أبو يوسف طه - وليمة الشيطان.. قصة قصيرة

للأولياء كرامات، أمر يتداوله عامة الشعب، فسارت بذكره الركبان، وشاع في أرجاء الوطن السعيد، ومن الذين بزوا نظراءهم في الصلاح والتقوى ولي نبذ الناس، وزهد في الدنيا فاختار مكان اعتكافه في جبل شامخ على مبعد من مدينة مراكش بجانب نهر دائم الجريان... فكان يفصل بين الناس بالعدل، ويغيث الملهوف، ويطعم الجوعان، ويؤوي من تقطعت به السبل، هذا ديدنه إلى أن دعاه الله الى جواره مثلما تكون الأشياء ثم لا تكون. أقيم ضريح للراحل الذي قيل إن البدر احتجب ليلة موته، وانهمر مطر غزير أولته الأفواه بأنه بكاء السماء، وأصبح مزار القاصي والداني، ومن تجليات كرامات الولي إنجاب العاقر، وتزويج العانس... توافد اليه خلق كثير فنشأت بيوت ودكاكين، ونشطت التجارة، ودر الإيواء على الناس مالا وفيرا. أصبح المرء لا يجد موطئ قدم في أشهر الصيف، الأسر تصطحب فتيات يتخلعن في مشيتهن، ويبدين مفاتهن، ونساء عاقرات يأملن في حظوة انتفاخ بطونهن.كان ما يسمعه الناس من أقاصيص يعقل اللسان، ويخرج العيون من المحاجر دهشا واستغرابا، في مسامرات لا تنتهي، توثق الصلة بين الغرباء، وتوصل بينهم بحبل الود فتنشأ إثر ذلك علاقات.
كانت تأسرني هذه الأجواء البعيدة عن عجرفة المدينة وغلوائها، وحذلقة ساكنيها، حيث تبدو الأشياء كما لو تجري خلف عازل من زجاج. الناس المجاورون للضريح يخلقون بعفويتهم فتنة لا تضاهى، ينكبون على ازدراد وجباتهم في مطاعم شيدت بالقصب، أو يهيئون طبخهم في المآوي،مسلمين أقدارهم لقوة جذب غيبية، أو يتحلقون مثرثرين على ضفاف الوادي، تاركين الأطفال يتقافزون سابحين تحت قيظ الهاجرة، يتراشون بالماء ويصخبون، وغالبا ما يفد مراهقون بدراجاتهم الهوائية جماعات مردفين خلفهم فتيات ضللن ذويهن لقضاء نزهة تتفتح فيها أجسادهن تفتح الأزهار، ناشرات أريج الغواية، وحينما ينام النهار في مهد الليل، يبزغ البدر وضاء، تختال حواليه النجوم المتغامزة، وقتئذ كانت الفتيات والفتيان لا يعدمن حيلة لا يجاد مكان يحتمين فيه عن العيون الرامقة لممارسة حوار استثنائي وفريد... يحضن هذا العش الطبيعي بيض صحبات أو زيجات، يدفئها الزمان فتنفقس أو تتسبب في آلام و عذابات. كان الشبان المختالون، والشابات المزهوات بفيض الأنوثة يتوسدون إثر خلودهم للنوم وسائد من ريش النعام. أما النساء العاقرات اللواتي وقر في أذهانهن أن الأولاد أوتاد خيمة الزوجية فلهن تصريف أخر ... نسوة خبيرات بطقوس الضريح يقترحن تطوعا في الظاهر – ما على المرأة الملتاعة فعله، وهو أمر يجب أن يحاط بتكتم شديد. لا يوجد من يستفتى في الأمر غير الحاج {محافظ الضريح} المعروف بدماثة الخلق، وخشية الله، فلا يرى إلا وسط رهط من أصحابه يتلون القرآن، ويرددون الأذكار بطريقة أتقنوها فأجادوا الإتقان، وحينما يصمتون، تدار عليهم أكواب الشاي المعد لهذه الغاية، وكان كلما دس زائر أو زائرة نقدا في صندوق الصدقات، كانوا ينطلقون بلسان واحد للدعاء والختم بمسح الوجه بالكفوف ثم وضعها لحيظة على الصدر. كان الأمر مرتبا على نحو لا زيغ فيه. كان يرين رنين ابتهالي لا تفطن اليه إلا قلوب خاشعة، وعيون دامعة، وعقول ضارعة ... والحاج ذاته يضيف ما يتسلل الى الوجدان تسلل الماء في التربة العطشى فهو رجل قوي كحصان انجليزي، تطوق رأسه عمامة شرقاوية، يرتدي جلبابا وبرنسا أبيض، والدم يكاد يطفر من وجهه المستدير المكتنز ... عجيب أمر الحاج فبقدر ما يشف إحساسا ويذوب دمعا خلال قراءة القرآن، وترديد الأذكار، واستعراض قصص الأنبياء ، وسير الأولياء والصالحين، كان لسانه كصنبور تالف الصمام،يتدفق، حينما يكرع الخمر رفقة ندمائه، بنكت بذيئة ووقائع فاضحة. كان هذا الخفاء متواطأ على ستره، وما يدرأ أي اشتباه ما يتمتع به الرجل من جمال، وما يحرص عليه من أناقة، وهو ما ارتقى به الى أن يكون فوق البشر، وأدنى من الملائكة حسب زعم البعض، فإذا كان القبح يجذب النظرات كالمغناطيس فإن الجمال ينفذ من عيني الرائي إلى روحه مثلما تنفذ الخطاطيف باندفاعه قوية داخل أعشاشها.
بني الضريح فوق تلة على الطراز الأندلسي لكن بشكل يشي بتواضع خبرة البنائين، تلاصقه من جهة الخلف دويرة يصلها به بويب، أسدلت عليه ستارة خضراء كتبت عليها آيات قرآنية بخيوط الصقلي الفضية، وعلقت فوق القبر ثريا ضخمة، أما الجدران فقد رصعت بكويرات زجاجية في حجم بيض النعام داخل علاقات جلدية، وفي الحوش تكدس متسولون رثو الثياب، يقززون بما هم عليه من قذارة، كانوا يستعطون بالحاج فج ، عدواني... وعلى دنو منهم يقبع رجل مسن أسود البشرة، يتلقى الذبائح، ديوكا ، عنزا، خرافا. يمكن للذبيحة أن تباع عشرات المرات فما أن يتسلمها المسن حتى يظهر من يتكفل ببيعها لتعاد كهدية من جديد مما يجعل سيل النقد لا ينقطع فيصبح ثمن الديك مضاهيا لثمن الخروف، وثمن الخروف مضاهيا لثمن العجل، وفي نهاية الأسبوع تقام وليمة لا تسمن ولا تغني من جوع... كنت أرتاد الضريح على الدوام لكنني كنت كالأبله، مخطوف البال لا أعي ما يدور من حولي لولا نباهة زوجتي ذات التخصص في الأنتروبولوجيا. كنت سعيدا بأن مسحت بممحاة العلم ما كان مترسبا من معتقدات بذرتها نشأتي القروية كـ{السبات الولادي} الذي يخفي زنا المحصنات، ورغم تصديقي بأن لا قدرة للوالي الدفين، أو محافظ الضريح الذي يسعى بين الناس أن يفعلا ما يجدي امرأة عاقرا، فإن زوجتي ذت الأنف الشمام كأنف كلب الصيد كشفت بدربة ملفتة أين تختبئ الطريدة، قالت لي في جلسة مسائية تحت فروع كثيفة لشجرة جركاندة ضخمة، بعد جولة في أزقة الدوار، مكان الضريح { إن جميع معتقدات الشعب فاسدة، يدعمها من يجعلها شباكا لاصطياد شيء ما، شيء جد ثمين ونادر، الوعي أو المصلحة مثلا، هي قذارة ملفوفة في صرة من حرير، مزج المقدس بالمدنس، وإذكاء قبس التلبيس} حدقت في زوجتي كما لو أني أراها لأول مرة، وسألتها إلى أين تريدين الوصول؟ رفعت رأسها إلى أعلى، شردت كأنها تقرأ سطورا غير منظورة { أتتذكر تلك المرأة الجميلة التي كنت أجالسها قبل يومين في هذا المكان؟}. لم تنتظر جوابا وواصلت { إنها وفدت صحبة أختها وخادمتها، ووقعت في الفخ...}. قمنا بعد أن بدأ برد الليل يلسعنا، متوجهين إلى الفندق، في طريقنا لمحنا سمرا يقهقهون أو يتجادلون تتقاطع فوقهم ظلال الجدران وأضواء البدر الزرقاء الشفيفة.
أفاضت زوجتي في الحديث مبدية الحسرة على غفلة المرأة التي نشبت فيها مخالب المحافظ. كان المحافظ يدير شبكة من النساء والرجل وفق مبدء لكل حسب عمله، وكان يقول دائما وبنوع من العجرفة قاعدة لم يكن بوسع الناس أن يفهموها { أريد عبيدا وإماء لشق الطريق} كان الرجال الأربعة من ندمائه يصيبون بعض ما فضل عنه، وكان النساء بمثابة محظيات، وهن من يدبرن الإيقاع بالنساء الوافدات طلبا للإنجاب، وكن يعتمدن على فراستهن في معرفة الفئة المستهدفة: أميات أو جاهلات، أونساء أعيتهن الحيل في إقصاء رجالهن عن إجراء فحص طبي، بعد أن أجرين على أنفسهن الفحص خفية وتأكدن من خصوبتهن، كن عرضة لرهب الطلاق.
أدخل الحاج المرأة بعد العشاء الى الضريح قبيل الإقفال،لامس كتفيها ورأسها وهو يتلو لاهيا بعض الأدعية والآيات القرآنية، أخد كأسا به سائل بني، أداره حول رأسها، وهي مستسلمة لما يحدث في شبه إغفاء، بعد أن سكب بحدة نظراته في عينيها، أمرها بشرب السائل دفعة واحدة ... لما فعلت، زمت شفتيها تعبيرا عن عدم استساغة مذاقه، ثم نهض وأفرغ كيسا به سبعة أقفال بمفاتيحها. قال لها { قبل أن تنامي، إقرئي المعوذتين }. وانصرف بعد أن أغلق عليها باب الضريح أحست المرأة برهبة، وهالها أن تنام بجوار قبر لكن دماغها بدأ يميع، وغالبتها سنة نوم مباغتة. أدركت في الصباح أنها انتهكت، وبكت بحزن، وتلامحت في ذهنها صورة زوجها يئن كما لو أن به مغص، بيد أن الصورة تلاشت إثر صرير الأقفال وهي تفتح، وكان نور الصباح يبدو من خلال الشمسيات. لما دخل المحافظ، أطرقت برأسها مستكينة.
تنهدت زوجتي وقالت أتدري بما ختمت المرأة حكايتها؟. قالت لي بأسى {إذا قدر لي الإنجاب سأسعد بأن ألقمه ثدي، لكنها ستكون سعادة مؤلمة}.
أعلى