حسين البدري - مسيرة طه حسين.. كفاح من أجل الحداثة

تبدو صفتان ملهمتان في مسيرة طه حسين الفكرية، الشجاعة والإصرار، تلك الصفتين مكنتا صبى القرية القادم من محافظة وسط الصعيد والذي فقد نور عينيه إثر تخلف علمي فادح أورثه عمى لازمه طيلة حياته، من أن يضيء دروب الفكر العربية ويطرق أبواب التحديث والتنوير والوسطية، عبر منهج تفكير ميزانه العقل وعماده المنطق وآفاقه الحداثة، ليكون قاطرة مجتمعه إلى فضاءات رحيبة من الفكر الإنساني.

بدت شجاعة طه حسين مبكرًا في انتقاداته للفكر الأزهري وطرق التدريس في أروقة الجامع العتيق في بدايات القرن العشرين، وكان الافتراق حتميًا بين الشاب صاحب العقل المشتعل بالفكر، التواق إلى التجديد، وبين عقلية تتصف بالجمود وتقديس القديم مهما كانت سواءته، فضلا عن الغلو، لذلك ما لبث إلا أن هجر تلك الدروب الخانقة وهذا الهواء القديم إلى آخر أكثر رحابة وعقلانية.

وبدا إصرار طه حسين في محاولاته المستمرة للابتعاث إلى أوروبا للدراسة لما رأه من اختلاف كبير في منهج وطرق التدريس لدى أساتذته الأجانب في الجامعة المصرية بعدما هجر الأزهر وشيوخه، وبالفعل سافر إلى مونبيليه في فرنسا، 1914، ونال الدكتوراه عن أطروحة «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية»، وكانت رسالته للماجستير في الجامعة المصرية عن «ذكرى أبي العلاء المعري»، وربما كان اختيار عميد الأدب العربي لفيلسوف المعرة ثم مؤسس علم الاجتماع الحديث لأطروحتيه الدراسيتين يحمل شيئا من تلك البصيرة النافذة لمّا تركاه الاثنين من تراث مهم في تاريخ الفكر العربي، واستشرافا لما سيتركه هو نفسه من تراث معرفي للأجيال القادمة من المصريين.

وتعد قضية التعليم، من الإنجازات الكبرى في مشروع طه حسين الحداثي، فالرجل إبان توليه وزارة المعارف منتصف القرن الماضي أكد مجانية التعليم الابتدائي وزاد عدد سنواته إلى 6 سنوات- تكفلت ثورة يوليو فيما بعد بإقرار المجانية حتى التعليم الجامعي- وبدا إدراك طه حسين أهمية السلام الاجتماعي بين المصريين عن طريق المساواة في التعليم، فبعدما كان التعليم الذي هو الوسيلة الوحيدة إلى المناصب العليا في الدولة «طبقيًا» وحكرًا على من يستطيعون دفع مصروفاته، أصبح متاحًا ومجانيًا للجميع «كماء والهواء» حسب ما أشتهر عنه في إحدى مقولاته الرائجة.

مزج طه حسين عبر مسيرته الفكرية الحافلة بين الحداثة والأصالة، فالرجل لم يتخذ موقفًا عدائيًا من الثقافة الغربية رغم أنه نشأ في وطن تحت الاحتلال وبعد الاستقلال اتخذت السياسات الغربية منحى إمبريالي واضح، تلك الأسباب لم تدفع طه حسين إلى «كراهية الغرب»، حتى إنه في «مستقبل الثقافة في مصر» الصادر في 1938 يتحدث عن «الوهم الآثم الشنيع» الذي يصور في قلوب المصريين أنهم «منحوا عقولا غير العقول الأوروبية»، من الناحية الأخرى حقق وراجع وأشرف على العديد من الكتب التراثية العربية، فهو بذلك لم ينسحق أمام الثقافة الغربية ولم يقدس ماضي الثقافة العربية، بيد أنه مزج بين الاثنين في مشروعه الحداثي لأنه لم ير ثمة تناقض بين الثقافتين.
أعلى