قصة قصيرة خوليو رامون ربييرو Julio Ramón Ribeyro - الأستاذ البديل.. قصة - ت: توفيق البوركي

ريبيرو.jpeg

كان الوقت مساءً تقريبا، حين جلس ماتياس وزوجته يحتسيان شايهما الحزين ويشتكيان من حال الفقر والعوز الذي تغط فيه الطبقة الوسطى، ومن حاجتها الماسة دائما إلى الظهور بمظهر لائق، ومن أسعار وسائل النقل وارتفاع قيمة الضرائب، وغيرها من الأمور التي يتحدث عنها أي زوجين فقيرين وقت الغروب. وهما على تلك الحال سمعا طرقات مدوية على الباب، فتحت السيدة فمرق الدكتور فالينسيا كالبرق وهو يشد على رقبة عكازه الصلبة.
- عزيزي ماتياس، جئت أزف إليك خبرا عظيما، من الآن فصاعدا ستصبح أستاذا؛ فلا ترفض لي هذا الطلب. سأتغيب عن البلاد لأشهر لذا قررت أن أتخلى لك عن حصص مادة التاريخ التي أدرِسها. لا يتعلق الأمر بمنصب كبير، كما أن ما ستجنيه من تعويضات ليست ذات قيمة كبيرة، لكنها فرصة مواتية لك لتشق طريقك في ميدان التدريس. بإمكانك، مع مرور الوقت، أن تحصل على ساعات إضافية، إذا فُتحت أمامك أبوب مدارس أخرى، ومن يدري قد يصل بك الأمر إلى التدريس في الجامعة ... كل شيء يتوقف عليك.
أنا لطالما وثقت بك كثيرا وليس من العدل أن شخصا من طينتك، شخص مثقف واصل تعليمه العالي، يقضي حياته في العمل جابيا. لا يا سيدي، ليس جيدا، وأنا أول من يعترف بذلك. منصبك في التدريس... فلا تفكر في الأمر كثيرا.

سأتصل بالمدير لأخبره إنني وجدت بديلا لي. ليس هنالك وقت لنضيعه، فسيارة الأجرة بانتظاري أمام الباب.

هيا يا ماتياس عانقني و قل بأنني صديقك.
قبل أن يجد ماتياس الوقت الكافي لإبداء رأيه كان الدكتور فالينسيا قد اتصل بالمدرسة وتحدث مع المدير وعانق صديقه للمرة الرابعة وغادر حتى دون أن ينزع قبعته.
بقي ماتياس لدقائق مطرقا يفكر و يده تداعب صلعته البهية التي تثير ابتهاج الأطفال و تسبب الرعب للنساء. بحركة عصبية منع زوجته من التعليق على الموضوع و اتجه بصمت، ناحية الصوان فصب لنفسه قدحا من نبيذ بورتو، الذي يحتفظ به بعيدا عن الأنظار، احتساه بتمهل، وهو يتأمله عبر ضوء القنديل. وأخيرا تكلم:
- كل ما حصل لم يفاجئني، فشخص مثلي لا يمكنه البقاء قابعا في ذاكرة النسيان.
بعد العشاء أخذ معه إبريق القهوة وأغلق عليه قاعة الأكل. نفض الغبار عن كتبه القديمة وأمر زوجته ألا يقاطعه أحد، حتى زميلاه في العمل بالتاسار ولوسيانو، اللذان تعود الالتقاء بهما كل مساء للعب الورق وتبادل النكات البذيئة نكاية برؤسائهم في العمل.
غادر ماتياس غرفته على الساعة العاشرة، بعد أن ضبط جيدا الدرس الافتتاحي، وهو يقاوم بشيء من قلة الصبر طلبات زوجته التي كانت تلاحقه عبر ممر البيت الريفي، و هي تزيل عنه ما علق ببدلته من غبار دقيق.
- لا تنسي أن تضعي البطاقة على الباب- أمر ماتياس زوجته قبل أن يغادر- لتُقرأ جيدا: ماتياس بالومينو، أستاذ التاريخ.
في طريقه كان ماتياس يتسلى بمراجعة فقرات الدرس في ذاكرته. خلال الليلة السابقة لم يستطع أن يتفادى متعة دغدغته عندما اكتشف نعت هيدرا* لوصف لويس السادس عشر.
يعود استعمال هذه الكلمة إلى القرن التاسع عشر، لكنها لم تعد تستعمل كثيرا، لكن ماتياس ومن خلال مظهره وقراءاته لا زال ينتمي إلى القرن التاسع عشر، لذا فذكاءه، حيثما نظرت إليه، قد أصبح متجاوزا.
منذ أن فشل في اجتياز اختبارات الباكالوريا لعامين متتاليين، منذ حوالي اثنتي عشرة سنة، لم يعد إلى تصفح مقرر دراسي واحد، ولا حتى إخضاع تأملاته لرغبات روحه المتعبة.
كان دائما ما ينسب إخفاقاته الدراسية إلى حقد و ضغينة أعضاء لجنة الامتحان، وإلى نوبات فقدان الذاكرة التي تتسلط عليه، دون رحمة، كلما كان عليه أن يستعرض مهاراته ومعارفه؛ لكنه لو لم يتجه إلى المحاماة لكان اختار بلاغة الموثق وربطة عنقه، ليس عن علم و لكنها على الأقل ستبقيه ولو بشكل صوري، في حدود المهنة.

عندما وصل أمام واجهة المدرسة، توقف دون سابق إنذار وبقي شاردا لبعض الوقت. كانت الساعة المعلقة على الواجهة تشير إلى أنه قد جاء متقدما بعشر دقائق، فبدا له احترام المواعيد أمرا راقيا، فعزم أن يتمشى حتى المنعطف. بمجرد أن مر أمام بوابة المدرسة، لمح حارسا متجهما يراقب الرصيف ويداه معقودتان خلف ظهره. كان الجو حارا قليلا، فتوقف عند منعطف الحديقة فأخرج منديلا جفف به جبينه؛ وقد ذكٌره امتزاج ظلي صنوبرة ونخلة ببيت شعري حاول دون جدوى أن يتذكر صاحبه.
كان يتأهب للعودة- بعد أن دقت ساعة البلدية معلنة الحادية عشرة- عندما لمح خلف زجاج متجر لبيع الأشرطة، شخصا شاحبا يراقبه، فلاحظ باندهاش، أن هذا الشخص ليس سوى انعكاسه هو نفسه، غمز وهو ينظر بنوع من التسامح، كمن يريد أن يطرد عن نفسه تلك الأوهام الكئيبة التي حفرتها انشغالات الليلة الماضية في تقاسيمه؛ لكن يبدو أن أوهامه لا تريد أن تزول بسرعة، فأحس ماتياس بصلعته، بين خصلات شعر صدغيه، تصارع بيأس ما تعانيه من إنهاك، و بشاربه يتهاوى على شفتيه كدليل قاطع على هزيمته.
آلمته قليلا هذه الملاحظة، فانسحب بسرعة من أمام الواجهة الزجاجية، أرغمته حرارة الصبيحة الصيفية على إرخاء ربطة عنقه، لكن عند وصوله أمام بوابة المدرسة، انتابته موجة شك عارمة، في تلك اللحظة لم يستطع أن يحدد إن كانت الهيدرا حيوانا بحريا، أم وحشا أسطوريا أم انها محض اختلاق من الدكتور فالينسيا، الذي يستعمل رموزا مماثلة ليقضي على خصومه. اختلط عليه الأمر ففتح حقيبته ليراجع ملاحظاته، فانتبه إلى أنٌ عينا الحارس، لم تنفكا تراقبانه. هذه النظرة أيقظت في نفسه احتمالات غامضة، ودون أن يستطيع تفاديها واصل طريقه حتى الزاوية المعاكسة، حيث توقف وهو يلهث، فلم تعد إشكالية الهيدرا تهمه في شيء، شكه هذا جرٌ معه شكوكا كثيرة ومستعجلة. فاختلط كل شيء في رأسه ولم يعد بمقدوره تذكر الوقائع والأحداث بدقة، أرعبه نزيف الأفكار الذي أصابه، فأدار عينيه يبحث عن حانة قريبة. كان العطش قد أخذ منه مأخذه.
عاد حائرا وجلس يتأمل منظر الحديقة وقلبه يترنح كطائر أسير. واصلت عقارب الساعة دورانها وماتياس لا زال على جموده وقد انشغل، بعناد، في أشياء تافهة، كعدٌ أغصان شجرة أو فك رموز أحد الإعلانات التجارية المرمية بين أوراق الأشجار الذابلة.
أعادته دقات جرس إحدى الكنائس إلى وعيه، فانتبه إلى أن هناك متسع من الوقت، فاستعان بكل ما يتصف به من فضائل بما فيها البعيدة عن جادة الصواب كالعناد. استطاع أن يشكل ما يمكن أن نطلق عليه اقتناعا، وانطلق ناحية المدرسة وقد فقد اتزانه بفعل الوقت الذي أضاعه.
أُصيب بالإجهاد وبمجرد أن لمح بوابة المدرسة، أخذ نفسا عميقا وهمٌ بالدخول. أجال بناظريه فلمح بجانب البواب زمرة من الرجال الشيب المستخفين وكانوا يترصدونه بقلق- كانت هذه التركيبة الغير منتظرة- التي تذكره بأعضاء لجنة الامتحان أيام طفولته، كافية لتوقظ فيه غرائزه الدفاعية، تراجع بسرعة وفرٌ ناحية الشارع.
على بعد عشرين خطوة منهم انتبه إلى أن أحدهم كان يلاحقه، و صوت يرنٌ خلف ظهره. كان صوت البواب.
- توقف من فضلك، ألست السيد بالومينو أستاذ مادة التاريخ الجديد؟ الرفاق بانتظارك هناك. كان ماتياس قد استشاط غضبا.
- أنا جابي ولست أستاذا. رد بقسوة كمن وقع ضحية خلط متعمد.
استسمحه البواب وعاد أدراجه، واصل ماتياس طريقه نحو الشارع. دار ناحية الحديقة، تمشى دون أن يحدد لنفسه اتجاها. تعثرت قدماه في دركة الرصيف وكاد أن يُسقط رجلا أعمى؛ وسقط هو أخيرا، على مصطبة وقد أرهقه الحر، أحس بخدر شديد كأن في دماغه جبنا و ليس مخا.
غادر الأطفال المدرسة وبدأوا ينطون ويقفزون حواليه، عندها استيقظ من سُباته وقد أحس في دخيلته أنه كان ضحية خديعة مُذلة. قام واتجه صوب منزله. دون وعي سلك طريقا مليئا بالالتواءات النهرية، تسلٌى بالنظر إليها، بينما كانت الحقيقة تنفلت من تشققات مخيلته. فكرٌ أن بإمكانه، يوما ما، أن يصير مليونيرا بضربة حظ واحدة. منظر زوجته بمريولتها المشدودة إلى خصرها، تنتظره أمام البيت، أعاده إلى وعيه وإحساسه بخيبته العظيمة.
تمالك نفسه، رغم كل شيء، ورسم على شفتيه ابتسامة وسارع إلى ملاقاة زوجته، التي هرولت مسرعة، عبر الممر بذراعين مفتوحين.
- كيف صارت الأمور معك؟ هل ألقيت الدرس؟ وكيف كان رد فعل التلاميذ؟
- عظيم، كل شيء مرٌ بشكل ممتاز- غمغم ماتياس- لقد صفقوا لي.
لكن ما إن أحس بذراعي زوجته تحيطان بعنقه ولمح في عينيها، ولأول مرة، بريق فخر لا يقهر؛ أخفى رأسه بعنف وانخرط في بكاء مرير.

(Amberes, 1975)


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش:
* هيدرا : هو جنس لكائن بسيط يعيش فى المياة العذبة و يمتلك تناظرا شعاعيا(بيولوجى) . و تعد الهيدرا كائنات مفترسة وهى حيوانات تنتمي إلى شعبة Cnidaria و الطبقة Hydrozoa . و يمكن الحصول عليها من معظم البرك غير الملوثة , وفى مجارى المياه العذبة و البحيرات والأنهار وفي المناطق المدارية والمعتدلة و يمكن جمعه بلطف بواسطة الشبكة الت تستخدم لجمع الأعشاب . فهي عادة ما تقدر بعدة ملليمترات من حيث الطول و هي يفضل رؤيتها بالمجهر أما علماء الأحياء فهم مهتمون بشكل خاص بالهيدرا نظرا لقدرتها على التجدد (البيولوجيا) ولأنها تظهر عليها أعراض التأثر بالشيخوخة (الشيخوخة) ببطء شديد ، أى ما يدعى بالخلود البيولوجي .
 
أعلى