محمود عبدالله تهامي - “الذبابة”.. الإنسان في زمن الآلة

ماذا لو تحول الإنسان إلى حشرة بشعة؟ ومتى يحدث ذلك التحول؟ وما المصير الحتمي والضروري لإنهاء هذه الأزمة إذا وقعت؟ من سيتعاطف معنا؟ وإلى متى يظل مثل هذا التعاطف بنفس حرارته وحيويته؟ تلك أسئلة ملحة تطرحها رواية “الذبابة” للكاتب الفرنسي جورج لانجلان، التي صدرت عن سلسلة كتاب الدوحة مع العدد “136” بترجمة خليفة هزّاع.. لانجلان من مواليد باريس العام 1905، شارك في الحرب العالمية الثانية، وكتب عددا من الروايات والقصص، وتوفي عن عمر يناهز الرابعة والستين في العام 1972.
في العام 1915 أصدر الكاتب الألماني فرانز كافكا روايته القصيرة “المسخ” التي تحكي قصة جريجور البائع المتجول الذي يستيقظ فيجد نفسه قد تحول لحشرة بشعة، يكتشف ذلك وهو يحرك أطرافه على الفراش، نحن لا نعرف ما هي الأسباب الكارثية التي نتج عنها في النهاية إنسان في شكل حشرة، فهل كونه بائع متجول فيه إشارة للمال الذي يمتهن الإنسان ويقلل من مركزيته للكون ليصبح في النهاية لا أكثر من حشرة.
تحتفظ الحشرة بذات إنسانية، ترغب في الرد على من يناديها، تشعر بالإهانة والقلق والخوف، لا تقدر على مواجهة الناس، نفس الأشياء نجدها عند الكاتب الفرنسي “لانجلان” وذلك عندما أصدر روايته القصيرة في العام 1957، أي بعد ما يقرب من اثنين وأربعين عامًا؛ ليتمكن من إلقاء الملامة على الآلة التي اخترعها الإنسان، فتصبح قادرة على اختراق أدنى خصوصيته، يستطيع الرجل – أي رجل- أن يدق جرس الهاتف في منتصف الليل، يتسبب في إزعاجك، والدخول مباشرة إلى أقرب منطقة من الأذن فيحدثك مباشرة.
الآلة التي تخترق الحياة بشكل مزعج يكرهها مسيو دولامبر ويهاجمها، في الوقت نفسه يتلقى هاتفًا من زوجة أخيه، تخبره أنها قتلت أخيه، وأنها في انتظار أن يطلب الشرطة للقبض عليها، وأن الوقت لا يسمح أن تشرح المسألة في الهاتف.
تحكي الزوجة عبر مخطوطة كتبتها للاعتراف بالحقيقة، يقرأها السيد دولامبر، نعرف أن زوجها الذي يعمل على تطوير أبحاث لصالح سلاح الجو ينجح في اختراع يمكنه من نقل الأشياء المادية من مكان لمكان آخر عبر تحويلها إلى ذرات تتجمع في المكان الجديد وتتشكل، كانت التجربة الغريبة التي تمكن من خلالها من نقل منفضة سجائر إلى مكان واستعادتها، أو نقل قطة أو كلب إلى مكان آخر واستعادته، هذه التجربة الغريبة أبانت عن خطأ مهم، وهو أن التشكل الذي تعود إليه المادة مجددا لا يكون بنفس الترتيب السابق، فنجد مثلا كلمة “صنع في اليابان” موجودة لكنها معكوسة، لذلك عاد إلى معمله ليتمكن من تعديل الأخطاء، وتمكن بالفعل في النهاية من تعديل الأخطاء وتلافيها، هنا يمكنه أن يجرب بنفسه هذه الآلة التي صنعها، فدخل من ناحية “الناقل” وخرج من ناحية “المستقبل” قد تشكل من جديد؛ ليفقد بعض أعضائه ويتبادلها مع حشرة “الذبابة” التي دخلت بالمصادفة معه قبل أن يغلق باب “الناقل”، في النهاية تحول الزوج لحشرة بداخلها إنسان، ويرغب في العودة مجددا لإنسانيته.
إذن، ما أقبح تلك الآلة! عصر الآلة قد خدع الإنسان وحوله إلى حشرة في طريقها لنسيان ذاتها، ولكن السؤال هنا: ما الخلاص من تلك الأزمة؟ كيف نستعيد الإنسان الذي فقدناه؟ كلا القصتين – كافكا ولانجلان-عرضت أزمة التحول تلك لكنها لم تجد خلاصًا حقيقيًا من أزمة العصر حيث الآلة والرأسمالية، فقط الانتحار والموت هو الطريق الوحيد الذي يسلكه المتحول.
في “المسخ” تعثر السيدة الغسالة على “جريجور” الذي تجمدت أطرافه، ومات من فوره، بينما عبرت العائلة عن حزنها بالبكاء داخل الحجرة، ثم خرجت في رحلة متناسيين أزمة ابنهم المتحول، وفي “الذبابة” يطلب الرجل من زوجته أن تستخدم مطرقة الألة البخارية كي يتخلص من حياته، فعندما تعصف العزلة والكآبة بـ”جريجور” فإن الآلة التي يضجر منها دولامبر، هي نفسها التي تساهم في تحول أخيه إلى أطراف ووجه ذبابة، وهي أيضا التي تقضي على حياته في النهاية.
نحن أمام موقفين: الأول يتمثل في رد فعل المحقق الذي جعل تلك الاعترافات دليلا واضحًا على جنون الزوجة، بينما صدَّق المسيو دولامبر هذا الأمر، في الوقت الذي تظهر مشاعره فيها كما الآلة حقا، فهو عندما يعرف موت أخيه لا نجد رد الفعل المتوقع، وعندما تنتحر الزوجة لا نجد رد فعل أيضا، كان الرجل الذي ينقل لنا القصة يتعامل مع المواقف الإنسانية بشكل بارد وأكثر آلية.


محمود عبدالله تهامي



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى