د. بهاء مزيد - تنويع على حكايات الأصوات – من (الخصائص) لابن جنّي

(1) تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني
لكنّ من وراء هذا ضرب غيره، وهو أن تتقارب الحروف لتقارب المعاني. وهذا باب واسع. من ذلك قول الله سبحانه: "ألم تر أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّا" أي تزعجهم وتقلقهم. فهذا في معنى تهزّهم هزّا، والهمزة أخت الهاء؛ فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين. وكأنهم خصّوا هذا المعنى بالهمزة لأنّها أقوى من الهاء.
ومنه العسف والأسف؛ والعين أخت الهمزة كما أنّ الأسف يعسف النفس وينال منها، والهمزة أقوى من العين؛ كما أنّ أسف النفس أغلظ من التردّد بالعسف. فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين.
واستعملوا تركيب (ج ب ل) و (ج ب ن) و (ج ب ر) لتقاربها فى موضع واحد، وهو الالتئام والتماسك. منه الجبل لشدّته وقوّته، وجبن إذا استمسك وتوقّف وتجمع، ومنه جبرت العظم ونحوه أى قوّيته.

(2) إمساس الألفاظ أشباه المعاني
قال الخليل: كأنهم توهّموا فى صوت الجندب استطالة ومدّا فقالوا: صرّ ، وتوهّموا فى صوت البازى تقطيعا فقالوا: صرصر. وقال سيبويه فى المصادر التى جاءت على الفعلان: إنّها تأتى للاضطراب والحركة؛ نحو النّقزان، والغليان، والغثيان. فقابلوا بتوالى حركات المثال توالى حركات الأفعال.
ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء كثيرة على سمت ما حدّاه، ومنهاج ما مثّلاه. وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضعّفة تأتى للتكرير؛ نحو الزعزعة، والقلقلة، والصلصلة، والقعقعة، (والصعصعة)، والجرجرة، والقرقرة.
ومن ذلك قولهم : خضم، وقضم. فالخضم لأكل الرّطب؛ كالبطّيخ والقثّاء وما كان نحوهما من المأكول الرّطب. والقضم للصّلب اليابس؛ نحو قضمت الدابّة شعيرها، ونحو ذلك. وفى الخبر ... فاختاروا الخاء لرخاوتها للرّطب، والقاف لصلابتها لليابس؛ حذوا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث.
ومن ذلك قولهم : النضح للماء ونحوه، والنضخ أقوى من النضح؛ قال الله سبحانه: (فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ) (الرحمن: ٦٦) فجعلوا الحاء ـ لرقّتها ـ للماء الضعيف، والخاء ـ لغلظها ـ لما هو أقوى منه.
وجعلوا تكرير العين فى المثال دليلا على تكرير الفعل، فقالوا: كسّر، وقطّع، وفتّح، وغلّق. وذلك أنّهم لمّا جعلوا الألفاظ دليلة المعانى فأقوى اللفظ ينبغى أن يقابل به قوّة الفعل.
ومن ذلك قولهم: الوسيلة، والوصيلة، والصاد ـ كما ترى ـ أقوى صوتا من السين؛ لما فيها من الاستعلاء، والوصيلة أقوى معنى من الوسيلة. وذلك أن التوسّل ليست له عصمة الوصل والصلة؛ بل الصلة أصلها من اتصال الشىء بالشىء، ومماسّته له، وكونه فى أكثر الأحوال بعضا له، كاتّصال الأعضاء بالإنسان، وهى أبعاضه.
ومن ذلك القسم والقصم. فالقصم أقوى فعلا من القسم؛ لأن القصم يكون معه الدقّ، وقد يقسم بين الشيئين فلا ينكأ أحدهما، فلذلك خصّت بالأقوى الصاد، وبالأضعف السين.


د. بهاء مزيد



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى