زهير ميرزا - 1 - انتقام...

الإهداء : إلى (I.F) أقدم ..
ما أوحت به إلي ...لأنها نفسي، وقلبي وروحي ..
1/8/1940


1 - انتقام...


بكت السماء حتى نضبَ دمعها ، و أعولت حتى بُحَّ صوتها، لكنها كانت كما ابتدأت تحاول استنزاف آخر قطرة مما في مآقيها علّها تستريح وتُريِّح .
همدت الأصوات أخيراً، وساد الطبيعة سكون رهيب، وانبلج القمر من بين السحب الدكناء، فكانت أنواره كذبالة تتلاعب بأشعتها هوجاء العاصفة، ولم يلبث أن ذهب يختبئ وراء ستار كثيف من الغمام القاتم.
وأربدَّت السماء من جديد، وتعالى زئيرها وراحت ترسل فيضاً من سخين دمعها، فهلعت القلوب، ورغم تلك الدكنة، الدكنة الهائلة المشتملة على البرية المقفرة، إلا أنه كان هناك نور يمر بين ثوانٍ و أُخرى ، فيسطع في الفضاء وينعكس على الأرض البيضاء الناصعة فيبهر الأبصار ، ولا يلبث أن يخبو فجأة كما ظهر.
و أبرقت السماء ، للمرة العاشرة بعد الخمسين ، وصفر الريح مؤذناً بقرب العاصفة، واشتد دوران الثلج حين وقفت فتاة في العقد الثاني من عمرها ، وقد التصق وجهها بزجاج النافذة البارد ، وهي تراقب الشارع، وقد أقفر من أسباب الحياة، وهي تدمدم من حين لآخر... أترى سيحضر؟ ..
وانقضت العاصفة انقضاض الصاعقة، وراح الثلج ينهل من السماء بغزارة وهو يضرب زجاج النوافذ، واندفع اندفاع السهم الطائش يضرب الجدران والأراضي دونما رحمة أو شفقة، وتعالت أصوات العاصفة في الخارج، واشتعلت العاصفة في الداخل، وبدت كأنها تتقلب على جمر، لا تملك أمر نفسها ... أترى سيحضر؟...
صمتت العاصفة، وهدأت ثائرة الثلج قليلاً، فاستبشر الناس خيرا، حين انقشعت تلك الدكنة التي سيطرت على المدينة ونواحيها، وابتدأ القمر يرسل أنواراً باهتة من وراء "القَزَحْ".
لكن الجو ما كان يسمح لأحد أن يتمادى في خياله.
وتقدمت خطىً ثابتة نحو منزل في طرف الشارع، انبثقت من إحدى نوافذه أنوار تبدد ظلمة الليل البهيم، ولم يتحمل مشقة رفع يديه من جيوبه لكي يقرع الباب، فما كادت خطاه تلامس الرصيف، حتى انشق الباب عن صوت يهمس! .. أسرع قبل أن تتجمد أوصالك !..
ولكن صاحبنا لم يكن ليغير من خطواته الهادئة! ..
واستقبل الباب، وما كاد يتوارى وراءه حتى ارتمت عليه وراحت تقبله دون أن يبدي حراكاً.
وأخذت بيده إلى صالة سطع فيها الضوء، وانسابت الحرارة إلى جوانبها فبدت جميلة الأثاث بديعته، وارتمى صاحبنا على الديوان العريض، فانثنت إليه وهي تكاد تلتهمه بنظراتها المجنونة؛
كيف استطعت مقاومة العاصفة الثائرة؟ .. كيف؟
ولكن صاحبنا لم يتلفظ بكلمة واحدة، بل نهض واقفاً، وأخذ يزيح عن كتفيه معطفاً كست أعلاه الثلوج، بَهُتَ لونه، فغدا كالحاً، فوق رأسه قبعة، لا أشك مطلقاً أن الدهر أكل عليها وشرب، تهدلت حواشيها من أثر الابتلال، فغدت بشعة المنظر، تسربل بسروال قاتم، تشع الخضرة القاتمة منه، وهو في الحقيقة لا يتعدى كعبيه، أتمه حذاء ضخم، لابد وأنه يزن ما يقرب من رطل وبضع أوقيات أخر، أما لباس الصدر، فكان قميصاً قيل عنه فيما مضى إنه أبيض اللون!! زينته "ربطة" لا تتفق وهذا الانموذج من الملابس، وما إن رفع عن رأسه، حتى بدا شعر كستنائي مصقول.
أما هو بحد ذاته، فقد كان وسيم الطلعة، أبيض اللون، جميل المبنى والتركيب، صافي النظرات، شهل العينين، عريض الكتفين، وبلا جمال فقد حوى جمال الرجولة بتمامه !
وعلق المعطف قرب المدفأة، ورمى بقبعته جانباً وعاد إلى ديوانه...
وكان جامد الوجه، جامد النظرات، ينظر ناحية الموقد وقد علت وجهه صفرة خفيفة تزيد في وقاره رغم رثاثة ثيابه، وتناول من على المائدة سيجارة – روسية – وأشعلها وراح يتأمل دخانها وهو يتصاعد ببطء نحو العلاء، وكأن همومه متعلقة بهذا الدخان تتفرق لدى خروجها من محبسها، وتنعقد لدى تجمعها في مكان واحد...
واستأنف تدخينه ببطء، وأخيراً بعد أن أخذ نفساً طويلاً من السيجارة، نهض واقفاً وقال ببطء شديد وبلغة روسية ركيكة....
- دونيا لم أحضر إلا كي أودعك الوداع الأخير، فبعد ربع ساعة، يجب أن أكون في طريقي إلى بلادي، بلاد العرب فهي تناديني من أعماق نفسي: بلادك بحاجة إليك فأسرع.
ولقد جئت الآن بناء على رغبة منك .. وتطلع إليها كأنما يقول:
- هل من جديد، أو هل هناك شيء يجب أن يُبَتُّ فيه أو يُبْحَثْ قبل أن أغادركم إلى حيث لا رجعة لي...
فأجابته وقد انبجس الدمع من عينيها الصافيتين صارخة...
- أتذهب يا فؤاد وتدعني وحدي ... وارتمت على صدره تبكي بحرقة وألم ...
- لا لن أدعك تذهب! .. لن أدعك تغيب عن ناظري إلى الأبد، سأرافقكَ حتى القبر...
فأجابها وقد لانت نظراته:
- لا يا دونيا، ستبقين هنا .. وستنسين أن فؤاداً قد حلَّ في هذه البلاد .. وسيهيؤ لك الله زوجاً تعيشين في كنفه...
فصاحت تقول...
- زوج .. زوج .. أنت وحدك زوجي .. أنت وحدك خطيب نفسي، أنت وحدك حياتي، لن أرضاها بدونك، سأنتحر إن ابتعدت عني ..
وانفلتت من بين يديه وأسرعت إلى مسدس على الطاولة واختطفته وصوبته إلى رأسها
- إن تركتني قتلت نفسي من فوري!..
فأسرع إليها ينتزع منها المسدس قائلاً:
- لا .. لا يا دونيا، لن تموتي، لن تموتي، ستعيشين بقربي أيتها الملاك البارّْ .. ولكن فكري في الأمر قليلاً، ليس هناك من يقودنا إلى الحدود سوى أقدامنا،،، وأنت فتاة لا تستطيعين السير ولا تحمل البرودة الثلجية..
فقاطعته قائلة:
- لا أتحمل البرودة وأتحمل الموت من أجلك؟..
فأجابها بأُنْس:
- مسكينة أنت يا دونيا ، حبك يعمي بصيرتك،
وعاد إلى جموده، وانثنى إلى معطفه وقبعته وتدثر جيداً، ودون أن يلتفت خلفه سار نحو الباب وصفقه وراءه بخفة، لكن الباب عاد وانصفق مرة ثانية بشدة، فالتفت إلى ورائه، وإذ دونيا، وقد التفٌتْ بمعطف مبطن بالفراء الناعم، وقبل أن ينبت ببنت شفة وضعت ذراعها ضمن ذراعه، ونظرت إليه في تحدًّ ظاهر، فربت على يدها ببطء، ونظر في إنسان عينها بتؤدة ومال عليها يعرب بقبلة بريئة عن عظيم شكره لهذا الحب المتين المخلص الذي تمركز في قلبها.

يتبع ....

#زهير_ميرزا



---------------------------------------------
"وحي النفس " 1
مجموعة قصص قصيرة ( 6 قصص ) ألفها زهير ميرزا عام 1940 ، أي انه كان في الثامنة عشرة من عمره.




أعلى