د. عادل الاسطة - إسكندر الخوري البيتجالي : فلسطين في الرواية الفلسطينية قبل العام 1948 :

قبل أشهر اتصلت بي قريبة لي وطلبت مني أن أساعد ابنتها التي تدرس الدكتوراه في تركيا ، فقد قيل لها إنني أكثر من يلم في موضوع الأتراك في الأدب ، ولما أبديت استعدادي قالت لي : ستتصل ابنتي بك وتشرح لك ما تريد .
اتصلت ابنتها وأخبرتني أنها تدرس في تركيا ، وأن أستاذها التركي مهتم بالعلاقات التركية العربية في زمن الدولة العثمانية ، ولذلك سألها عن نصوص كتاب فلسطينيين ، تحديدا ، أتوا فيها على الأتراك وعلاقتهم بالعرب .
في تموز من العام 2001 شاركت في مؤتمر عقدته الجامعة الأردنية تحت عنوان " العلاقات العربية - الآسيوية " بورقة علمية عنوانها " صورة الأتراك في رواية بلاد الشام " وتوقفت أمام روايات لحنا مينة " القطاف " وتوفيق يوسف عواد " الرغيف " وزياد قاسم " الزوبعة " و توفيق فياض " الشيخ لافي الملك " ، ولم تبرز للأتراك أية صورة إيجابية .
أخبرت ابنة قريبتي بما خلصت إليه وقلت لها إن صورتهم فيما قرأت تبدو سلبية ، وهذا ما لا يتطلع إليه أستاذك الذي يبحث عن نصوص تبرز للأتراك صورة إيجابية ، وهنا اقترحت عليها أن يقرأ أستاذها قصائد بعض الشعراء ممن مدحوا الخلفاء في القرن التاسع عشر أو الشعراء الذين يمتون لحزب التحرير بصلة ، واقترحت عليها اسم الشاعر سليم أبو الإقبال اليعقوبي .
في العامين الأخيرين قرأت رواية اسكندر الخوري البيتجالي " الحياة بعد الموت " 1920 ولاحظت أنها الرواية الفلسطينية الوحيدة التي قاربت حضور الأتراك في فلسطين ، وفيها عموما يتطابق الزمنان الكتابي والروائي . وتبدو صورة الأتراك فيها سلبية في المطلق .
لم يكن اسكندر الخوري البيتجالي في نصوصه راضيا عن الأتراك ، وقد بلغ به الأمر أن رحب بقدوم الإنجليز إلى فلسطين لتخليص الناس من ظلم الأتراك وسوء حكمهم البلاد ، ولكنه ، للأمانة ، سرعان ما انقلب في شعره على الإنجليز لما رأى ظلمهم ووقوفهم إلى جانب الحركة الصهيونية .
في البحث عن حضور الموضوع الفلسطيني في الرواية الفلسطينية قبل العام 1948 يمكن القول إن رواية البيتجالي " الحياة بعد الموت " واحدة من الروايات التي لم تغترب عن بيئتها وزمنها ، فعلى الرغم من الظروف الصعبة التي مرت بها فلسطين تحت الحكم العثماني وملاحقة جمال باشا للمفكرين والأحرار العرب ، إلا أن البيتجالي كتب بوضوح ضد ظلم الأتراك .
المؤلف الضمني للرواية يكتب في أوضاع صعبة وقاسية ويخشى من أن تكتشف الجهة الحاكمة ما يكتب ، فيتعرض للسجن وما هو أكثر .
لم يلجأ البيتجالي إلى الرمز أو إلى التلميح ، فقد كتب بأسلوب واقعي مباشر وصور قسوة الجنود الأتراك ووحشيتهم وعدم رأفتهم بالكبار والنساء .
الروايات التي كتبت قبل العام 1948 نادرا ما أتت على حكم الأتراك ، وكما لاحظنا فإن قلة منها عبر عن الواقع السياسي الذي مرت به البلاد .
اللافت أن البيتجالي عبر في شعره ونثره عما شاهد وعاش ، وبالتالي فإن لنصوصه قيمة اجتماعية تعطينا صورة عن فلسطين اجتماعيا وسياسيا في العقدين الأولين من القرن العشرين . وإذا كانت روايته تصور الفترة من 1914 حتى 1918 فإن أشعاره تضيء لنا جوانب أخرى مما كانت عليه الأوضاع في المحيط الذي عاش فيه الكاتب .
ثمة دارسون التفتوا إلى صورة القدس في أشعاره وتوقفوا أمام بعض مظاهر الحياة فيها .
هل نظر الأدباء الفلسطينيون إلى اليهود القادمين من أوروبا على أنهم ذوو مشروع استيطاني استعماري فقط ، وحاربوه من هذه الناحية فقط ؟ ألم يروا في اليهود الغربيين خطرا يهدد الأخلاق العربية ؟ وبالتالي نظروا إلى اليهود الغربيين على أنهم يمثلون حضارة تختلف عن الحضارة الشرقية ثقافة وسلوكا وعادات وتقاليد ؟
التفت البيتجالي في أشعاره إلى هذا الجانب ، فكتب عن الأوروبيات في مدينة القدس وطالب المقدسيات ألا يقلدنهن :
" يتخطرن في الشوارع تيها
بحلى من أساور وعقود
يتلفتن تارة بازدراء
ويقهقهن تارة كالوليد
من بنات اليهود جئن إلينا
من أوروبا بكل زي جديد
مشهد من مشاهد القدس هذا
في غنى عن دلائل وشهود
غانيات الأعراب مهلا فإنا
في احتياج إلى الصلاح شديد
يا فتاة البلاد كم في بلادي
لبلادي كم من عدو لدود
احذري الزي هذبي الطفل كوني
مثل النبل والتقى للوليد "
هذا الخوف المبكر من احتكاك حضارتين وثقافتين مختلفتين سيبرز أكثر لدى أدباء آخرين ، مع أن الصراع مع الآخر الصهيوني لم يكن صراعا حضاريا بالأساس .
ربما لم يشكل هذا الجانب مشكلة لدى الكتاب اليساريين والوطنيين مثل جمال الحسيني ونجاتي صدقي واسحق موسى الحسيني . ومع ذلك فقد كان له حضوره لدى كتاب آخرين منهم الشاعر البيتجالي .
لا يقل الشاعر برهان الدين العبوشي ، في هذا الجانب ، عن البيتجالي . ومع أن العبوشي ليس روائيا ، إذ كتب المسرحية والقصيدة ، إلا أن الإشارة إليه تبدو مهمة جدا ، فعدا أنه أشار في مقدمة مسرحيته " شبح الأندلس " 1949 إلى أن مسرحيته " وطن الشهيد " 1947 رواية إلا أن المقدمة التي كتبها لها تعد لافتة .
في تقديمه لمسرحيته لا ينفر العبوشي من اليهود لأنهم يهود ، أو لأنهم من خلال الحركة الصهيونية أرادوا تأسيس وطن قومي لهم - لا يفرق الكاتب بين اليهودية والصهيونية - إنه ينفر منهم لأنه يرى في أخلاقهم تهديدا للأخلاق الريفية الأصيلة . هذا هو الموقف للمؤلف الذي نشأ في مدينة عربية صغيرة كانت يومها أشبه بقرية كبيرة ، وكانت في عاداتها وتقاليدها أقرب إلى الريف من حيث الميل إلى المحافظة والانغلاق .
يدافع العبوشي عن عروبة فلسطين ، وقبل كل شيء عن الأخلاق العربية ، ويدرج تحت مفردة العروبة المسلمين والمسيحيين ويستثني اليهود قاطبة .
وعموما فقد حضر الموضوع الفلسطيني في أعماله بشكل لافت وبتعبير مباشر ، كما حضر في رواية البيتجالي ومن قبل في رواية " على سكة الحجاز " .
السبت
2 شباط 2019

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى