دراسة محمد الهادي زعبوطي - أدب المناجم: المصطلح والمفهوم

أدب المناجم: المصطلح والمفهوم
"أدب المناجم" ، "الأدب المنجميّ"، "أدباء المناجم"، "أدباء منجميون"... مصطلحات متنوّعة ومختلفة. الإشكال المثار هنا: هل يجوز الحديث عن "أدب مناجم" أو "أدب منجميّ"؟ اختلف النّقاد والأدباء حول درجة قبول المصطلح، ويبدو أنّ هذا الاختلاف عائد بالأساس إلى صعوبة تحديد المفهوم المرتبط بهذا المصطلح. والأجدى أن نعود إلى بعض التّناولات في سياقها التّاريخي كي نتمكّن إلى الوصول إلى ما نزعمه من شرعيّة لـ"أدب المناجم" مصطلحا ومفهوما. - بعض التّناولات لـ "أدب المناجم": ظهر في السّبعينات والثّمانينات من القرن العشرين في تونس *"اما في مناطق المناجم وتحديدا في مدينة المتلوي فإن الشعراء هناك سينتظمون حول مواضيع مناجم الفسفاط وما يدور حولها من معاناة وتحد للطبيعة وتعلق بقيم العدالة والانعتاق على المستوى الاجتماعي والانساني وقد عرفوا بجماعة شعراء المناجم نذكر من ينهم خاصة محمد عمار شعابنية وسالم الشعباني ومحمد مختار الهادي وقد كانوا النواة التي أسست لمهرجان الشعر بالمتلوي الذي مازال مستمرا ومنتظما في دوراته." (الجماعات الادبية بتونس: من جيل المواقف والتفاعلات الى اجيال الحسابات والتحالفات بقلم: سوف عبيد) * "كما أنّ هناك مجموعة من الشّعراء حصرت نفسها في بوتقة ضيّقة، وعلى غرار بقيّة المجموعاتسمّت نفسها "شعراء المناجم"، نعتقد أيضا أنّ تجربتهم ليست ثابتة ولا تعكس بالضّرورة هذا النّعت الذي كان قيدا عليها، فقصائد عمّار شعابنيّة التيبدت ساذجة ومهزوزة في أوّل التّجربة نجدها اليوم أكثر تجذّرا في الواقع وأقدر على الصّمود أمام الاختبارات الجماليّة والذّوقيّة." (محمد الهاشمي بلوزة، السّؤال والصّدى: دراسة في الشّعر التّونسي الحديث، الدار التّونسيّة للنّشر، 1992، ص33) *"لشعر المنجمي حركة كتابية وليدة مسقط رأسها بمنطقة ضيقة من أرضنا التونسية ،وتسمى بأرض المناجم ، لانها تنفرد بخاصية مباركة هي غزارة انتاج الفسفاط تقع في الجنوب التغربي في تونس ... الشعر المنجمي يعالج مشكلات اجتماعية او بالاخرى مشكلة شريحة اجتماعية هي فئة " العمال الكادحين في مناجم الفسفاط كما يقول محمد الخالدي . انه تصوير او صور للحياة الاجتماعية في المنجم ، يحاول شعراؤه بالقصيد القصيرة والجملة البسيطة الوصول الى هؤلاء " العمال الذي يهبطون مع اطلالة كل فجر الى الداموس ، باتون من كل فج ليشهدوا منافع لهم ولاولادهم وهم لا يدرون ايعودون سالمين الى بيوتهم ام لا يعودون " ... الخطوة الاولى على درب الشعر العمالي " او او هل يمكن أن نعتبره من الادب الاشتراكي " .... اذا اخذنا بشهادة احمد عامر :" تفاعلت كثيرا مع ما كتبت من قصائد منجمية ، لانها نابعة من احساس صادق وشعور لا يعرف الزيف . " انا احب المنجم ، لانه لغز ، واللغز حيرة ولا فن الا بالحيرة ... الحيرة منطلق لكل التصورات والرؤى ... " يمكن أن نقول ان ما يسمى بالشعر المنجمي ، شعر مثقفين مندهشين لما يرونه ... خقا ، لقد أحس الشعراء المنجميون بمعاناة عمال المناجم اليومية وتفاعلوا مع " الخور البيضاء والبدل الزرقاء " وربما استنشق بعضهم أو كلهم رائحة المداخن ولفح وجوهمم غبار الفسفاط وعانى بعضهم مأساة فقد الأب او الام او الحبيبة ، ولكنهم لم ينزلوا الداموس ... ولا اختفوا بذرات الغبار . ... فاين اذن ، يقف الشعر المنجمي من المنجم وعامل المنجم ؟ انه يقف على مسافة ... مثلما يقف أي شاعر اخر على مسافة من حياة أية شريحة اجتماعية اخرى : الفلاحين العمال ، الطلبة ، الباعة المتجولين ، المثقفين ...الخ ... انه اذن ليس ادبا عماليا ولا اشتراكيا ولا منجميا ، ان المصطلح هذا مصطلح تلفيقي وغير دقيق ، لاننا لو اخذنا به ـ وهو قائم اساس على الموضوع الشعر ـ لقلنا مع يوسف رزوقة ، هناك : الشعر البترولي ، والشعر الفلاحي والشعر المخزني ( نسبة الى المخزن ) . وحتى نكون منطقيين ومنسجمين مع أصول النظرية الادبية وواقع الشعر العربي ان نعد هذا الشعر من جملة الشعر العربي الملتزم أو الواقعي ، شأنه شأن أي شعر يعالج مشكلة أو مشكلات اجتماعية معينة ... ... ان مصطلح الشعر المنجمي يعود بنا الى المنهجية التقليدية لتصنيف الشعر العربي ودراستهعلى أساس الموضوعات : المديح الهجاء، الرثاء ، الفخر ، الغزل .. الخ ، بينما ترفض المناهج النقدية والنظرية الحديثة ، هذا التصنيف ... وتقوم على أساس المبدعات الفنية ( الجمالية والمضمونية معا ) فالشعر الكونكريتي لم يسم كذلك لان يبحث في الكونكريت ( الاسمنت) والالكتروني ليس لأنه يبحث في الالكترون . والسريالي ليس لأنه يبحث في ( سر من راي ) وهكذا بالنسبة للشعر الحر أو غير العمودي والحر ، والعمودي الخ ... ... أخيرا نحيي مجلة " الاخلاء " الطريفة ، المنسجمة في تسميتها وخطتها ، وما تقدمه للقارئ العربي ، وجهد القائمين عليها ... انها الزميلة التي نحس انها فرع منا، ونحن منها ... متمنين لها التقدم والازدهار ..." (محمد العايش القوتي، الشّعر المنجمي) *-Brahim Darghouthi صديقي ابراهيم في نهاية ستينات القرن الماضي ظهر ما سمي بالادب المنجمي مع الشعراء محمد عمار شعابنية وسالم الشعباني وأحمد المختار الهادي وغيرهم ثم انطفأ وهج هذا الأدب هل لك تفسير لهذه الظاهرة وأنت الأديب الذي عاش في بلاد المناجم؟ -كما تعلم صديقي أن موقفنا كن متقاربا من هذا الموضوع.. فرغم أن لشعر المنجمي ظهر في بلدان أخرى فرأيي أن هذا الشعر لا يمكن نسبته إلى قطاع ما أو نشاط حرفي ما.. وإلا صار لكل صتف من الوظيفة العمومية وأصناف النشاط الفلاحي والصناعي شعره.. مرت هذه الموجة التي التصقت بالمناجم وبقي الشعر.. وهذا من فضل ربي.. الشعر عابر للفئات والقط...اعات.. بل عابر للقارات لأنه يخاطب وجدان الإنسان أينما كان.. (الصحفي محمد الماطري صميدة يحاور الكاتب التونسي ابراهيم بن سلطان -----الجمعة 8 اكتوبر 2010: الصالون الثقافي العالمي بتونس حوار الكاتب التونسي ابراهيم بن سلطان - Twkeel ) * " محمد عمّار شعابنية من أبرز الشعراء الذين ارتبطت أسمائهم بمعاناة منطقة المناجم التي انتفضت في 2008 وفتحت شرخا كبيرا في قدرة النظام السّابق على التماسك أمام الغضب الشعبي المتنامي احتجاجا على الفقر والتهميش والحيف الاجتماعي والفساد. في هذا الحوار يتحدّث شعابنية عن تجربته المسرحية والشعرية. أنت من شعراء المناجم وأسست تيارا شعريا كاملا في الثمانينات ماذا بقي من هذا الأتجاه الشعري خاصة أن أحداث الحوض المنجمي مهدّت لثورة 14 جانفي؟ لا أريد تضخيم المصطلح للإدعاء بأن الشعر المنجمي الذي انخرطت فيه منذ بداية السبعينات إلى أواسط الثمانينات الماضية مع احمد المختار الهادي وسالم الشعباني وحسن بن عبد الله والمرحوم محمد الطاهر سودة، يعتبر تيارا أو مدرسة لأن اهتماماته التي انصبّت على مشاغل فئة بشرية مستقرة بدنيا في محيط الحوض المنجمي الفسفاطي بالجنوب التونسي لم تكن تحرّك سواكن الشعراء الآخرين ولا حتى أهل المذاهب السياسية والفكرية الذين لم يكتشف جلّهم معاناة عمال المناجم ولم يكونوا على دراية جغرافية بمواطن كدحهم وعيشهم إلا بعد مشاهدتهم مسرحيتي «فئران الداموس» التي قدمتها فرقة مسرح الجنوب بقفصة من إخراج الفنان عبد القادر مقداد بالمسرح البلدي بالعاصمة في شهر نوفمبر 1976... أعود إلى التأكيد على أنّ الشعر المنجمي اتجاه أو منحى أثبت شرعية بروزه في حيّز جغرافي له مميزاته وخصوصياته المهنية التي تختلف عن ظروف التشكل المادي والمعيشي والاجتماعي في مناطق أخرى، فلا يجوز – إذن- أن نطلب من شاعر يكحّل عينيه بلون البحر أو خضرة البساتين أو وجوه الحسناوات أن ينخرط في الكتابة عن المنجميين، مثلما لا يوجّه السؤال إلى الشاعريْن الشيليين الكبيرين لويس آرياس مانزو Louis Arias Manzo وسيرجيو ماتياس Sergio Macias حول عدم التفاتهما إلى الكتابة عن عمال مناجم النحاس بالشيلي الذين حظاهم ابن بلدهما بابلو نيرودا بكثير من قصائده باعتباره قريبا منهم. وقد آلمنا كثيرا أن اتجاهنا الشعري، الذي أعتبره أنا أصدق تجربة شعرية تونسية مع الواقع في مرحلته قد تلقى طعنات حادة من طرف العديد من معارضيه باتّهامه بالمحلية الضيقة وكأنهم غير مدركين أنّ الشمولية تنطلق من المحلية، كما تم التهَكّم على التسمية إلى درجة أنّ البعض قد اقترح تسمية الشعر البترولي أو الشعر الفلاحي دون علم بأن الشعر المنجمي كان يتصل بالمنجميين (اسم فاعل) ليمارس فعل الكدح إلى جانبهم بالفكر والإبداع. وإذ تصْدُق التنبؤات اليوم فإنّ ما تشوّفته بقصائدي التي لم يستمر زخّها في تجربتها الأولى طيلة خمسة عشر سنة تقريبا قد بشّر بما ارتفعت به أصوات وحركات أبناء عمال المناجم التي رسّخت أبعادها الانقلابية أحداث الحوض المنجمي ربيع 2008، أولم أقل منذ 1979: أيها المنجم ! يا سنبلة تنْبُت في قفر بعيدْ لا ترى إلاّ الذي يسحكها عند العبورْ وهي لا تُنثر إلاّ لترى زرْعًا جديدْ (المجموعة الشعرية طعم العرق 1985 )" (نور الدين بالطيب الشروق:15-09-2011،الشاعر محمد عمّار شعابنية ل«الشروق»:صراصير الانتهازية تعمل على اختطاف الثورة)


محمد الهادي زعبوطي, ‏23/12/11


- منتدى مطر
 
أعلى