ابن سعيد الأندلسي - المرقصات و المطربات

...............
وإني لمفتون بهذا الشطر الحزين:
سلوتُم وبقينا نحن عشاقا
فقد أجاد الوزير إبن زيدون في نظمه وغزله وكان في مقدمة شعرا الحب في عصره شهادة الشعراء الأقدمين ما ذكر في درواوينهم التي لا مجال لذكرها. وله:
أيها الرائح المغذ تحمل ... حاجة للمتيم المشتاق
إقرِ عني السلام أهل المصلى ... فبلاغ السلام بعض التلاقي
وإذا ما مررت بالخيف فاشهد ... أن قلبي إليه بالأشواق
وإذا ما شئت عني فقل نض ... و هوى ما أظنه اليوم باق
ضاع قلبي فأنشده لي بين جمع ... ومني عند بعض تلك الحداق
وأبكِ عني فطالما كنت من قب ... ل أعير الدموع للعشاق
ثم يقول:
أيها الراكب الميّمم أرضي ... إقر بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرضِ ... وفؤادي مالكيه بأرض
قدر البين بيننا فأفترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بيننا بإفتراق ... فعسى بإجتماعنا سوف يقضي
وقال أحدهم:
وما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل حالٍ ... مخافة فرقة أو لإشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي ... وتسخن عينه عند التلاقي
ومن الشعراء من يتوجع على عهده قبل الفراق، كقول الشريف:
هل عهدنا بعد التفرق راجع ... أو غصننا بعد التسلب مورق
شوق أقام وأنت غير مقيمة ... والشوق بالكلف المعني أعلق
ما كنت أحظى في الدنو فكيف بي ... واليوم نحن مغرب ومشرق
وقال الأرجاني في ألم:
رحلوا: أمام الركب نشر عبيرهم ... ووراءهم نفس المشوق الصادي
فكان هذا من وراء ركابهم ... حاد لها وكأن ذلك هادي
لله موقف ساعة يوم النوى ... بمنى وأقمار الحدوج بواد
لما تبعت وللمشيع غاية ... أظعانهم وقد إمتلكن قيادي
أتبعتهم عيني وقلبي واقفاً ... فوق الثنية والمطي غواد
كيف السبيل إلى التلاقي بعدما ... ضرب الغيور عليه بالأسداد
والحي قد ركزوا الرماح بمنزل ... فيه الظباء ربائب الآساد
وعد المنى بهم فقلت لصاحبي ... كم دون ذلك من عدي وعواد
عهدي بهمُ بوجرة جيرة ... سقيت عهودهُم بصوب عهاد
فاليوم من نفس النسيم إذا سرى ... نبغي شفاء علائل الأكباد
ولأحدهم:
يا موقفاً بالبان لم تثمر لنا ... غير الصبابة والأسى شجراته
هل نفرت لا نفرت غزلانه ... أو صوحت لا صوحت باناته
عهدي به يلوي الديون قضاته ... وتصيد ألباب الرجال مهاته
فاليوم لا جيرانه جيرانه ... قدماً ولا فتياته فتياته
يا حادي الأظعان في آثارهم ... قلب تقطعه جوى حسراته
ولقد يرى ثبت الحصاة فماله ... أمست تذوب على البعاد حصاته
وقال الصغرائي:
لعمرك ما يرجى شفائي والهوى ... له بين جسمي والعظام دبيب
أجلك أن أشكو إليكِ وأنطوي ... على كمدي إن الهوى لعجيب
وآمل برءاً من هوى خامر الحشا ... وكيف بداء لا يراه طبيب
نصيبك من قلبي كما قد عهدته ... وما لي بحمد الله منك نصيب
وما أدعي إلا إكتفاء بنظرة ... إليك ودعوى العاشقين ضروب
وما بحت بالسر الذي بيننا ... ولكنما لحظ المحب مريب
وقال إبن الأحنف:
إليك أشكو رب ما حل بي ... من صد هذا التائه المعجب
صب بعصياني ولو قال لي ... لا تشرب البارد لم أشرب
إن قال لم يفعل وإن سيل لم ... يبذل وإن عوتب لم يعتب
* * * قال إعرابي:
شكوت فقالت كل هذا تبرماً ... بحبي أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الحب قالت لشد ما ... صبرت وما هذا بفعل شجي القلب
وأدلو فتقصيني فابعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها وصبري يسوءها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة عرفونها ... إشيروا بها وأستوجبوا الشكر من ربي
وهذه القصيدة إنتقيناها من كتاب " مدامع العشاق " وقد أجاد في هذا المعنى من شعراء العصر حافظ بك إبراهيم حين قال:
كم تحت أذيال الظلام متيم ... دامي الفؤاد وليله لا يعلم
ما أنت في دنياك أول عاشق ... رامية لا يحنو ولا يترحم
أهرمتني يا ليل في شرخ الصبا ... كم فيك ساعات تشيخ وتهرم
لا أنت تقصر لي ولا أنا نقصر ... أتعبتني وتعبت، هل من يحكم
لله موقفنا وقد ناجيها ... بعظم ما يخفي الفؤاد ويكتم
قالت مَن الشاكي تسائل سربها ... عني ومن هذا الذي يتظلم
فأجبتها وعجبن كيف تجاهلت ... هو ذلك المتوجع المتألم
أنا من عرفت ومن جهلت ومن له ... لو لا عيونك حجة لا تفحم
أسلمت نفسي لهوى وأظنها ... مما يجشمها الهوى لا تسلم
وأتيت يحدوني الرجاء ومن أتى ... متحرماً بفنائكم لا يحرم
أشكو لذات الخال ما صنعت بنا ... تلك العيون وما جناه المعصم
لا السهم يرفق بالجريح ولا الهوى ... يبقي عليه ولا الصبابة ترحم
لو تنظرين إليه في جفون الدجى ... متململاً من هول ما يتجشم
يمشي إلى كنف الفراش محاذراً ... وجلاً يؤخر رجله ويقدم
يرمي الفراش بناظريه وينثني ... جزعاً ويقدم بعد ذاك ويحجم
فكأنه واليأس ينف نفسه ... للقتل فوق فراشه يتقدم
رشقت به في كل مدية ... وأنساب فيه بكل ركن أرقم
فكأنه في هوله وسعيره ... وادٍ قد أطلعت عليه جهنم
هذا وحقك بعض ما كابدته ... من ناظريك وما كتمتك أعظم
قالت أهذا أنت ويحك فأتئد ... حتى مَ في الغرام وتتهم
إنا سمعنا عنك ما قد رأينا ... وأطال فيك وفي هواك اللوّم
أصغت إلى قول الوشاة فأسرفت ... في هجرها وجنت عليّ وأجرموا
حتى إذا يئس الطبيب وجاءها ... أني تلفت تندمت وتندموا
وأتت تعود مريضاً لا بل أتت ... مني تشيع راحلاً لو تعلم
وقال إبن المعتز:
إيها الساقي إليك المشتكى ... قد دعوناك وإن لم تسمع
ونديم همت في غرته ... وبشرب الراح من راحته
كلما إستيقظ من سكرته ... جذب الزق إليه وأتكا
وسقاني أربعاً في أربع
ما لعيني غشيت بالنظر ... أنكرت بعدك ضوء القمر
وإذا ما شئت فاسمع خبري ... غشيت عيناي من طول البكا
وبكى بعضي على بعضي معي
غصن بانٍ مال من حيث إلتوى ... مات من يهواه من فرط الجوى
خفق الحشاء موهون القوى ... كلما فكّر في البين بكى
ويحه يبكي ... لما لم يقعِ
ليس لي صبر ولا لي جلدٌ ... يا لقومي عذلوا وأجتهدوا
أنكروا شكواي مما أجد ... مثل حالي حقه أن يشتكا
كمد اليأس ... وذل الطمع
كبد جرّى ودمع يكف ... أصرف الدمع فلا ينصر
أيها المُعرض عما أصف ... قد نما حبي بقلبي وزكا
لا تقل في الحب أني مدعي
عن " مدامع العشاق " للأستاذ زكي مبارك وقال إبن الرومي:
هل الملالة إلا منقضى وطرِّ ... من متعة يطِّبي من غيرها وطر
وفيك أحسن ما تسمو النفوس له ... فأين يرغب عنك السمع والبصر
وقال إبن عنين:
خبروها بأنه ما تصدى ... لسلوٍ عنها ولو مات صدا
واسألوها في زورة من خيالٍ ... إن تكن لم تجد من الهجر بدا
ظبية تخجل الغزالة وجهاً ... وبهاءً وتفضح الغصن دا
وقال أو الأسود الدؤلي:
أبى القلب إلا أم عمرو وحبها ... عجوزاً ومن يحبب عجوزاً يفند
كبرد اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد
وقال صردر:
ولقد عرضت على السلو جوانحي ال ... حرّى فلم يرهن دار مقام
كيف السلو وليس يسلك مسمعي ... إلا حنين أو بكاء حمام
وقال إبن الزيات:
لم يزدني العذل إلا ولعا ... ضرني أكثر مما نفعا
ذهبت بالقلب عين نظرت ... ليتها كانت وإياه معا
كل يوم لي منها آفة ... تركتني للهوى متبعا
وقال الأبيوردي:
أرى كل حب غير حبك زائلاً ... وكل فؤادٍ غير قلبي ساليا
إذا إستخبر الواشون عما أسره ... حمدت سلوى أو ذممت التصابيا
أيذهل قلب أنت سر ضميره ... فلا كان يوماً عنك يا علو ساليا
وقال العزّي:
يا خليلي لو ملكت فؤادي ... جاز أن يملك الصواب عناني
ظالمي من أراد إصاف نفسي ... من هواها وآمري من نهاني
قد تورطت في نعسف شوقي ... حيث لا يعرف السلّ مكاني
وقال الطغرائي:
خليليّ هل من مسعد أو معالج ... فؤاداً به ذاء من الحب ناكس
وهل ترجوان البرء مما أكنه ... فإني وبيت الله منه لآيس
سرى حيث لا يدري الضمير مكانه ... ولا تهتدي يوماً إليه الهواجس
إذا قلت هذا يوم أسلو تراجعت ... عقابيل من أسقامه ووساوس
* قال إبن الأحنف:
سكوتي بلاءُ لا أطيق إحتماله ... وقلبي ألفو للهوى غير نازع
وأقسم ما تركي عتابك عن قيلي ... ولكن لعلمي أنه غير نافع
وإني إذا لم الزم الصبر طائعاً فلا بد منه مكروهاً غير طائع
إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعةٌ ... فلا خير في ودٍ يكون بشافع
وله:
لعمري لقد جلبت نظرتي ... إليك عليّ بلاءً طويلاً
فيا ويح من كلفت نفيه ... بمن لا يطيق إليه السبيلا
هي الشمس مسكنها في السماء ... ولن تستطيع إليك النزولا
*
قال سعيد بن حميد:
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدةٌ ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إن حُصَّلوا فناهم التحصيل
لئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن عليّ منك عويل
ولتفجعنّ بمخلص لك وامقٍ ... حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين ... من لا يشاكله لديّ خليل
وليذهبن بهاء كل مروةٍ ... وليفقدن جمالها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... باق عليه من الوفاء دليل
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
وقوله:
أفي الحق أني قد قضيت ديونكم ... وإن ديوني باقيات كما هي
فوا أسفي، حتام أرعى مضيَّعاً ... وآمن خوّاناً وأذكر ناسيا
وما زال أحبابي يسيئون عشرتي ... ويجفونني حتى عذرت الأعاديا
وقال أحدهم:
بيد الذي شغف الفؤاد بكم ... تفرج ما ألقى من الهم
قد كان صرمٌ في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم
ولما بقيت ليبقين جوى ... بين لجوانح مضرعٌ جسمي
فتعلمي أن قد كلفت بكم ... ثم إفعلي ما شئتِ عن عِلم
وقال الشريف الرضي يعاتب إحدى الجميلات:
يا صاحب القلب الصحيح أما إشتفى ... ألم الجوى من قلبي المصدوع
أأسأت بالمشتاق حين ملكته ... وجزيت فرط نزاعه بنزوع
هيهات لا تتكلفنَّ لي الهوى ... فضح التطبع شيمه المطبوع
كم قد نصبت لك الحبائل طامعاً ... فنجوت بعد تعرّض لوقوع
وتركتني ظمآن أشرب غلتي ... أسفاً على ذاك اللمى الممنوع
قلبي وطرفي منك هذا في حمى ... قيظٍ وهذا في رياض ربيع
كم ليلة جرّعته في طولها ... غصص الملام ومؤلم التقريع
أبكي ويبسم والدجى ما بيننا ... حتى أضاء بثغره ودموعي
ثقلى أنامله التراب تعللاً ... وأناملي في سنَي المفروع
قمرٌ إذا إستخجلته بعتابه ... ليس الغروب ولم يعد لطلوع
لو حيث يُستمع السّرار وقفتما لعجبتما من عزه وخضوعي
أبغي هواه بشافع من غيره ... شر الهوى ما نلته بشفيع
* من قول زهير:
يا هاجرين وحقكم ... هوَّنتم ما لا يهون
قلتم فلانٌ قد سلا ... ما كان ذاك ولا يكون
وحياتكم وهي التي ... ما مثلها عندي يمين
ما خنت عهدكم كما ... زعم الوشاة ولا أخون
يا من يظن بأنني ... قد خنته غيري الخئون
لو صحَّ ودك صح ظنك ... بي وبان لك اليقين
يا قلب بعض الناس كم ... تقسو عليّ وكم ألين
يا ويلتاه لمن يخا ... طب أو لمن يشكو الحزين
قد ذلَّ من كان المع ... ين له الدمع المعين
وله:
يا أعز الناس عندي ... كيف خنت اليوم عهدي
سوف أشكو ك بعدي ... فعسى شكواي تجدي
إين مولاي يراني ... ودموعي فوق خدي
أقطع الليل أقاسي ... ما أقاسي فيه وحدي
ليتني عندك يا مولا ... ي أو ليتك عندي
ثم قال:
من لي بقلب أشتيه ... من القلوب القاسية
إني لأطلب حاجةً ... ليست عليك يخافيه
أنعم عليّ يقبلة ... هبةً وإلا عارية
وأعيدها ك لا عدم ... تَ بعينها وكما هيه
وإذا أردت زيادة ... خذها نفسي راضية
عسى يجود لنا الزما ... ن خلوةٍ في زاوية
أو ليتني ألقاك وحدك ... في طريق خاليه
وله:
يا من تبدل في الهوى ... يهنيك صاحبك الجديد
إن كان أعجبك الصدو ... د كذلك أعجبني الصدود
وأعلم يأني لا أري ... د إذا رأيتك لا تريد
وأنا القريب فإن تعيَّ ... ر صاحبي فأنا البعيد
*
سأعرض عمن راح عني معرضاً ... وأعلن سلواني له وأشيعه
وأحجب طرفي عنه فهو رسوله ... وأحجب قلبي عنه فهو شفيعه
وكيف ترى يني لمن لا يرى لها ... ويحفظ قلبي في الهوى من يضيعه
وأقسمت لا تجري دموعي على أمريء ... إذا كان لا تجري عليَّ دموعه
فإن خان طرفي ما حوته جفونه ... ولو خان قلبي ما حوته ضلوعه
ومن قوله:
هو حظي قد عرفته ... لم يحل عما عهدته
فإذا قصّر من أهوا ... هُ في الحب عذرته
غير أني لي في الح ... ب طريق قد سلكته
لو أراد البعد عني ... نور عيني ما تبعته
إن قلبي وهو قلبي ... لو تجنى ما صحبته
كل شيء من حبيبي ... ما خلا الغدر إحتملته
أنا في الحب غيورٌ ... ذاك خلقي لا عدمته
أبصر الموت إذا أبص ... ر غيري من عشقه
وقال البحتري:
خليليَّ ربع عَزة فأعقلا ... قلوصيكما ثم إبكيا حيث حلتِ
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
فقد حلفت جهداً بما نحرت ه ... قريشٌ غداة المأزمين وصلت
أناديك ما حج وكبرت ... بفيفا غزال وفقةٌ وأهلت
وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كناذرة نذراً فأوقت وحلت
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وُطَّنت يوماً لها النفس ذلت
ولم يلق إنسانٌ من الحب ميعه ... تعم ولا ماءَ إلا تجلت
كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها الصم زلت
صفوحاً ما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت
أباحت حمى لم يره الناس قبلها ... وحلت تلاعا لم تكن قبلُ حلت
فليت قلوصي عند عزة قُيدت ... بحبل ضعيف غُر منها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلها ... وكان لها باغ سواي قبلت
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكنت كذات الظلع لما تحاملت ... على ظلعها بعد العثار إستقلت
أريد الثواءَ عندها وأظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت
فما أنصفت أما النساء فبغضت ... إلي وأما بالنوال فضنت
يكلفها الغيران شتمي وما بها ... هواني ولكن للمليك إستدلت
هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما إستحلت
و الله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم و أكثرت إلا أقلت
فإن تكن اعتبي فأهلاً ومرحباً ... وحقت لنا العتبى لدينا وقلت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنا ... منادح لو سارت بها العيس كلت
فلا يبعدن وصلٌ لعزة أصبحت ... يعافيه أسبابه قد توت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلت
ولكن أنيلي وأذكري من مودة ... لنا خلة كانت لديكم فطلت
فإني وإن صدّت لمئنٍ وصادقٌ ... عليها بما كانت إلينا أزلت
فما أنا بالداعي لعزة بالجوى ... ولا شامتٌ إن نعل عزة زلت
فلا يحسب الواشون أن صبابتي ... بعزة كانت عمرة فتجلت
فأصبحت قد أبللت من دنف بها ... كما أدنفت هيماء ثم إستبلت
فو الله ثم الله ما حل قبلها ... ولا بعدها من خُلة حيث حلت
وما مر من يوم عليّ كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت
وأضحت بأعلى شاهق من فؤاده ... فلا القلب يسلوها ولا العين ملت
فيا عجباً للقلب كيف إعترافه ... وللنفس لما وطنَّت كيف ذلت
وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ظل ... تبوأ منها للمقبل أضمحلت
كاني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فلما جاوزته إستهلت
فإن سال الواشون فيمَ هجرتها ... فقل نفس حر سليَّت فتسلت
وقال أحد الظرفاء:
ماتت لفقد الظاعنين ديارهم ... فكأنهم كانوا بها أرواحا
ولقد عهدت بها فهل أرينه ... مغدى لمنتجع الصبي ومراحا
بالنافثات النافثات نواظراً ... والنافذين اسنة وصفاحا
وأرى العيون ولا كأعين عامر ... قدراً مع القدر المتاح مُتاحا
متوارثي مرض الجفون وإنما ... مرض الجفون بأن يكن صحاحا
من كان يكلف بالأهلة فليزر ... ولدي هلال رغبة وبراحا
لا عيب فيهم غير شح نسائهم ... ومن السماحة أن يكن شحاحا
طرقته في أترابها فجلت له ... وهناً من الغرر الصباح صباحا
أبرزن من تلك العيون أسنة ... وهززن من تلك القدود رماحا
يا حبذا ذاك السلاح وحبذا ... وقتٌ يكون الحسن فيه سلاحا
* وقال إبن الرومي:
زارت على غفلة من الحرس ... تهدي إليّ اليلام في الغلسٍ
أني تجشمت نحو أرحلنا الهو ... ل ولم ترهبي أذى العسس
قالت ترامى بنا إليك من الشو ... ق مُغِيص بالبارد السلس
كم زفرة لي تبيتت تنهض أحشا ... ئي ودمع عليك منبجس
وأنت لاه غيرنا ولنا ... منك هوى ممسك على النفس
عجبت من ذلتي ومن قلبك القا ... سي علينا وخلقك الشكس
لا تأمنن الهوى وسطوته ... وأخشى رداه ومنه فأحترس
ومن قول جميل عاشق بثينة:
ما دنا البين بين الحي وأقتسموا ... حبل النوى فهو في أيديهم قِطع
جادت بأدمعها ليلى وأعجلني ... وشك الفراق فما أبقى وما أدع
يا قلب ويحك ما عيشي بذى سلم ... ولا الزمان الذي قد مرّ مرتجع
أكلما بان حيّ لا تلائمهم ... ولا يبالون أن يشتاق من فجعوا
علقني بهوى عنهم فقد جعلت ... من الفراق حصاة القلب تنصدع
وقال أحدهم:
تجب فانّ الحب داعية الحبَ ... وكم من بعيد الدار مستوجب القرب
إذا لم يكن في الحبَ عتب ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
نفكر فإن حدثت أنّ أخا هوى ... نجاساً فأرجو النجاة من الحبّ
وأطيب أيام الهوى يومك الذي ... تروّع بالتحريش فيه وبالعتب
وقيل أن هذه الأبيات غناء لعلية بنت المهدي وكانت تأمره أن يقول الشعر في المعاني التي تريدها لأي من الشعراء.
عرّضن للذي تحب بحب ... ثم دعه يروضه إبليس
فلعل الزمان يدنيك منه ... أن هذا الهوى جليل نفيس
صابر الحب لا يصرفك فيه ... كم حبيب تجهم وعبوس
وأقل اللجاج واصبر على الجهد فإن الهوى نعيم وبوس
لأحدهم:
سلام على النازح المغترب ... تحية صب به مكتئب
غزال مراتعه بالبليح ... إلى دير زكي فقصر الخشب
أيا من أعان على نفسه ... تخليفه طائعاً من أحب
سأستر والستر من شيمتي ... هوى من أحب بمن لا أحب
وقال:
أتاني كتابك يا سيدي ... وفيه العجائب كل العجب
أتزعم أنك لي عاشق ... وأنك بي مستهام وصب
فلو كان هذا كذا لم تكن لتتركني نهزة للكرب
وأنت ببغداد ترعى بها ... نبات اللذاذ مع من تحب
فيا من جفاني ولم أجفه ... ويا من شجاني بما في الكتب
كتابك قد زادني صبوة ... واسعر قلبي بحر اللهب
فهبني نعم قد كتمت الهوى ... كيف بكمان دمع سرب
ولو لا إتقاؤك يا سيدي ... لوافتك بي الناجيات النجيب
معيدو للفرزدق يفاخر بها في وصد بني هاشم:
هذا الذي تعرف لبطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا أين خبر عباد الله كلهم ... هذا التقي نقي الظاهر العلم
هذا إبن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم ألا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحها عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
الله شرّفه قدماً وعظمه ... جري بذاك له في لوحة القلم
أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأوّلية هذا أو له نعم
من يشكر الله يشكر أوليّة ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم
ينمي إلى ذروة الدين التي قصرت ... عنها الأكف وعن إدراكها القدم
من جده دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمته دانت له الأمم
مشقة من رسول الله نعته ... طبت مغارسه والخيم والشيم
ينشق ثوب الدجى عن نور غرته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
من معشر حبهمو دين وبغضمو ... كفر وقربهمو منجى ومعتصم
مقدم بعد ذكر الله ذكرمو ... في كل بر ومحتوم به الكلم
أن عد أهل التقى كانوا أثمتهم ... أو قيل من خير اهل الأرض قيل همو
لا يستطيع جواد بعد جودهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
يستدفع الشر والبلوى بحبهم ... ويسترب به الإحسان والنعم
فغضب هشام فحبسه بين مكة والمدينة فقال:
اتحبسني بين المدينة والتي ... إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأساً لم يكن رأس سيد ... وعيناً له حولاه بادٍ عيوبها
فبلغ شعره هشاماً فوجه فأطلقه: " أخبرنا " عبد الله بن مالك عن محمد بن موسى عن الهيثم بن عديّ قال أخبرنا أبو روح الراسي قال لما ولي خالد بن عبد الله العراق ولي مالك بن المنذر شرطة البصرة فقال الفرزدق:
يبغض فينا شطة المصرانني ... رأيت عليها مالكاً عقب الكلب
قال فقال مالك عليّ به فمضوا به إليه فقال:
اقول لنفسي إذ تغص بريقها ... ألا ليت شعري ما لها عند مالك
وقيل في المرقص:
أعلل قلبي في الغرام وأكتم ... ولكن حالي عن هواي يترجم
فلو فاض دمعي قلت جرح مقلتي ... لئلا يرى حالي العذول فيفهم
وكنت خلياً لست أعرف ما الهوى ... فأصبحت صباً والفؤاد متيم
رفعت إليكم قصتي أشتكي بها ... غرامي ووجدي كي ترقوا وترحموا
سطرتها من دمع عيني لعلها ... بما حل بي منكم إليكم تترجم
رعى الله وجهاً بالغرام مبرقعا ... له البدر عبد والكواكب تخدم
على حسن ما رأيت مثيلها ... ومن ميلها الأغصان عطفاً تعلم
وأسألكم من غير حمل مشقة ... زيارتنا إن الوصال معظم
وهبت لكم روحي عسى تقبلونها ... فلي الوصل مني والصدود جهم
فأخذت الجارية الكتاب وأعطته إلى سيدها. فلما قرأت ذاك الكتاب هاج منها الوجد والغرام وكتبت له أيضاً تقول:
يا من تعلق قلبه بجمالنا ... أصبر لعلك في الهوى تحظى بنا
لما علمنا أن حبك صادق ... وأصاب قلبك ما أصاب فؤادنا
زدناك فوق الوصل مثله ... لكن منع الوصل من حجابنا
وإذا تجلى الليل من فرط الهوى ... تتوقد النيران في أحجابنا
وجت مضاجعنا الجنوب وربما ... قد برح التبريح في أجسامنا
الفوض في شرع الهوى كتم الهوى ... لا ترفعوا المسبول من أستارنا
فلما فرغت من شعرها طوت الكتاب وأعطته إلى الخادمة فأخذته وخرجت من عندها. فصادفها الحاجب وقال لها: أين تذهبين؟ فقالت إلى الحمام وقد إنزعجت منه فوقعت منها الورقة دون إنتباه. فبينما كان بعض الخدم يمشي في تلك الجهة وقع نظره على الورقة فأخذها وقدمها إلى الوزير فلما قرأها وفهم فحواها هاج منه الغيظ والغضب وجاء إلى إبنته ورد لائماً مندداً. ثم أمر بعض الخدم بإيعادها وأخذ مكان لها يكون بعيداً في البرية. فلما علمت بذلك زاد منها القلق وكتبت قبل ذهابها هذه الأبيات على باب حجرتها.
بالله يا دار مر الحبيب ضحى ... مسلماً بإشارات يحيينا
أهديه منا سلاماً زاكياً عطراً ... لأنه ليس يدري أين أمسينا
ولست أدري إلى أين الرحيل بنا ... لما مضوا بي سريعاً مستخفينا
في جنح ليل وطير الأيك قد عكفت ... على الغصون تباكينا وتنعينا
وقال عنها لسان الحال وأحربا ... من التفرق ما بين المحبينا
لما رأيت كؤوس المر قد ملئت ... والدهر من صرفها بالقهر يسقينا
مزجتها بجميل الصبر متذراً ... وأنكم الآن ليس الصبر يسلينا
ولما فرغت من شعرها ركبت وساروا بها يقطعون القفار حتى وصلوا إلى مكان منفرد أمام شاطيء نهر فنصبوا لها خيمة ووكلوا بها عض الخدم.
لما أظلم الظلام تذكرت حالها وكيف فارقت أطلال الحبيب فسكبت العبرات وأنشدت تقول:
جن الظلام وهاج الوجد بالسقم ... والشوق حرك ما عندي من الألم
ولوعة البين في الأحشاء قد سكنت ... والفكر صيرني في حالة العدم
والوجد أقلقني والشوق أحرقني ... والدمع باح بسر أي مكتتم
وليس لي حالة في العشق أعرفها ... من رق عودي ومن سقمي ومن ألمي
جحيم قلبي من النيران قد سعرت ... ومن لظى حرها الأكباد في نقم
ما كنت أملك نفسي أن أودعهم ... يوم الفراق فيا قهري ويا ندمي
يا من يبلغهم ما حل بي وكفى ... إني صبرت على ما خط بالقلم
أقسمت لا حلت عنهم في الهوى أبداً ... يمين شرع الهوى مبروة القسم
يا ليل سلم على الأحباب مخبرهم ... وأشهد بعلمك أني فيك لم أنم
أما أنس الوجود فإنه بعد كتابة الأبيات وإرسالها إلى محبوبته ورد صبر إلى ثاني الأيام وقصد بيتها. فسأل عنها الخادمة فأعلمته بالخبر وأطلعته على ما كتبت من أبيات على الباب فلما قرأ تلك الأبيات زاد منه الوجد والقلق وسار في عرض القفار لا يرتاح إلى سمير ولا يلذ له الكلام. إلى أن رأى رجلاً أهداه إلى مكانها فبينما هو سائر إلى حبيبته وقع نظره على حمام يهزأ منه الأيك فهاج منه لاعج الغرام وأنشد:
يا حمام الأيك أقريك السلام ... يا أخا العشاق من أهل الغرام
أنني أهوى غزالاً أهيفاً ... لحظه أقطع من حد الحسام
في الهوى أحرق قلبي والحشا ... وعلا جسمي نحول وسقام
ولذيذ الزاد قد حرمته ... مثل ما حرمت من طيب المنام
وأصطباري وسلوى رحلا ... والهوى بالوجد عندي قد أقام
كيف يهنا العيش لي من بعدهم ... وهم روحي وقصدي والمرام
أما حبيبته ورد فإنها بينما كانت تخطر حول خيامها إذ رأت موكباً حافلاً عن بعد فدنت منه فإذا في وسطه أمير خطير فلما وقع نظره عليها عجب من رائق جمالها وهاله ما رأى فيها من شدة الضعف والهزال فسألها عن حالها وما ألم بها. فأعلمته القصة على التمام وما جرى لها أولاً وآخراً. فرق لها قلبه وبعث فاسترضى أباها وأرسل من يأتي بأنس الوجود. فما مضى إلا القليل حتى صادفوه قريباً من خيام محبوبته. فلما جاءوا به إليها مالت غليه كغصن البان فضمها إلى صدره وأنشد:
ما أحيلاها ليلات الوفا ... حيث أمسى لي حبيبي منصفا
نصب السعد لنا أعلامه ... وشربنا منه كأساً قد صفا
وأجتمعنا وتشاكينا الأسى ... وليلات تقضت بالجفا
ونسينا ما مضى يا سادتي ... وعفا الرحمن عما سلفا
وعاشا معاً في ألذ عيش وأهنأ بال، وكان لا يفارقها لحظة واحدة، وهكذا تذوق لذة الحب بعد العذاب الأمر..
وما أحلى الهناء بعد الشقاء.
وهذه الأبيات المختارة لعدة شعراء من شعراء الحب في المرقص من الشعر والغز والوصف والشكوى والحنين لأشهر العشاق والغرام في العصور الغابرة. وقد إنتقيناها نظراً لأهميتها وتتناسب مع مواد الرقصات المطربات.
لأحد العشاق يخاطب بها معشوقته:
أميرة الحسن حلي قيد أسراك ... واشفي بعذب اللمى تعذيب مضناك
أميرة الحسن لم أدرِ الغرام ولا ... حر الجوى بل ما شاهدت رؤياك
أميرة الحسن خافي الله وأعدلي ... بالحكم إن كان رب الجمال ولاك
أميرة الحين أمري غير منكتم ... عن الأنام فكيف اليوم يخفاك
يذوب جسمي ويفنى الصبر إن عبرت ... دقيقة لا أرى فيها محياك
لو كنت أكتب ما يلقون من ورق ... وصفاً بحسنك ما حصلت معناك
إن تنكري عند قاضي الحب سفك دمي ... فلي عليكِ شهود منك خدّاك
سأكتم احب حتى ينقضي اجلي ... وتنتهي أدمعي من جفني الباكي
وإن حكى لك وجدي النسيم وما ... لقيت بعد النوى فأصغي إلى الحاكي
ثم قال.
كيف السبيل وما نسيت هواكم ... يوماً ولا أنساه طول زماني
إن غبتم عني فرسم جمالكم ... ما زال مطبوعاً على أعياني
تبكي عيوني في الصباح وفي المسا ... والدمع قرّح بعدكم أجفاني
روحي فداكم يا كرام فواصلوا ... وتكرموا فالنوم قد جافاني
يفني الزمان ولا أخون عهودكم ... أبداً ولو قاسيت كل هوان
نارٌ بقلبي لا يزال سعيها ... متأججاً من جمرة الهجران
أصبوا إليكم كلما برق سري ... أو ناح طير الأيك في الأغصان
مسكين هذا الشاعر العاشق لم يذق حلاوة حب أو ثمرة غرام...
قال أحدهم والحب كواه بناره:
يا جميل العشاق بالله خبروا ... إذا إشتد عشق بالفتى كيف يصنع
يصبر على هواه ثم يكتم أمره ... ويصبر في كل الأمور ويخضع
فكيف يداري الهوى والهوى قاتل الفتى ... وفي كل يوم قلبه يتقطع
فإن لم يجد أمراً لكتمان سره ... ما له يا زين سوى الموت أنفع
هذا العاشق كان متألماً وفي قلبه حب ونار لا تخمد إلا بوصال حبيبه: لأبي نواس:
نضت عنها القميص لصب ماء ... فورد خدها فرط الحياء
وقابلت الهواء وقد تعرت ... بمعتدل أرق من الهواء
ومدت راحة كالماء منها ... إلى ماء معد في إناء
فلما أن قضت وطراً وهمت ... على عجل إلى أخذ الرداء
رأت شخص الرقيب على التداني ... فأسبلت الظلام على الضياء
وغاب الصبح منها تحت ليل ... وظل الماء يقطر فوق ماء
فسبحان الإله فقد براها ... كأحسن ما تكون من النساء
قال الرقاشي:
أتسلوها وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا فرار
وقد تركتك صباً مستهام ... فتاة لا تزور ولا تزار
ولت وأنثنت فيها وقالت ... كلام الليل يمحوه النهار
قال أبو مصعب:
أما والله لو تجدين وجدي ... لما وسعتك في بغداد دار
أما يكفيك أن العين عبرى ... ومن ذكراك في الأحشاء نار
تبسمت بغير ضحك وقالت ... كلام الليل يمحوه النهار
قال أبو نواس:
وخرداً أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زيّن السكر الوقار
وهز الريح أردافاً ثقالاً ... وغصناً فيه رمان صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التخميش وأنحلل الأزار
فقلت الوعد سيدتي فقالت ... كلام الليل يمحوه النهار
لأحد العشاق:
أفدي بروحي من شبهت طلعتها ... بطعة الشمس فأغتاظت لتشبيهي
وأعرضت وهي غضبى فأعتذرت لها ... عذراً قالت العذر جانيه
قالت الشمس عرف مثل طرفي ذا ... إن كنت تفهم معنى من معانيه
أو هل بها مثل خدي في تورده ... أو هل لها مثل قدّي في تثنيه
فقلت دونك فأقتضِ بلا حجٍ ... هذا لساني الذي أخطأ عضيه
فتبسمت وأنثنت ثم قالت ... هذه خدعة لمرض ألم ك والعض بشفيه
أختالت وتمايلت ثم قالت هذا ليس ك ... هذه المحاسن واورد لمن يعرف معانيه
* * * هذه الأبيات هي للجعبري رحمه الله، ونحن أخذناها عن كتاب: " مملكة الجمال " للأستاذ قراعة محمود.
ندعي أن الخيال أجمل من الحقيقة، لأننا تلحظ دائماً في الخيال الراقي روعة من نسمات الحقيقة.
أنظر إلى الجعبري مثلاً وهو يقول:
ناعس الطرف كحيل المقل ... رق في وص حلاه غزلي
رق يا منية قلبي كرماً ... فعذولي من نحولي رق لي
يا خلي البال لا تلم ... لا تلمني في هواه يا خلي
أنا عن محبوب قلبي لم أحل ... لا ولا أصغي لقول العذل
يا أهيل الحي رقوا وأرحموا ... مغرماً أضحى قتيل المقل
أنا مأسور ومعي مطلقٌ ... في هوى الظبى الغرير الأكحل
ريقه السلسال ما أعذبه ... ما أحيلاه وما أشهاه لي
في سويدا القلب أضحى نازلاً ... ما خلا منه ولم يرتحل
غارب الأغصان لما أن بدا ... وأختفى بدر الدجى من خجل
بعيون فأتكأت قد رمت ... لسهام فأصابت مقلي
قدّه العسال ما أرشقه ... ولماه قد حوى من عسل
كم حوى في ثغره من درر ... ولكم بالريق أشفى غلل
أترى بعد التجني والجفا ... بوصال هجري يسمح لي
* * *
 
القسم الثاني
من المطربات والمرقصات بسم الله الرحمن الرحيم


أخبار أبي نؤاس وجنان خاصة
كانت جنان هذه جارية آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي المحدث الذي كان إبن مناذر إبنه ورثاه بعد وفاته وقد مضت أخبارهما وكانت حلوة جميلة المنظر أديبة. ويقال أن أبا نواس لم يصدق في حبه امرأة غيرها. " أخبرني " محمد بن خلف إبن المرزبان قال: حدثني إسحق بن محمد عن أبي عثمان عن أصحاب أبي نواس قالوا: كانت جنان جارية حسناء أديبة عاقلة ظريفة تعرف الأخبار وتروي الأشعار. قال اليويو خاصة: وكانت لبعض الثقفيين بالبصرة فرآها أو نواس فأستحلاها وقال فيها اشعارا كثيرة فقلت له يوما: أن جنان قد عزمت على الحج فكان هذا سبب حجه وقال أما والله لا يفوتني المسير معها والحج عامي هذا إن قامت على عزيمتها فظننته عابثا مازحا فسبقها والله إلى الخروج بعد أن علم أنها خارجة وما كان نوى الحج ولا أحدث عزمه إلا خروجها وقال وقد حج وعاد:
ألم تر أنني أفنيت عمري ... بمطلبها ومطلبها عبير
فلما لم أجد سببا إليها ... يقربني وأعيتني الأمور
حججت وقلت قد حجت جنان ... فيجمعني وإياها المسير
قال اليويو فحدثني من شهده لما حج مع جنان وقد أحرم فلما جنه الليل جعل يلبي بشعر ويحدو به ويطرب فغنى به كل من سمعه وهو قوله:
إلهنا ما أعدلك ... مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك ... لبيك أن الحمد لك
والملك لا شريك لك ... والليل لما أن حلك
والسابحات في الفلك ... على مجاري المنسلك
ما خاب عبد أملك ... أنت له حيث سلك
لو لاك يا رب هلك ... كل نبي وملك
وكل من أهل لك ... سبح أو لبى فلك
يا مخطئا ما أغفلك ... عجل وبادر أجلك
وأختم بخير عملك ... لبيك أن الملك لك
والحمد والنعمة لك ... والعز لا شريك لك

أخبرني أحمد بن عبيدة الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال كانت جنان التي يذكرها أبو نواس جارية لآل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وفيها يقول:
جفن عيني قد كاد يسقط من طول ما أختلج
وفؤادي من حر حبك والهجر قد نضج
خبرني فدتك نفسي وأهلي متى الفرج
كان ميعادنا خرو ... ج زياد فقد خرج
أنت من قتل عائذ ... بك في أضيق الحرج

" أخبرني " أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني إسحق بن محمد النخعي. قال حدثني الجماز قال إبن مار وحدثني به قليب بن عيسى قال، كانت جنان قد شهدت عرسا في جوار أبي نواس فأنصرفت منه وهو جالس معنا فرآها انشدنا بديها قوله:
شهدت جلوة العروس جنان ... فاستمالت بحسنها النظارة
حسبوها العروس حين رأوها ... فإليها دون العروس الإشارة
قال أهل العروس حين رأوها ... ما دهانا بها سواك عمارة
قال وعمارة زوج عبد الرحمن الثقفي وهي مولاة جنان " أخرني " محمد ن يحيى الصولي ومحمد بن خلف قالا: حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن محمد بن عمر قال: غضبت جنان من كلام كلما به أبو نواس فأرسل يعتذر إليها فقالت للرسول قل له لا برح الهجران ربعك ولا بلغت أملك من أحبتك فرجع الرسول إليه فسأله عن جوابها فلم يخبره فقال:
فديتك فيم عتبك من كلام ... طقت به على وجه جميل
وقولك للرسول عليك غيري ... فليس إلى التواصل من سبيل
فقد جاء الرسول في إنكسار ... وحال ما عليها من قبول
ولو ردت جنان مرد خير ... تبين في وجه الرسول
قال أبو خالد يزيد بن محمد وكان أبو واس صادقا في محبته جنان من بين من كان ينسب به من النساء ويداعبه ورأيت أصحابنا جميعا يصححون ذاك عنه وكان لها محبا ولم تكن تحيه فما عاتبها حتى إستمالها بصحة حبه لها فصارت تحبه بسعد نبوها عنه قوله:
جنان إن جدت يا مناي بما ... آمل لم تقطر السماء دما
وإن تمادى ولا تماديت في ... منعك أصبح بقفرة ومما
علقت من لو أتى على أنفس الماضين والغابرين ما ندما
لو نظرت عينه إلى حجر ... ولد فيه فتورها سقما
أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال: حدثني محمد بن القاسم عن أبي هفان عن الجمز وأخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني عون بن محمد قال: حدثني الجماز قال: كنت عند أبي نواس جالسا إذ مرت بنا امرأة ممن بداخل الثقفيين فسألها عن جنان وألحفها في المسئلة واستقصى فأخبرته خبرها وقال: قد سمعتها تقول لصاحبه لها من غير تعلم أني أسمع: ويحك، قد آذاني هذا الفتى وأبرمني واحرج صدري وضيق صدري علي الطرق بحدة نظره وتهتكه، فقد لهج قلبي بذكره والفكر فيه من كثرة فعله لذلك حتى رجمته.
ثم إلتفت فأمسكت عن الكلام فسر أبو نواس بذلك، فلما قامت المرأة أنشأ يقول:
يا ذا الذي عن جنان ظل يخبرنا ... بالله قل واعد يا طيب الخبر
قال إشتكيت وقالت ما إبتليت به ... أراه من حيث ما أقبلت في أثري
ويعمل الطرف نحوي إن مررت به ... حتى ليخجلني من حدة النظر
وإن وقفت له كيما يكلمني ... في الموضع الخلو لم ينطق من الحصر
ما زال يفعل بي هذا ويدمنه ... حتى لقد صار من هممي ومن وطري

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني علي ن محمد النوفلي وأحمد بن سليمان إبن أبي شيخ قالا قال إبن عائشة، وأخبرني الحسن بن علي وإبن عمار عن الغلابي عن إبن عائشة قال إبن عمار، وحدثت به عن الجاز وذكره لي محمد بن داود بن الجراح عن إسحق النجعي عن أحمد بن عمير أن محمد بن حفص بن عمر التميمي وهو أبو إبن عائشة إنصرف من المسجد وهو يتولى القضاء فرأى أبو نواس قد خلا بامرأة يكلمها. وقال أحمد بن عمير في خبره وكانت امرأة قد جاءته برسالة من جنان جارية عمارة امرأة عبد الوهاب بن عبد المجيد فمر به عمر بن عثمان التيمي وهو قاضي البصرة. هكذا ذكر أحمد بن عمير وحده وذكر الباقون جميعا أنه حفص قال الجماز وكانت عليه ثياب بياض وعلى رأسه قلنسوة مضربة فقال له إتق الله قال إنها حرمتي قال فصنها عن هذا الموضع، وأنصرف عنه فكتب إليه أبو نواس: قال:
إن التي أبصرتها ... بكرا أكلمها رسول
أدت إلي رسالة ... كادت لها نفسي تسيل
من ساحر العينين يجذب ... خصره ودف ثقيل
متقلد قوس الصبا ... يرمي وليس هـ رسيل
فلو أن أذنك بيننا ... حتى تسمع ما تقول
لرأيت ما إستقبحت من ... أمري هو الأمر الجميل
في هذه الأبيات لحنان من الرمل وخفيفة كلاهما لأبي العبيس بن حمدون. قال إبن عمير: ثم وجه بها ألقيت في الرقاع بين يدي القاضي فلما رآها ضحك وقال: إن كانت رسولا فلا بأس. وقال إبن عائشة في خبره فجاءني برقعة فيها هذه الأبيات وقال لي أدفعها إلى أبيك فأوصلتها إليه ووضعتها بين يديه، فلما قرأها ضحك وقال: قل له أني لا أتعرض للشعراء.

حدثني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: كان أبو عثمان أخا مولى جنان، وكان مولاها أبو أمية زوج عمارة وهي مولاتها وكانت له يحكمان ضيعة كان ينزلها هو وإبن عم له يقال له أبو مية، فقال أبو نواس فيه قوله:
أسأل القادمين من حكمان ... كيف خلفتما أبا عثمان
وأبا مية المهذب والما ... جد والمرتجى لريب الزمان
فيقولان لي جنان كما سرك في حالها فسل عن جنان
ما لهم لا يبارك الله فيهم ... كيف لم يغن عندهم كتمان
فأخبرني إبن عمار قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني محمد ن عبد املك إبن مروان الكاتب قال: كنت جالسا بسر من رأى في شارع أبي أحمد فأنشدني قول أبي نواس:
أسأل المقبلين من كمان ... كيف خلفتما أبا عثمان
وإلى جانبي شيخ جالس فضحك، فقلت له: لقد ضحكت من أمر، فقال: أنا أبو عثمان قال أبو نواس فيه هذا الشعر، وأبو مية إبن عمي وجنان جارية أخي، ولم تكن في موضع عشق ولا كان مذهب أبي نواس النساء ولكنه عبث خرج منه.
أخبرني علي بن سليمان قال: قال لي أبو العباس محمد بن يزيد، قال النابغة الجعدي:
أكنى بغير إسمها، وقد علم الله خفيات كل مكتتم.
وهو سبق الناس إلى هذا المعنى وأخذوه جميعا منه، وأحسن من أخذه أبو نواس حيث يقول:
أسأل المقبلين من حكمان ... كيف حلفتما أبا عثمان
فيقولان لي جنان كما سرك في حالها فسل عن جنان
ما لهم لا يبارك الله فيهم ... كيف لم يغن عندهم كتمان
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمارة قال: أنشدني أحمد بن صدقة الأنباري لأبي نواس يذكر ماتما بالبصرة وحضرته جنان:
يا منسي المأتم أشجنه ... لما أتاهم في المعزينا
سرت قناع الوشى عن صورة ... ألبسها الله التحاسينا
فاستفتنتهن بتمثالها ... فهن للتكليف يبكينا
حق لذاك الوجه أن يزدهي ... عن حزنه من كان محزونا

أخبرني مي قال: حدثني إسحق بن محمد النخعي قال: حدثنا عبد الملك ن عمر بن أبان النخعي وكان صديقا لأبي نواس أشرف من دار على منزل عبد الوهاب الثقفي وقد مات بعض أهله وعندهم مأتم وجنان واقفة مع النساء تلطم وجهها وفي يدها خضاب، فقال:
يا قمر أبرزه مأتم ... يندب شجوا بين أتراب
يبكي فيذري الدر من عينه ... ويلطم الورد بعناب
لا تبك ميتا حل في حفرة ... وأبك قتيلا لك بالباب
أبرزه المأتم لي كارها ... برغم آيات وحجاب
لا زال موتا دأب أحبابه ... ولا تزال رؤيته دابي
فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني محمد بن عائشة قال: قال لي سفيان بن عيينة لقد أحسن ببصركم هذا أبو نواس حيث يقول: وشدد الواو وفتح النون:
يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوا
يبكي فيذري الدر من عينه ... ويلطم الورد بعناب
قال: وجعل يعجب من قوله ويلطم الورد بعناب.
وأخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد قال حدثني حسين بن الضحاك قال: أنشد إبن عيينة قول أبي نواس:
يبكي فيذري الدر من طرفه ... ويلطم الورد بعناب
فعجبت منه وقال آمنت الذي خلقه. وقد قيل أن أبا نواس قال هذا الشعر في غير جنان والله أعلم. أخبرني بذلك الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني بعض الصيارف بالكرخ وسماه قال: كان حارس درب عون يقال له المبارك، وكان يلبس ثيابا نظيفة سرية ويركب حمارا فيطوف عليه السوق بالليل ويكريه بالنهار، فإذا رآه لا يعرفه ظن أنه من بعض تجار، وكان يصل إليه في كل شهر من السوق ما يسعه ويفضل عنه، وكانت له بنت من أحمل النساء. فمات مبارك وحضره الناس، فلما أخرجت جنازته خرجت بنته هذه حاسرة بين يديه، فقال أبو نواس فيها:
يا قمرا أبرزه مأتم ... يندب شجوا بين أتراب
وذكر الأبيات كلها.

أخبرني محمد بن جعفر قال: حدثني أحمد بن القاسم عن أبي هفان عن الجمازو واليويو وأصحاب أبي نواس أن جنان وجهت إليه قد شهرتني فأقطع زيارتك عني أياما لينقطع بعض القالة، ففعل وكتب إليها:
إنا إهتجرنا للناس إذ فطنوا ... وبيننا حين نلتقي حسن
ندافع الأمر وهو مقتبل ... فشب حتى عليه قد مرنوا
فليس يقذي عينا معاينة ... له وما أن تمجه إذن
ويح ثقيف ماذا يضرهم ... إن كان لي في ديارهم سكن
أريب ما بيننا الحديث فإن ... زدنا فزيد واو ما لذا ثمن
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا إبن مهرويه قال حدثني إبن أبي سعد قال: بلغني أن أبا نواس كتب إلى جنان من بغداد:
كفا حزنا أن لا أرى وجه حيلة ... أزور بها الأحباب في حكمان
وأقسم لولا أن تنال معاشر ... جنانا بما لا أشتهي لجنان
لأصبحت منها داني الدار لاصقا ... ولكن ما أخشى فديت عداني
فوا حزنا حزنا يؤدي إلى الردى ... فأصبح مأثورا بكل لسان
أراني أنقضت أيام وصلي منكم ... وآذن فيكم بالوداع زماني
أخبرني الحسن قال: حدثنا إبن مهرويه عن يحيى بن محمد عن الخزيمي قال: بلغ أبا نواس أن إمرأة ذكرت لجنان عشقه لها فشتمته جنان وتنقصته وذكرته لأقبح الذكر، فقال:
وباب من إذا ذكرت له ... وطول وجدي به تنقصني
لو سألوه عن وجه حجته ... في سبه لي لقال يعشقني
نعم إلى الحشر والتناد نعم ... أعشقه أو ألف في كفني
أصبح جهرا لا أستسر به ... عنقي فيه من يعنفني
يا معشر الناس فأسمعوه وعوا ... أن جنانا صديقة الحسن
فبلغها ذلك فهجرته وأطالت هجره، فرآها ليلة في منامه وأنها قد صالحته فكتب إليها:
إذا إلتقى في النوم طيفانا ... عاد الوصل كما كانا
يا قرة العين فما بالنا ... نشقى ويلتذ خيالانا
لو شئت إذ أحسنت لي في الكرى ... أتممت إحسانك يقظانا
يا عاشقين إصطلحا في الكرى ... وأصبحا غضبى وغضبانا
كذلك الأحلام غدارة ... وربما تصدق أحيانا
الغناء في هذه الأبيات لإبن جامع ثقيل أول بالوسطى عن عمر وقال الخزيمي ورآها يوما في ديار ثقيف فجبهته بما كره فغضب وهجرها مدة، فأرسلت إليه رسولا تصالحه فرده ولم يصالحها، ورآها في النوم تطلب صلحه فقال:
دست له طيفها كيما تصالحه ... في النوم حين تأبى الصلح يقظانا
فلم يجد عند طيفي طيفها فرجا ... ولا رنى لتشكيه ولا لنا
حسبت أن خيالي لا يكون لما ... أكون من أجله غضبان غضبانا
جنان لا تسأليني الصلح سرعة ذا ... فلم يكن هينا منك الذي كانا
وأنشدني علي بن سليمان الأخفش لأبي نواس في جنان:
أما يفنى حديثك عن جان ... ولا تبقى على هذا اللسان
أكل الدهر قلت لها وقالت ... فكم هذا أما هذا بفان
جعلت الناس كلهم سواء ... إذا حدثت عنها في البيان
عدوك كالصديق وذا كهذا ... سواء والأباعد كالأداني
إذا حدثت عن شأن توالت ... عجائبه أتيتهم بشأن
فلو موهت عنها بإسم أخرى ... علمنا إذ كنيت من أنت عان
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني يحيى بن محمد السلمي قال: حدثني أبو عكرمة الضبي أن رجلا قدم البصرة فأشترى جنان مواليها ورحل بها، فقال أبو نواس في ذلك:
أما الديار فقل ما لبثوا بها ... بين إستباق العيس والركبان
وضعوا سياط الشوق في أعناقها ... حتى أطلعن بهم على الأوطان

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال: حدثني محمد بن سعد الكراتي قال حدثني أبو عثمان الأشتانذاني قال: كتب أبو نواس إلى جنان:
أكثري المحو في كتابك وأمحيه إذا ما محوته باللسان
وأمرري بالمحاء بين ثنايا ... ك العذاب المفلجات الحسان
إنني كلما مررت بسطر ... فيه محو لطعته بلساني
تلك تقبيلة لكم من بعيد ... أهديت لي وما برحت مكاني
وقال:
تجنى علينا آل مكتومة الذنبا ... وكانوا لنا سلما فأضحوا لنا حربا
يقولون عز القلب بعد ذهابه ... فقلت ألا طوباي لو أن لي قلبا
عروضه من الطويل الشعر لإبن أبي عيينة والغناء لسليمان أخي جحظة رمل بالوسطى من عمرو بن بانة.

نسب إبن عيينة وأخباره // أبو عيينة فيما أخبرنا به علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن يزيد إسمه وكنيته أبو المنهال قال وكل من يدعي أبا عيينة من آل المهلب، فأبو عيينة إسمه وكنيته أبو المنهال وكل من يدعي أبارهم من بني سدوس فكنيته أبو محمد وإبن أبي عيينة هو محمد بن أبي عيينة إبن المهلب بن أبي صفرة وقال: أبو خالد الأسلمي هو أبو عيينة بن المنجاب بن أبي عيينة وهو الذي كان يهجو إبن عمه خالدا وإسم أبي صفرة ظالم بن سراق وقيل غالب بن سراق بن صبح بن كندي بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحرث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن الوضاح بن عمرو بن مزيقاء إبن حارسة الغطريف إبن أمريء القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن زاد الركب بن الأزد، وهو شاعر مطبوع ظريف غزل هجاء وأنقد أكثر أشعاره في هجاء إبن عمه خالد وأخبارهما تذكر على أثر هذا الكلام وما يصلح تصدير أخباره به، وكان من شعراء الدولة العباسية من ساكني البصرة.

حدثني عمي والصولي قالا: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي قال أبو عيينة إسمه وكنيته وهو إبن محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة.
وأخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثني العنزي قال حدثني أبو خالد الأسلمي قال: أبو عيينة الشاعر هو أبو عيينة بن المنجاب إبن أبي عيينة بن المهلب وكان محمد بن أبي عيينة أبو أبي عيينة الشاعر يتولى الري لأبي جعفر المنصور ثم قبض عليه وحبسه وغرمه. وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال: قال وهب بن جرير رأيت في منامي كأن قائلا يقول لي:
ما يلقى أبو حرب ... تعالى الله من كرب
فلم ألبث أن أخذ المنصور أبا حرب محمد بن أبي عيينة المهلبي فحبسه وكان ولاه الري فأقام بها سنين.

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق ومحمد بن يحيى الصولي وعمي قالوا: حدثنا الحزنبل الأصبهاني قال حدثني الفيض بن مخلد مولي أبي عيينة بن المهلب قال: كان أبو عيينة بن المهلب قال: كان أبو عيينة يهوى فاطمة بنت عمر بن حفص الملقب هزارمرد، وكانت امرأة نبيلة شريفة وكان يخاف أهلها أن يذكرها تصريحا ويرهب زوجها عيسى بن سليمان فكان يقول الشعر في جارية لها يقال لها دنيا وكانت قيمة دارها ووالية أمورها كلها وأنشدنا لإبن أبي عيينة فيها ويكنى بإسم دنيا هذه:
ما لقلبي أرق من كل قلب ... ولحبي أشد من كل حب
ولدنيا على جنوني بدنيا ... أشتهي قربها وتكره قربي
نزلت بي بلية من هواها ... والبلايا تكون من كل ضرب
قل لدينا إن لم تجبك لما بي ... رطبة من دموع عيني كتبي
فعلام إنتهرت بالله رسلي ... وتهددتهم بحبس وضرب
أي ذنب أذنبته ليت شعري ... كان هذا جزاءه أي ذنب

أخبرني علي بن سليمان قال: حدثني محمد بن يزيد قال: كان أبو عيينة من أطيع الناس وأقربهم مأخذا من غير أدب موصوف ولا رواية كثيرة وكان يقرب البعيد ويحذف الفضول ويقل التكلف، وكان أصغر من أخيه عبد الله ومات قبله. وقيل لعبد الله أنت أشعر أم أخوك فقال: لو كان له علمي لكان أشعر مني. وكان يتعشق فاطمة بنت عمر بن حفص هزارمرد التي تزوجها علي بن سليمان ويسر عشقها ويلقبها دنيا كتمانا لأمرها، وكانت امرأة جليلة نبيلة سرية من النساء، وكان أبوها من أشد الفرسان وشجعانهم، فذكر عيسى بن جعفر أن عيسى بن موسى قال لمهلب بن المغيرة بن المهلب أكان يزيد بن خالد أشجع أم عمر بن حفص هزامرد، فقال المهلب لم أشهد من يزيد ما شهدته من عمر بن حفص وذلك أني رأيته يركض في طلب حمار وحشي حتى إذا حاذاه جمع جراميزه وقفز فصار على ظهره فقمص الحمار وجعل عمر بن حفص يحز معرفته إما بسيف وأما بسكين معه حتى قتله. قال محمد بن يزيد: وحدثت عن محمد بن المهلب أنه أنكر أن يكون أبو عيينة يهوى فاطمة وقال إنما كان جنديا في عداد الشطار وكانت فاطمة من أنبل النساء وأسراهن، وإنما كان يتعشق جارية لها، وهذه الأبيات التي فيها الغناء قصيدة له جيدة مشهورة من شعره يقولها في فاطمة هذه أو جاريتها ويكني عنها بدنيا، فما أختير منها قوله:
وقالوا تجنينا فقلت أبعدما ... غلبتم على قلبي بسلطانكم غصبا
غضاب وقد ملوا وقوفي ببابهم ... ولكن دنيا لا ملولا ولا غضبى
وقد أرسلت في السراني برية ... ولم تر لي فيما ترى منهم ذنبا
وقالت لك العتبى وعندي لك الرضا ... وما أن لهم عندي وضاء ولا عتبى
ونبتها تلهو إذا إشتد شوقها ... بشعري كما تلهو المغنية الشربى
فأحببتها حبا يقر بعينها ... وحبي إذا أحببت لا يشبه الحبا
فيا حسرتا نغصت قرب دبارها ... فلا رلفة منها أرجى ولا قربا
لقد شمت الأعداء أن حيل بينها ... وبيني ألا للشامتين بنا العتبى
ومما قاله فيها وغنى فيه:
ضيعت عهد فتى لعهد حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك
ونأيت عنه فما له حيلة ... إلا الوقوف إلى أوان رجوعك
متخشعا يذري عليك دموعه ... أسفا ويعجب من جمود دموعك
إن تقتليه وتذهبي بفؤاده ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
عروضه من الكامل الغناء في هذه الأبيات من الثقيل الأول بالوسطى ذكر عمرو بن بانة أنه له وذكر الهاشمي أنه لمحمد بن الحرث بن بشخير وذكر عبد الله بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام أنه لإبراهيم الموصلي فذكر العتابي ومحمد بن احسن جميعا أن محمد بن أحمد بن يحيى المكي حدثهما قال: حدثني عمرو بن بانة قال: ركبت يوما إلى دار صالح بن الرشيد فأجتزت بمحمد بن جعفر بن موسى الهادي وكان معاقرا للصبوح فألفيته في ذلك اليوم خاليا منه، فسألته عن السبب فقال: نيران علي غضبى، يعني جارية لبعض النخاسين ببغداد وكانت إحدى المحسنات، وكانت بارعة الجمال ظريفة اللسان، وكان قد افرط في حبها حتى عرف به فقلت له فما تحب قال: تجعل طريقك على مولاها فإنه يستخرجها إليك، فإذا دفعت رقعتي هذه إليها ودفع إلي رقعة فيها:
ضيعت عهد فتى لعهدك حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك
إن سمعته أن تذهبي بفؤاده ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك
قلت له: نعم أنا أتحمل هذه الرسالة وكرامة على ما فيها حفظا لروحك عليك، فإني لا آمن أن يتمادى بك هذا الأمر. فأخذت الرقعة وجعلت طريقي على منزل النخاس فبعثت إلى الجارية أخرجي خرجت، فدفعت إليها الرقعة وأخبرتها بخبري فضحكت ورجعت إلى الموضع الذي أقبلت منه فجلست جلسة خفيفة ثم إذا قد وافتني ومعها رقعة فيها:
وما زلت تعطيني وتغري بي الردى ... وتهجرني حتى مرنت على الهجر
وتقطع أسبابي وتنسى مودتي ... فكيف ترى يا مالكي في الهوى صبري
فأصبحت لا أدري أيأسا تصبري ... علىالهجر أم جد البصيرة لا أدري
غنى في هذه الأبيات عمرو بن بانة ولحنه ثقيل أول بالبنصر ولمقاسه بن ناصح فيها ثقيل آخر بالوسطى لحن عمرو وفي الأول والثالث بغير نشيد، قال: فأخذت الرقعة منها وأوصلتها إليه وصرت إلى منزلي فصنعت في بيتي محمد بن جعفر لحنا وفي أبياتها لحنا، ثم صرت إلى الأمير صالح بن الرشيد فعرفته ما كان من خبري وعنيته الصوتين فأمر بإسراج دوابه فأسرجت وركب فركبت معه إلى النخاس مولى نيران فما برحنا حتى إشتراها منه بثلاثة آلاف دينار وحملها إلى دار محمد بن جعفر فوهبها له، فأقمنا يومنا عنده.

أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني يزيد بم محمد المهلبي قال: دخلت على الواثق يوما وهو خليفة ورباب في حجره جالسة وهي صبية وهو يلقي عليها قوله:
ضيعت عهد فتى لعهدك حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك
وهي تغنيه وتردده عليها. فما أذكر أني سمعت غناء قط أحسن من غنائهما جميعا. وما زال يردده عليها حتى حفظته.
رجع الخبر إلى حديث أبي عيينة
أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: قال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة في اجارية وإسمها فاطمة التي كان يشبب بها أخوه بنت عمر بن حفص لما تزوجها عيسى بن سليمان بن علي، وكان عيسى مبخلا، وكانت له محابس يحبس فيها البياح ويبيعه، وكانت له ضيعة تعرف بدالية عيسى يبيع منها البقول والرياحين، وكان أول من جمع السماد بالبصرة وباعه، فقال فيه أبو الشمقمق:
إذا رزق العباد فإن عيسى ... له رزق من استاه العباد
فلما تزوج عيسى فاطمة بنت عمر بن حفص قال عبد الله بن محمد بن عيينة في ذك:
أفاطم قد زوجت عيسى فأبشري ... لديه بذل عاجل غير آجل
فإنك قد زوجت من غير خبرة ... فتى من بني العباس ليس بعاقل
فإن قلت من رهط النبي فإنه ... وإن كان حر الأصل عبد الشمائل
وقد قال فيه جعفر ومحمد ... أقاويل حتى قالها كل قائل
وما قلت ما قالا لأنك أختنا ... وفي البيت منا والذرى والكواهل
لعمري لقد أثبته في نصابه ... بأن صرت منه في محل الحلائل
إذا ما بنو العباس يوما تنازعوا ... عرى المجد وأختاروا كرام الخصائل
رأيت أبا العباس يسمو بنفسه ... إلى بيع بياحاته والمباقل
قال مؤلف هذا الكتاب: وكن عبد الله أخو أبي عيينة شاعرا، وكان يقدم على أخيه، فأخبرني جحظة قال: حدثني علي بن يحيى المنجم قال: إستحق الموصلي شعر عبد الله بن أبي عيينة أحب إلي من شعر أبيه وأخيه. قال: وكان عبد الله صديقا لإسحق. قال محمد إبن يزيد ومما قاله في فاطمة وصرح بذكر القرابة بينهما وحقق على نفسه أنه يعنيها قوله:
دعوتك بالقرابة ولجوار ... دعاء مصرح بادي السرار
لأني عنك مشغول بنفسي ... ومحترق عليك بغير نار
وأنت لأن ما ك دون ما بي ... تدارين العدو ولا أداري
ولو والله تشتاقين شوقي ... جمعت إلى مخالعة العذار
ألا يا وهب فيما فضحت دنيا ... وبحت بسرها بين الجواري
أما والراقصات بكل واد ... غوار نحو مكة أو سوار
لقد فضلت دنيا في فؤادي ... كفضل يدي اليمين على اليسار
فقولي ما بدا لك أن تقولي ... فإني لا ألومك أن تغاري
قال: وقال فيها وهو من ظريف أشعاره:
رق قلبي لك يا نور عيني ... وأنى قلبك لي أن يرقا
فأراك الله موتي فإني ... لست أرضى أن تموتي وأبقى
أنا من وجد بدنياي منها ... ومن العذال فيها ملقى
وقال:
زعموا إني صديق لدنيا ... ليت ذا الباطل قد صار حقا
في هذا البيت ثم الذي قله ثم الأول لإبراهيم لحن ماخوري بالوسطى عن الهشامي وقال: وقال فيها أيضا في هذا الوزن وفيه غناء محدت رسل طنبوري.
عيشها حلو وعيشك مر ... ليس مسرور كمن لا يسر
كمديم لحب تسخن فيه ... عينه أكثر مما تقر
قلت لذا اللائم فيها أله عنها ... لا يقع بيني وبينك شر
أتراني مقصرا عن هواها ... كل مملوك إذا لي حر
وقال فيها أيضا وأنشدناه الأخفش عن المبرد، وأنشدنا محمد بن العباس اليزيدي قال أنشدني عمي عبيد الله لأبي عيينة:
جئت قالت دنيا علام نهارا ... زرت هلا إنتظرت وقت المساء
كنت معجبا برأيك لا تفرق ... فأستحي يا قليل الحياء
ذاك إذ روحها وروحي مزاجا ... ن كأصفى خمر بأعذب ماء
قال محمد بن يزيد وقد أخذ هذا المعنى غيره منه ولم يسمه وهو البحتري فقال:
جعلت حبك من قلبي بمنزلة ... هي المصافاة بين الماء والراح
تهتز مثل إهتزاز الغصن حركه ... مرور غيث من الوسمي سحاح
الغناء في هذين البيتين لرداد ثقيل أول في مجرى البنصر، ومما قاله أبو عيينة في فاطمة هذه وكنى فيه بدنيا قوله:
ألم تنه قلبك أن يعشقا ... وما ك والعشق غير الشقا
أمن بعد شربك كأس النهى ... وشك ريحان أهل التقى
عشقت فأصبحت في العالمين ... أشهر من فرس إبلقا
أدنياي من خمر بحر الهوى ... خذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا إبن المهلب ما مثله ... لو أن إلى الخلد لي مرتقى
غنى فيه أبو العبيس بن حمدون ولحنه ثان ثقيل مطلق وفيه لعريب ثقيل أول رواه أبو العبيس عنها، وهذه قصيدة طويلة يذكر فيها دنيا ويفخر بعقب النسيب بأبيه ويذكر مآتر الملهب بالعراق، ولكن مما قاله في دنيا منها قوله: في المرقص
أدنياي من غمر بحر الهوى ... خذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا لك عبد فكوني كمن ... إذا سره عبده أعنقا
ألم أخدع الناس عن وصلها ... وقد يخدع العاقل إلا حمقا
بلى فسبقتهم أنني ... أحب إلى الخيران أسبقا
ويوم الجنازة إذا أرسلت ... على رقعة أن جز الخندقا
وعج ثم فأنظر لنا مجلسا ... برفق وإياك أن تخرقا
فجئنا كغصنين من بانة ... فرينين خدنين قد أورقا
فقال لأخت لها إستنشديه ... من شعره المحكم المنتقى
فقلت أمرت كتمانه ... وحذرت إن شاع أن يسرقا
فقالت بعيشك قولي له ... تمنع لعلك أن تنفقا
ومن مشهور قوله في دنيا وهو مما تهتك فيه وصرح وأفحش، وهي من جيد قوه قصيدته التي يقول فيها:
أنا الفارغ المشغول والشوق آفتي ... فلا تسألوني عن فراغي وعن شغلي
عجبت لترك الحب دنيا خاية ... وإعراضه عنها وإقباله قبلي
وما بالها لما كتبت تهاونت ... بكتبي وقد أرسلت فأنتهرت رسلي
وقد حلفت أن لا تخط بكفها ... إلى قابل خطا إلي ولا تملي
أبخلا علينا كل ذا وقطيعة ... قضيت لدينا القطيعة والبخل
سلوا قلب دنيا كيف أطلقه الهوى ... فقد كان في غل وثيق وفي كبل
فإن جحدت فأذكر لها قصر معبد ... بمنصف ما بين الأبلة والحبل
وملعبنا في النهر والماء زاخر ... قرينين كالغصنين فرعين في أصل
ومن حولنا الريحان غضا وفوقنا ... ظلال من الكرم المعرش والنخل
إذا شئت مالت بي إليها كأنني ... إلى غصن بان بين دعصين من رمل
ليالي ألقاني الهوى فأستضفتها ... فكانت ثناياها بلا حشمة نزلي
وكم لذة لي في هواها وشهوة ... وركضي إليها راكبا وعلى رجلي
وفي متم المهدي زاحمت ركنها ... ركني وقد وطنت نفسي على القتل
وبتنا على خوف أسكن قلبها ... بيسراي واليمنى على قائم النصل
فيا طيب طعم العيش إذ هي جارة ... وإذ نفسها وإذ أهلها أهلي
وإذ هي لا تعتل عني برقبة ... ولا خوف عين من وشاة ولا بعل
فقد عفت الآثار بيني وبينها ... وقد أوحشت مني إلى درها سبلي
ولما بلوت الحب بعد فراقها ... قضيت على أم المحبين بالنكل
وأصبحت معزولا وقد كنت واليا ... وشتان ما بين الولاية والعزل
ومما قاله فيها وفيه غناء بجارية:
ألا في سبيل الله ما حل بي منك ... وصبرك عني حين لا صبر لي عنك
وتركك جسمي بعد أخذك مهجتي ... ضئيلا فهلا كان من قبل ذا تركي
فهل حاكم في الحب يحكم بيننا ... فيأخذ لي حقي وينصفني منك
السليم في هذه الأبيات هزج مطلق في مجرى الوسطي، وفي هذه القصيدة يصف قصرا كانوا فيه، وهي من عجيب شعره:
لقد كنت يوم القصر مما ظننت بي ... برأيكما أني بريء من الشرك
يذكرني الفردوس طورا فأرعوي ... وطورا يواتيني القصف والفتك
بغرس كأبكار الحواري وتربة ... كأن ثراها ماء ورد على مسك
وسرب من الغزلان يرتعن حوله ... كما إستل منظوم من الدر من سلك
وورقاء تحكي الموصلي إذا غدت ... بتغريدها أحبب بها وبمن تحكي
فيا طيب القصر قصرا ومنزلا ... بأقبح سهل غير وعر ولا ضنك
كأن قصور القوم ينظرن حوله ... إلى ملك موف على منبر الملك
 
أعلى