عدنان أبو زيد - نخب ومغمورون يتسابقون على الكتابة الإيروتيكية

لم تكن مفاجأة للأوساط الثقافية ودور النشر الألمانية أن تحقق رواية "مناطق رطبة " للروائية شارلوته روش أعلى المبيعات، وان تباع منها ما يزيد على مليون نسخة في عام واحد فقط، بعد ان كسرت حواجز المحرمات وتكلمت عن الشذوذ على الفراش بتفاصيل أكثر جرأة ودقة، مقارنة بروايات جنسية أخرى كتبت في السنوات الأخيرة. وتأتي رواية "مناطق رطبة " متزامنة مع رواية صدرت حديثا لأنيسة التمسماني وهي وزيرة دولة بلجيكية مستقيلة، وكانت أول بلجيكية من أصل غير أوروبي (مغربية) تعين في منصب حكومي رفيع، حيث تفاجأت الأوساط السياسية والأدبية البلجيكية بأن روايتها حول "ويتسترات" تتناول الشبق الجنسي بدلا من السياسة.
تقول أنيسة "في بلدي قصص أيضا، وأود أن ألفت إلى واقع تجربتي الخاصة وذكرياتي"، وترى أن القصص التي تكتب هي في الحقيقة، نصف الحقيقة، ونصف الخيال (...) وفي أي مكان يوجد شبق جنسي. وتلمّح إلى انه حتى في شارع "لوي دو لا"، بيئة ذكورية جدا. وربما حاولت أنيسة في روايتها الإشارة إلى تلك العلاقة غير المكشوفة دائما بين الجنس والسياسة.

مناطق الجسد الرطبة
أما كاتبة رواية "مناطق رطبة" فهي فتاة ألمانية تبلغ من العمر الآن إحدى وثلاثين سنة، وهي إحدى أشهر مقدمات البرامج الخفيفة في التلفزيون الألماني، تبوح في روايتها ما لا يجرؤ كثيرون على مجرد التفكير به بحسب وصف جريدة "دوتج ويلة " الألمانية، وأثارت بكتابتها الشهوة أو الغرائز، بأسلوب يثير القرف والاشمئزاز، حين أفاضت بوصف"فتحات جسد بطلة الرواية" و ممارساتها الجنسية المفضلة مع عشاقها أو من تتصيدهم لليلة، وعن خبراتها في المواخير مع العاهرات، كما تفننت في وصف الشذوذ وعدته أمرا "طبيعيا " يحدث كل ليلة على فراش الجنس الألماني، من دون أن يجرأ احد على البوح به.

صحافية: تقيأت أثناء قراءة الرواية
الغريب في بطلة الرواية أنها تمارس الجنس بعفوية في أيام الحيض بالذات، وهي على فراش المرض في قسم "الأمراض الشرجية" بمستشفى، حيث تبرع هيلين في ممارساتها الجنسية الشرجية، وعلاقتها الحميمة مع "فضلات" جسدها، وحبها لممارسة الجنس.
وحول ذلك كتبت محررة مجلة "بريغيته" النسائية الألمانية أنها تقيأت أثناء قراءة الرواية، لكن الصحافي الهولندي جيرمان الذي قرأ الرواية بلغتها الأصلية قال ل"إيلاف " أن الرواية تزيح النقاب عن الستار خلف جمال المرأة ورقتها وكيف تتحول إلى بؤرة للشهوة والقذارة في أوقات الذروة الجنسية لا يهمها سوى سد جوعها الجنسي. ويضيف جيرمان أن الرواية على رغم جرأتها فهي مثال لرواية لا أخلاقية لا تحمل أي نزعه تحررية كما جاء في وصف موقع "دوتج ويلة" الألماني. وربما نستطيع القول أن الرواية الجنسية وجدت لها مساحة خصبة للنمو والتألق في الغرب، إذا ما قارنا الأمر بشرق يكتب ويقرأ الروايات الجنسية على استحياء.
فالكاتبة النمساوية الحائزة على جائزة نوبل ألفريدة يلينك اتُهمت بسبب رواياتها بالبورنوغرافية والاستفزاز وإثارة الغثيان.
ويفسر نقاد أوربيون الرواية الجنسية الغربية مثل رواية مدام بوفاري، لجوستاف فلوبير، على إنها ترويج لمشاعية طفت على السطح وروادها أدباء برجوازيون كانوا نتاجا للتطور الرأسمالي في أوربا، لتتحول الروايات الرومانتيكية على أيديهم إلى بوتقة لشهوات جسدية لم يكن يحفل به الأدب الغربي قبل ذلك، بل كان الرومانتيك يتضمن فيما يتضمنه بحثا عن الحب الحقيقي ووصفا للخيالات الخصبة والأحلام. وربما تصور البعض أن الكتاب والكاتبات العربيات يتزاحمون على كتابة الرواية الجنسية، لكن الحقيقة أن الأمر عند العرب أقل بكثير مما هو في الغرب، كما ونوعا، إلى درجة أن صحيفة داخ بلاد الهولندية كتبت أن المكتبات لم يعد بوسعها استيعاب الكم الهائل من الروايات الجنسية التي لا هدف لها سوى الربح عن طريق الإثارة والمتعة.
ومن أمثلة ذلك ما أشارت إليه الصحيفة حول الطريقة التي تنشر وتعرض وتقدم فيها الروايات الجنسية، فكاتبة مثل كارلاين وهي كاتبة مغمورة نشرت لها دار نشر" L.J. فين" مجموعة من القصص، وقدمت لها على أنها سبب في ظهور "تقرحات في العاطفة والمناطق الحساسة"، والقصص هي حصيلة تجارب كتابات المؤلفين الإناث من مجتمع الإنترنت SheSpot.

الابتذال في الأدب الايروتيكي
تقول كارلاين بعفوية. "اسمي كارلاين، ومناطقي الحميمية بيضاء وحمراء.. أنا شقراء الشعر، زرقاء العينين. ولدت في مايو 1978 وحتى وقت قريب كنت أعيش لوحدي، شعري طويل يعانق أعضائي الحساسة وروايتي دعوة إلى مضاجعتي.." لقد وصل الابتذال في الأدب الايروتيكي إلى درجة أن رواية تحولت إلى دعوة جنسية للمضاجعة، لكن المشكلة بحسب الصحيفة أن هذه الروايات تقرأ الآن وتباع في الأسواق بأعداد خيالية أكثر من أي كتاب آخر. وما يبعث على الدهشة أن كارلاين تعتقد أن الجنس خبرة مكتسبة لابد أن يوثق في الكتب..

النبيل النمساوي
ومن أهم الروايات التي يقبل على قراءتها أوربيون (هولندا وبلجيكا نموذجا ) روايات ? النبيل النمساوي ليبولد دو ساشر – مازوش والتي يفسر فيها جوانب من مغامراته الجنسية حيث يصرح عن انحرافه الجنسي بترك أمرأة تعذبه، أو تستخدم نساؤه العاشقات، كوسيلة للإثارة الجنسية، الكرباج أو اهانته. يقول ماسوش.. هناك صنف من النساء يرغبن في الفعل السادي، وأنا مجبر على فعل ذلك تلبية حاجاتهن. وفي إحدى المرات كان ماسوش يضاجع امرأة بهدوء ووداعة، لكنها بصقت في وجهه، وطلبت منه أن يضرب أعضاءها الحساسة بذراع بلاستيكي كان بجانب الطاولة. لكن مقابل ذلك كان ماسوش قد اعتاد أيضا أن يمارس الجنس على فراش نساء قويات يقمن بإهانته وضربه.

الجنس أم الجسد
وفي الوطن العربي أمثلة خصبة على عمق الازدواجية التي تنظر إليها ثقافتنا إلى موضوعة الجنس في الأدب، وفي هذا المجال تفسر الروائية اللبنانية علوية صبح صاحبة رواية «اسمه الغرام»، كيف أن النقد أحيانا يكون ذكوريا بكل معنى الكلمة.. كما إنها تفسر إصرارها على تفاصيل الجسد في روايتها على أنه ليس إقحاما لشهوة، والجنس هو أحد تعبيرات الجسد كما أن الجنس هنا لا يقع في باب «البورنو» أو التكنيك الجنسي بحسب صبح. تضيف..الجنس فعل يتسع لحياة بكاملها، لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه، وفي حال الانفصال فهو انفصال عن إنسانيتنا. وتضيف.. ركزت في روايتي حول كيفية عيش جسد المرأة في منتصف العمر، ويحيا رغبته. أنا مجدت هذا الجسد في تعبه وفي إعلاء الرغبة ووضعها في الجانب الإنساني. ليس من السهل أن تبني حيوات وعلاقات ومصائر من خلال العلاقة بالجسد إلا من خلال السرد. وأسلوبي في السرد شهرزادي، والايروسية في كتابتي ليست في باب «البورنو».

مذكرات جنسية
أما رواية ذي آلموند أي "اللوز " هي مذكرات "جنسية" لفتاة مسلمة مراهقة، وحصدت أرقاما خيالية في البيع منذ أن نشرتها دار أديسيون وترجمت إلى 8 لغات عالمية من بينها الإنجليزية. وبطلة الرواية بدرة المغربية، قروية، تشعر بأنوثتها كلما كبر نهداها، حتى صارا رمانتين تستحقان القضم بحسب تعبير الرواية.وحين تزوجت من رجل يكبرها سنا كان يمارس الجنس معها بطريقة مؤلمة، حيث يشعرها بالضعف وضرورة الخضوع لإرادته، لاسيما وانه كان يتباهى أمامها بطول عضوه، وانه "سيسحقها" به، وبالطبع فانه لا يقصد ذلك بل هو تعبير عن الشعور بالقوة والنصر في إخضاع الآخرين.
لكن بدرة حين تتعرف على طبيب ثري درس في أوروبا، تشعر بجنس من نوع آخر، وربما نسميه جنسا غير متوحش، وعلى رغم أن دريس كان يرضي رغباتها الجنسية، لكنها بدأت تحن إلى خشونة جنسية وجدتها عند زوجها السابق، لكنها لم تكن تهتم بها، ويراودها حنين إلى زوجها السابق بقسوته وخشونته وطول عضوه، وحين لم تجد سبيلا لجأت إلى رجال آخرين لإشباع رغبتها الجنسية. ولعل هذه الرواية تذكرنا برواية العاشق لمارغريت دوراس.

اللوز.. والمرأة الشرقية
وترى كاتبة "اللوز" أنها وجهت ضربة للكبت الذي عانته المرأة المسلمة على مدار قرون عديدة. وينتقد كتابا عرب منهم عابد خزندار توظيف الجنس في الرواية السعودية مثل أعمال "الآخرون" و"الأوبة" و"حب في السعودية" ويعدها دليل مراهقة فكرية لدي هؤلاء الكتاب. ويرى خزندار ان الجنس في الروايات الرومانتيكية كرواية مارسيل بروست "بحثا عن الزمن الضائع" أو فلوبير يخدم هدفا أخلاقيا ويعرّي زيف المجتمع ولا يستهدف الإثارة الجنسية، داعيا الكتاب العرب إلى تجاوز فترة المراهقة واستيعاب هذا الهدف الذي يسمو بالإنسان ولا يهبط به إلى القبح ويثير غرائزه الحيوانية.

أدب الترفيه
وبينما يصنف البعض الأدب النسائي الجنسي العربي في خانة أدب الترفيه المتأرجح بين الواقعية والرومانسية وهو أدب مازال أسير المحددات الاجتماعية والدينية فان الأدب الغربي تجاوز ذلك إلى ابعد من النص، إبداع روائي تتخلله مواقف مثيرة وصور ماجنة. وفي هذا يقول المؤلف Eggels Elle كما وردت في مجلة الآداب 24/12/1998 أن الفرق بين الإناث والذكور هو إن المرأة أكثر اهتماما بمشاعر الرجال، إنها مهتمة بالعطاء بينما الرجال طماعون في الاخذ، وحتى في الإبداع فان المرأة أكثر قدرة على وصف حالة "مضاجعة ". ويقودنا هذا إلى مقاربة بين أدب عربي يستهلك المرأة كموضوع جنسي وأدب غربي تمثل فيه المرأة عمودا مهما كموضوع وكفاعل.
وبينما لا تحذر أديبة غربية من توظيف جنسانية اللغة كوسيلة للتعبير عن فعالياتها الجنسية ووصف خرائط جسدها بغريزية جنسية فائقة الجرأة نجد الكاتبة العربية لاسيما الروائية لا تستخدم المفردة ألا في نطاق التنفيس عن رغبات محمومة وممنوعة غير قابلة للتحقق في اغلب الأحيان، وتبقى حبيسة الأحلام حتى إذا ما تزوجت الأديبة أو الفنانة تجد نفسها مرة أخرى أما جبروت رجل شرقي لا يعترف لها إلا بدور المستقبلة في الفراش لتعيش بعد ذلك ازدواجية مخيفة بين شخوصها الروائية الجريئة وبين شخصيتها الخائفة المستسلمة لقدرها على فراش الجنس الشرقي. ولم تستطع أديبة عربية واحدة أن توظف جسدها في إبداعها لضرورات اجتماعية ونفسية.
لقد رصدت (سلوى النعيمي) في روايتها " برهان العسل "بعضا من العقد الجنسية، وكيف رسخت البيئة الاجتماعية الخجل "الجنسي" على رغم محاولات الخروج من هذا الخجل، المتمثل في محاولات ليست كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر "رجوع الشيخ إلى صباه" لمؤلفه (النفزاوي) او "نزهة الألباب" للـ"تيفاشي"، لكن محاولاتها كما هو شأن أديبات أخريات توقفت عن حدود الإذعان لسلطة الرجل الجنسية.
وبين "أفرا بهن " الانكليزية التي احترفت الكتابة كمهنة تعتاش منها بعد انهيار زواجها وكانت باكورة أعمالها مسرحيتها "الزواج القسري"حيث أفاضت في الكتابة الجنسية حتى وصفت بـ "المومس الفاسقة"، واتهمها النقاد بأنها "داعرة" حقيقية، وبين الأديبة العربية بون شاسع، فموجة الأدب الروائي الجنسي العربي الذي شهدته السنين القليلة الماضية لا يتعدى كونه محاولة خجولة لكسر أغلال البوح الجنسي ـ ولم تتجرأ امرأة عربية واحدة على وصف فعالياتها الجنسية ومغامراتها في العشق والفراش – إن وجدت – في نصوصها، ليصبح الأدب النسائي العربي كله متشابه إلى حد الغثيان في السرد والوصف، ولم يكن ليلتفت اليه نقديا لولا انه خارج من عباءة مجتمع محافظ وانه لابد من تسليط الضوء عليه.

الرواية الجنسية على استحياء
على أن المجتمع العربي مازال يقرأ الرواية الجنسية على استحياء بل وان القوانين والاعتبارات الدينية مازالت تقف بالمرصاد لمثل هذه الروايات. ففي عام 2003 طالب نواب مصريون بمساءلة وزير الثقافة المصري عن الظروف التي أحاطت إصدار كتاب (الوصايا العشر في عشق النساء)،على اعتبار انه يتضمن عبارات جنسية فاضحة وتحريف لأحاديث الرسول الكريم، واستخدام الآيات القرآنية في الاستشهاد بكلام جنسي قبيح.
لكن الروائية ليلى الأطرش ترى انه ليس نقيصة أدبية أن يتجاوز الكاتب المحرمات الثلاثة التي فرضتها القيود الاجتماعية والسلطة الأبوية والقمع السياسي، والجنس هو أحد المحرمات التي اتفقت عليها سلطات القمع الفكري العربي رغم أهميته في حياة الإنسان.
وتنفي الأديبة السعودية سمر المقرن عن أن الرواية السعودية تعتمد على الجنس، وتقول في حديث لها ل"إيلاف": أنا لست ضد التطرق للجنس في الرواية على أن يكون الكاتب قادر على توظيف المشهد الجنسي لصالح العمل وإذا جاء المشهد الجنسي انسيابيًا داخل النص ويخدم النص فلا مانع من ذلك. وانتقدت دراسة قدّم لها الشيخ بندر الشويقي تحمل عنوان: (من عبث الرواية، نظرات من واقع الرواية السعودية)، الروايات الجنسية السعودية،مضمونا وشكلا، وتصويرها للمجتمع الجنسي واللواطي. وأشارت الدراسة إلى ما تطرقت إليه رواية معينة عن (العرَق)، واحتوائها عبارات مثل (عرقهن الطازج)، و(روائح تاريخ مختلط بعرق)، و(رائحة عرق الأجساد).
وربما كان ذلك الفعل الروائي رد فعل لضعف الروايات المحافظة، ومحدودية انتشارها! والتي هي ـ في الغالب ـ روايات مملة، لا تسد رمق القارئ، أو هي روايات لا ترقى إلى المستوى المأمول! أو ربما ساذجة في عرض فكرتها بشكل سطحي! بحسب الكاتب السعودي محمد بن صالح الشمراني.
أن كثيرا من الروائيات العربيات كتبن روايات اعتبرت جريئة في اقترابها من موضوع الجنس مثل رجاء الصائغ والعراقية عالية ممدوح و ليلى العثمان، لكن إنتاجهن يواجه اليوم عواصف من النقد والاحتجاج بسبب تقاطع المضمون مع تقاليد المجتمع المحافظة ونفوذ "السلطة الذكورية".
غير أن الكاتب حسين لقرع يرى أن المشكلة تكمن في أن أغلب من يوصفن بـ"الأديبات" العربيات لا موضوع لهن إلا الكتابة عن الجسد والثورة على القيم الدينية وتقاليد المجتمع المحافظة وعلى ما يصفنه بـ"السلطة الذكورية"، حتى أنهن كتبن في العشرية الأخيرة وحدها أكثر من 150 رواية كلها تتشابه في الموضوع، وعجزن عن الخروج إلى آفاق المجتمع الرحبة والتخندق في صفوف شعوبهن والتعبير عن آلامها وآمالها ورصد تطلعاتها وانشغالاتها.



hb_1975.1.1416.jpg

قطعة من القرن الرابع عشر تصور فيليس و هي تمتطي ظهر أرسطو "من مقتنيات متحف الميتروبوليتان"
 
أعلى