حكمت السعدي - (إيروتيكية ) الجسد في ملحمة كلكامش من خلال القراءات المتعمقة

نجد صورا رائعة لمفردات الحياة اليومية لدى سكان وادي الرافدين.ومنها مايخص طقوس الزواج المقدس الذي كان سمة من سمات الحياة الأجتماعية في ذلك الوقت,وكان السومريون مولعون بممارسة الجنس بشكل كبير وواضح ,ولم نجد اكثر من الأنسان السومري عشقا للرغبات الشبقية (الأيروتيكية) التي كان يعتبرها طقسا اجتماعيا الى جانب كونها طقسا دينيا يتعلق بالحاجة الأنسانية للتكاثر والخصب والنماء ,حتى خلق لها الهة تعبد في المعابد..وأشهرها (عشتار)....

-كان السومري يفتخر بفحولته وشبقيته التي لا تنضب,وكان جسده كما يقول احد الشعراء -1- (مكتنزا بالعسل).. والمرأة هي النار التي يمور عليها ويتقلب فيها وعلى جسدها شهوة ولذة, فراح السومري يتغنى بأعضاء جسد عشيقته وينحني لأنوثتها الألهية ..

وكانت ملحمة (كلكامش) بمثابة (خزين هائل للأيروتيكية) اذ تضمنت طقوسا ومشاهدا جنسية مثيرة وردت الينا على لسان رواتها,حيث مثل (كلكامش) كبطل للملحمة صورة الرجل الطاغي في الجنس ,من زواجه عنوة من عذراوات مدينة (الوركاء )قبل ان يزفن الى عرسانهن,فكان مغرور بجمال جسده وبحسن وجهه وأنسياب شعره الطويل البراق على كتفيه :-

- انه راعينا : قوي وجميل وحكيم
لم يترك كلكامش عذراء لحبيبها
ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل

وهو اذ يفعل ذلك انما يكون قد خول من قبل الآلهة وأستأذانها له بتلك الممارسات . ورغم سخط شعب الوركاء وأستنكارهم له لعمليات اغتصاب الفتيات العذراوات فأن تلك الفتيات لم يكن لهن في اليد حيلة سوى الأستسلام البطيء لرغبة كلكامش القوية حتى يشعرن هن باللذة والفيض بالسكر والوجد,ذلك لأن الفتاة تستقبل كل ذلك القدر من الهيام الذي تغدقه عليها ضمة ذراعيه الرجوليتين الغزيرتي الشعر والتي ترضخ لهيمنته الجبارة وهنا يتحول كلكامش من مغتصب الى عاشق يمارس الجنس برضا الفتاة وأستسلامها له.اما (انكيدو ) صديقه الحميم والذي يمثل من الناحية السايكولوجية نصفه الرديف الآخر فقد احتل مساحة كبيرة من الملحمة نظرا لدوره ألأساس في خلق معادل موضوعي داخل نفس كلكامش بوصفه ندا له وكذلك تعويضا عما يشعر به كلكامش من توتر وقلق ازاء الوجود. خلق انكيدو من قبل الآلهة نزولا لرغبة شعب الوركاء في مواجهة طغيان كلكامش وسطوته المليئة بالشهوات الجنسية وحب الذات.حسب ما جاء في الملحمة:-

يا أرورو انت التي خلقت هذا الرجل (يقصد كلكامش) بأمر من انليل
فأخلقي الآن غريما له وليكن مضاهيا له في قوة اللب والعزم.
وليكونا لي صراع مستديم لتنال اوروك السلام والراحة
وغسلت ارورو يديها وأخذت قبضة من طين ورمتها في البرية .

2وتأسيسا على ذلك وحسب ما جاء في النص اعلاه فأن الأنثى هي التي خلقت الذكر الند القوي لكلكامش حسب صلاحيات سلطتها الأنثوية وقوتها الألهية ولم تكتفي الآلهة بخلق انكيدو من كومة الطين انما سعت لترويضه بواسطة البغي وذلك بأغراءه جنسيا حسب ماجاء في النص:-

هو ذا يا شمخة عري له صدرك
واكشفي عن عورتك
ودعيه ينل من مفاتنك
لا تخجلي ,ضمي اليك عطره
سيراك ويدنو منك
افرشي له ثيابك كي ينام في احضانك
افعلي مع الرجل ما تفعله كل انثى
دعي رغبته تعانقك وتغمرك..

كان انكيدو يقف امام جسد لم يكتشفه بعد , لذلك شعر بالذهول والدهشة , فهو خرج توا من الغابة وغادر حياة البراري .فصار جسد الأنثى العاري بالنسبة له بما يشبه 3الطاقة المتعددة الاشارات والاتجاهات والافعال بل خزين من معلومات استطاع بها ان يعيد تركيب الزمن وفق ما يراه مناسبا في لحظة اكتشاف الجسد الأنثوي اللذيذة والتي ارتعشت لها كل اعضاء جسده العملاق.

خلعت شمخة ملابسها وأظهرت مفاتنها
وأظهرت عورتها
فأستحوذ على مفاتنها
لم تخجل وضمت اليه عطره
وفرشت ثيابها فأحتضنها
وفعلت مع الرجل ما تفعله كل انثى
فعانقها وغمرتها رغبته
لستة ايام وسبع ليال
...........................
عاد وجلس تحت اقدام البغي
متمعنا النظر بملامحها

(نص كتبناه ضمن تأملاتنا الشعرية للملحمة ) مأخوذا بنهديها الممتلئين شهوة ,وبطنها المرمرية انذهل فيها وهو مضطرب النظر لفخذيها الأبيضين وساقيها المبرومين تلك التضاريس الجسدية الأنثوية الهمت انكيدو عشقا وتوقا للتمتع بأنسانيته المولودة توا الى الحد الذي رأى نفسه محلقا في جغرافية الأنوثة الخصبة .وعندما مارس انكيدو الجنس مع البغي شمخة شعر وكأنه ينفض من جسده ادران البراري واحراشها وأوحالها ورمالها وترابها فكأن جسده كان يحمل صخرة آلامه المخفية لوحده من دون شريك يصبح الآن في هذه اللحظة الممتعة له الحق المطلق في ان يقطف لذاته وفي مقدمتها اللذة الجنسية,(كما يقول احمد عبد السادة في احد اعمدته في جريدة الصباح) في 30كانون الثاني 2008في الصفحة الثامنة .

ويستغرق انكيدو بالتلذذ بوجوده الممتع وهو يضاجع البغي شمخة الى حد الوجد والذوبان ونسيان حيوانيته,

عنما كنا يمارسان الحب
نسي البراري حيث كان قد ولد
لسبعة ايام وسبع ليال
كان انكيدو يمارس الحب متصلا بشمخة

كانت عشتار في عهد السومريين الهة الحب والجمال والخصب , وفي ملحمة كلكامش وصفها الشاعر البابلي بسيدة الحانة , بل سيدة البغايا والعاهرات ,وهي صاحبة القرار في ارسال البغي من عدمه الى الرجال الذين يبغون التجانس ,فهي التي سمحت لشمخة في ان تذهب الى انكيدو وتمارس معه الجنس .وعشتار تلك كانت ذات طاقة جنسية هائلة .فعندما رأت كلكامش وهو يعود توا من رحلته وقد كشف عن جسده ثارت شهيتها واشتعل عشقها فيه:-

غسل شعره الاشعث الطويل وصقل سلاحه
وأرسل جدائل شعره على كتفيه
وخلع لباسه الوسخ واكتسى حللا نظيفة
ارتدى حلة مزركشة وربطها بزنار
ولما ان لبس جلجامش تاجه
رفعت عشتار الجليلة عينيها ورمقت جمال كلكامش فنادته
تعال يا كلكامش وكن عريسي
وهبني ثمرتك اتمتع بها
كن زوجي واكون زوجك .......

الى آخر النص الذي صور لنا ذروة الحب الكبير الذي خطفه الملك الجميل وقد ظهر جسده مشحونا بالطاقة الجنسية بأعضاءه وعضلاته الساحرة.

في مقالة للكاتب العراقي4 (سعد هادي..) يقول فيها ان البغاء في العهد السومري لم يكن محرما بل كان طقسا اجتماعيا ودينيا لم ينظر له كمتعة زائلة انما ممارسة تتسامى فوق اللذات بأتجاه تقديس النماء والتكاثر والخصب فهو شبه معلن كتقليد ترعاه الآلهة الى حد وصف وقائع الممارسة الجنسية .وقد جاء في احد اشعار الحب الأكدي وهو يصف الممارسة الجنسية:-

ماالذي يحدث مثلا اذا تكلم رجل مع امرأة في السرير؟
اذا اختطف رجل امرأة على مفترق الطريق وأغتصبها؟
اذا ذهب رجل الى مومس بأنتظام ؟اذا حدث اللقاء الجنسي على درج؟

لقد اعتقد سكان وادي الرافدين ان للجنس عنصرا دينيا وكان هناك ما يسمى بالبغاء المقدس ,حيث كان يحتم على كل امرأة ان تستسلم في معبد عشتار لأول غريب يطلبها. عموما لم يكن للسومريين في الماضي مشاكل مع الاثارة الجنسية ولم يكونوا خجلين عند تقديم المواضيع الأيروتيكية في ادبهم وفنونهم المرئية والالواح المصورة والاختام والمسلات او في منجزاتهم الادبية ....اذ اعتبروا على الدوام ان ممارسةالجنس قاعدة الحضارة في ذلك العصر القديم...

.
 
أعلى