د. أنور مغيث - الذاكرة.. سلاج للمقاومة.. فلسطين والذاكرة الجماعية

تبدو الذاكرة لأول وهلة بالنسبة للفرد موضوعا يطرأ على الخاطر دونما استدعاء متعمد. فالذكريات، حلوها ومرها تباغت الإنسان. ولكن هناك أشخاص أو أشياء يتمنى المرء ألا ينساها ويبذل جهدا مقصودا للحفاظ على ذكراهم في خاطره، فيضع صور أحبائه الذين فقدهم على جدران غرف الصالون أو يستوثق من وقت لآخر من أنه لم ينس الأيات المقدسة أو قصائد الشعر التى حفظها. وهناك ذكريات تؤرقه وتعكر مزاجه فيدفع بها دون وعي إلى اللاشعور.
لا يسير الأمر على نفس المنوال فيما يتعلق بالذاكرة الجماعية. إذ ينتقى كل شعب من تاريخه أحداثا وشخصيات. وفى الغالب يخضع هذا الانتقاء كما تخضع مراسم الاحتفال لبرنامج تضعه السلطات العامة أى الدولة. يتجلى ذلك فى ظواهر عدة : الأعياد الدينية والوطنية وإقامة النصب التذكارية وإدراج هذه المناسبات فى مناهج التعليم. كل هذا يطلق عليه سياسات الذاكرة. وهذه السياسات لا تعد هروبا إلى الماضي. فوضعها تحت الضوء وتذكير الأجيال المتلاحقة بها هو ترسيخ لقيم الحاضر وتطلعات المستقبل.
ونظرا لأهمية الذاكرة الجماعية ودورها السياسي فقد أصبحت موضوعا مهما من موضوعات الفلسفة السياسية لأنها هى التى تؤلف رواية الوطن وتساهم في تكوين الهوية القومية وصياغة الضمير العام. ورغم ذلك فاختيارها لا يكون محل إجماع وتخضع لسجال اجتماعى كبير ووجهات نظر مختلفة. وتكون أحيانا عرضة لنوعين من التطرف، إما التقديس وهو ما يتعارض مع روح النقد وإعادة التقييم، وإما الابتذال بحيث يفقد الموضوع أهميته الرمزية.
اسهام الفلاسفة والمؤرخين في موضوع سياسات الذاكرة ظهر بشكل مستفيض في النصف الثاني من القرن العشرين. وكان الباعث على هذا الاهتمام هو موضوع الهولوكوست والاضطهاد الذى تعرض له اليهود في أوروبا وبوجه خاص في ألمانيا الهتلرية أثناء الحرب العالمية الثانية. وكان السؤال: هل ينبغى تذكير الأجيال الجديدة بهذه المحرقة الفظيعة ونسرد أمام الأجيال التي لم تعش هذه المأساة ما جرى في معسكرات الاعتقال في أوشفيتز وداشو، أم يحسن أن نتركها تنزوى فى غياهب النسيان؟ وكان الميل الأغلب هو أن لتذكير الأجيال الجديدة بهذه المحرقة هدفا تربويا لأنه يجعل الطفل منذ نشأته ينفر من معاداة السامية والعنصرية والتعصب الدينى وكراهية الأجانب أو بعبارة أخرى سوف يساهم التذكير في دعم السلام الاجتماعي وترسيخ المواطنة والتسامح والنزعة الإنسانية لدى الأجيال الجديدة.
سياسات الذاكرة لا تؤدي إلى خلق أيقونات ورموز جامدة بل هي مجال صاخب متحرك يتغير بتغير التحديات التاريخية وبارتقاء الوعي التاريخي والسياسي. ونجد في فرنسا مثال دال على ذلك: فى كل المدن الفرنسية يوجد نصب تذكارى كبير محفور عليه أسماء الشهداء على ألواح من الرخام وشعار بالخط العريض: ماتوا من أجل فرنسا. وهو سلوك طبيعى وموجود لدى جميع الأمم حيث ينبغى أن يمجد الشعب الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم فى سبيل استقلاله وسعادته، ففي كل دولة نجد نصبا للجندي المجهول. وفى عام 2005 قدم وزير الداخلية ساركوزى اقتراحا إلى البرلمان لإصدار قانون يتحدث عن الجوانب الإيجابية للاستعمار الفرنسى فى مناهج التعليم بالمدارس، فاستثار حركة فكرية مضادة ترفض تبرير القهر والمذابح الاستعمارية للأطفال في المدارس. فقامت حركة معارضة تحت شعار: ماتوا بسبب فرنسا، يطالب دعاتها السلطات العامة بالاعتذار لضحاياها من الجزائريين الذي ماتوا تحت التعذيب أثناء نضالهم لتحرير بلادهم، وعن اسهامها فى تجارة العبيد.
رأى كثير من المفكرين أن الحدث الذى ينبغى التذكير به يجب أن يكون عاملا مساعدا على التحرر وليس على القهر. وفى كتاب ستون عاما من الصراع العربى الإسرائيلى وهو عبارة عن حوار أجراه صحفى فرنسى مع بطرس غالى وشيمون بيريز. وفى الكتاب يبدى بطرس غالى تعجبه من سياسات الذاكرة المجحفة التى تمارسها السلطات الإسرائيلية. فهى تمنح حق العودة لليهود فى كل أنحاء العالم رغم أنهم لم يولدوا على هذه الأرض ولم يعرفوها. وترفض رفضا قاطعا الاعتراف بحق العودة للفلسطينيين الذين طردوا قهرا من أرضهم ومازال بحوذتهم مفاتيح بيوتهم!
فيرد بيريز بأن قادة اسرائيل كانوا يراهنون على استراتيجية النسيان: الجيل الأول من الفلسطينيين الذين نزحوا من أراضيهم من الطبيعى أن يتمسكوا بحق العودة ويسعون اليها. ولكن الأبناء الذين ولدوا فى بلاد الشتات ويتعلمون ويعملون ويكونون أسرا فى هذه البلاد سوف ينسون فلسطين ويتخلون عن حق العودة. لكنهم لم ينسوا.
الانتفاضة الأخيرة كانت بيانا ناصعا على دور الذاكرة الجماعية الفلسطينية فى استمرار جذوة النضال. شاهدنا بإعجاب أطفالا لم يتجاوزوا سن العاشرة يواجهون فى إباء جنود الاحتلال المدججين بالسلاح وأطفالا فى سنهم يتجولون فى شوارع أوروبا حاملين علم بلدهم.
حتى نحن حينما ننسى قضية فلسطين بسبب هموم أخرى كثيرة تشغلنا، يهب الشعب الفلسطينى ليذكرنا بأن قضيته قضية حق وأنه لن يتخلى عن حقه هذا. ولهذا لم يحظ الشعب الفلسطينى بتعاطف أصحاب الضمائر الحرة فى العالم فحسب بل حظى أيضا باعجابهم ببطولته وصموده.

د. أنور مغيث




تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى