د. سامي عبد العال - طُوفان الخيال الفني

تقديم:
الخيال هو أبرز ما يشكلُّ جوهرَ الإبداع الفني. هذه" الجمرة الملتهبة " التي يضعها الفنان في جِراب أسراره الدفينة، والتي قد تحرق منه الأفكار أو تُشعل في عقله النيران وقد تُلهب منه الأنامل والمشاعر. فمن جانب الخيال الفني، يحس الفنانُ بالجديد عبر الهواجس، ويفكر داخل الانفعالات والاحاسيس ( أو كما يُقال: العين تسمعُ والأُذن ترى والقلب يترجل والأقدام تتأمل ). ولذلك يقع الخيالُّ على منابع غامضةٍ من إبداع الفنون حدَّ الإدهاشِ، بدءاً من المجهول في حياتنا الإنسانية مروراً بكهوف اللاوعي المذهلة وليس إنتهاءً بعواصف الحياة وأنوائها. وعكس ما نعتقد، ليس يتمكن كلُّ فنانٍ من السيطرة على خياله. ربما الأمر يقترب من ذلك فقط، لكنه لا يحدد خطواتَّه بدقة المعرفة والعلم. لأنَّ الخيال فاعلية حُرَّة وغرائبية بالغة الأثر في دقائق إبداعاته، وإلاَّ ما كان ليستطع الخروج ( ولاسيما في الفنون التشكيلية ) بلوحات فائقة الجمال والإمتاع.

ومن جهةٍ أخرى لا تقف أية قيود أمام هذا الخيال، لا لأنَّه غير معترف بها( أو يتجاهلها) من الأساسِ، بل لكونَّه يتجاوز جميع القيود مخترقاً وجودها من الداخل. كلُّ خيالٍ ليس معلنا صراحةً إلاَّ بقدر ما يخلق عالماً متفرداً بذاته. أي ليس الخيال جزئياً ولن يكون، لأنه يلتقي بأطرافه القصوى في الفنون بحيث نراه غريباً في مساحة يجذبنا إليها. والغرابة آتية من نقطة شبه اكتمال عصية على التلاشي بسهولةٍ( أي أنه يكمل الناقص من وجوده عبر خيال المتلقي). وربما هذا هو مصدر المفاجأة بصدد الخيال الفني تحديداً. لأنه يصدمنا ويأخذ بألبابنا على صعيد شبه الاكتمال لما يُصور ويبدع. وهنا ليس الخيال نشاطاً قابلاً للإحالةِ إلاَّ إلى ذاته وبالوقت نفسه سيقذف بظلاله على الواقع، أي سيشتبك معه فنياً من جانب الأخيلة المتذوِّقة التي تتلقاه. وعلى طول المدى، قد يبتلع الواقع نفسه في جوفه كدوامات تعجنه وتعيد خلقه من جديد.

في عملية الخَلْق الفني، هناك رغبةٌ سحيقة تستولى على الفنان لإعادة تشكيل العالم والحياة. إذ يظل مشدوداً إليها لدرجة الانجذاب، حتى يُخرج الصورة المتخيلة التي يتغياها إلى النور. ورغم فداحة الهدف إلاَّ أن رؤيته الفنية ستحتل مسرح اللوحة كما نراها ليس أكثر. وبالتالي يمكن للقارئ أن يتساءل: أيَّةُ رغبةٍ هذه التي توازي تفاصيل الكائن الإنساني وزمنه؟! مؤقتاً هي رغبة عمرها بعمر الفيروسات داخل أديم ( تراب ) الأرض، فالإنسان منذ أنْ وُجد على هذا التراب وهو مشدود بمحاولات خلق العالم من جديدٍ.

ويشترك الإنسان مع الفيروسات في تلك الإمكانية القصوى، إذ أنَّ زمن الفيروس يتخطى مساحة أعمار الكائنات والأشياء جميعاً، لأنَّه دقيق جداً لدرجة التناهي ويظل باقياً في حالة كمون إزاء تقلب الأحوال البيئية العاصفة ولا يموت بمعنى الموت الإعتيادي، وكذلك بإمكان الفيروس" التحور والتكيف" مع أشرس الظروف تدميراً للواقع. فلربما يكْمُن (على صغره مثلاً ) في بذرةٍ أو نباتٍ أو ثمرةٍ أو قشةٍ أو يرقةٍ أو حبةِ رمل أو قطرة مياه عالقةٍ. وقد يبقى ممتداً في حالة نشاطه كأزمنةٍ داخل الزمن الواحد مثل نشاط البركان الذي لم يكد يخمد حتى يثور، وربما يطفو يوماً ما ليلون قطاعات الحياة كما هو خلال مظاهر الربيع من كلِّ عام. فالفيروس لقاحٌ خفيٌ لرسم معالم الطبيعة الخلابةِ وانتاج الألوان ومظاهرها الحية. كل ذلك سيعيد إلينا الفنان التشكيلي والأديب الليبي رضوان أبو شويشه (1) المناسبة الفنية والفلسفية للتحدث عنه.

غرق العالم
الفن التشكيلي عند رضوان أبوشويشه هو فيروس العالم جمالياً aesthetic virus، هو فيروس لطوفان يغمر الأشياء مسرباً طاقة الطبيعة ومخاضها. ألم تسقط الكائنات في عتمة (تراب) الأرض، في حمأة الخطايا بلغة المسيحية؟، إذن ما من كائن إلاَّ ويحملُ خطيئته على راحتيه، ليكُن مصيره مصيراً أـخروياً قيامياً( نسبةً إلى القيامة ). باللاهوت كان غضبُ الله حيال شرور الناس سبباً ماورائياً لحادثة الطوفان كما جاءت في سرديات وقصص الأنبياء( طوفان نبي الله نوح ). ثم كانت سفينة نوح التي قلَّت ما نجا من العالم الغارق زوجين بجوار زوجين من جميع الكائنات الحية. جرى ذلك كأنَّ وجود الزوجين وعدٌ كوني بتكوين المستقبل، وكأنَّ الطوفان حادثةٌ أفرزت الحياة الدنيا والآخرة، لأنّها افتتحت زمناً جديداً للإنسان كي يعيش مرة أخرى. من ثم جاءت سفينةُ النجاة، لتمخُر عباب الخطايا منذ الماضي إلى الآن. وكنا نحن ركابها المستقبليين، لأننا كنا موجودين آنذاك بالقوة ولم نوجد بالفعل( نحن خلّف هؤلاء الأسلاف الذين لاذوا بالسفية من الطوفان). أي نحن كنا أبناء تاريخيين لهؤلاء الناجين الذين حملتهم سفينة نوح.

بهذا التماثل الوجودي، ليس ثمة فارق عند أبوشويشه بين الطوفان والفن. كلاهما تشكيليان، الأول قد شكّل العالم ونحت رسماً لمجرى الزمن والحقائق الإنسانية الجديدة بريشةِ الخالق. أما الثاني( أي الفن) فمازال يرسم مجالاً فنياً لحلول الطوفان الروحي كُلما مازج القبحُ أنفاسنا. الطوفان في التاريخ حادثة فنية، لأنه كان تشكيلاً خلْقياً للحياة البشرية ومن ثم سيكون الفن لاحقاً حادثة طوفانية بأية مواد تشكيلية كانت(2). لذا لن يبلغ الفنُ التشكيلي مراميه دون " هديرٍ طوفاني " لا يُبقِي ولايذر، بحيث يرجع فنياً في ذاكرة الوجود لكي يستمد طاقاته الخالية من تلك السردية. إنَّه شرر لألوان ترابية أو حرارية ستحرق العالم، فمعظم النيران من مستصغر الشرر كما يُقال. هكذا يعدُّ الطوفان فرشاة فنيةً لا تنفث الماء فحسب، بل ترسم الضوء والنار والظلام والليل والنهار والأثير أيضاً. حيث ستبرُق فضاءاتُ الرسوم والصور والتكوينات الفنية، فترعَد الأشكالُ بالأخيلة والأحاسيس على طريقة الأجواء الأسطورية القديمة.

الاستفهام واضح على غرار آلهة الأولمب في الميثولوجيا اليونانية: ماذا لو غضب الفنان على كائناتّه التشكيلية؟ كيف ستتم( النجاة!! ) فنيَّاً؟ لماذا يكتب أبوشويشه سِفْر الروح بالإغراق اللوني في لوحاته المتعددة؟ إنَّ الفن عند شويشه مسكون بالاشتغال على صُلب الأشياء والكائنات كأنه يتحرك بأنامله الفنية في مساحة البدء والتأسيس( في البدء كان الفن). إن الخيال الفني لن يفوّت فرصةً( أدنى فرصة) لأجل صياغة الكون من جديد. ولو كان موقعه اختياراً متاحاً لنشاطه الفني، لزجَّ الفنان بنفسه ( إلهاً صغيراً ) في كواليس العالم واقفاً على أسرار الموجودات، يتنفس مع أصل الحياة جميعاً وينفث في الكون روحه فتتجسد العوالم والحيوات.
من ثم: كيف ستصنع أخيلة الطوفان رحلةً عبر التاريخ في فضاء اللوحة؟

لهذا الأمر عدة احتمالات:
* أنْ يُشخّص الفنان حالةَ العالم في رسوم وتكوينات يراها مهمةً لمعرفة أبعاد الأزمة.
  • أنْ ينحت الموجودات بحسب أهوائها في الحياة، حيث يتشكل بها الحيز الزماني والمكاني.
  • أنْ يتخفى كما يتخفى لاعب العرائس وراء الكواليس محركاً الدُّمى بخياله التشكيلي الفني.
  • قد يرسم الفنان نموذجاً لليوتوبيا التي يبتغيها، ليقول للمتلقي: إليك ما أرجو وأتخيل.
  • أنْ يترك الفنان الكائنات في أخطائها( وجودها ) ولو كانت جميعُها مولودةً من النور.
  • وأخيراً قد يعابث الأشكال والصور تاركاً لها مساحةَ اللعب الفني.
إزاء ذلك الوضع، راوغ أبوشويشه كافة الاحتمالات السابقة، ليمكث في أوج الطوفان، لم تكن مهمته انقاذَ العالم، لأنَّ هذه مهمة الخالق الأول والأصلي حصراً. بينما الفنان خالق جمالي، فاعل بقوى خيالية، له حيلُّ خبيئة لإدهاش الإنسان؛ أي سيمثلّه أمام نفسه داخل اللوحات بمنطق الإنسانية. هنا قد يأتي نسغُ الطوفانِ كرد فعلٍ معكوس للحرارة التي عاناها الفنان أبو شويشه في بيئته(منطقة العزيزية- حي الكدوة بطرابلس) إذ بلغت درجة الحرارة ذات نهار( بحسب جنيس للأرقام القياسية) 136 فهرنهايت، وهي أقسى درجة حرارة قد تصهر الكائنات الحية وتجعل رد الفعل لدى الفنان معكوساً من حيث التعلق بفكرة المياه وهو ما ظهر في أجواء اللوحات(3).

لذلك صاغ أبو شويشه كائناته التشكيلية بلغة الماء، بلغة الطفو، بلغة الغرق، بلغة الهوام. إنَّها تشكيلات لونية عبارة عن: " شخوص في بياض يهبطون من السماء إلى الأرض أو العكس في لون الماء وضوء الفجر اللُجيني"(4). بذات الحروف المائية يستدعي شويشه شلالات أكاكوس ( وهي مدينة ليبية جنوبية بها معالم أثرية كثيرة ضاربة في القدم )، الشلالات التي تتكون بعد مطر فجائي غزيز، فعقب سنين من الجفاف عادة ما يأتي المطرُ غزيراً فجأة، مثلما رسمه أبوشويشه في لوحة عام من الثلج(5).

لقد ترك أبوشويشه اشياءه الفنية ( مخلوقاته ) غائمة، رقراقة وراء مياه الألوان وحرارتها. ولكم أنسانا هذا الفنان أنَّ للألوان مظهراً، ففضل تقنية الإغراق الخالق أو الاغراق اللوني الذي يعيد شكيل موضوعاته، لكن ماذا تخلق بالتحديد هذه الألوان؟ ليس هذا استفهاماً مناسباً على الإطلاق!! لأنه قد يؤدي بنا لإنكار الخلق الفني إبتداء كسيرورة لعمل الأشياء وكشف اسرارها.

ربما لو كان السؤال بطريقة أخرى لكان أقل حدة: ماذا سيُسفْر الطوفان لو كان فناً؟ أيضاً ليس لطوفان أبوشويشه أي أثرٍ إلاَّ الأجواء الرمادية مرةً والزرقاء مرةً والفسفورية مرةً وكذلك الموشّاة بالجمر مرةً تاليةً. لا يُحتَمل هذا الخيال الفني-خطأً- عملية البحث عن نتائجهِ وإلاَّ لما اكتسب خطورته الملهمةَ خلال التاريخ. فإذا كان الفيروسُ يلون وجودَّه وتلك وظيفة طبيعية بإشارةٍ سبقت، فاللون يرتبط باستدعاء وظائف فنية كهذه(6).

بناء على ذلك، تكاد ألوان أبوشويشه لا تتجاوز كرنفالاً من الهوام الجمالي. بالفعل لربما كان للألوان نصيبٌ من اسم الفنان نفسه في تلقائيه الحركية اللفظية. فالشواش( الكاوسchaos ) خليطٌ إلى حد الفوضى، ليس له معامل ارتباط في أية ظاهرةٍ. إنَّه السديم السابق على التكوين، وبه ينال الكائن إمكانيته وتداعياته. بعبارة أخرى إنَّه هذيان المواد المستعملة في اللوحات بأبلغ ما ينتج أي هذيان للأحداث اللونية من تداعيات وآثار. فالحقيقة مع الخيال الفني تتعاطي اللاحقيقة، والوجود غاص بالعدم، والحياة مترعة بالموت والعكس صحيح.

ماذا عن أصل اللون حينئذ؟ اللون ليس له سبقٌ، لأنه ولّدَ ذاتَّه الخاص بذاتهِ في أصل العمل الفني. اللون يجرى دون أب ولا أم ولا أخ رغم وصفات تركيبه، إنَّه اليُتم الجمالي العجيب الذي يصلنا متفرداً. في اللون تحيا الأشياء وتتلاشى كما تحيا يرقات الأفكار عبر اللغة. هنا لا ينبغي اغفال ألوان أبوشويشه على مستوى التخييل: فهي المتناثرة، المختلطة، المتناحرة، المتسلخة، المتجلطة، الفائرة، البركانية. هذه قدرتها الفذة على التعبير والتجلي المفاجئ، قدرتها على طفر وجودي لا ينتهي بسطحِ اللوحة. الطوفان يتأرجح داخلنا على الدوام، لأننا الآن( مثلما أشرت) ورثة الطوفان القديم رغم انقضاء مرحلته الزمنية، كما قال جبران خليل جبران: " إنما الناس سطور كتبت لكن بماء ". إجمالاً البشر كائنات لونية مائية بحكم فيضان الشعور والغرائز والزمن حتى الحياة كلها مجرد سطور ستمحى مع مرور العمر. بقايا الطوفان هي التي أفرزتنا من رواسبها التاريخية. نسبة المياه في جسم الإنسان توازي نسبة المياه في الأرض(70% تقريباً في الإثنين)، بينما لا توازي مساحة الهواء نثار المشاعر والانفعال التي تتأجج في نفس وباطن هذا الإنسان.

بالتالي لعلنا نتعجب في وقتٍ من الأوقات: أين آثار الطوفان التي اختمر أديمُنا به يوماً؟ لئن وقع الطوفانُ قديماً، فمساواة المياه بين جسم الأرض وجسم الإنسان تؤشّر إذن أننا مازلنا بعضُ الطوفان من قديم الحادثة الوجودية في السرد الديني حتى اللحظة. وبتقنياته (الفنية الوجودية ) يحرِّك أبو شويشه طوفاننا السحيق الذي يؤجج صورة العالم لدرجة الثورة. إذ ليس يمكن أي إنسانٍ مهما يكن الافلات منه، فهو يسكننا بإحساسه المائي الطافح. وبالأسلوبِ ذاته لن ننجو من ذاكرة الطوفان إلاَّ عن طريقه، أي حين تتم العودة إلى حالته اللونية الوجودية فنياً. صحيح أن لكل إنسانٍ طوفانه النفسي الذي قد يغسله أو قد يغرقه، لكننا سنلتقي وقت السديم والاغراق والتكوين في بعض السمات والمعالم العامة.

داخل الأعماق
في لوحات الأبيض والأسود يُطفئ أبو شويشه أنوارَ الوجودِ داخل فضاء التشكيل، ما يفعله بالضبط هو: أنه يسلب الأشياءَ مظهراً نهارياً كان لها، تاركاً الغرق كالليل يأخذ مجراه، حيث يصنع رزازَ الألوان وسيلان الأفق بلطخات الأصباغ. كما في لوحة "عام من الثلج"، فالثلج أبيض عادةً، لكنه في اللوحة ينسدل على أرضيةٍ سوداء. واللونان ليسا وحيدين في الأفقِ، هناك لون آخر، لون الوقت، لون التاريخ وتحولاته. فانطفاء الشمس يعني شيئاً ماضياً جاء من قديم، كأنه زمن سينمائي لفيلم من عصور جيولوجية فائتةٍ.

وضمن الإطار، سيأتي المتلقي متأخراً عن موعد الطوفان اللوني بمضمونه السالف. وبعد الغرق سيجد أيُّ شيء نفسه مُدّخراً في فضاء التشكيل. لربما هو الراسب الوحيد إثر الظاهرة الكونية الفنية. فاللوحة تدّخِر رؤيةً متلاطمةً بين أمواج وبقاياها من هنا وهناك. اطلق الفراعنة على كتاب الموتى " الخروج إلى النهار"، فالنهار إذن كان قيامة ضوئيةً لنهاية مليئةٍ بالتحولات في الحياة. وعلى الغرار نفسه، كثيراً ما تُشْبه نهارات أبوشويشه نهار الفراعنة المظلم من واقع المعنى الغسقي الذي ينتظره. واللوحة من ثم ستشكل قيامة دنيوية وراء الأفق دون موازين أخلاقية ولا مادية صارمة، إنَّها مرحلة من المصير اللوني لحياة حافلةٍ بالمفارقات وإنسانية الطابع.

كيف إذن ستتقلب الأشياء في أتون الطوفان؟ يملأ أبو شويشه فضاء اللوحة بالأصباغ والبقع والبؤر والإنحناءات والنتوءات اللونية، بتجمعات وتضاريس مسرنمة( السير نوماً )، فلا تكاد تقفز تفاصيل ولا عناصر على نحو واضح تماماً. لكن أيضاً سيثار هناك سؤال: هل يترك الفن هذا الوجود الإنساني الحميم سرابياً؟ صحيح لا معالم بارزة هنالك من واقع السديم اللوني، لكننا بالتأكيد خاضعون لعمل تشكيلي مغاير.

هكذا فإن رسوم شويشه تستحضر غسق العالم وولادته خرقاً لحاجز حتى الجنون الهادئ. إنها ممارسة شيطانية بريئة تماماً للتدخل في قوانين الحياة والموت والليل والنهار والشمس والضوء. إنَّ فيزياء الدماغ التي تتشكل مع الحياة بلا وضوح تبدو متواكبةً تشكيلياً مع فيزياء اللوحة، غير أنَّ لكل فنان آلياته النوعية بما يلائم المعالجة خارج الأُطر المعتادة.

إذ ذاك كثيراً ما تماثِل الآليات الفنية عند أبي شويشه آثاراً لسيولة الأشياء، أشياء تعجنها أمواجُ الألوان وعناصرها وإمتزاجاتها. بهذا الإمتداد بين الأشياء والمواد، يرتهن التذوق والتكوين الفني بالوسيط المائي الحالم. ربما لا نتبيّن أبعاد الموضوع الغارق بكامل التفاصيل، لكن فضاء اللوحة يهجس بمضمونه الأبيض أو الأصفر أو البرتقالي أو الأزرق في أغلب الأحول. إذ ليس هنالك إلاَّ الماء بصور لونية مختلفة سواء عايناه بجلاء أم بقي ضبابياً، سواء أكان قاتماً أم شفافاً كبخار الصباح الخارج لتوه من أنفاس الطبيعة.

هذا الاسلوب الفني- الوجودي له مميزات، منها أنَّ وسيطاً مائياً يبلل أي إحساس تجاه ما يطرحه من علاقات وظواهر وموضوعات بلعبة الايهام(7). وقد تُضيّع سماته قواماً أصلياً للرؤية لتتبلور على التوالي وفق الحالة الجديدة. وإذ يعتبر الوسيط المائي مبثوثاً في كل نقاط التشكيل إلاَّ أن زفراته تهدد الرؤية واضعة إياه على محك الاختبار. لأنَّ فيضاناً ماثلاً فيه التشكيل سيكون نّهِماً للعصف بالواقع ولتدمير احساساتنا الجاهزة.

ومنها أيضاً أنَّ الطوفان الفني يستدعي طوفاناً تاريخياً( كما قلت مراراً ) في تماهٍ وجودي نادر. فلا ينجو الواقعُ من الآثار المترسبة على ضفاف الرسوم واشتباكها مع ذائقة المتلقي. إذ تمتد اللوحةُ بامتداد جذور الذاكرة، وهذا به نوع من التحرر الفكري والذوقي والحسي. لأنَّ إنساناً قد يفكر بأسلوبٍ تجزيئي في غالب الأحيان، وقد يقتصر وعيه على ملء ثقوب نظرته وثغراتها، لكن حين تعطيه اللوحة فيضاً شعورياً جذرياً، فإنَّه يتحرر طوفانياً من قيوده. لقد أرجعته هذه اللحوحة أو تلك إلى نقطة صفريةٍ لن يجدي التفكير معها تجزيئياً. كل شيء تحوَّل إلي لا شيء، حلَّ العدم بجرةِ لونٍ كوني لا خلاص منه. كذلك سيلتهمنا الغرق داخل التيه الحاصل، سيدفعنا إلى السباحة عبر أثير الإضاءات الجوانية، فوق ذلك سنمضي مع خيارات التكوين المحتمل.

وسيسبح الإنسان الغارقُ في الفراغ المُلون مع حساسيته الجمالية مكوناً الصورة كما يريد. تأتيه الزيادة بحكم غرقه في الوسيط الهلامي إذ سيكون أكثر انتباها واستنامةً بالمثل، سيعبُر حواجز الرؤية الواضحة. لعله سيدخل برزخاً لونياً إلى أنْ يعتصر معاييره الجمالية العادية ليواكب الوسيط المدهش. أهو نائم لدرجة غياب الوعي، أم يقظ داخل نوم عميقٍ؟ هكذا قد يتقلب المتذوق متجولاً بفيض اللوحة الخاص.

فالشفافية حين تسربل التكوين الفني فهي مسألة تجربة لا تلقٍ. وإذا كان الوسيط أثيرياً، فلأنَّه معقد، وملتوٍ، وغير قابل للامساك به. أقرب سماته أنَّه غامق بلا بداية إلى درجة العمق الشفيف، الرهيف أحياناً، إذ تنشأ موجوداته في الظهور كنتف ويرقات وهوائم. فالكائنات هُلامية، بل إن التصورات ناتجة على المنوال ذاته. وريثما يستفيق المتلقي من ذلك التكوين، سيجد نفسه إنساناً حالماً، هذا الحلم الأدنى إلى الأثير المُلغز منه إلى شيء آخر.

روح بلا كيان
يغدو الطوفان حالة كونيةً متجددة طالما كان خيالاً فنياً. في رسوم أبي شويشه تتجلى محتوياتها ككائنات بحرية نورانيةٍ، لفظتها الأمواجُ على شواطئ فضية بلا ضفاف. الأكثر من ذلك: هي تترك الامواج ظلالَّها على أي شيء بإمكاننا مصادفته.

فعلاً ألقت الأمواج في لوحات أبي شويشه بقاياها على معالم الحياة، فالضوءُ شلالات وقد ترقرقت حتى غامت في كثافة الجو النفسي للوحة. وكنا خلالها على موعدٍ لانبثاق شيء ما قيد الإنتظار، لميلاد كائن، لبروز كتله ضوئيةٍ قابلة للظهور. لكن تبقى هذه الكتلة ليست كتلة معروفةً، هي نسخة طوفانية فائرة إزاء المتلقي، كأنها مخاض لشيء عجيب، علاوة على ذلك يظل الكائنُ سائراً في فضاء مفتوحٍ.

أما الضّخ اللونيُ ذو الثبات النسبي مثل الأزرق أو الرمادي القناني خلال رسوم أخرى، فهو اختفاءٌ لتضاريس الخيال، لقد أذابها الطوفان عند خليط لوني بارز. وغياب التضاريس يعني "حالة المحو" التي يتركها لمرحلة تالية من الخلق. المحو عبارة عن طاقة الافراغ والمسح والكشط وإعادة التهيئة، كل محو عملية نوعية لمهام خاصة بالزمن الآتي.

وهنا يُسبب الطوفانُ كل شيء في آفاق اللوحة إذ يظل ذلك الأثر واقفاً لدى مفترق التحورات. يرجّح العهد القديم أنَّه بعد الأمر الإلهي لنوح بركوب التابوت( السفينة ) ومعه بعض البنين والبنات والبهائم والدواب والطيور كما جاء في سقر الخليقة، سيمطر الله الأرض مطراً متواصلاً بلغ أربعين يوماً بالفعل، وأنه ( سيمحُو ) جميع ما يقوم مما خلقه على وجه الأرض(8). هنا يمارس فن أبوشويشه اغتسالاً ضوئياً على ذاكرة المتلقي، إنَّه المحو الذي قاله الرب إزاء العالم. ولو كان الطوفانُ ذا ممارسة كونيةٍ ذات إبعاد ميتافيزيقية، فالفن ممارسةٌ عبر كونية الإنسانِ الخاصة. لكن: ما العلاقة بين الماء والضوء من تلك الزاوية؟

العلاقة من قبل أبي شويشه علاقة تولُّد وانصهار وتبادل السمات، حيث يَموجُ الماء كالأضواء المعكوسة والمنصهرة من واقع السيولة، ويستمر الضوء بوصفه قطرات( فوتونات الضوء كما يتصور ألبرت اينشتين ) حرارية تُضيء وتشتعل في الهواء. أورد العهد القديم كذلك: أنَّ الله خلق السماوات والأرض أولاً، أي أوجد عنصري الهواء والتراب، ثم ترجمَّ العنصرين السابقين إلى الضوء والماء جنباً إلى جنبٍ: " كانت الأرضُ غامرة مستبحرة وظلام على وجه الغمْر ورياح الإله تهب على وجه الماء، فشاء الله أنْ يكون نور فكان نور"(9).

بواسطة طوفانِ الأضواءِ كتقنية فنية، يتخفف تعبير اللوحة من ثقل المادة وخشونتها، التعبير الضوئي يشي بالسيرورة والشفافية وتغطية كل شيء داخل السراب اللوني الرهيف. فالنيران (في فلسفة هيراقليطس) تمثل اللهب الذي ينعكس فيه قانون التغير(10). وعلى الطريق ذاته، فإن الضوء شعاع للأمل المتحول فينا نحن بني الإنسان، وبإمكانه استحضار الماوراء وسط غلظة العالم رابطاً الإنسان بالعلو. يتذكر أبو شويشه حالة الحرارة المرتفعة في مدينته طرابلس: عندما كان يشتدُّ الحرُ، كنت أتشرد مثل صوفي سكران بعناقيد النجوم، عناقيد من أطياف الأضواء والإشعاعات(11).

إذن يتطاير الطوفانُ كأشباح لنقوشٍ ضوئية وتلويناتٍ هائمة ومُشعة. فتترك في لوحة أو غيرها خربشات وخدوشاً بدئيةً بعد اغتسال الأفق ضوءاً وماءً. فالخدوش آثارٌ نازفة قد لا تلتئم، هي كتابةٌ تشكيلية للأشياء ضمن نسيج الوجود الحي. لتحتل حروفها مجمل فضاء اللوحة، وتستحيل من وقتٍ لآخر إلى علامات غائرةٍ كجروح بلا جسد لجلد كوني ضخم، رقائق منشورة معبرة عن شيء ما... لكن ما هو؟ لا نعرف إنما تقف علاماته كمنحوتات بارزة للروح الطلْق.

لعل ذلك ميزة الطوفانَ حين يمتصُ الأجسام والأشكال ويذيب التكوينات، وهو بالمقابل طاقةٌ روحيةٌ ناريةٌ في أعماق الرسوم، فيُسيّل سطحها الأزرق كما يُسيّل أسطح فضيةً وذهبيةً وقرمزية وغيرها. ومع تلاشي التكوين نحسه سارياً وراء تراكمه النفسي الناجم عن المُشاهدة. اللوحة تجسيد لشاعرية مجردةٍ داخل إطار هو العالم قبل تكوينه بالمواد اللونية، شاعرية تحملها الفرشاة فتؤديها الصورُ روحاً بلا كيان.

حينئذ يُبرز الرسم ما ينبثق كما لو كان نقشاً كتابياً عتيقاً على صخور مدينة الآثار أكاكوس الليبية(12). إن الرسم لدى أبي شويشه لا يكتب مضموناً معيناً، لكنه يتمتم، يغمغم، يهذي به إلى نهاية المطاف. فلا يوجد شكلٌّ بعينهِ، جميع فضاء اللوحة شكل ومضمون في الوقت ذاته. إنَّ انبثاق المضمون جعل أيَّ خدشٍ أو أي خط أو أي سلخ يومئُ إلى محيطهِ اللانهائي، حيث نعجزُ عجزاً مزرياً عن تمييز أين تتوارى مساحة اللوحةُ وأين ينبثق طفر العالم المنتظر!!
_______________
1- رضوان أبو شويشه أديب وفنان تشكيلي ليبي، كتب القصة القصيرة والشعر والمسرحية والمقال. طاف وإقام عبر بعض البلدان الأوروبية والعربية: ايرلندا، ألمانيا، الدنمارك، بريطانيا، المغرب، اسبانيا. ومثلما أخذه التجوال عبر هذه البلدان كانت له حواراته مع مبدعين عالميين أمثال لويس بورخيس، خوان دي لوكا، داريو فو، شيمس هيني، الطيب صالح، عبد الوهاب البياتي والفنان فرنسيس بيكون. نُشرت مؤلفاته بالإنجليزية قبل العربية مثل مجموعته القصصية( ملك الموت the king of death دبلن 1975) ومجموعته ( موجة حب إلى غرناطة ) التي تُرجمت إلى الاسبانية ثم ( الشعب الخفي 1978). بدأ الرسم التشكيلي خلال مرحلته المتأخرة من مسيرته الإبداعية.
2 - ارتبط الطوفان رمزياً بعملية التطهر والعودة والإنشاء. وبحكم ايقونته المائية كانت دلالة المياه قابلة للاتساع تاريخياً إلى أشيء العالم. فالماء سائل أثيري ذو بعد شفائي ووسيط بالغ السحر والصفاء وحين يذكر في سياقات معينة يتعلق بالتجدد والحياة سواء أكانت دنيوية أم أبدية. وقد جري استعمال الماء كرمز ثقافي وفني وكوني ومقدس في أغلب الثقافات من بابل إلى الفراعنة وبلاد الفينيقيين مروراً باليونان وليس انتهاء بالثقافات الأمريكية اللاتينية القديمة. وأبرز سمات الماء الشفافية والنقاء والمغزى الأثيري والتموج، من ثم تصبح ثمة علاقة بينه وبين عناصر الكون الأخرى. فمثلا الايقاعات القمرية( الضوئية ) والمائية أوركسترالية يجمعها مصير واحد، فهي تأمر بالظهور والزوال المرحليين لكل الأشكال وتعطي المصير بنية دورية.
جان صدقة، رموز وطقوس، دراسات في الميثولوجيا القديمة، رياض الريس للكتب والنشر، 1989، ص 26.
3- أبو بكر حامد كهال، حوار مع رضوان أبو شويشه، جريدة القدس العربي(6 مارس 2014)، على الرابط التالي: www.alquds.co.uk?p=140672.
4- المرجع السابق، الصفحة نفسها.
5- المرجع السابق، الصفحة نفسها.
6- فالماء دوماً بلون الغرق كما يقول إميل سيوران، والمهم بعد الاغراق وضوح رواسب اللون على كافة مظاهر الحياة، ليست القضية أن سببه الماء أو الأضواء أو الرياح، لكن الأهم هو ماذا كان اللون. ولقد عبر سيوران بشذراته الفلسفية عن قضايا فكرية وتاريخية وحياتية بهذا المعنى. إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ترجمة آدم فتحي، منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا، 2003.
7- يقول الأديب الفرنسي دي موباسان إنَّ جعل الشيء حقيقياً يتضمن الإيهام الكامل بالحقيقة.... فكل واحد منا نحن البشر– حتى الإنسان الواقعي- يصنع لنفسه ببساطة إيهاماً بالعالم، وهو ايهام شعري عاطفي حافل بالفرحة والحنين السوداوي وليس للكاتب إلاَّ أن يعيد بإخلاص انتاج هذا الايهام بطرائق الفن التي تعلمها والتي يستطيع استعمالها.
مقتبسة في: بيير بورديو، قواعد الفن، ترجمة إبراهيم فتحي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى 2013، ص 433.
8- العهد القديم ( الكتاب المقدس / سفر الخليقة ) طبعة 1811، الفصل( أ )، ص20.
9- المرجع السابق، ص 16.
10- فالأشياء تجري عوضاً عن النار، والنار تتقلب عوضاً عن كل الأشياء بالمقابل. وفي سياقنا الفني يقول هيراقليطس في إحدى شذراته الفلسفية: موت النار هو ميلاد للهواء، وموت الهواء هو ميلاد للماء".
Charles H. Kahn, The Art and Thought of Heraclitus( An edition of fragment with translations and commentary), Cambridge university Press, Cambridge, London, New York, 1979.P 47.
11- أبو بكر حامد كهال، حوار مع رضوان أبو شويشه، جريدة القدس العربي(6 مارس 2014)، على الرابط التالي: www.alquds.co.uk?p=140672
12- لقد شكلت تلك النقوش الصخرية في مدينة أكاكوس الأثرية خيالاً فنياً لدى متذوقيها من الفنانين، حيث كان أبو شويشه حريصاً على زيارة تلك المدينة الجميلة ومشاهدة آثارها العتيقة باستمرار، وخيال أبي شويشه مليء بصور تجسد نمط الحياة والسلوك مما تفاعل مع القديم وأثر على إبداع الفنان. فالفنون الصخرية القديمة ترتبط – كما يول توماس داوسن- بتجسيد الذاكرة في الخارج externalization of memory وكان هذا التجسيد أصل تطور الفنون لاحقاً في أشكال جديدة ومبدعة.
Thomas A. Dowson, Rock Art. In, Cognition and Material culture: the archaeology of symbolic storage, Edited by Colin Renfrew and Chris Scarre, McDonald Institute Monographs, London, 1998.PP 67-69.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى