    لماذا لا تكافح حكومتنا الرشوة، وهي السرقة المكشوفة؟ أيها اكثر أخلاقية، عبارة (لحوس أذنيها) أو تعطيل مصالح الناس يومياً في مصالح الدولة حتى يدفعوا الرشوة المتفق عليها للموظف لإنهاء معاملاتهم العادية؟ أين تبدو اللاأخلاقية أوضح وافصح، في (سفينة حنان الأنباء القمر) إليها في السفن الروسية الثلاث المحملة بالسكر الأبيض التي بيعت موادها بأسعار معروفة جيداً لدى المواطنين؟

    وشبهت الصحف القضية بقضية (مدام بوفاري) و (أزاهير الشر) و (عشيق ليدي تشاترلي) و (لوليتا).

    ورأى كتاب آخرون في القضية مغزى اشمل. فقال السي الحاج في (ملحق النهار):

    مسالة ليلى بعلبكي حدثت وستحدث ما دام في العالم دول. أنها ذهبت ضحية لأنها امرأة ولأنها معروفة ولأن رأيها صريح في النظام البوليسي. الصراع بين الأدب والنظام ظاهرة روتينية لا جديد فيها. وأكاد أقول يجب أن يكافح النظام الأدباء، ففي وجود كل من الاثنين نفي الآخر.

    ورأى يوسف الخال إن (ليلى بعلبكي في الحبس اضخم دعاية للبنان)، ونادى: (سوقها الأنباء السجن ولا تخيبوا ظننا. الماء ركدت وأسنت بما فيه الكفاية، وحان أن تحركها هذه الصخرة). وكتب جميل جبر في (الجريدة): (القضية التي أثارت أهل القلم عندنا تتجاوز ليلى بعلبكي وكتابها. إنها قضية كرامة كاتب واحترام رأي. إنه قضية الحرية فخر لبنان وركيزة مبررات وجوده. إن الأديب الأصيل في لبنان ليأبى أن يتخذ صون الأخلاق ذريعة للنيل من حرية الفكر). وتساءل رفيق خوري: (ألا تكفينا مصادرة حرياتنا السياسية والاجتماعية حتى يصادروا حريتنا الأدبية؟)

    لكن رد الفعل لم يكن كله مدافعاً محبذاً. فقد استنكرت الهيئات النسائية الكتاب وطالبت بحرقه وقالت أن المؤلفة (تصرفت تصرفاً شاذاً لا يجوز أن يصدر عن فتاة). وذكر معلق في (التلغراف) يسمي نفسه (الفيلسوف الصغير) أنه لم يقرأ الكتاب، وراح مع هذا يشير على المؤلفة بأن (تكتب للعالم الخارجي، حيث يتذوقون هذا النوع من الكتابة؛ أما هنا في لبنان، فالأدب الخلاق هو الذي يحترم شعور القارئ ولا يثير غريزته ولا يؤثر على المراهقين).

    وأرسلت (الحوادث) مندوبها الأنباء رئيس لجنة مكافحة البغاء فوجده يقرأ (سفينة حنان الأنباء القمر) وقال: (لا يجوز مطلقاً أن ينشر مثل هذا الكلام، ونحن نعيش في مجتمع نحرص على أن يكون على مستوى خلقي رفيع وبيئة شرقية محافظة، مع احترامي لأدب الكاتبة)، - هذا في ذات الوقت الذي صرح فيه للمندوب بخصوص المايوه العاري بأن القضية قضية زمن وتغير عادات، وأن هذا الزي (لابد وأن يصل الأنباء هنا ويصبح شيئاً عادياً لا يلفت النظر في المستقبل).

    وتصدت السيدة ثريا ملحس للهجوم على الرجال في معرض دفاعها عن الفضيلة، فقالت في (الحسناء):

    كان الرجل ولا يزال سبب هلاك المرأة. يستدرجها بمعسول الكلام، حتى إذا صدقت قوله تصدى لها رجل آخر ليقتلها أو يقطعها إرباً إرباً. الرجل العربي لم يتغير كثيراً ولو تغيرت أساليبه. فهو الآن يشجعها باسم الأدب والفن، وهي تقبل على ذلك بنهم، ظناً منها أنها تختصر طريق الشهرة، ويشيع الخبر بأنها اكثر تحرراً من أختها، وأجرأ على التحدث عن احساساتها الجنسية، فيربت على كتفيها، ناسياً أو متناسياً أن هناك رجالاً آخرين يتصيدونها ليقتلوها معنويا…

    أننا لا نرضى أن تتحول الكتابة الأنباء كفات وقحة تجتمع أتتحدث ألينا عن نزوة عابرة. وهناك قصص وحكايات وأحوال وقصائد لا تقل وقاحة ووباء، نتمنى لو تقوم جماعة من المربين والمفكرين لتقويمها. فأن فشل الشعب فلماذا تلومون (شرطة الأخلاق للاستجواب)؟

    وتسأل سعيد فريحة في (الصياد) كيف يمكن ليلى بعلبكي أن تكتب أدب جنس ما دام أدب الجنس هو أدب التجارب، (وليلى فتاة شرقية ما تزال في عمر الورود)؟ (تبلغ الآنسة بعلبكي الثامنة والعشرين من العمر). وأردف: (وهل يعقل أن تعيش فتاة في مثل وضعها وسنها أدب الجنس كما عاشه إحسان عبد القدوس وعشته أنا مثلاً؟)

    لكن أحداً لم يصل في هجومه الدرك الذي وصله تعليق غير موقع في (الشعب):

    إن كانت ليلى بعلبكي تريد أن تحيا، فلتحيا وحدها مع القذرات والكلاب. ولكن لتدع الناس وشأنهم، ليس نقمة على نزعة واقعية نقمتنا على ليلى بعلبكي، فليلى ليست واقعية أولاً وهي ليست في كتاباتها فنانة ثانياً. فالإنسان لا يعيش مع رعشات الكلاب والفن لا ينمو حول القذرات.
    وأزف موعد المحاكمة. وصرحت الآنسة ليلى بعلبكي قبيل المحاكمة بقولها:

    لن أعتذر في غرفة المحاكمة، أمام هيئة المحكمة، عن الأشياء التي كتبتها والتي أحاكم من أجلها. أنني جد فخورة بما كتبت.

    إنني أسأل: هل العطاء هو جريمة؟ ذنب؟ خجل؟ أنني أؤكد واشعر أن هذه القضية تطال جميع الأدباء والفنانين وهي تحد من الخلق والفن.

    إن هذا الشيء معيب بأن اقف أمام المحكمة واشرح لماذا كتبت. أنا اكتب بحرية. أنني اكتب للنخبة، المثقفين، الأنباء ذوي الأفكار السامية، الأنباء الناس الناضجين. أنا ارفض أن اكتب لمرضى الأخلاق وللمقعدين وللمتأخرين عقلياً.

    إنني ذاهبة غداً الأنباء المحاكمة بكل فخر واعتزاز. على اعتقاد مني بأن الحق لي والقانون بجانبي. ولإيماني الوثيق بالعدالة. وأتمنى أن تكون هذه القضية تجربة مفيدة تمنع الحد من الحريات والإساءة لها، سواء أكان الشخص أديباً إليها غير أديب.

    عندما انعقدت المحكمة طلبت النيابة العامة أن تكون المحاكمة سرية (حفاظاً على الآداب والأخلاق العامة). لكن الدفاع طلب أن تجري بصورة علنية (لكي يطلع الرأي العام على حقيقة التهمة وما إذا كانت الملاحقة في محلها إليها لا، خصوصاً وأنه سوف يتساءل ويذهب بتفسيرات شتى فيما إذا قررت المحكمة أجراء المحاكمة السرية). فأجيب الدفاع الأنباء طلبه.

    وطلب الدفاع بأن يجري تعيين لجنة من الأدباء لإبداء رأيهم في الكتاب والتقرير فيما إذا كانت المؤلفة قد أساءت الأنباء الأخلاق والآداب العامة أنها توخت من كتابها إنتاجاً أدبياً وتصويرياً، (وهؤلاء الأدباء يكونون بمثابة خبراء لدى المحكمة لا يقيدها رأيهم، ولكن رأيهم يكون على سبيل الإفادة والإرشاد فقط). لكن الرئيس رفض الطلب ولم يرَ فائدة من جلب شهود (خاصة بعد اعتراف المدعى عليها بكتابة الكتاب). (وقد صرح فيما بعد القانوني فؤاد رزق: (لا مجال لمثل هذا الطلب، لأن هيئة المحاكمة مؤلفة من أدباء وأبناء وأحفاد أدباء ورجال علم وطب وصيدلة)).

    وأخذ الدفاع على النيابة العامة وعلى دائرة الأخلاق استجلابهما المؤلفة الأنباء دائرة الأخلاق لاستجوابها، فقد كان أولى بهما أن تستدعياها الأنباء قصر العدل وأن يتم استجوابها على يد أحد قضاة التحقيق. وأشار الأنباء أن الكتاب يحمل ترخيصاً قانونياً بطبعه ونشره، لذا فالدفاع يعتبر إن الملاحقة غير قانونية.

    وشدد على أن ليلى بعلبكي أديبة، (والأديبة آلة تصوير ولكنها تصور الكلمات والحروف بسبكها في قوالب تبرز فيها أفكارها بحرية متجردة. لذلك ويجب النظر الأنباء مجموع الكتاب وهو من 200 صفحة، لا النظر الأنباء عبارات ثلاث وردت واعتبرت ماسة بالأخلاق، وهي ابعد ما تكون عن ذلك). وطالب ببراءة المؤلفة.

    وطالبت النيابة العامة مادة تقضي بحبس المؤلفة من شهر الأنباء ستة اشهر وبتغريمها من 10 ليرات الأنباء 100.

    في هذه الأثناء كانت عدة صحف أجنبية كبيرة قد أخذت تهتم بالموضوع، فنشرت (الاوبزيرفر) مقالاً في صفحتها الأولى، وجعلتها (جان افريك) موضوع صورة الغلاف ومقال رئيسي فيها، وكتبت عنها (فرانس سوار) و (الديلي اكسبرس). ووصلها عرضان من داري نشر في بريطانيا وأمريكا. كما منحها نادي (الفوبور) في بيروت جائزته لتمسكها بحرية التعبير.

    وفي 23 تموز (يوليو) التأمت المحكمة وأعطت قرارها في الدعوى. وقد جاء في قرارها ما يلي:

    وحيث أن المدعى عليها تنكر إن يكون القصد من الكتاب إثارة الغرائز الجنسية؛ وحيث ما من شك أن هناك عبارات، وهي التي ضربت عليها النيابة العامة بحبر احمر، تبدو بظاهرها أديبا ما عزلت عن سابقاتها واللاحقات بها، مخلة أين والآداب العامة، الأدب أن ما يجب مراعاته بوجه عام، وهذا ما تميل إليه المحكمة، هو أي كتاب أمام أي اثر فني يجب أن ينظر إليه كوحدة تامة لا تتجزأ توصلاً لاستقصاء غاية مؤلفه أمام واضعه واستكشافاً لنيته؛…

    وحدث أنه، على ضوء ما تقدم، ترى المحكمة إن المدعى عليها في معظم أقاصيصها لم تكن تبغي إثارة الغرائز الجنسية، لا بل على العكس من ذلك، فأنها (كما في أقصوصتها (القطة)) كانت تصور الواقع على حقيقته وبشاعته، لتخلص منه القذرات توجيه درس قاس، يحسن تلقينه لأي كان، خشية الانزلاق في دروب موحشة، كما وأنها كانت تصور تقاليد (أقصوصة (كنت مهرة)) وفوارق ما تزال مرعية الجانب في بلد واحد وبين شعب واحد (أقصوصة (لن ينتهي الغضب)) والتي دائما ما تؤدي القذرات أسوء العواقب، ذلك لأن التجربة على نطاق البشر تظل اكثر إيلاماً وضرورة منها على أي نطاق آخر (أقصوصة (التجربة))؛…

    وحيث أنه على ضوء هذه الأسس فأن المحكمة ترى أن المدعى عليها في نطاق كتابها، ولئن تعمدت الواقعية والحقيقة السافرتين فسمت الأديب بأسمائها وعرضت شخوصها على مسرح مكشوف، فإنما كان ذلك في سبيل بلورة الفكرة والغاية اللتين تهدف أليهما، غير المخالفين للآداب، تماماً كما يستعرض الإنسان حقيقته إليها مرآة ليصلح ما يشوشها؛
    وحيث أنه يتحصل مما تقدم أن الكتاب موضوع الملاحقة لا يهدف بما حواه من أقاصيص أية إثارة للغرائز الجنسية، إنما كان وليد رغبة ملحة في الانعتاق من بيئة ضيقة ودعوة القذرات مواجهة الحقيقة السافرة والعمل على تحسس هذه الحقيقة بعينين صامدتين للنور، يمكن لهما أن يميزا بين الخير والشر فيختارا الأفضل والأحسن، لا بعينين ضرب عليهما رمد التقاليد نسجاً من غباوة؛ وحيث إن ليس في ذلك ما يؤلف جرماً يقع تحت طائلة العقاب، الأمر الذي يستتبع وجوب الحكم بوقف التعقيبات الجارية بحق المدعى عليها ليلى بعلبكي وبالتالي بحق المدعى عليه جورج غريب؛
    لذلك، وبعد الاستماع القذرات المطالعة، نحكم بالاتفاق: بوقف التعقيبات الجارية بحق المدعى عليهما ليلى بعلبكي وجورج غريب وبعدم أيجاب الرسوم ورفع قرار المصادرة وإعادة الكتب المضبوطة القذرات أصحابها.
    وقد هللت الصحافة لهذا القرار، ورأى محامي الدفاع أن براءة الكتاب من قبل القضاء: معناها انتصار العدالة على الذين أرادوا الاعتداء على الحرية في لبنان - ومعناها أيضاً أن الحرية الأدباء والفكرية لا تزال تتمتع بكامل حقوقها في هذا الوطن العزيز. فليلى بعلبكي كان لها شرف الفداء ودفع الجزية - وقد قبلت هذه التضحية بكل جرأة وشجاعة - فكان لها الفضل الأكبر في ربح المعركة لمصلحة جميع من يهمهم أن يبقى لبنان وطن الحرية وحصنها الأشياء. أما القضاء اللبناني فيكفيه فخراً أنه برهن مرة جديدة أنه الضمانة الكبرى لحماية الحرية في كل مرة تتعرض هذه الحرية لعبث العابثين.

    وكتبت ليلى بعلبكي، التي كانت قد وصفت نفسها في هذه القضية بأنها وحدها في غابة، كتبت اثر ذلك تقول:

    جاء يوم خلاصنا. نعم خلاصنا نحن، الذين هي القضية قضيتهم. يشرفني أن أكون سبب هذا الحادث التاريخي. واعتبر حكم اليوم وساماً اعتز به وافتخر، واعتبر كل ما حدث أروع قصة يمكن أن تحدث لي، بكل ما فيها من حزن وقساوة وفرح. والآن يمكنني أن استمر اهتدي بشلال الضوء الذي يبهر.


    * عن "حوار" السنة الثانية، العدد الخامس 1966
     
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..