د. عمر الطالب - صفاء خلوصي 1917:

كتب كثيراً من القصص ضاع معظمها في بطون الصحف والمجلات. وتبدو أقاصيصه وكأنها صدى دراسات سايكولوجية وفلسفية يطبقها المؤلف على الأحياء لا نتيجة للمراقبة أو لدراسة عميقة للوسط الذي يعيشه ولا شيء يبرر للمؤلف اختيار موضوعاته من المجتمع الأوروبي ولو أنه شاء أن يحلل نفوساً عالمية لما كان عليه مأخذ ولكن الأمر ليس كذلك فإن جميع أبطاله مرضى شاذون. عائشون في الأوهام فهم أناس استثنائيون ولعل هذا هو السبب في أن القارئ لا يتأثر بشيء مما يقرأ ومجموعته الثانية (النافذة المفتوحة) امتداد لمجموعته الأولى التي نشرها قبل الحرب الثانية نفوس مريضة). ولم تنجح محاولات الكاتب في اتباع الاتجاه النفسي لأنه اعتمد على السرد التقريري أكثر من اعتماده على الشخوص لتبين عما يعتلج في نفسها أو لتكشف تدريجياً عما يكتنفها من انفعال كما اعتمد على المصادفات والمفاجآت أكثر من اعتماده على الأحداث الطبيعية أو الخطوط الملائمة لتحرك الشخصية بما توحيه عليها ظروفها وعواطفها. وقد تكون الشخوص مجرد رموز مسطحة عامة لا حياة فيها كما في (نبوءة عراف، المجهولة، صداقة الموتى... الخ).‏
صلاح الدين الناحي 1914:‏
لا يهتم الكاتب بالحبكة القصصية ولا يكتب إلا عندما يريد التعبير عن فكرة تجول في ذهنه ولا يتمسك بالفنية القصصية وأقاصيصه خالية من عنصر التشويق وما يعترض فنيتها إنها مشحونة بآراء وأفكار قانونية. وهو في كتاباته ملتزم بالإنسان فقط لا يميل إلى اتجاه معين فقد كتب في الاتجاه الرمزي كما كتب قصصاً رومانسية وواقعية حسب تجاوبه العاطفي مع الحدث الذي يريد تدوينه.‏
وقد انبعثت صور التلمذة في العديد من أقاصيص المجموعة ومعظمها يدور في جو قاهري مثل (صريع الأورمان، تصلي في المقهى... الخ)، أن الكاتب لا يملك مفهوماً واضحاً محدوداً نحو عمله القصصي ولا يهمه هذا المفهوم سواء لديه أن الذي يكتبه رواية مكثفة أو صورة قلمية أو مقالة قصصية أو كل ذلك مجتمعاً لأن كل ما يهمه أن يصل في النهاية إلى غايته الإصلاحية من حض على الخير أو نهي عن الشر أو للإبانة عما يختلج في نفسه أو لتدوين رأي أو فكرة طرأت له. ويعمد إلى التكلف والمفاجآت والمصادفات الغريبة وبناء القصة عنه خال من التصميم والتخطيط مثل جعفر الخليلي والموضوعات متنوعة ومتفرقة، مغرقة في القدم والحداثة على السواء أخذت من بيئات مختلفة متلونة تختلف رقياً وانحداراً غنى وفقراً. وقد يستخدم الكاتب القصة وسيلة لعرض أفكاره وآرائه في الحياة وتصطبغ أقاصيصه بصبغة ذاتية يشبعها حديثه عن نفسه في أكثر المناسبات بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة. أو يلجأ إلى القصة المسرحية يعتمد في بنائها على الحوار اعتماداً مطلقاً. وللكاتب خيال جميل يحلق به بعيداً عن آلام الحياة وتعاستها ويحلق فيه في أجواء الخيال. كما في مجموعتيه (أقاصيص شتى، تثنية الأقاصيص).‏
القصة الصورة والقصة الواقعية بعد الحرب الثانية:‏
لمسنا أن دلالة القصة الصورة أن الكاتب يصور الواقع الخارجي تصويراً حرفياً والشخوص غير ناضجة لم تستكمل لمحاتها المفردة الإنسانية ولم تخلص من النموذجية الاصطلاحية المسطحة. وفيها إلى جانب بعض السمات المميزة تناقضات في التصرف وانشطار عنيف بين الخير المطلق والشر المطلق.‏
وهي تصور الأخبار وما حولها وتكتفي في كثير من الأوقات بعرض الحادثة أو قد لا نجد ارتباطاً بين بداية القصة ونهايتها. ولا يبنى الشكل عند بعضهم بناء محكماً بعلاقات سليمة بين أجزائه ولا يتم تركيبه بنسب معينة.‏
ويقف أدمون صبري في الصفوف الأمامية من كتاب الصورة في العراق بعد الحرب العالمية الثانية في مجموعاته القصصية العديدة (حصاد الدموع، المأمور العجوز، كاتب واردة، قافلة الأحياء، خيبة أمل، شجار) ولا نجد تطوراً في كتاباته عبر أقاصيصه الجمة فهي على نمط واحد في الرتابة من ناحية الشكل والمضمون، فالعرض السردي هو الشكل الغالب في قصصه وتتحرك شخوصه بميكانيكية فرضها الكاتب دون سبب معقول، وتشيع في أقاصيصه الموضوعات السياسية وهو بذلك يشابه ذنون أيوب. ويصور الواقع الخارجي تصويراً حرفياً، ويلح على أن ما ينقله وقع فعلاً ومعظم قصصه تسجيلية مثل قصص جعفر الخليلي، فهي تسجل عادات وتقاليد المجتمع العراقي فتبدو صوراً مفتعلة لا تفي بالغرض وقد امتلأت بدقائق الواقع وتناقضاته ومفاجآته وعنيت بالحادثة أو الخبر دون فهم واع لطبيعة العمل الفني للقصة القصيرة.‏
ويقف الكاتب موقف الناقل لا موقف المستلهم ولا يعنيه من أحداث قصصه الالتفات إلى دلالات هذه الحوادث ولا إلى معانيها المستترة وتصل القصة بين يديه عن طريق النقل التسجيلي إلى درجة الابتذال وتصبح مجرد مادة خام وجملة من الأخبار تساق في عملية سرد عادية، وقد تخلصت القصة عنده من الوعظ الأخلاقي المباشر ولكنها لم تتخلص من الحشد الهائل للحوادث والأخبار الضرورية وغير الضرورية ولعلها تفقد في معظم الأحيان حبكتها الفنية. وتدور موضوعات محمود الدوري حول الأرض الزراعية ومشكلات الفلاحين والكوارث الطبيعية التي تصيب الأرض الزراعية مع خلوها من الشكل الفني والحبكة التي تحيل المادة الخام إلى عمل فني وترتبط قصصه بالرجوع إلى الحياة والنقل المباشر، وأن أبرز مظاهر الحياة عنده مرتبط أشد الارتباط بقدرته على الوصف التصويري وهو بذلك يشبه أدمون صبري وإن كانت شخوص صبري أكثر وضوحاً من شخوصه التي يكاد القارئ لا يتبينها جيداً لأنها تبدو كجزء صغير وسط لوحته الوصفية، في مجموعته (آخر الأسبوع).‏
ويعني بالوصف التسجيلي كتاب آخرون سائرون في هذا الاتجاه مثل ناجي جابر وعبد الله جواد وعبد الله حسن ومنيرامير، في مجموعتهم (الحصان الأخضر) وخليل رشيد في مجموعتيه (خمر وغيد، الحياة قصص) وسامي طه الحافظ في مجموعته (قطار الظلام) ونابليون حنا في مجموعته (الأعمى) ومحسن البصري في مجموعته (مع الحياة).‏
كما لمسنا هذه السطحية في البناء ورسم الشخوص والفوتوغرافية في مجموعات عبد الجبار الحكيم (خبايا النساء) وعبد الله الياسري (في الطريق) وفخري عبد المجيد (مناضلون في الأرض) ومحمود السعيد (بور سعيد وقصص أخرى) وحسين علي راشد (الساحر الماجن) وحيدر محمود (رفقاً بالإنسان) وباسم عبد الحميد حمودي (أنا عاطل وقصص أخرى) وعبد الرزاق الهاشمي (على صعيد الكفاح) وطارق عبد الجبار (حفنة بشر) ورمضان البكر (ألحان الشقاء).‏
إن القصة الصورة بعيدة عن الفن القصصي لأن الفن ليس تقليداً لواقع ولا نسخة أمينة عن الأشياء. فليس المهم نوع الحادثة ولا لون الشخصية وإنما المهم طريقة تناول الموضوع والسير فيه بحيث تؤدي إلى رسم صورة معينة للحياة وكأنها تجري في طريقها الطبيعي وتعيش في أوسع مجال تظهر فيه طاقتها ثم التعبير عن ذلك بعبارات أو ألفاظ تتناسق مع الحدث والشخصيات والسياق. وأن تكون القصة وحدة عضوية يسهم كل عضو فيها بقسط كامل في سبيل الوصول إلى التأثير النهائي فالحادث أو الموضوع أو الفكرة أو الأسلوب اللغوي كل هذه وغيرها من الأخبار الجزئية لا توجد لذاتها بل لكي تتفاعل مع غيرها وترتبط بعضها بعلاقة تؤدي معنى واحداً وتشكل كلاً متميزاً أو تخلق الأثر الكامل.‏
وهكذا يتضح أن الواقعية ليست الأخذ من واقع الحياة وتصويره بخيره وشره كالآلة الفوتوغرافية كما أنها ليست معالجة لمشاكل المجتمع ومحاولة حلها أو التوجه نحو هذا الحل كما أنها ليست ضد أدب الخيال والأبراج العاجية وإنما هي فلسفة خاصة في فهم الحياة والأحياء وتفسيرهما أو هي وجهة نظر خاصة ترى الحياة من خلال منظار أسود وترى أن الشر هو الأصل فيها وأن التشاؤم والحذر هما الأجدر ببني البشر لا المثالية والتفاؤل.‏
الكتاب الواقعيون عديدون في العراق مثل سليم مبارك في مجموعته (أحلام وأوهام) وعبد الواحد محمد في مجموعته (باتريشا) وعبد الرزاق الظاهر في مجموعته (عذارى بابل) ومير بصري في مجموعته (رجال وظلال). ومن أبرز كتاب الواقعية في العراق شاكر خصباك وعبد الله نيازي.‏
شاكر خصباك 1930:‏
تأثر الكاتب بالجو المصري في مجموعته (صراع، عهد جديد) وفي الأولى يظهر أنه كان لا يزال مبتدئاً للمبالغات والتهويل اللذين يكتنفان المجموعة وللضحالة في معالجة الموضوعات التي عرضها فيها.‏
ويمضي الكاتب في تصوير مشكلات المجتمع العراقي ولا يكتفي بنقد البناء الاجتماعي للأسرة العراقية التي تعتمد على أسس غير متكافئة بل ينتقل إلى نقد تقاليد المجتمع البالية ولا يكتفي بالتصوير التسجيلي بل يوضح لنا الأسباب والدوافع. ولا ينقد المجتمع فقط بل ينقد المواطن العراقي ذلك المواطن الذي جعلته قساوة المجتمع مزدوج الشخصية أنانياً في أكثر الأحيان.‏
ويلاحظ الباحث أن النزعات التي تظهر في مجموعتيه (عهد جديد، حياة قاسية) سواء كانت فنية أو فكرية أشد وعياً وأبرز خطوطاً من نزعات المجموعة الأولى. إذ ينجح الكاتب في تصوير المواقف الدقيقة واللمسات الخفيفة أما شخوصه فإن عدسته تدور طبقاً لفهمه للإنسان داخلياً وخارجياً وقد هيأت له هذه النظرة العميقة في فهم طبائع البشر أن يستبطن مخلوقاته ويتعمقها كما يمتاز بأسلوب سهل جميل، تندمج فيه عبارات عامية مستساغة، وقد أولع بالحوار العامي يديره على ألسنة أبطاله بما يناسب تفكير الشخصية ومستواها الاجتماعي وثقافتها. ويفضل الكاتب أن يضع شخوصه داخل أطر من ظروفها وحياتها وبيئتها ويخرج من الجميع بجو مصور كامل للشخصية يرعش بالحركة ويعج بالحياة.‏
عبد الله نيازي 1926:‏
من الكتاب المكثرين في إنتاجهم القصصي، إلا أن قصصه الأولى يعوزها التأثير في القارئ وكان أسلوبه تعوزه الديباجة المشرقة والتركيب السليم كما في كتابه (همس الأيام) وأبطاله في هذه المجموعة رومانسيون تؤلمهم الحوادث وعلاقات الغرام لا تكتفي هذه الحوادث بإيلامهم وإنما تساعدهم على الاختفاء والانتحار وأبطاله ترضى بالشقاء يخلق لها المؤلف عواطف ويصطنعها ويشط الخيال بالكاتب في هذه المجموعة فيصف لنا الماء يذوب النجوم وأقاصيصه كلها قاتمة قائمة على اصطناع الجو الحزين. كما يعجز الكاتب في مجموعتيه (بقايا ضباب، شجن طائر) عن خلق عالم متميز وشخوصه فيهما دمى لا حياة فيها ولا نبض يوحد بين أبطالها شعورهم بالضعة والصغار والحقارة وضعف الإرادة والاستسلام المشين ظانين بذلك أنهم يلتزمون جانب الخير. أما مجموعته الأخيرة (أعياد) فتحتوي على أحداث يتأثر بها القارئ وينفعل ويتحسس إلا أنها لا تهتم بإثارة العواطف والانفعالات إثارة مبتذلة. وإنما تتم بجذب نفسي. ومن ناحية الشكل يفضل الكاتب الشكل السردي ويفتن في التقاط الزوايا ورصد الأحداث. والشخصية عنده موقفية تحمل رأيه غالباً ويهتم فيها بالسمات الداخلية والخارجية معاً ليضيء مشاعر الشخصية وميولها وليساعد على تحليل صراعها وأزمتها وإحساسها وهو لا يعتمد في التحليل على المونولوج الداخلي ولا حديث النفس المباشر ولكنه يلجأ إلى تصورات الأحلام أو إلى الطريقة الوصفية.‏
الاتجاهات الجديدة في القصة العراقية القصيرة بعد الحرب العالمية الثانية‏
يلحظ الباحث تغيراً ملحوظاً في نتاج الجيل الثاني من القصصيين العراقيين في المفهوم القصصي من حيث الشكل والمضمون وتفنناً في اختيار الموضوعات وترويض اللغة رغبة في صدق التصوير وبناء أدب يستمد قوته من الحياة نفسهاِ.‏
واهتم هؤلاء الكتاب بأن تكون موضوعاتهم شعبية وأن تمثل شخوصهم الأكثرية العامة لا الأقلية الخاصة واستطاعوا أن يكونوا أكثر وعياً وواقعية فتخلصوا من تضخيم الافتعال وعنوا بالجزئيات الخبرية واقتربوا أكثر فأكثر في رسم شخوصهم من العمق الفردي والإنساني معاً.‏
وكان لا بد للقصة العراقية القصيرة من أجل الوصول إلى هذا الموقف الفني الدقيق أن تتعدى حدود التقنيات الكلاسيكية وتتخذ لها تركيبات جديدة وتجارب في القوالب والبناء مستحدثة. وهذا ما ظهر عند الكتاب (القلقين) وبعض القصصيين الذين ساروا في اتجاه الواقعية الجديدة.‏
وكانت نكبة فلسطين تجربة عميقة الجذور في نفس الإنسان العربي عاشها بكل جزئياتها فلا عجب أن تترك طابعها المميز في القصص العراقي، فصوروا في أقاصيصهم هذه المطرودين من أرضهم واللاجئين ووصفوا شقاءهم وبؤسهم وطغى العنصر الحماسي والعاطفي والدعاوي على العنصر الفني. وفي مجال الشخصيات اعتمدوا على رسم المشردين والبائسين فبدت في صورة ثابتة مفتعلة مسطحة لا أبعاد لها.‏
وقد تحولت هذه القصص إلى مقالات حماسية أو ريبورتاجات صحفية. وإذا استطاع كتاب النكبة أن يعبروا تعبيراً صريحاً مباشراً عما يريدون الجهر به وتصوير أثر النكبة على الشعب العربي، فإنهم في تصويرهم مشكلات المجتمع العراقي قد اضطروا إلى الرمز نتيجة لتعدد مشكلات الحياة وعيش الإنسان في مجتمعه مكبلاً بقيوده ولعدم قدرته في الإبانة عن أفكاره ومعتقداته. فلجأ القصاص العراقي إلى الخيال وتصوراته وهذه التصورات في الغالب بعيدة عن مشاكلة واقع الحياة فلا يصور هذا الواقع ويحلله وينقده بل يرمي إلى تجسيم أفكار مجردة وتحريكها في أحداث تتشابك لإيضاح الحقيقة. نفسية كانت أم أخلاقية ورمزيتهم رمزية موضوع لا رمزية تعبير. استعار لها هؤلاء الكتاب أحداثاً بعيدة عن الوقوع في حياتنا الحاضرة. أحداث شبيهة بأحداث ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة ومع أن الكاتب يستعير جواً غير واقعي يحرك فيه شخوصه. فالقصة لا تمت بصلة إلى الأدب الرمزي لأن الشخصيات فيها تستحيل إلى شخوص إنسانية شكلاً وموضوعاً بينما الشخصيات الرمزية مجرد رموز أو قطع شطرنج تتحرك على الرقعة لتلعب دوراً خاصاً في المعركة التي تصورها تلك الحكاية ومن هذا نستطيع القول بأن القصة الرمزية في العراق اختلطت بالاتجاه الواقعي وتأثرت به لتخرج لنا نوعاً جديداً من القصص هو مزيج بين الرمزية والواقعية أو واقعية رمزية.‏
كتاب القلق والضياع‏
إن التمزقات التي يعيشها كتاب الجيل الثاني لها جذور في بداية ظهور القصة العراقية عند محمود السيد ولطفي بكر صدقي وسليم بطي عندما وجد الجيل القديم نفسه أمام معطيات الحضارة الأوروبية الوافدة والمسلحة بالعلم والمعرفة وانبعث التمزق في نفس الأديب العراقي بصورة أشد اندفاعاً وعنفاً عندما بدأت الأزمات الاقتصادية والسياسية تجتاح العالم ومن ورائه العراق- واستطاعت هذه الحساسية أن تتفجر في الشعور وفي اللا شعور نقمة ضاربة تقف في مواجهة الماضي والحاضر والمستقبل. وعبر كتاب الجيل الثاني عن كل الظواهر النفسية المتدفقة في كيانهم كاللهب وفي صور عديدة من التمرد والتمزق والشك والاشمئزاز من الماضي وانطلاقاً منه ورغبة في تغير الحاضر واندفاعاً نحو التحرر في طريق المستقبل وإيماناً به.‏
ولعل أهم ظاهرة من ظواهر هذا القلق الفردية والاحتكام إلى الذات في جميع القضايا ورؤية العالم من خلال الذات نفسه. إلى أن انتهت بهم هذه الفردية إلى الضياع والانزواء فالعبث. فأغرقوا وجدانهم تحت سياط الرغبة المستمرة إلى جسد بض أو كأس خمر يغرقون فيه ضميرهم الذي يحمل وزر آلام الحياة وتناقضاتها.‏
إن الجانب الأهم من أفعال الشخصيات يتركز في قضية الحرية فإذا كانت الشخصية قلقة تبحث عن مصيرها خلال رؤى الماضي أو في أحلام المستقبل لا تجد أمامها مثلاً عليا تسير تصرفاتها وتجعلها شرعية. بل هي التي تبرر أعمالها ومن ثم فهي مضطرة لأن تكون حرة. ويصورونها دائماً مهددة من الخارج في حريتها هذه وحاولوا أن يعروها إزاء ذواتها للتأكيد على ذلك وانتهوا فيها إلى التمزق. وهذا يعني مأساة الإنسان ويظهر ذلك في أفعال الشخصيات وامتزاج دوافعها بتصرفاتها الخارجية واختلاط الوهم بالحقيقة فالانزواء والعبث العدمي. ودارت معظم القصص في حدود تجارب الكتاب الشخصية وفي نطاق وعيهم الذاتي وخبرتهم المباشرة فأصبحت الشخصيات كائنات طيفية ولم يعد المكان إطاراً خارجياً يحدها وأضحى زمن فعلها مفتعلاً ومختصراً. ومن أشهر كتاب هذا الاتجاه:‏
عبد الملك نوري:‏
يقف الكاتب في النصف الأمامي من كتاب القصة في العراق يتميز بحس واقعي دقيق للشقاء البشري. اختلف النقاد في عبد الملك نوري فريق يعتقد أنه مسخ مشوه يستمد أجزاءه المتنافرة مما يقرأ لا من تجاربه الشخصية. وفريق آخر يرى أن النتاج العراقي القصصي كله ما خلا نتاج عبد الملك، يجب أن يرمى في –دجلة- ولا ريب أن الفريقين قد أسرفا على أنفسهما3.‏
والكاتب مقل في إنتاجه وقد تأثر في مجموعته الأولى (رسل الإنسانية) الصادرة عام 1946 بكتابات أيوب. وقد أظهر الكاتب في مجموعته الثانية (نشيد الأرض) الصادرة عام 1954 طوراً جديداً في فن القصة من حيث الشكل فبعد أن كان يستعير العبارات من مطالعاته اتجه نحو أسلوب جديد يقل فيه ترادف الجمل وتقل الأخطاء وتشيع العامية وهو يهدف إلى تلوين القصة بلون البيئة التي يعيشها البطل.‏
كان يبني قصصه في مجموعته الأولى متتبعاً حوادثها تتبعاً زمنياً أما في مجموعته الثانية فقد آثر أن يضع القارئ في أزمة القصة مباشرة ويقدم من العناصر المتفرقة لقضية ما، ويتركنا نتوصل نحن إلى شعبها وتأليف أوصالها بعد سلسلة من الأخبار والأوصاف والمونولوجات الداخلية.‏
ويهتم الكاتب في جميع شخوصه بقليل من الملامح المادية الخارجية ثم يعمد إلى داخل الشخصية فيبينها عن طريق التحليل وأبطاله كلهم ثائرون يخضعون لشتى الصراعات النفسية والبيئية ويصادف القارئ في أقاصيصه قلة الحركة وجمود الشخوص، فهم يعيشون في عالم اللا وعي يطلقون لخيالهم العنان يسبح بهم وتتوالى الصور في أذهانهم مشوهة وكاملة وتتداعى الكلمات على أفواههم من غير انتظام.‏
وانتقل في نسيج القصة من التدخل لإظهار رأيه أو بيان فكرته إلى موضوعية يتفاعل فيها الحدث مع الشخصية ويحملان معاً المعنى بلا إعاقة ولا وساطة.‏
ويظل الكاتب على ظمأ وجوع من حيث الخاتمة في معظم أقاصيصه وقد يكون طبيعياً ألا يعنى الكاتب بالخاتمة ما دام لا يعنى بالعقدة.‏
ومعظم أقاصيص الكاتب تكمن في خلق الجو النفسي للبطل. وهو يعتمد قبل كل شيء على (المحاورة الداخلية) وعلى استغلال تفاصيل الأحداث لتصوير نفسية البطل عبر موقفه منها، والصفة العامة لنفسيات هؤلاء الأبطال هو القلق، ويصطنع الكاتب لنفسه لغة خاصة تلائم فنه ويعتمد على الوصف ولا يهتم كثيراً بالحوار.‏
فؤاد التكرلي:‏
أعجب الكاتب بعبد الملك نوري وقلده في قصصه مستمداً مادته من اللا وعي يسردها على شكل ذكريات يؤلف بين أجزائها بخيوط من واقع البطل، وهو مؤمن بالإنسان وبقدرته على التوصل إلى بغيته مثل عبد الملك نوري رغم إحساسه بالضياع في حالة تأزمه ولكن كثيراً ما يجد نفسه في هذا التأزم ولا يسرف الكاتب إسراف عبد الملك نوري في المونولوج الداخلي لذا كانت قصصه أقل غموضاً وأكثر إشراقاً4 وهو يهتم اهتماماً كبيراً بالحركة على خلاف عبد الملك نوري مما يعطي أقاصيصه الحياة ويأتي الوصف والحوار والتركيب والتعبير بنسب معينة متوازنة فحواره يتلاءم والموقف في القضية يبينه في ذبذبة نفسية وإيحائية ومرونة طيعة ويفصله في جمل معبرة على قدر الشخصيات ويلجأ إليه في الوقت المناسب ويقربه في ألفاظه من الاستعمال السهل. وقد نجح في تصويره الدقيق للإحساسات العميقة لدى شخوصه من خلال الحوار وفي رسم حس إنساني متنفض. وحوار الكاتب أغلبه عامي مرتبط بطبيعة اللهجة الشائعة في المنطقة التي وقع فيها الحدث.‏
كما يعنى الكاتب في قصصه برسم الشخوص والصور إذ يحس القارئ بأن الكاتب ينقل إليه جوانب الحياة المختلفة بأمانة وصدق. وتتألف أكثر شخوصه من رجال ونساء مغمورين أو فقراء عاديين وهو يعطف عليهم جميعاً ويغمرهم بمشاعر إنسانية عميقة وهو ينفعل إذ يحدثنا ببساطة عنهم. وقد يختار الكاتب شخوصاً شاذين غرباء عن مجتمعنا في أقاصيصه كما في قصتي (القنديل المنطفئ وأمسية خريف).‏
نزار سليم:‏
نشأ في أسرة تتعشق الفن وبرز منها رسامون مبدعون وهو فنان يحسن مزج الألوان والتقاط الصور الجميلة كما حاول تطبيق بعض قواعد التصوير الزيتي كما في مسرحيته (اللون المقتول). بارع في خلق الجو النفسي لشخصيات أقاصيصه التي تكشف عن غنى شعوري وذهني. ويلاحظ في أقاصيصه خفوت الأحداث الكبيرة فهو لا يسلط عليها الضوء بل يعكس أضواء متساوية على الأحداث الكبيرة والصغيرة معاً. ونزعة التحليل عنده تشكل في كثافتها تياراً لا واعياً أو مونولوجاً داخلياً وتتراوح في كثرة منها بين حديث النفس المباشر وبين التدفق الذهني بصورته المنطقية.‏
في مجموعته القصصية الأولى (أشياء تافهة) الصادرة عام 1950 موضوعات تدل على براعة الاختيار والتوتر النفسي الذي تتميز به أقاصيصه يتكون من أشتات التأثرات والعواطف شأنه في ذلك شأن عبد الملك نوري. وتحتوي مجموعته الثانية (فيض)الصادرة عام 1952 على بضع أقاصيص تشعر بالظلم الاجتماعي الذي يعانيه كثيرون في الوطن العربي ولم يكرر نزار سليم نفسه في هذه المجموعة فأبطاله لم يكونوا نسخاً منه كما هو الحال في أشياء تافهة. وأبطال فيض أكثر إرادة وتصميماً في أعمالهم فهم يدركون ما يفعلونه ويفعلون ما يدركونه ويتحملون تبعات أعمالهم وقد أنقذت هذه الإرادة التي وهبها الكاتب لأبطاله في (فيض) من المصادفات التي شاعت في مجموعته الأولى –أشياء تافهة- ونجده أكثر قسوة على أبطاله وهو شيء طبيعي يتمشى مع إرادتهم وتصميمهم.‏
محمد روز نامجي:‏
بذل الكاتب جهده في أن ينحو منحى عبد الملك نوري من ناحية الشكل والتداعي ولكنه يختلف عنه في نظرته القاتمة إلى الحياة. وتعتمد جميع أقاصيصه على استغلال تفاصيل الأحداث لتصوير نفسية البطل عير موقفه منه. والصفة الغالبة لشخصياته القلق والبرم بالحياة وكأنهم زوار ضجرون يتمنون نهاية هذه الزيارة الثقيلة5. ويرسم الشخصية من داخلها في دفقات من التوتر والأحاسيس ويرسلها في كوى مضيئة دفعة إثر أخرى حتى إذا استوت القصة اكتملت الشخصية وتمايزت ملامحها وأصبحت خلقاً سوياً. وهو مثل عبد الملك نوري لا يهتم كثيراً بالحوار والحركة في أقاصيصه كما لا يلتفت إلى نقطة التنوير أو لحظة التأزم بل تسير أقاصيصه على منوال واحد رتيب يسوده الوصف وتتداعى فيه الألفاظ والأفكار، واصطفى الكاتب لنفسه كلمات يطيل ترديدها تكشف عن سوداويته المغرقة مثل القيء والغيثان وجيفة، ورائحة نتنة، وزمن، ومستنقع، أما شخوصه فهي مغرقة في سلبيتها لا تتفاعل مع الحياة بل تقف رغم تعاستها وبؤسها موقف المتفرج من الحياة المستسلم لها.‏
غانم الدباغ:‏
سبر الكاتب أغوار شخوصه وحاول التعمق في تحليلها واستبطان دوافعها وغرائزها وهو بذلك يشبه فؤاد التكرلي ومحمد روز نامجي ولكنه أكثر إشراقاً وتفاؤلاً من عبد الملك نوري وإن اصطبغت أقاصيصه بسوداوية شفافة تصور آلام مجتمعه. ويستقي موضوعاته من الغرائز المكبوتة وفوران الشبان والحرمان من لذاذات الحياة ولم يقدم الكاتب فلسفة معينة في قصصه ولا شربت سطوره من ذلك الحنين الإنساني الذي يصبي ويوجه. وما من دعوة أو نداء فيها يجر إلى المجهول أو إلى غاية ولكنه عبر فيها عن تلك النظرة الفنية القلقة التي كانت الطبقة الجديدة من المثقفين تهرب إليها من الواقع النضالي وقد تمثل بعمق التجربة القصصية فاستطاع بتمكنه من الخلق الفني أن يفرغ تجاربه في قالب فني فجاءت متحررة من كل ما يقيد فنيتها وشخوص قصصه طليقة الحدود والملامح ولكن تحكمها أقدار مقدورة من الحياة وهي لا تفض على القصة من خارجها بل ترسم من خلالها. ولا نجد في موضوعاته التي طرقها في أقاصيصه جدة.‏
أعلى