أسعد ساري - مراسيم حيوانية لانقلاب عسكري ناجح

قررت ْ مجموعة من كلاب صنعانية تعيش في حي مذبح الذهاب إلى حفل كبير دُعيت إليه مؤخراً من مجموعة كلاب أخرى تعيش في حي شميلة شرقي جنوب صنعاء، وكان من الواضح أن هذا الاحتفال سيكون الأكبر من نوعه، فالاستعدادات بدأت مبكراً بحماس منقطع النظير. اُرسلت كلاب هزيلة إلى كل الجهات لنشر الدعوة وأُخذت كل الاحتياطات الضرورية لسلامة وصول الدعوات، فما أسهل أن يُقتل كلب هزيل يحمل رسالة أثناء الجري بأي طريقة انشأت الكلاب نظام استبدال ذكي وسريع يتم بموجبه قدوم كلب آخر إلى مكان الحادث للمعاينة ثم استئناف رحلة الكلب المتوفي بأكبر قدر من السرعة. كل هذا من أجل أهمية حضور الحفل المزمع إقامته في أحد أطراف العاصمة

الكلب الأكبر عمرا في حي مذبح والذي بدا كشيخ المجموعة هناك لم يتأخر باتخاذ قرار المشاركة في الحفل، في البداية كان متكاسلا ومترددا بعض الشئ ، لم يكن مرتاحا بخصوص مكان انعقاد الحفل فالمسافة من حي مذبح إلى حي شميلة بالنسبة لكلاب هزيلة تعتبر مخاطرة كبيرة في حد ذاتها، ثم إنه وبحكم خبرته الطويلة ومشاركاته العديدة في احتفالات أقامتها جمعيات كلابية هنا و هناك قد تعلم الكثير ..مثلا : معرفة أن تأمين خمسة لترات من الماء أمر في غاية الأهمية لكلب مسافر، فهو يعلم أن كثيرا من الناس في صنعاء من قليلي الخير الذين يرون كلبا واقفا في منتصف الطريق يلهث من العطش ولا يتكرمون بسقيه حتى بخف. ومع ذلك فقد قرر في الأخير المشاركة وأوعز إلى كلاب أصغر منه سنا بالإستعداد

يتذكر شيخ الكلاب في حي مذبح بعض الأشياء عن طفولته، فهو ليس من مواليد هذا الحي أصلا ، كانت والدته قد وضعته إلى جانب ثلاث إناث في إحدى الليالي الباردة في حفرة قريبة من جبل القمامة الذي لا يبعد كثيرا عن المطار ، وتزامنت هذه الولادة الطبيعية مع حملة بشرية شرسة كانت قد بدأت لقتل كل الكلاب في صنعاء بدواعي غريبة جدا ، ” الكلاب الضالة “..”الكلاب المسعورة “، وهو ما جعل والدته تشعر بالذعر الحقيقي ، فليس من المعقول أن تواجه رصاصة تخترق جمجمتها بمجرد نباح أمام شخص يقتلها وهو يضحك ! لذلك بعد دراسة الأمر بصورة ممتازة قررت الرحيل إلى مكان أقل خطورة ، وصادف أن وجدت سيارة مهجورة، و سرعان ما حزمت أمرها بعد إجراءات بسيطة وجلبت صغارها بمهارة طبيعية إلى السيارة، وهناك بقي الشيخ وأخواته وأمه لفترة قصيرة لا تتجاوز أسبوعين ، وهي الفترة نفسها التي أحتاجها البشر للقيام بتلك الإبادة الجماعية لبني جلدته، و في الواقع لم ينج منهم إلا القليل

وصل كلب أسود حافي القدمين واليدين إلى ميدان التحرير وهو يلهث ، كان شديد الهزال وعيناه جاحظتان ، وكان يضطر لكي لا تطرحه الريح أرضا أن يجري بمحاذاة أي سور على الطريق . انطلق بهمة ونشاط من حي شميلة بعد صلاة المغرب ، مر على شارع تعز ثم انعطف يسارا باتجاه السائلة وهناك سار خببا على أحجار السائلة المرصعة بطريقة أمريكية حتى وصل إلى سور وزارة الدفاع، توقف للحظات عند حجر بارز جزء منها في السور، رفع رجله اليمنى وتبول على الصخرة فصعد بخار منها حين وقع ضوء سيارة في السائلة عليها

التقى بالمعنيين في ميدان التحرير وتبادل معهم وجهات النظر المختلفة حول موضوع الحفل، وأراد أن يعود بسرعة بعد العشاء إلا أن اليمين التي أقسمتها كلبة رائعة في التحرير بأنه لن يعود قبل صباح اليوم التالي جعلته يتريث
سرت إشاعة اعتيادية بين المثقفين والعسكريين المتقاعدين – وكانوا يتبادلونها وقد ارتسمت معالم الجدية على نوفهم النظيفة – أن نظام الحكم يعيش أيامه الأخيرة، رغم أن لا أحد يعرف أصلا كم هو العمر الأصلي أو الافتراضي لذلك النظام، كانت الاذاعة الرسمية خائفة بصورة غريبة، فلا تخلو النشرات الإخبارية الليلية من أخبار بارزة مثل ”الكشف عن تحركات مريبة تقودها خفافيش الظلام ” وترددت كثيرا كلمة ” خفافيش”
الخفاش الوحيد الذي قبض عليه بسهولة في الليل وكان له رأس كلب تماما كما ظهر على شاشة التلفزة بدى هزيلا ويرتعش – كانت السلطات قد قبضت عليه أثناء الاغتسال ليلا بعد معاشرة جنسية قصيرة مع زوجته الخفاشة

قررت السلطات فجأة تغيير نظام الدوام الحكومي لموظفي الدولة، تحول من دوام نهاري إلى ليلي، الخفافيش قررت أيضا تغيير نظام نومها الطبيعي، أصبحت تنام في الليل وتصحو في النهار
بدأت كلاب غريبة تتوافد إلى صنعاء بطريقة سرية، تسللت كلاب بشعر مجعد من تعز ومن عدن وظهرت كلاب بسيقان نحيلة طويلة خالية من الشعر يعتقد أنها تسللت من مأرب، غالبا ما كانت هذه الكلاب الجديدة على صنعاء
.لا تعرف الشوارع لذلك أصبح عاديا ان ترى كلبين غريبين يتقدمهما كلب صنعاني

رصدت الاستخبارات العسكرية تحركات سريعة فردية لكلاب في شارع الستين بصورة متكررة لكنها عزت التحركات الفردية إلى تكتيك قديم ما زال يستخدم من قبل بعض الجماعات الثورية ، الغرض منه ذر الرماد في العيون وتشتيت الانتباة عن تحركات جماعية أصلا، طلبت مزيدا من التعزيزات بصورة مستعجلة ، ولم تستجب السلطات العلياء إلا للقليل فقط من تلك المتطلبات التعزيزية وهو ما خلق حالة تذمر واسعة بين العسكريين

لم تعد تبث الإذاعة الرسمية الوحيدة سوى الأغاني الوطنية طوال الليل والنهار تتخللها بيانات سياسية وعسكرية هامة ازدادت الحالة غموضا ووضوحا في نفس الوقت، ووجدت كلاب مقتولة على طول جانبي الطريق في شارع الزبيري وشارع حدة وشارع تعز، وتحركت دبابات إلى شارع الستين وتوقفت هناك، سفراء النوايا الحسنة والسفراء الآخرون من كل الأنواع غادروا بصحبة كلابهم النظيفة التي كانت ترتدي ملابس مزركشة تلمع وتنتعل أشياء غريبة في أقدامها. الأناشيد الوطنية الحماسية التي تحث على الدفاع عن الدين والعرض لم تتوقف

ما تسمى بساعة الصفر كانت محل انتظار وترقب من قبل المتنبئين الذين استضافتهم القنوات الفضائية جميعا تحت عنوان ” عاجل ” وتوجهت الأنظار إلى ما يسمى بالبيان العسكري رقم واحد

هبطت طائرة ضخمة بالقرب من القمامة بينما بقيت طائرات صغيرة تحلق في السماء لا يتوقف هديرها أبدا ، في هذا الأثناء توقفت الإذاعة الوحيدة عن البث وساد هدؤ ليس له مثيل ..بعد ساعات عاد البث الإذاعي والتلفزيوني من جديد، استهل التلفاز بثه بكلمة للسفير الأمريكي و إلى جانبه كلب كبير يتناول وجبة غداء بهدؤ على سجاد أحمر .. كان السفير جالسا على كرسي ويقرأ من ورقه أمامه كلمات مثل : اليوم يمثل صفحة جديدة في تاريخ الشعب، الديمقراطية ، حقوق الانسان والحيوان ، الكيل بمكيالين
الاذاعة أيضا كانت تبث كلمة السفير الأمريكي، وفي الأخير أنصت العجزة له وهم يضعون الراديو على آذانهم. كان ذلك صوت تجشؤ الكلب الأمريكي بعد وجبة الغداء عبر بث حي من السفارة
أعلى