‎ أميلة النيهوم - الشابي قصيدة لا تخبو

بحر الشابي المواجه لنافذة غرفتي.. هذا الأزرق الساحر الأخاذ تفتحت عليه عيناي.. وتشربته روحي وتلونت به أحلام الصبا
ومواقع أقدام طفولتي.. واتسعت تطلعاتي باتساعه الهائل.. أول صورة أراها في صباحاتي.. إنه قصيدة فرح متجددة لا تخبو ولا ترحل عنا.. تنقلها الفراشات وتبوح بها ملحمة عشق أبدية.. وكتاب لا يفارقني أقرأ حروفه العذبة كل حين..
حالما استيقظ أفتح الشرفة واستنشق هواءه العذب.وأشم رائحة ملحه الصافي.. وأمتع نظري بموجه الصاخب وأراقب المنارة والضريح والنوارس المحلقة تودع مركب عمي الرايس عبدالله عصمان.. مبحرا على أمل العودة محملا بخيراته للشابي والبنكينا وسوق الحوت.
كان والدي رحمه الله وغفر له عاشقا أسطوريا للبحر.. اختار أن يكون بيتنا مقابل أمواجه.. نزوره كل صباح ونداعب ونقبل رماله ونطعم الخبز للنوارس.. ويتحدث مع صديقه الرايس سي عبدالله عصمان البحار العريق وهو يستعد للإبحار.. فأظل أراقب مركبه وهو يودِّع البنكينا ويمخر عباب الشابي متهاديا حينا منتفضا أحيانا.. حتى يغيب في أفقه بديع الجمال..كنت أعتقد أنه يذهب لمقابلة الشمس ويجمع خيوطها المتوهجة
ويصنع منها مجدافا قويا ليقاوم هذا الموج الهادر.
كان والدي رحمه الله يقول لي إن جيران البحر شعراء مرهفين.. يناجونه ويودعونه أسرارا تضيق بها قلوبهم ولا تنطلق بها ألسنتهم لغيره .. وكنت كلما تركَتْ قدماي أثرا على رماله - وكم كنت أحب أن أرسم عفساتي الصغيرة عليه - أحس أنني أدس فيها قصيدة حب سرية.. أتخيل أن يأخذها النورس بمنقاره ويُودِعُها أحد المراكب الراسية في البنكينا..
فتنتشر على الشراع ويقرأها الموج فيزداد صخبا وهديرا.. ويُودِعُها برفق في صدفة لتسكن أعماق الشابي الغالي..وأظل أمارس هواية غريبة.. ألتقط الأصداف وأضعها على أذني وأتسمع لوشوشاتها وأضعها جانبا.. يسألني أبي ممازحا بجدية هل سمعتِ قصيدتك السرية؟ تترقرق دمعة حزن صغيرة وأجيبه: لا لم أسمعها بعد.. فيجيبني مبتسما يبدو أن حورية بحر وجدتها قبلك واحتفظت بها واتخذتها مشطا عاجيا ..
كم أود أن أعود إلى أعماق الشابي وأذكّره بطفلة صغيرة بجدائل طويلة تمسك يد صديقها الوحيد والدها الغالي.. يبتسم لها لترسم قصيدا سريا تتلقفه حورية بحر بلهف.. وتخبئه في صدفة سحرية لطالما حاولتُ إيجادها..
وأفكر دوما ما كان مصيرها؟
ومنذ ذلك الوقت يلازمني إحساس دائم أنني مدينة لحورية البحر بسؤالها: هل كانت قصيدتي السرية بهذه الروعة حتى احتفظت بها وزينت شعرها بصدفتها؟!
يبهجني الآن التخيل أنها مخبأة في قلوب غضة رحبة كاتساع بحر الشابي لم ألتقيها بعد فأوقن أنها أبدا لن تضيع!


أميلة النيهوم _ فرانكفورت
11 _ 11 _ 2020

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى