إبراهيم محمود - عبدالفتاح كيليطو بين السريانية والعربية..

الموضوع هنا يخص اللغة، والكتابة عن اللغة، كتابة عن الكلام الذي ظهر بعيداً عن الكتابة تلك وقبلها، وما كتِب عن اللغة من خلال الكلام يخص الكتابة وليس اللغة عموماً. هذا يدخلنا في الإشكالية الكبرى التي تتمثلها اللغة انطلاقاً من الناطقين بها، وكيفية إيجاد البدايات لها. علينا أن نتهيأ لنكون أهلاً للغة، ولما قبل الكتابة بدقة، وهي مفرد بصيغة الجمع، أن نتكلم عن اللغة، وكأننا جمع، وفينا تتحدث لغاتٌ لا حصر لها، وليس من لغة تفضُل أخرى، لنحسن التعبير عما يسكننا ليس من أفكار، وإنما قيم، أو أفكار تجسّد القيم تلك، وتبقينا في التاريخ الذي يُعتد به، كي نتحرر من تاريخ لا يعلونا إنما في متناولنا يكون، ونحن نقلُبه على وجوهه.
في مسألة اللغة، وكما يعلم المعنيون الفعليون بها، ليس من لغة تقف من منتصف الطريق، أخرى تقف في بداية، ثالثة تقف على قارعته، كل اللغات طرق سالكة، حتى التي ظهرت في زمن ما وانتهى أمرها، سوى أن تاريخها يدل عليها، وتلك مأثرة دراسات حديثة، تستوقف اللغة وناطقها، لتستنطق فيها ما كان قائماً قبل إحكام الطوق عليها هنا وهناك استناداً إلى قواعد تؤطرها، ولا تحررها في حدودها الزمانية والمكانية.
هناك مثال حي، طازج، فكه، ملهِم، يحفّز على الكلام، المكاشفة في أرض اللغة الوعرة، السبخية أحياناً، الصلدة، الهشة، والغابية، وحتى الرملية العاصفة، وأحياناً أخرى المعتمة التي بدت وكأنها أرض الظلمات حقاً. ذلك مسنود إلى كتبة اللغات، مقوعديها، من استهوتهم " فضيلة " التأسيس للبدايات ذات المسحة الخيالية، لتصبح تدشيناً لبدايات ملقَّنة، لتصبح فضيلة الوصاية الخاصة الحاكمة المتنفذة وليس الرواية المفتوحة.
المثال الحي، الطازج، والمثير من لدن الكاتب المغربي الكبير عبدالفتاح كيليطو، مزدوج اللغة: العربية والفرنسية، وربما أقول : الفرنسية والعربية، لحظة قراءة ما يكتبه ويأتي التعريف به من خارج العربية التي تكلمها صغيراً، ليعود إليها، أو ليقف عندها، من خلال ما تعلمه و" امتلأ " به عبر اللغة التي رفعت من شأنه: الفرنسية .
والموضوع هو ما شغل كيليطو طويلاً، وأشغل الذين اهتموا بهذه النقطة التي كادت أن تصادر مجمل النقاط الأخرى، كما لو أنه عالم لغوي، مؤرخها، فقيهها المستحدث، وهو في أكثر من موضوع له، عبر كتاباته، يتوقف عند الترجمة، وهذه تقود إلى اللغة، إلى تصور بدايات لها، وتراتبيات اللغات، لا بل وتوزيع المواقع، إلى ماوراء الغيب عليها، وجعل العلاقات فيما بينها صراعية إلى أبعد الحدود، كما تعلِمنا بذلك حركية العقائد ومؤثراتها الماضية، بخلفياتها المؤسساتية وغيرها.
السريانية، أم العربية، أم بالعكس، أم هذه وتلك في الترتيب، إنما ما يبقيهما معاً، إلى جانب سواها، جهة التقويم أو المكانة ؟
كيليطو يقول شيئاً آخر، ما هذا الآخر الذي يقوله كيليطو، ومن يتكلم في لغة كيليطو، ليجعله كائناً آخر، أبعد من كونه ازدواجي اللغة هنا؟ حيث إن كيليطو، لمن يعلم هو باحث سرديات، قبل أي شيء آخر!
إن ما يثار اليوم، ومنذ عدة عقود زمنية، يعزّز أهمية مناقشة موضوع كهذا.

كيليطو مؤرخ لغة:
من يقرأ كيليطو، يعاين فيه هذا الانشغال " الحميم " واللافت في مسألة اللغة وأصولها. ماالذي دفع به إلى ذلك؟ ربما هناك مسألة العلاقة مع الآخر، والآخر ليس غياباً، إنما حضور، إنه ثقافة فاعلة، ومواقع متقابلة وحتى متنافسة ومتحاربة في الصميم. كيف يموقع كيليطو اسمه عربياً، وليس فرنسياً، وهو الذي ذهب إلى الفرنسية، ليعرَف بها عربياً، ليس هذا فحسب، إنما باعتباره مسلماً، والإسلام معرَّف به قاعدةَ انطلاق عربياً ؟
بوسع التحليل النفسي إثراء الموسوم آنفاً وما سيليه طبعاً!
في كتاب " لسان آدم " العبارة المعهودة والمثيرة تاريخياً، نتلمس هذا التحرّي القاعدي في أصل اللغة، والتوسع فيها، لتأتي المفاضلة بيّنة.
تحت عنوان " بلبلات " نقرأ
( مسألة اللسان الأول تُطرح حين تكون عدة ألسنة في علاقات مزاحمة وتنافس. ) " 1 " .
في العبارة ثمة " رائحة " الصراع، والصراع مواقعي، من يكون " فوق " ومن سيبقى " تحت "، من سيكون " أبا " الكلام " ومن سيكون " المتلقي" الابن الأبدي " ربما ، المتكلم إنما بهمس، ودون الآخر حضوراً، كما يحكم الصراع.
" البلبلات " ليست صنعة كيليطو، إنما الذين سبقوه بكثير، وقد أخضعوا للتاريخ المكتوب وليس الشفاهي لخيالاتهم الحدودية، حيث تشمخ" بابل " في الواجهة. لكم اُبتليت " بابل " بالأسطورة التي تعرّيها، وتلبسها بما يتناسب وذائقة النساج والخياط وعرّاب الاستعراض !
كيليطو لا يورد معلومة للنظر فيها، وإنما أقرب إلى المتبنّي لها، ومن خلال إحدى روايات ياقوت الحموي، عن " بابل " وكيف صارت بابل، والحموي ليس أركيولوجياً، أو باحث آثار، وإنما راوية أمكنة كما يقولها لسان ثقافته الإسلامية بجلاء، ومن خلال " معجم البلدان " حيث لا يعود عبره إلا " مستوضحها " وبمقاييسه (لما حشر الله الخلائق إلى بابل، بعث إليهم ريحاً شرقية وغربية وقبلية وبحرية، فجمعهم إلى بابل، فاجتمعوا يومئذ ينظرون لِما حشروا له، إذ نادى مناد: من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره فاقتصد البيت الحرام بوجهه فله كلام أهل السماء. فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود أنت هو. فكان أول من تكلم بالعربية..ص18 .).
كيليطو لا يستوقف رواية الحموي، وما أكثر الأقوال القائمة عن مرويات غير مسندة، وحتى في الإسناد هناك عتبة رؤية نقدية لخلفية المسنَد.
كان عليه مقاربة البعد المؤسساتي، الثقافي الإيديولوجي وسيستامها في ذلك، أي حيث يكون الدين هو الوجه الجلي والناظر في الجهات كافة، وأعني به : الدين الإسلامي ولغته المعتمدة، ومناقبيتها المحروسة واقعاً.
يقول كيليطو، ولا بد أن ذلك يأتي في ضوء القول الداعم لقوله(كانت العربية من نصيب يعرب... وإنها لحظوة عظيمة لأن العربية " كلام أهل السماء ". ص 19 .).
رغم متابعاته لخاصية الألسن، إلا أنه يتجاوب مع ما يستميل إليه. عن ابن حزم، في : " الإحكام في أصول الأحكام " ( أن عربية إسماعيل وعبرانية إسحق مشتقتان من السريانية، اللغة الأم التي كان يتكلمها إبراهيم . ص 25.).
لكن الإشارة هذه عابرة، إنها كالحد الأوسط في المنطق التقليدي، الذي لا يختفي في النتيجة فحسب، وإنما يفقد كل أثر له، جرّاء تسييد النتيجة، أي ما يشد في أزر العربية، وما يجعل العربية هي اللغة الجامعة بين السماء في فردوسيتها المحفوظة إلهياً، ويفصح عن خاصيتها هذه أرضياً.
يستعين بالثعلبي صاحب " عرائس المجالس: قصص الأنبياء" دون أي مناقشة أو تردد أو تبرير " منطقي لروايته المنزوعة السنَد (يؤكد الثعلبي أن لغة آدم بعد الهبوط كانت السريانية...سُلِب آدم العربية، فاكتسى، إن جاز التعبير، بالسريانية، لسان المنفى. ص36.
...البيتان الشعريان اللذان قيلا على لسان آدم بعد طرده من الجنة، نسِبا إلى يعرب متكلم اللغتين. ص 39.).
هذا اللااعتراض، هذا التلقي والترقّي بالمتلقى، والتبنّي له، أخشى أن أقول، وبي تحفظ على ما أقول، لهذا سأستعين بالمزدوجتين الصغيرتين، وهو أنه " سلَفي "، سلفي مباغت من وراء استرسالته الكلامية، وهو ما يؤسَف له، مضحياً بحداثته الفاعلة كثيراً في كتاباته.
كيليطو في مسألة اللسان لا يقدّم أي مسوّغ، وفي ضوء الدراسات الحديثة واكتشافات آثاريي اللغة، بصدد ما يكتب ويقرّر. يتراجع فيه التاريخي، وحتى الجغرافي الآخذ بمساحاتها الدقيقة وإحداثياتها، والناقد اللغوي وكيفية ظهور اللغات، تجاوباً مع " هوى " اللغة، المعتقد الديني نفسه.
كيف يمكننا " تقعيد " العلاقة بين لغة زكّيت لتكون جنَّتية، وأخرى زكّين لتكون لغة منفى؟ هذا يعني التفضيل، إنما في الأساس الاعتراف بلغة يستحيل تجاهل مكانتها، ليكون اللجوء إلى الغيبي، إلى عالم الفردوس، وحتى ما في ذلك من تبشير ديني " يتراءى كيليطو هنا معتمر عمامة داعية ديني: إسلامي، وهو يردّد هذه المقولة، ليطيح بالتالي بقراءاته التي يستحيل عليه تجاهل فضلها في تنويره من الداخل، وكونه مرتدي دشداشة.

إضاءات:
يقول أولندر الذي اطلع كليطو على كتابه بهذا الصدد، متسائلاً ( أين يقع الفردوس؟ في أي منطقة مباركة من العالم جعل الله جنّة عدن يا ترى؟ بل بأي لغة كان ينطق آدم وحواء في أثناء إقامتهما هناك ؟ أو ينبغي التسليم مع القديس أوغسطين بأن الزوجين الأولين كانا عند فجر التاريخ يتكلمان العبرية، أم أنه يحسن بنا المضي مع لا يبنتز في تقصّيه لغة أمعنَ في القدم هي لغة القارة " الشيتية " التي يُفترض أن تكون قد تفرعت منها ألأسنة الشعوب المدعوة هندو- أوروبية مما يجوز اعتبارها، برأي بعض الباحثين، نموذجاً أصيلاً للكلام البشري؟.
ليوضّح في سجلات الفردوس: ما تراها اللغة المتداولة في حديقة الفردوس؟ وكيف لنا أن نعرف ما إذا الله وآدم وحواء والحية قد تكلموا العبرية أم سواها من اللغات كالفلامنكية أو الفرنسية أو السويدية؟..الخ.)"2".
ليس من مراجعة تاريخية لما تقدم. هل هناك بداية موثَّقة لما قيل آنفاً؟
الناقد الفرنسي ديتيان، يشرّح نقدياً هذه العلاقة/ الموقف، وربما أمكن اعتباره من أكثر النقاد التاريخيين وحدة وجرأة في هذا المضمار.
هناك ما يشار به إلى أرسطو، وكتابه " فن الشعر " حيث تبرز الثقافة اليونانية القديمة، آدابها، إلى ما قاله أرسطو ( كلما أصبحت مستوحداً، أحببت الحكايات، وأحببت الأساطير ). إنما مهلاً، هذا ليس كل شيء في أرسطو، أرسطو اليوناني المتشدد " السلفي في زمانه "، لنتابع ديتيان وما يقوله معلقاً على كلام سلفه اليوناني: الأوربي( هذا كلام قيل في إحدى الأمسيات، ومن المجحف أن نلوم عليه مؤلف فن الشعر، لكونه غريباً عما نسمّيه اليوم " ميثولوجيا "، إذ إنه خصص كلمة " أسطورة " للحبكة الروائية المحْكمة، وللحكاية التي عرف مخترعها كيف يحبكها....إنني أفضل الحديث عن أرسطو آخر، ذلك الرؤيوي المقتنع بأن الحضارات كانت لا تُعَدّ ولا تحصى، وبأنه في الأزمنة السحيقة كانت هناك بدايات غفلت عن بدايات أخرى، وبأن كل اختراعات قد حصلت في مرات لا حصر لها ...) " 3 ".
لنقرأ في مكان آخر( لكي يفسّر البشر مسيرة الأشياء ويتعاطوا بالنتيجة نشاطاً فلسفياً...فإنهم لجأوا إلى الحكايات وابتدعوا الخرافات )"4".
يشير إلى ميشيل فوكو المعروف بموقعه العتيد، وهو يشدد على أهمية قراءة " ما قبل بابل "( حيث تضحي اللغة منظومة أصوات: مجموعة أصوات متحررة من الحروف القادرة على تصويرها ..) " 5 ".
لأورد القول الآخر لديتيان الجَسور، وأكتفي به للانتقال إلى ما ينيره بالمقابل( إن الأوهام التي يولّدها التراث المثقف هي من المثقف، بحيث تفرض ذاتها حتى على المحدثين الذين جهدوا في تأسيس انتماء الملحمة إلى تراث غير كتابي...) " 6 ".
كيليطو استخدم مفردة " البلبلات " آنفاً، وربما أمكن إيراد مفردة نظيرة لها " ثغثغات " أيضاً والمتعلقة بنشأة اللسان البشري، حيث يفتتح بها " لسان آدم. ص 9 ". هذا يدفع بنا إلى البحث عن ميشيل فوكو.
ماذا يقول فوكو هذا؟( وليس الثغثغة أو الكلمة الأولى التي انطلقت منها إمكانية وجود كل الألسنة ، حتى اللغة ذاتها. لا يستطيع الإنسان أن يتمثل ما يشكّل أصلاً بالنسبة له إلا على خلفية من أمور بدأت قبله.) " 7 ".
في العودة إلى كيليطو، ينعدم أثر الآخر فيه، ويبقى ذلك الكائن الذي عمره أكثر من ألف عام، وهوناطق بلسان " مؤسسة " أو ثقافة سائدة بسلطتها الرمزية، وكان عليه أن يوحّد العالم، أن يرى العالم، ويؤرخ لبداياته من خلال عتبة الرؤية الإمبراطورية المهيمنة لتلك اللغة: العربية، وهي بسيمائها الدينية، وللأسف، فإننا لا نجد شيئاً من ذلك لديه .
(فاللغة تتم في جو مساريّ كما يبدو، فالذي يكسب العرب المعنيين هنا اللغة، هو شخص خارجي تماماً، بعيد عنهم كلياً، هو " إسماعيل بن إبراهيم " القادم من خارج المنطقة تماماً، وهو ابن هاجر المصرية المعتبَرة أمَة سارة في العُرف اليهودي، والمطرودة تلك بسبب هّه، وإسماعيل الطفل المتكلم وفق النص الأسطوري بالسريانية، ثم ينسى لغته بعد قطع المسافة الجغرافية الطويلة والمخيفة، فيتعلم العربية من أهلها في ظرف، ثم يعلّمها من ليس لديهم لغة هي العربية، وهم المستعربون " أي العدنانيون "، وهي مفارقة أخرى، من جهة نزع اللغة عنهم، أو عدم ربطهم بأي لغة...كما كان شأن آدم، بخصوص التحول اللغوي، الذي كان يتكلم العربية " فحول الله عز وجل لسانه إلى السريانية، وانتزع منه ما علَّمه ثم رده الله سبحانه وتعالى بعد توبته إليه تبعاً للمسعودي.) " 8 " .
يمكن أن نستعين بأقوال آخرين معنيون بخبريات كهذه:
بحسب ما يقوله أحمد أمين نقرأ ( سئل مالك رحمه الله عز وجل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك وقال: من أين يعلم ذلك؟ فقيل له: فإلى اسماعيل، فأنكر ذلك وقال: ومن يخبره به ؟ ) " 9 "
وربما كان الذي يثيره جواد علي الأشهر من أن يعرَّف به جديراً بالتذكير في هذه النقطة الصراعية (الحق أن ما نسمّيه قحطانية أو عدنانية، إنما هو صفحة من صفحات المنزع الحزبي عند العرب في الإسلام، شاء أصحابه ومثيروه رجعه إلى الماضي البعيد، ووضع تأريخ قديم له، فجعلوا له أصولاً زعموا أنها ترجع إلى منا قبل الإسلام بكثير، ورووا في ذلك شعراً لا يخرج في نظرتنا عن هذا الشعر الذي يحفظه الرواة على لسان آدم وهابيل وقابيل والجن .) " 10 "
لا إثارة لأي سؤال حول طبيعة العلاقة بين " شخوصه " وتاريخيتهم، حولهم والأمكنة التي يتحركون فيها، كما لو أنها " ركاب بساط الريح "!
هل لدى كيليطو علم بذلك، ليتناول اللغة وقضية الأصول والبدايات، وزعم من كان يتكلم العربية، وكيف تم تداولها إلى جانب السريانية، في لعبة متخيلة من لدنه؟ لا يمكنني نفي اطلاعه على كم وافر من هذه الأدبيات التي تسمّى بـ" أدبيات " البدايات، " أدبيات " الجنة وغيرها، سوى أنه أسلوبه في الكتابة مربك في موضوعات كهذه، ومن خلال عناوين لافتة، ولكم يشد قارئه إليه، وهو يحِكم " السيطرة " على فكرته من خلال مصادر معينة، وسرعان ما يفلت زمام الأمور من يديه، أو يفلته هو نفسه، حين يسترسل مع خيال تذوقي، استهوائي لديه، تاركاً مرجعياته القرائية بالفرنسية والعرية أو بالعكس، داخلاً في جدال غير مسمّى مع الآخر الذي ربما لا يخفى موقعاً: الغربي، قبل كل شيء.
كما في هذا الاسترسال (عن يعرب: ذات يوم إذن، اكتسب يعرب العربية، مجاناً وعفوياً، في يسر، دون أن يكون عليه أن يتعلمها ويتشرب بها تدريجياً. بين ناس يتكلمون السريانية، والسريانية فحسب، شرع هو، يتكلم إضافة إلى لغة أخرى. إنه وحده له لغة جديدة، ذات تكوين كامل ونهائي، زهرة تفتحت فجأة، لم يكن أحد يتوقع ذلك إطلاقاً ..
يعرف السريانية والعربية: درجة فوق السريانية ، توجد العربية، ودرجة فوق النثر، يوجد الشعر..
اسم يعرب يعني: من يُعرِب ويفصح بوضوح عن فكرته. اسم استهلالي ، مشحون ببرنامج كامل. يعرب يولد مرتين، الأولى في السريانية، والثانية في العربية، هو أول مزدوج اللغة، وهو كذلك مترجم...ص40 .).
لا قيمة لما ذُكر لدى المؤرخ الفعلي، أو الآثاري، أو ناقد التاريخ، أو حتى الانتروبولوجي المدقق في الأصول الغائبة أو المغيبة، إنما تكون القيمة للواقع في هوى " الغيبيات " أو " اليقينيات العقيدية " وشرف الانتساب إليها، حيث ليس من توضيح لكيفية نسيان العربية، وتكلم السريانية، ونسيان السريانية، واستعادة العربية، ولماذا كانت أو صيرت السريانية لغة المنفى؟ لماذا السريانية وليس لغة أخرى؟ أليس لأنها كانت حاضرة، وربما سبقت العربية في ألفبائها، وقواعدها، وثقافتها المنتشرة، إلى جانب أدبياتها الدنيوية والماورائية بالمقابل ؟
ما أكثر أحاديات التفاسير عنده. ولدينا هنا مثال " يعرب " وكيفية تقديمه لغوياً، حيث استعان بـ" لسان العرب " مؤكداً عنصر الفصاحة، ومن خلال مسار ثقافي مختزل" يعرب من الإعراب: البيان والتبيين " أكانت السريانية تفتقدها، لأن ليس من تطابق بين الاسم وما يمكن أن يشير إلى هذه الميزة التي ألصقها بها؟
هنا أشير إلى تعدديات المعاني وقد أغفل عنها كيليطو كلياً، ففي كلمة " العرب " ثمة لائحة كبيرة ولافتة من المعاني التي تفيدنا بطابعها التاريخي والاشتقاقي والتحولي والخلافي كذلك.
هناك أكثر من معنى، وليس ما ذهب إليه كيليطو، وما هو شائع راهناً، أكثر من كونها دالة على الإبانة( ..بحسب لسان العرب بالذات،توجد تسعة معان، ومن ذلك: وعرب الرجل عرَباً فهو عرِبَ: اتَّخم. والعِرابة والإعراب: النكاح، وقيل: التعريض به، والتعريب مثل الإعراب: من الفحش في الكلام، وهو يخص أسباب الجماع ومقدماته،والإعراب عند الأزواج: ما يُستفحش من ألفاظ النكاح والجماع، والعروب: المرأة الحسناء المتحببة إلى زوجها، أو العاشق الغلمة، والعروب: المطيعة لزوجها، وفي الآن عينه: العاصية لزوجها الخائنة بفرجها، الفاسدة في نفسها، وتعرَّبت المرأة للرجل: تغزَّلت ..) " 11 ".
ما يتردد هنا، ومن خلال ابن منظور اللغوي، لا صلة له إجمالاً بما أفصح عنه" أعرب عنه " كيليطو، إنما هناك تاريخ أعرق بكثير مما توقف عنده صاحب " لسان آدم " حيث يكون " لسان كيليطو " غالباً، وهو ما يستدعي فوكو، فيما أفصح عنه، وفيما تحفظ عليه .
هذا يعيدنا إلى أصل " بابل " حيث لا صلة لها إطلاقاً بـ" بلبلة اللغات " أو " البلبلات "، ومن يقرأ حضارة بابل العظيمة لا يعثر على هذه " البغية " الحديثة، ولا الذين تبلبلت ألسنتهم، إنما من فهموا " عقيدة الأرض والسماء " كثيراً، وهي بالسومرية تعني ( باب الإله )"12".
سوى أن كل ما أشير إليه، لا مكان له في نص كيليطو، لأنه لا يعبأ به، كما يفصح منهجه الكتابي في حالات كهذه عن ذلك، فيجري تغييبه.
كيليطو الضليع في السرد، لا يكاشف بنية السرد وتشكلاته، ومن يكتب في التاريخ الأدبي، أو في الأسطوريات واعتبارها تاريخاً.
يستعين مثلاً، بالجمحي مؤرخ الشعر العربي القديم وقوله( أول من تكلم بالعربية، ونسي لسان أبيه إسماعيل عليه السلام..ص41..)
ليعلّق من باب التأكيد والتبعية تماماً ( طرد آدم من الجنة، فنسي العربية وتكلم السريانية، ولما عاد إلى الجنة نسي السريانية وتكلم العربية. تبدل المقام يصاحبه فقدان لسان واكتساب آخر...إنه مزدوج اللسان، ص 48 ).
وهذا ما نجده في مكان آخر (في رسالة الغفران للمعري: عن لغة الإنسان، كما عنها في مقطع مثير من الكتاب: أن آدم كان يتكلم اللغة العربية في الجنة، كما نقرأ أنه عندما هبط من الفردوس، نسي العربية، فأخذ يتكلم السريانية... وبطبيعة الحال، بعد البعث والعودة إلى الجنة، سينسى آدم السريانية، ويستعيد اللغة العربية...ص197.).
بمقدار ما أفخّم في كيليطو مأثرته في الكتابة، وفي مؤلفات كثيرة، يتملكني هم كبير، وتشدد ناحيته، ليكون لدينا أكثر من كيليطو: كيليطو الغائص في الأعماق، وكيليطو العائم على السطح، وكيليطو الذي يتلبسه رهاب الماء.. إنما هو في الواقع، وعلى وقْع كتابة كهذه: هوى المأخوذ به، حيث إن ناطق الفرنسية ببراعة لا ينسى نسبه إلى العربية وخاصيتها الفقهية، وما للفقه من امتياز سلطوي ودينونة ماورائيات جنتية بعمق.
العربية أولاً، العربية آخراً، وأن تكون العربية لغة السماء، وتلك مفارقة فظيعة ممهورة بصوت كيليطو، فهذا يحيلنا إلى الحراك الثقافي تاريخياً عربياً، إلى نتيجة هائلة ومخيفة، وهي أن لا شأن للعرب، وتبعاً لمنطق صاحب " لسان آدم " بما يجري أرضياً، فثمة ما يشده إلى السماء، إلى الجنة، وأن لسان آدم الذي تفتق سريانياً واضطراراً، ربما يكون لسان كيليطو نفسه هكذا الذي يتفتق فرنسياً، وهو على موعد بلسانه الجنتي.
ربما نتلمس مثل هذا التوجه، أبعد من حدود الريبة في تقويمه لشخصية " السرياني : النسطوري " : أبو بشر، متى بن يونس الذي أربك أسلافه، والسلف الأعظم: ابن رشد، الذي أساء إلى أرسطو بعدم فهم " فن الشعر " بصدد ترجمة كل من الكوميديا والتراجيديا، حيث " المتهم " وربما أبعد من ذلك، هو متى بن يونس، الذي أدخل المفهومين خلاف ما هما عليه: الهجاء والمديح بالمقابل، وليس: الملهاة والمأساة، ليخفف " خطيئة " ابن رشد ذاك، ويوافق على من طعن في ابن يونس " السرياني، أي في طعن التوحيدي فيه، جرّاء ترجمته لفن الشعر( لا يغفر أحد اليوم لمتى بن يونس إقدامه على ترجمة طراغوديا بالمديح وقوموديا بالهجاء...ترجمه عن السريانية لا اليونانية..ص185.).
لكنه تالياً يتخلى عن صفته المؤرخ وناقد التاريخ، وما يلطّف الجو التاريخي، ومخففاً " إثم " ابن يونس، بقوله ( ولكن لم لا نقول إن العرب مدينون بالكثير لمتى بن يونس؟ فربما قد يكون أنقذهم، بفضل رداءة ترجمته، من الخطر العظيم الذي كان يتهددهم. فلولاه لابتعدوا عما ألفوه وتعودوا عليه من فنون وأنماط أدبية....بفضل متى بن يونس وخيانة ترجمته إذن، تمكن العرب من أن يظلوا يعتقدون أن شعرهم هو الشعر ولغتهم هي اللغة...
من دون علم؟ هل حقاً كان يجهل ما يقصده أرسطو بالطراغوديا والقوموديا؟.... هذا أمر لا يمكن التأكد منه على أية حال..ص187.).
هذا القول الشبيه بالفلتة، لا يؤخَذ به، لأنه سرحان خيال،حين يشير في الهامش ناحيته( قد يصلح هذا الافتراض موضوعاً لرواية! ).
كلام يفرح ويجرح، إنما يُتأسف على كل هذه العنعنات التي جاء بها كيليطو، ليعبّر بجلاء عما " يريده " هو، وكما هو محتوى كلامه الذي لا يتطلب كشفاً " شامبليونياً " معقداً لتبين حقيقته.
ليس من متابعة لابن يونس، وحقيقته التاريخية وطول باعه في الثقافة وممارسته لها وما كان عليه في زمانه، هو( الذي أسس المدرسة الأرسطية في بغداد في وقت مبكّر من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. ) " 13 ".
لم يسائل كيليطو نفسه عما كان عليه التموضع الثقافي في زمان متى بن يونس، أو الجانب الصراعي من منظور ديني حتى في أيام ابن رشد الذي يظهر أكثر حداثة وانفتاحاً على الآخر من كيليطو نفسه، جهة تقدير الآخر وما يكونه الآخر في نفسه ولدى الآخر الذي يقصيه عنه تاريخ طويل جداً طبعاً" بالنسبة إلى اليوناني أرسطو هنا " لكنه أحياه كثيراً خلاف ما نتلمسه من بنية كتابة ومكاشفة للآخر، وفي عهده، وبؤس التقويم.
لقد حاولت تتبعه في نقاط مختلفة، ولافتة بطابعها الاستئثاري السجالي والعقيدي ضمناً، ومن خلال إبراز العربية لغة السماء قبل كل شيء.
يعني ذلك أن خط السجال العقائدي مستمر، كما لو أننا نعيش مناخات فصل من فصول " الفِصَل في المِلل والأهواء والنَحل " لابن حزم، أو " الفَرْق بين الفِرق " للبغدادي، كما هو الملفوظ في لسان كيليطو.


إشارات :
1-كيليطو، عبدالفتاح: الأعمال، الجزء الأول، جدل اللغات، دار توبقال، الدار البيضاء، ط2/ 2018 ، ص16. لاحقاً، لأن كل الاقتباسات تخص هذا المصدر، سوف يشار إلى صفحاته في المتن .
2- أولندر، موريس: لغات الفردوس، ترجمة: د. جورج سليمان، مراجعة: سميرة ريشا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،ط1، 2007، ص 19-25.
3-ديتيان، مارسيل:اختلاق الميثولوجيا، ترجمة: د. مصباح الصمد، مراجعة: د. بسام بركة، منشورات المنظمة العربية للترجمة، بيروت،ط1، 2008، ص 40 .
4-المصدر نفسه، ص 51.
5-المصدر نفسه، ص 56.
6- المصدر نفسه، ص 87. طبعاً، الحديث عن الملحمة في المتن، يخص ملحمتي هوميروس: الإلياذة والأوذيسة، وما أثير حولهما وتصورات، وفي كتاب ديتيان، هناك " أعنف " الانتقادات إلى الذاكرة التي استولدتهما.
7-فوكو، ميشيل: الكلمات والأشياء، ترجمة جماعية: مطاع صفدي وآخرين، مركز الإنماء القومي، بيروت،1989-1990، ص 273.
8- محمود، إبراهيم: القبيلة الضائعة " الأكراد في الأدبيات العربية-الإسلامية، دارالريس، بيروت،ط1، 2007 ، ص 45،
وفي مصدر المسعودي المذكور في المتن، ينظر في الكتاب المنسوب إليه: أخبار الزمان، دار الأندلس، بيروت، د. ت، ص72 .
9- أمين، أحمد: فجر الإسلام، دار الكتاب العربي، بيروت، ط11، 1979، ص 5 .
10- علي، د. جواد: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار العلم للملايين، بيروت، مكتبة النهضة، بغداد، ط1، 1968، ج1،ص 494 .
في السياق نفسه، ينظر كتاب طه حسين: في الشعر الجاهلي، دار المدى، دمشق، طبعة خاصة، 2001، الطبعة الأولى 1926، ص 23.
11- محمود، إبراهيم: الشبق المحرَّم " أنطولوجيا النصوص الممنوعة "، دارالريس، بيروت،ط1، 2002،ص106، وينظَر في فقرة: العرب في الشبكة اللغوية، صص 105-107، حيث أخِذ منها الاقتباس ذاك.
12- ينظر تقديمي لأبراج بابل، ترجمة: صبحي دقوري، دار الحوار، اللاذقية،ط1، 2015،ص15.
وقد أشرت في التقديم نقاط كثيرة بهذا المشكل، كما في حال إمبرتو إيكو الذي قال ( إن أسطورة ارتباك الألسن من الممكن أن نجدها في كل الثقافات . ص 14 ) . وينظَر تناول كذلك للغات الجنة صص36-43.
ومناقشة كيليطو، في التقديم صص68-77.
كما أنوه إلى أن أحد الكتاب أشار إلى اشتقاق بابل، من بلبلة حتى في الفرنسية Babélisation . ص 77 .
طبعاً، يمكن تبيّن أصل هذه الكلمة وهي بعائدها التاريخي والأسطوري غير المدروس ، في قاموس المنهل، لسهيل إدريس " فرنسي-عربي " وتحت اسم Babil : هذر، ثرثر، رغي...الخ
13-غوتاس، ديمتري: الفكر اليوناني والثقافة العربية " حركة الترجمة اليونانية- العربية في بغداد والمجتمع العباسي المبكر "، ترجمة وتقديم: د. نقولا زيادة، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2003، ص 48 .
أعلى