فخري أبو السعود - في الأدب المقارن.. التأثير في الآداب الأخرى في الأدبين العربي والإنجليزي

من أقوى الدلائل على حيوية أدب أمة وصدق ترجمته عن المشاعر الإنسانية احتفاء الأمم الأخرى به، وعنايتها بدرسه، وتأثرها بنتاجه، واصطناعها وسائله، واشتهار فحوله بينها؛ فإن الأدب إذا كان حياً صادق التعبير عن النفس الإنسانية، عميق النظرة في مشاهد الكون، تخطى حدود أمته واجتاز حوائل اللغة والتقاليد والجنسية والبيئة؛ تخطى ذلك إلى ساحة الإنسانية التي تمحى عندها فوارق الزمان والمكان، ويلتقي لديها أبناء الأمم المختلفة والأزمان المتباعدة، وتمجد العبقرية الفنية حيثما نبتت

فحيوية الأدب وصدقه شرط أساسي لذيوعه وتأثر الآداب الأخرى به. وقد تجتمع إلى قوة الأدب الفنية الخاصة قوة أصحابه الحربية وسلطانهم السياسي، فيكون ذلك عاملا كبيرا مؤديا إلى انتشار الأدب؛ على انه عامل إضافي لا يضير انعدامه.

فالأدب واللغة هنا على طرفي نقيض: فلغة الأمة لا تذيع في الأمم الأخرى إلا تبعاً لارتفاع سلطانها السياسي، مهما كان رقي اللغة ذاتها وصلاحيتها وتفوقها على اللغات الأخرى، أو تخلفها عنها؛ فلغات الرومان والعرب، ثم الفرنسيين والإنجليز، لم تذع وتتخذ صبغة عالية إلا مصاحبة لامتداد نفوذ تلك الأمم؛ أما الأدب فلا يذيع إلا لرقيه وصلاحيته وتفوقه في بعض النواحي، سواء أساعده النفوذ السياسي أم أعوزه؛ ذلك لان اللغة وسيلة ضرورية من وسائل التعامل، فلا بد من الإلمام بلغة الأمة ذات الشان العظيم في الحياة الدولية والاقتصادية؛ أما الأدب فهو متعة وجدانية كمالية، تقبل النفس منه ما وافق طبعها وترفض ما لا تستسيغه، ولو كان يمت إلى أوسع الأمم سلطانا وأضخمها جيشاً.

والأدب الإغريقي نسيج وحده في هذا الباب، وهو مصداق كل ما تقدم ذكره، ولم يؤثر أدب تأثيره في آداب الأمم، ولا نال مثل ما نال من احتفالها: فهو أدب حي راق صادق، ذاع في عهد سطوة أصحابه وفي عهد اضمحلالهم، بل أثر في غالبيهم في ميدان الحرب والسياسة - الرومان - ابعد تأثير ثم عاد فبعث مكمنه فأثر فيه نشأت الآداب الأوربية الحديثة، بل على يديه درجت، وفي حجره شبت؛ ومازالت دراسته أحد فروع الثقافة العالية في الجامعات الأوربية؛ ومن اجل دراسته والاستفادة من كنوزه تدرس اللغة الإغريقية على بعد ما بينهما وبين اللغات الحديثة. أما اللغة ذاتها فتقلص ظلها منذ تقلص ظل السيادة اليونانية التي أظلت حوض البحر الأبيض الشرقي على عهد أثينا والإسكندر والبطالسة، ودرست اللغة وبطل التخاطب بها حتى في بلاد اليونان ذاتها

وتترواح درجة تأثير أدب آمة في آداب غيرها تبعا لحالة المؤثر والمتأثر: فيكون الأثر شاملاً غامراً إذا كانت الهوة بينها بعيدة، بأن كان الأول عظيم الرقي والآخر بدائياً ساذجاً، كما كان تأثير الأدب اليوناني في الأدب الروماني والآداب الأوربية الحديثة، وكما كانت منزلة الأدب الفرنسي من الأدب الألماني في أوائل القرن الثامن عشر؛ وقد يكون أثر أدب في غيره قاصراً على ناحية يتفوق فيها أو يمتاز بها، كما كان تأثير قصة المغامرات الإسبانية في الأدب الإنجليزي، أو تأثير القصة الروسية في الآداب الأوربية العصرية؛ وقد تحتفي أمة بدراسة أدب أمة أخرى إعجاباً به وتقديراً له، دون أن يتأثر به أدبها تأثراً كبيراً؛ واغلب ما يكون ذلك إذا تماثل الأدبان في الرقي، كما هي الحال بين كثير من الآداب الأوربية الحديثة التي قطعت مراحل متماثلة، ووصلت إلى درجات من الرقي مقاربة؛ وقد يتناكر أدبان ويتنابذان فلا يتأثر أحدهما بالآخر، لشدة ما بينهما من تفاوت، أو لاعتداد كل منهما بنفسه، كما كان من ازورار الأدب العربي عن الأدب اليوناني؛ وقد يدرس الأدب في المعاهد وعلى أيدي العلماء والأدباء لمجرد البحث العلمي والتاريخ، دون إن يكون له كبير اثر في آداب الأمم، آو يكون لجمهور المتأدبين بصر به، كما يدرس الأدب العربي في بعض الجامعات الأوربية اليوم

وكلا الأدبين العربي والإنجليزي أثر في آداب الأمم الأجنبية، وبلغ في الرقي والخطر ما جعله جديراً باحتفائها، واشتهر فحوله وأعلامه بينها، وساهم بنصيب في الأدب الإنساني العالمي. على أن الأدب العربي أعطى اكثر مما أخذ، وأثر في آداب الأمم الأجنبية أكثر مما تأثر بها، بينما الأدب الإنجليزي قد اخذ اكثر مما أعطى إلى اليوم، وغنم من كنوز الأمم الأخرى أكثر جداً مما أودع تلك الكنوز؛ وهذه في الحقيقة ظاهرة مطردة في تاريخي الأمتين لا في أدبيهما فقط. كانت الأمة العربية منذ ظهورها أمة إعطاء، أعطت العالم ديناً وقوانين ولغة وأدباً، ولم تأخذ إلا ما يتضاءل أمام ذلك كله من حضارة الفرس المادية، ونظريات اليونان الفلسفية. وكانت الأمة الإنجليزية أمة أخذ، أخذت عن غيرها دينها، والفت من لغاتهم لغتها، واشتقت من آدابهم أساليب أدبها وأشكاله، وأغنت جزيرتها بخيرات الأقطار، ولم تهد إلى العالم من مبتكراتها إلا نظامها النيابي. وعلى حين انزوت جزيرة العرب قابعة في عزلتها بعد أداء رسالتها، آثرت إنجلترا بما قطفت من أطياب العالم المادية والأدبية التي اجتنتها على مدى العصور اجتناء مميز بصير خبير بما ينفع، نابذ لما يذهب جفاء

أثر الأدب العربي في آداب كثير من الأمم الشرقية، كالهنود والفرس والترك واليهود؛ وما يزال ذلك التأثير ماثلاً في الألفاظ والأساليب التي اقتبستها منه تلك الآداب؛ وقد أدى إلى اتصال تلك الآداب بالأدب العربي اتصال العرب بتلك الأمم بالحرب والتجارة، وبسط العرب سيادتهم عليهم حيناً، ونشرهم دينهم بينهم، فكانت سيادة العرب سبب انتشار اللغة العربية التي ظلت تدرس في تلك الأقطار عصوراً طوالاً، ولم تزل تدرس في بعضها؛ وكان انتشار الدين الإسلامي عاملاً آخر أطول بقاء؛ فلما انتقلت السيادة إلى الفرس فالترك ضعفت مكانة اللغة العربية، بينما ظل التفوق والتأثير للأدب العربي حيناً طويلاً لرقيه وتأخر الآداب الأخرى

ولم يسم من تلك الآداب الشرقية إلى مضاهاة الأدب العربي إلا أدب الفرس. وقد كان بين هذين الأدبين وفحولهما تمازج واتصال وتعارض وتبادل عديم النظير بين أدبين آخرين: بدأ ذلك بانتصار العرب الحربي والديني، وكان أدبهم على جانب عظيم من التقدم، بينما أدب الفرس بدائي لم يتعد بعد طور الطفولة، ولم يستقل تماماً عن الدين، لأنه - كأدب قدماء المصريين - ترعرع تحت ملكية شديدة الجبروت والأنانية، وكهنوتية شديدة الغيرة والأثرة، فلم يكن يعدو الأقاصيص الساذجة والمواعظ ونوادر الملوك والآلهة: أما الأدب العربي فكان قد ترعرع في حرية البادية

فلما اتصل الفرس بالأدب العربي واعجبوا به، لم ينقلوا ما راعهم منه إلى أدبهم بل انتقلوا هم إليه، فنثروا ونظموا في لغة الدولة والدين والقران، وكان منهم جملة من فحول الأدب العربي، على حين كان أدبهم هم خالياً من الفحول على الإطلاق؛ ثم نشأت طبقة منهم تؤلف باللغتين وتساهم في الأدبين، وبذلك بدأ الأدب الفارسي في الظهور وكان الشعر اسبق من النثر؛ فلما استقلت فارس واستعادت سيادتها القومية في ظل السامانيين والبويهيين ومن بعدهم، نبغ فيهم رهط كبير من الشعراء والكتاب عكفوا على إحياء أدبهم وإثرائه، متأثرين خطى الأدب العربي في المواضيع والأشكال الأدبية والأوزان الشعرية والألفاظ، واخذوا عن العربية ما كان قد داخلها إذ ذاك من محسنات وصنعة؛ وبينما دخل الأدب العربي في طور ركوده افتتح الأدب الفارسي عصر رقي رائع طويل، ضارع فيه الأدب العربي وفاقه في كثير من الأبواب، كشعر الملاحم ووصف محاسن الطبيعة، ونال بعض فحوله كالفردوسي والخيام من الشهرة العالمية ما قصر عنه فحولة العربية

وكان للأدب العربي اثر كبير في آداب الأمم الغربية؛ ولكن بينما تأثرت الآداب الشرقية بالأدب العربي الفصيح، كان الأدب العربي العامي هو الذي اثر في الآداب الغربية: فالأقاصيص الشعبية وضروب الأزجال التي فشت في الأندلس كانت نواة الأدب الإسباني الحديث الذي تمثل في عهد النهضة الأوربية في قصص سرفانتيس، والذي أثر في الأدبين الفرنسي والإنجليزي أثراً مذكوراً فيما بعد؛ وتلك الأقاصيص والأزجال انتقلت من إسبانيا إلى جنوب فرنسا، حيث نشأ شعراء التروبادور الذين وضعوا اللبنة الأولى في أساس الشعر الفرنسي الحديث. أضف إلى ذلك ما نقل من تلك الأشياء إلى الأدب الإيطالي وأثر في كتابات بوكاشيو وبترارك ودانتي، وما تسرب إلى الأمم الأوربية في عهد الحروب الصليبية. هذا إلى قصص ألف ليلة وليلة التي انتقلت إلى أوربا من عهد بعيد وترجمت إلى لغاتها، وكانت موضع إعجاب الأدباء واقتباسهم

وللأدب العربي أثر ثالث عظيم الخطر عديم النظر، لم يتأت حتى للأدب اليوناني أن يأتي بمثله: ذلك هو حلوله محل غيره في الشام والعراق وشمال أفريقية، حتى نسي أهل كل قطر من هاتيك ما كان له من أدب قبل ذلك، واصبح تاريخ الأدب في كل إقليم منها يبدأ بعهد الجاهلية في جزيرة العرب. والواقع أن الأدب العربي لم يسد تلك البقاع لمجرد قوته وحيويته، وإنما تمكن من الإتيان بتلك المعجزة بفضل ما صاحبه من ظروف وعوامل، كقوة اللغة العربية ذاتها وكونها لغة الدين الجديد والدولة، ثم السياسة الحكيمة التي سلكها العرب في حكم الأقطار: فقد تركوا لها حرية العبادة والمعيشة، وأشعروها مع ذلك بالنقص وانحطاط منزلتها عن منزلة الفاتحين أصحاب الدين والدولة؛ فتسامحهم الديني لم يستفز تلك الأمم إلى مقاومة الدين الجديد ومعاندته، كما قد كان يستفزها القهر والإرغام على اتباعه؛ وشعورها الباطن بالنقص والانحطاط دفعها إلى التشبه بالقائمين بالأمر عليها والانغمار في جملتهم؛ ومن ثم انتشر الدين واللغة وحلا محل غيرهما، وانتشر بانتشارهما الأدب العربي

فالأحوال كانت مهيأة في الشرق مساعدة لانتشار الأدب العربي: لتفوقه وتفوق لغته على ما كان هناك من آداب ولغات، وانتشار دين قومه وسيادتهم، ومشابهة الأمم الشرقية للعرب في الطباع إلى مدى، وامتزاجها بهم في أطراف الإمبراطورية العربية. أما في الغرب فلم يكن الأدب العربي الفصيح ليلاقي مثل هذا النجاح، بل هو لم يلاقي نجاحاً ما، ولم يصب إعجاباً قط؛ وقد هرع إليه متأدبو الإفرنج غير مرة يريدون الانتهال من مورده، وارتدوا خائبين قانطين؛ وبينما وجدوا في الأدب الفارسي ما يترجمونه ويظنون به ظنهم بآثار آدابهم، لم يجدوا في مدائح المتنبي لسيف الدولة وأهاجيه لكافور، وتفنن بديع الزمان في صوغ الأسجاع والنكات على لسان أبي الفتح، ما يستحق عناء الدرس والترجمة، أو يحث على الإعجاب والظن. إنما تنقل الأمم من آداب غيرها ما يمت إلى الإنسانية في شتى بقاعها وعصورها بأوثق الأسباب؛ أما المدح والذم والزخارف اللفظية التي إذا ترجمت تبخرت فلا تنفق في غير لغتها وعصرها

ولقد كانت الآداب الغربية قبل عهد النهضة ناشئة تتلفت باحثة عن الأستاذ المرشد، فلم تره في الأدب العربي الفصيح، لأنه لم يكن أدب شعب ومجتمع وحياة متجددة بل اختار لنفسه إن يكون أدب بلاط، ونديم علية، ورهين تقاليد لا تتغير، واستبعد من حظيرته منادح كثيرة من منادح القول، ومواضيع شتى من صميم الحياة والفن؛ وإنما استفادت تلك الآداب بما وجدته في الأدب العربي العامي من آثار الخيال الرائع، والتصوير الصادق، والتعبير المتعدد الأشكال عن الحياة الإنسانية المتدفعة المتجددة، فضلاً عما ينسم منه من روائح الشرق وبذخه وكنوزه وغرائبه، تلك التي ما زالت من قديم تستهوي نفوس الغربيين وتثير أخيلتهم، فأوسع الأوربيون ذلك الأدب العامي دراسة وترجمة ومحاكاة، ثم لم يلبثوا إن اهتدوا إلى ضالتهم المنشودة في الأدب اليوناني، فعلوا من معينه ونهلوا

وقد قيل إن كوميدية دانتي الإلهية متأثرة برسالة الغفران، وقصة ربنسون كروزو أوحت بها قصة حي بن يقضان، وذلك بعيد: فلو أن الآداب الأوربية كانت تتأثر بالأدب العربي الفصيح لما اقتصر تأثرها على هذين المثالين الشاردين - على كون قصة حي بن يقضان أثراً فلسفياً لا أدبياً - وليس بين الكوميدية الإلهية وبين رسالة الغفران شبه سوى أن الجنة والنار مشاهد وقائعهما، ولا بين روبنسون كروزو وحي بن يقضان تماثل إلا انعزالهما في جزيرة، وتوفيرهما حاجاتهما بأنفسهما؛ وكلتا الفكرتين بديهيتان يلوح انهما تطرآن على الفكر الإنساني في شتى العصور والأصقاع. وهل شيء اكثر بداهة واقرب إلى الطبيعة من أن دانتي المتعصب الديني في عصر التعصب الديني وفي وطن البابوية يلتفت إلى العالم الآخر ويجري فيه حوادث مهزلته؟ أو إن ديفو المغامر الأفاق في عصر المغامرات البحرية، وفي إنجلترا البلد البحري يتخذ بطلاً لقصته مخاطراً بحاراً؟

أما الأدب الإنجليزي فكان - كما تقدم - أقل من الأدب العربي تأثيراً في الآداب الأجنبية، وأكثر منه تأثراً بها: تأثر من عهد النهضة بالأدب اليوناني والروماني والفرنسي والإيطالي والأسباني ثم الألماني، وأخذ خير ما تلك الآداب من الأشكال الأدبية والمواضيع والأساليب، وصاغها على النحو الملائم لطبائع أهله وعبقرياتهم الخاصة، ومثل كل ما اخذ ونقاه، حتى جاء الأدب الإنجليزي مضاهياً لأحسن ما في تلك الآداب إن لم يفقهها جميعاً عمق فكرة وشمول نظرة وحرارة شعور وصدق عاطفة وبساطة بيان، ونبغ فيه من الأعلام أمثال شكسبير وملتون وبيرون وسكوت من كان لهم مكان رفيع في القارة، وعنى بدراستهم، والإشادة بفضلهم أقطاب الآداب الأوربية، أمثال هوجو وتين وسنت بيف، وحوكيت قصائد بيرون وقصص سكوت، ومثلت روايات شكسبير في مسارح العواصم الأوربية، وساهمت إنجلترا بنصيبها في النهضة الرومانسية التي كانت حركة أدبية دولية ساهمت فيها سائر الآداب الأوربية والأمريكية

على إن كل ذلك لا يكاد يتخطى حدود التقدير والإعجاب بذلك الأدب، ولم يتعدى ذلك إلى إحداث ثورة شاملة أو تطور خطير في تلك الآداب، ولم يؤثر الأدب الإنجليزي فيها بعض ما أثرت هي فيه، فهو قد جاء متأخراً عنها قليلاً ولحق بها فتشابه الجميع اليوم رقياً، فهي في غنى عن الأخذ عنه، وهو لا يفاجئها بعناصر ليست فيها، وهو وهي سواء في الأخذ من الأدب اليوناني والبناء على أساسه واعتناق مبادئه التي دان بها في تصوير الحياة وتحليل النفوس وعبادة الجمال.

فالآداب الأوربية اليوم، بما فيها الأدب الإنجليزي، فرسا حلبة واحدة، متشابهة في النشأة والتاريخ والمنهج، وهي وان كانت على اتصال وامتزاج دائبين، لن ينتظر أن يكون تأثير واحد منها في غيره تأثيراً بعيد المدى شاملاً غامراً، كما كان تأثير الأدب اليوناني في الأدب الروماني، أو تأثير الأدب العربي في الأدب الفارسي، فمثل هذا التأثير الشامل لا يكون إلا بين أدبين قد انفرجت بينهما مسافة الخلف، وضرب حجاب العزلة بينهما دهراً، كما هو الشأن اليوم بين الآداب الغربية في مجموعها - ومن بينها الأدب الإنجليزي - والآداب الشرقية في مجموعها - ومن بينها الأدب العربي - فقد كان التدرابر والتناكر سائدين بينهما عصوراً طويلة، والأولى في رقي مطرد، والثانية في تدهور مستمر، فلما تلاقتا ورفع من بينهما حجاب العزلة أثرت الأولى في الثانية؛ وما تزال تؤثر تأثيراً هو أدنى إلى الثورة المطلقة أو الخلق من جديد.

فالأدب الإنجليزي قد بلغ من الرقي وصدق الرسالة واتساع الجوانب ما يبذ به الأدب العربي، ونال من المكانة بين آداب الأمم أسماها، وحاز من أدباء تلك الأمم اعظم التقدير والحفاوة، وهو مكانة ستظل له دائماً كما ظلت مكانة الأدب اليوناني بعد زوال دولته، وهو خليق أن يؤثر في آداب الأمم التالية أثراً بعيداً، أما إذا ووزن بين تأثيره في الآداب الأخرى إلى اليوم وبين تأثير الأدب العربي في الآداب المعاصرة له، فان الأدب العربي يرجحه كثيراً. بيد إن الأدب العربي قد أدى رسالته في ذلك الصدد ولم يعد صالحاً لان يؤثر في آداب الأمم الأخرى حتى يتجدد ويتأثر هو ذاته بغيره من الآداب، ويفتتح في تاريخه فصلاً جديداً غير الفصل السالف.

فخري أبو السعود




مجلة الرسالة - العدد 186
بتاريخ: 25 - 01 - 1937

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى