أدب السجون دارين طاطور - عن الرسم في السجن..

حبّي للرسم وتعلّقي به بدأ وأنا في الاعتقال البيتيّ فقط، بدأت أرسم مشاعري وأنا محتجزة في غرفتي؛ لأخرج كلّ الطاقات السلبيّة - الّتي تراكمت في قلبي بسبب الاعتقال - عبر الرسم، ولا سيّما أنّني حُرمت من ممارسة حبّي للتصوير الفوتوغرافيّ، والخروج لالتقاط الصور في الأماكن الّتي أعشق زيارتها، فجاء الرسم ليعطيني دفعة إيجابيّة؛ من أجل الاستمرار بالتحدّي والنضال والمقاومة، ومن أجل أن أخفّف من الشوق إلى التصوير، واستعمال الكاميرا في هذه الفترة الطويلة بحرّيّة.

بعد أن حُكم عليّ بالسجن خمسة أشهر، وفي أثناء وجودي في "سجن الدامون"، باتت حاجتي إلى الكتابة أكثر من أيّ وقت مضى، طريقةً أعبّر بها عن مقاومة السجن، والظلم الّذي أتعرّض إليه يوميًّا بسبب احتجاز حرّيّتي، لكن فجأة، ومع الكتابة، شعرت بأنّني قادرة على الرسم أيضًا، والتعبير عن كلّ ما أراه وأعيشه في السجن، برسومات بسيطة تنقل واقع الأسر والأسرى كما هو، والمشاعر والحالات الّتي تنتابني، أو تلك الّتي تعيشها الأسيرات معي في هذا المعتقل.

تمنع "سلطة إدارة السجون" عنّا - نحن الأسيرات الفلسطينيّات - استعمال الألوان والدهان والدفاتر، وكلّ الأدوات المعدّة والخاصّة للرسم، إلّا أنّها، وبالمقابل، تتيح استعمالها في السجون الجنائيّة. هذا المنع والتضييق لم يقف حاجزًا أمامنا؛ فمَن أرادت منّا الرسم والتعبير عن مشاعرها في سجنها، استطاعت ذلك بأدنى حدّ من الوسائل المتاحة.

إنّ أدوات الرسم الّتي استعملتها في السجن كانت بسيطة جدًّا: أقلام حبر بثلاثة ألوان، الأزرق والأسود والأحمر، وقلم رصاص هو القلم الوحيد المتوفّر في كلّ القسم، أُدخل سرًّا وتهريبًا أيضًا، وكلّ الأسيرات اللواتي يردن الرسم بالرصاص يستعملنه، ولاستعارته يجب حجزه مسبقًا والانتظار بالدور؛ لذا فاستعمال قلم الرصاص بالرسومات الّتي رسمتها في السجن، كان قليلًا أيضًا.

ممحاتي في السجن لتصحيح الأخطاء في الرسم، كانت مجرّد قطعة جلد سوداء صغيرة، موجودة على يد فرشاة تسريح شعري، أمّا مبراتي لبري قلم الرصاص وتهيئته للرسم، فلم تكن سوى أرضيّة ساحة السجن الأسمنتيّة، كنت أنحت القلم بالأرض، حتّى أحصل على الرصاص؛ ويصبح القلم ملائمًا للرسم، وأمّا أوراق الرسم الّتي استعملتها، فلم تكن إلّا أوراق الدفتر العاديّ المسطّرة، الّذي أستعمله لكتابة النصوص. في بعض الأحيان، جمعت أغطية الكرتون لصحون الطعام، المصنوعة من الألمنيوم، للاستعمال الوحيد، وهذه الوجبات مخصّصة للأسيرات اللواتي يعانين مرض السكّريّ والضغط، واستعمال هذه الأغطية كان متاحًا لي فقط لو أُرسلت، وأيضًا لو بقيت هذه الأغطية الكرتونيّة نظيفة وغير ملطّخة بالطعام، الرسومات الّتي رسمتها على مثل هذه الأغطية لم أخرجها معي من السجن؛ فقد أهديتها إلى صديقاتي الأسيرات، وأبقيتها معهنّ ذكرًى منّي.

اليوم، بعد أن تحرّرت، وأصبحت كلّ أدوات الرسم المتقدّمة بمتناول يدي، ما زلت أشعر بأنّ رسوماتي الّتي رسمتها في السجن، لها معنًى آخر ومختلف، عن كلّ رسمة أخرى رسمتها وسأرسمها في البيت وأنا حرّة. رسوماتي في السجن بسيطة جدًّا، وربّما تبدو لعين المشاهد خالية من الإتقان وفنون الرسم الحقيقيّ، إلّا أنّها جاءت من قلب المعاناة والحرمان وشحّ الأدوات والسبل؛ لذا فمعناها في قلبي كبير.

لا أعتقد أنّ الفنّان في فلسطين هدفه أن يصوّر المقاومة أو أن يعبّر عنها في فنّه، بل يسعى بقدر استطاعته إلى أن يجعل الفنّ سلاحًا؛ يناضل من خلاله ضدّ كلّ شيء ظالم، ضدّ الاحتلال، والحرب، والعادات والتقاليد الاجتماعيّة السلبيّة، والقتل، والعنصريّة، والعنف، وكلّ ما هو فاسد ومناهض للقيم الإنسانيّة. بالمقاومة بالفنّ، - أو كما أحبّ أن أسمّيها "المقاومة البيضاء" - يغدو الفنّ د حالة من حالات النضال والمقاومة أيضًا.

لكلّ رسمة رسمتها في السجن - وإن كانت بسيطة ومجرّد خربشات عابرة - حسّ عشته في ذاك السجن، ورسالة مرسومة عن شيء حدث فيه، لا أحد يعلمه إلّا الأسيرات أنفسهنّ، وهذه بعض رسوماتي في السجن، ولكلّ واحدة قصّة وحكاية.

فور وصولي السجن، صودرت أغراضي كلّها، ومُنعت من إدخال ملابسي الخاصّة، قيّدتني السجّانة بقيدين في الرجلين وقيدين في اليدين، اعترضت على ذلك، وسألتها عن سبب وضعها القيدين؛ فكانت إجابتها: "لأنّك أسيرة أمنيّة، وتشكّلين خطرًا على أمن الدولة وعلى السجّانين".

بعد وصولي قسم 61 في سجن الدامون، رأيت أمامي قسمًا مبنيًّا من زنزانتين؛ زنزانة رقم 7 وزنزانة رقم 8، وكلّ ما به مسيَّج ومليء بالأقفال والجدران، حتّى النوافذ فيه مغلقة بالحديد، ومسيَّجة بالشباك من كلّ النواحي، ومن كلّ الجهات.

في الوقت الّذي كنت أجلس في زنزانتي، الخالية من كلّ شيء يعبّر عن الحياة والأمل والألوان، وأنظر في زواياها فأرى الجدران والأسرّة الرماديّة، وكيفما توجّهت عيوني، ومع ضيق مساحة هذه الزنزانة؛ فإنّني أرى أمامي الباب الرماديّ المغلق. فجأة شعرت بحاجة ماسّة إلى رؤية الألوان في عيوني، تمنّيت أن أرى لونًا آخر غير اللون الرماديّ الطاغي على هذه الزنزانة، تمنّيت أن أملك دهانًا، وأصبغ هذا الباب بألوان أخرى مليئة بالحياة والتفاؤل، أو ألوان تحكي حقيقة المشاعر الّتي تنتشر داخل هذه الزنزانة الضيّقة، سواء أمشاعري كانت أم مشاعر الأسيرات السبع الموجودات معي، إلّا أنّ أمنياتي لم تأتِ لي بشيء. فتحت دفتري ورسمت باب الزنزانة كما هو، إلّا أنّني بدأت ألوّنه بالألوان المتوفّرة لديّ، حسب مشاعري وأحاسيسي، ومثلما تخيّلته مطليًّا، فالأحمر كان شعور الحب، والشوق الّذي ينتابني في هذه اللحظات إلى صديقتي، الأسود هو العتمة الّتي تسكن هذه الزنزانة، والضجيج الّذي أعيشه طوال الوقت مع الأسيرات، وانعدام الخصوصيّة، أمّا الأزرق فكان تعبيرًا عن الاحتلال، الّذي يعكّر دومًا صفو حياتنا نحن الفلسطينيّين، في كلّ تفاصيل حياتنا. حالة الشوق الّتي عشتها جعلتني أشعر بتخبّطات، وتناقضات، ووجع وأمل وألم، كلّها وُجدت هنا عبر الألوان والزخرفات في هذه الرسمة.

للبحر حكاية في السجن، صحيح أنّني اشتقت إليه كثيرًا، في هذه اللحظة الّتي رسمت بها هذه الرسمة، ولكن ثمّة شيء أعمق سيطر على مشاعري، وكان أكثر قسوة عليّ من الشوق ذاته. حين فكّرت في البحر هنا، رأيت الأسيرات وشوقهنّ إلى رؤية هذا البحر! فالحديث عن البحر عند كلّ شعوب العالم شيء عاديّ، لكنّ الحديث عنه في السجن، وفي فلسطين، ومع الأسيرات بخاصّة، كان له وجع خاصّ؛ لأنّ كلّ الأسيرات اللواتي كنت معهنّ، لم يشاهدن البحر في حياتهنّ إلّا عبر الصور؛ بسبب الحواجز وجدار الفصل العنصريّ، والاحتلال الّذي يمنع الفلسطينيّين في الضفّة، من زيارة المناطق الموجودة على ساحل البحر، وحرمانهم من تصاريح الدخول، والواقع الاحتلاليّ لحصار غزّة. أجيال كبرت في فلسطين، وما زالت تكبر وما زارت البحر أبدًا، أجيال في فلسطين لا يعرفون معنى البحر الحقيقيّ، ولا مَرْآه، ولا إحساس السباحة فيه. إنّ عدم توفّر اللون الأخضر في السجن، منعني من إكمال العلم الفلسطينيّ بالرسمة على شراع القارب؛ حينئذٍ شعرت بأنّ مصادرة حقّ الإنسان الفلسطينيّ من رؤية البحر، تشبه منع إدخال الألوان والأقلام وأدوات الرسم لنا في المعتقل، رغم أنّ هذه المطالب إنسانيّة وبسيطة جدًّا، ومن أبسط حقوق الإنسان، إلّا أنّ منعها عنّا يسبّب وجعًا عميقًا، ويترك أثرًا لا يُمحى من القلب على مرور الزمن.

وحدة، معاناة، شوق، حبّ، ألم، نداء لمن يشتاق القلب دون أن يسمع أحد صدى هذا الصوت، أقسى المشاعر الّتي تحتلّ القلب في السجن، والّتي شعرت بها، كانت الشوق إلى صديقتي، حينذاك أردت الصراخ والنداء باسمها، لم أجد طريقة للنداء إلّا عبر القلب، تخيّلت أنّ النداء سيخرج من وراء هذا الباب الحديديّ ويصلها، لكنّ الصوت بقي في القلب، ودُفن داخل هذه الزنزانة؛ فالحبّ مدفون، والقلب مرهون، والنداء تستقبله الجدران فقط في هذا السجن.

هكذا تبدو الأسرّة في الزنزانة، مصنوعة من الحديد، وعليها فرشة رقيقة جدًّا، النوم عليها شبيه بالنوم على صفيح من الحديد، فرشة غير مريحة وتسبّب آلامًا في الظهر. في الزنزانة، ليس ثمّة شيء سوى هذه الأسرّة والخزانات المطليّة باللون الرماديّ؛ هذا هو الأثاث الوحيد المتوفّر للأسيرات في السجن.

أقسى مشهد رأيته في السجن، هو ذاك الباب الحديديّ، الّذي يرافقني في كلّ وقت، والّذي كنت أرى من فتحته دومًا السماء مربّعة الشكل. باب حديديّ، ضخم، كثيرًا ما انتابني الشعور وتمنّيت أن أكسر هذا الباب أو أفتحه، في الوقت الّذي أريد وأخرج، كم هو صعب الإحساس بأن تكون مقيّدًا بمكان يتحكّمون به، في وقت فتح الباب لك ووقت إغلاقه عليك مجدّدًا!

في هذه اللحظة تحديدًا، شعرت بحاجة ماسّة إلى الخروج والتنفّس، حتّى أنّني أردت الاستحمام، في الوقت الّذي أشعر به بحاجة إلى أن أغسل جسدي بالماء البارد، وأتخلّص ولو قليلًا من تعب التفكير، فلم أستطع ذلك أيضًا؛ كون غرف الاستحمام أمرها مشروط أيضًا بوقت لست أنا مَنْ أتحكّم به، فذهبت بخيالي نحو الحرّيّة، أردت أن أثقب هذا الباب، وبدأت برسم دوائر عليه، إلّا أنّ هذه الثقوب ظهرت في النهاية كقيود إضافيّة. هذا الباب تعبير عن قسوة السجّان وقلّة حيلتي في الأسر، والطريقة الوحيدة المتاحة لي لفتح هذا الباب، كانت الكتابة عنه أو رسمه مفتوحًا، فقط في خيالي.

في الزنزانة، يطفئ النور عند الساعة 11 مساء، وفي هذا الوقت تحديدًا تهدأ الغرف وتبدأ السكينة، بعد يوم مليء بضجيج لا يمكن وصفه، في هذا الوقت فقط أعيش حالة من الهدوء، تساعدني على الكتابة والقراءة في السجن، ولكن مشكلتي كانت أن لا ضوء متوفّرًا ليساعدني على فعل ذلك. الضوء الوحيد المتاح لي هو فقط ذاك الّذي يدخل من فتحة نافذة الباب المشبّكة والصغيرة، ومن أجل استغلال بقعة الضوء هذه، المنبعثة من هذه الفتحة الصغيرة والوحيدة في هذا الوقت، كان عليّ أن أجلس على الأرض قريبة من الباب. على ضوء هذه البقعة كتبت قصائدي في السجن، ورسمت بعض هذه الرسومات وقرأت.

كوني معتقلة بسبب الكتابة فقط، وجريمتي الوحيدة استعمال القلم وكتابة قصيدة، طوال وقت اعتقالي، رأيت أنّ حرّيّة التعبير والديمقراطيّة في إسرائيل أكبر كذبة؛ فليس هناك شيء اسمه حرّيّة التعبير لنا نحن الفلسطينيّين. هذا هو قلمي الّذي يمثّلني، والقلم هنا هو جسدي المعتقل والسجين، وهذا أيضًا قلم الرصاص الممنوع استعماله كوننا أسيرات أيضًا؛ فالمنع هذا تعبير بحدّ ذاته عن العنصريّة الّتي نتعرّض إليها أيضًا؛ إذ إنّ الأقلام بكلّ أنواعها متاحة في السجون الجنائيّة الإسرائيليّة، إلّا أنّها ممنوعة في السجون السياسيّة، الّتي يكون فيها الفلسطينيّون والعرب فقط. الدولة الّتي تسجن شاعرة بسبب كتابتها قصيدة، وتمنع استخدام الأقلام في السجن، هي دولة عنصريّة لا ديمقراطيّة، هي الاحتلال.

المزيد من الكتابة والرسم بالنسبة إليّ، يعني مزيدًا من النضال والمقاومة ضدّ الاحتلال، وممارساته ضدّنا، المزيد من الفنّ يعني مزيدًا من التشبّث بالأرض والتاريخ والهُويّة، يعني مزيدًا من التعبير عن رفض الظلم، والقول علنًا: "لا للاحتلال".

مَنْ لديه موهبة تعيش معه قضيّة، والفنّان الّذي يملك قضيّة في فنّه، يصعب عليه التخلّي عنها مهما كان الثمن غاليًا، ومهما حاولوا إسكاته فستخرج أقوى وبطرق إضافيّة أخرى؛ لذا ففي الأماكن الّتي لا يمكن الوصول إليها، ولا يمكن معرفة ما يحصل في أروقتها، من انتهاكات لحقوق الإنسان؛ تأتي الموهبة من أجل التعبير عن كلّ ما هو مخفيّ، يأتي الفنّ في السجن بالتحديد؛ لينقل الصورة إلى العالم خارجه، ويحكي عن هذه الانتهاكات، ويوثّقها.

إنّ مقاومة أيّ شيء ظالم، تحتاج إلى أداة تساعد على فعل ذلك، وأداتي في السجن كانت قلمي، وشعري، وإحساسي؛ بهم كتبت ورسمت.

بعد أن كتبت قصيدة ضدّ الاحتلال وجرائمه، وسُجنت على إثرها ثلاث سنوات، ما بين الاعتقال المنزليّ ولسجن، لا أستبعد أن أجد نفسي مرّة أخرى معتقلة، على إثر رسمة أو صورة تحكي عن الاحتلال، وتعبّر عن المقاومة، وعن هُويّتي الفلسطينيّة، وعن وطني وبلادي، رسمة أنتقد بها كلّ مظاهر هذا الاحتلال، ومخلّفاته، وعنصريّته تجاهنا نحن الفلسطينيّين؛ لأنّ كلّ شيء هنا له هُويّة فلسطينيّة، بات بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيليّة وسياستها تحريضًا وإرهابًا، ولا أستبعد أن نُحاكَم - كوننا فلسطينيّين - في الأيّام القادمة حتّى على النظرة واستعمال الألوان.

والسؤال بعد محاكمتي وسجني على الكلمة والفكرة: "هل سأكون سجينة - يومًا ما - على رسمة أيضًا؟"، أترك الجواب هنا لهاتين الرسمتين، اللتين رسمتهما وأنا مرهونة في الاعتقال البيتيّ؛ فربّما بهما حقًّا تكون الإجابة عن الواقع الّذي عشته، وأعيشه، وسأبقى أعيشه، في دولة غاصبة لا تعرف إلّا قتل الإنسان الفلسطينيّ، ومحاربة كلّ شيء يعبّر عنه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى