أيمن دراوشة - التضاد في القرآن الكريم من زاوية لغوية

أولا: نبذة تاريخية

التناقض سمة لا تكاد تنفك عنها معرفتنا الإنسانية عبر مسيرتها في طريق التقدم والتطور، وشاهد ذلك سلوكنا الفكري نفسه، فنحن اليوم نختلف عنا بالأمس.. ونحن غداً غيرنا اليوم، أفكارنا غير أفكارنا ومفاهيمنا غير مفاهيمنا! وقبل أربعة عشر قرناً من الزمان قرر القرآن الكريم هذه الحقيقة فنزل فيما نزل منه قول الحق تبارك وتعالى:} أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا {النساء:82، أي أفلا يتأملون ويتفكرون في القرآن ولو كان مصدره غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. وقد ذكر المفسرون أن "الاختلاف" الذي لا يمكن أن نجده في القرآن هو التضاد بين آياته فيما بينها ومناقضة بعضها البعض، أو أنه مناقضة القرآن للوقائع المعلومة والحقائق المقررة. ومعنى ذلك أن أي معرفة إنسانية المصدر مهما تقدمت وتطورت فسيلازمها الاختلاف الكثير المشار إليه في الآية الكريمة، وذلك لكونها (من عند غير الله). ومن نافلة القول أن نشير إلى وضوح هذه الحقيقة فيما يسمى ب"العلوم الإنسانية" كالآداب وعلوم الاجتماع والنفس والفلسفة والتاريخ فإن الاختلافات بين المدارس التي تقوم عليها هذه العلوم لا تكاد أن تحصى. ومن المعلوم أن كل اختلاف في أصول هذه العلوم ومقدماتها يقود إلى اختلاف أكبر في فروعها وبالتالي في نتائجها ومقرراتها. بل إن ذلك ينطبق أيضاً على العلوم الشرعية التي تخضع للذهن البشري كالفقه مثلاً فإن الاختلافات بين الفقهاء لا تكاد أن تنحصر نظراً لتفاوت العقول، فكيف إذاً يكون شأن غيرهم من المفكرين الذين لا يسلمون من اختلافات العقول والأهواء على حد سواء.

إذا رأينا أن وضع كتب الأضداد، يدخل في مجال التأليف المعجمي، فإنه اقترن تاريخياً بولادة هذا النوع من الكتابة. وقد "ولدت معجماتنا اللغوية صغيرة متفرقة غير منظمة، ثم نمت شيئاً فشيئاً، وتوسعت وتكاملت جيلاً بعد جيل"(1)

وعلى الرغم من أن الصينيين واليونان قد سبقوا العرب في وضع المعاجم ببضع مئات السنين، إلا أن العرب سبقوا أوروبا في هذا المضمار بأكثر من تسعة قرون ذاك أن تأليف أول معجم عربي يعود إلى القرن الثامن الميلادي، في حين يرجع تأليف أول معجم أوروبي إلى القرن السابع عشر، وهو معجم انجليزي (2).

في المرحلة الأولى جمعت المفردات والألفاظ كيفياً دون ترتيب أو تنظيم "لأن الغاية كانت تتجه أولاً إلى الجمع والتدوين دون غيره، خوفاً على العربية من الغريب الدخيل"(3) وعرفت المرحلة الثانية قدراً أكبر من التنظيم، كجمع الألفاظ التي تشترك في حرف واحد أو التي ترتبط برابطة الأضداد. وفي المرحلة الثالثة وضعت المعجمات الشاملة المنظمة، واعتمد مؤلفوها على ما كُتب في المرحلتين السابقتين، فجمعوا وأضافوا ورتبوا ونسقوا.

وفي هذه الأثناء ظهرت كتب الأضداد وهي "التي جمعت ألفاظاً تأخذ معنيين متضادين، بحيث يمكن استخدام كل لفظة منها لمعنيين متنافرين، إذ أن كل لفظة تعني الشيء وضدَّه"(4).

وبين الذين وضعوا معجمات الأضداد: الأصمعي، والسجستاني، وابن السكّيت، وأبو الطيب اللغوي، وابن الدهان وغيرهم.


ومن أشهر كتب الأضداد ما يلي:

- كتاب الأضداد – ابن الأنباري " ت- 328هـ " (5)
- الأضداد - تأليف الأصمعي. "ت- 215هـ"
- الأضداد -تأليف ابن السكّيت "ت- 244هـ"
- الأضداد- تأليف السجستاني "ت- 255هـ"


ثانيا: وجهة نظر في تفسير "الأضداد"

إنَّ التضاد من الظواهر الهامة جداً في اللغة العربية وهو ذاك الذي يجعل المعنيين المختلفين- وأحياناً: عدة معانٍ -كامنين في قلب الكلمة الواحدة "فالجَوْن" تعني الأبيض والأسود. و "القَنيص" للصائد والمصيد. و "الكري" للمستأجِر والمستأجَر. و"الطرب" للفرح والحزن.


ولكن الطبيعي أن نقول "طويل وقصير" و "أسود وأبيض" مثلما نقول "حركة وسكون" و "ظلام وضياء" وهناك معجمات كثيرة اهتمت بهذه الأضداد في بعض فصولها، هي معجمات المعاني مثل "فقه اللغة" للثعالبي و "تهذيب الألفاظ" لابن السكّيت ألخ...

إلا أن ما يعنينا هنا هو اجتماع المعنيين أو أكثر في لفظ واحد، وهذا ما اهتمت به معجمات الأضداد، وبينها كتاب ابن الأنباري الذي اعتمدنا عليه في دراستنا.

ثالثا: من أساليب التضاد:

هنالك أكثر من أسلوب للنفي حسب حركة الذهن، فيمكن أن نقول مثلاً:

"طويل- وغير طويل أو- لا طويل" كذلك القول "قصير- غير قصير أو- لا قصير".

ومثل ذلك قولنا: "أسود- لا أسود أو- غير أسود" كذلك القول: "أبيض- غير أبيض أو- لا أبيض".

ولكن الطبيعي أن نقول "طويل وقصير" و "أسود وأبيض" مثلما نقول "حركة وسكون" و "ظلام وضياء".


وهناك معجمات كثيرة اهتمت بهذه الأضداد في بعض فصولها، هي معجمات المعاني مثل "فقه اللغة" للثعالبي و "تهذيب الألفاظ" لابن السكّيت و "الألفاظ الكتابية"(6) للهمذاني.

وجاء في "المصباح المنير"(7): الضد هو النظير والكفء. والجمع أضداد. والضد خلافه. و (ضادّه) (مضادةً) إذا باينه مخالفة و (المتضادان) اللذان لا يجتمعان كالليل والنهار.

رابعا: التضاد في القرآن من زاوية لغوية


يقصد بالأضداد في اصطلاح اللغويين الكلمات التي تؤدي إلى معنيين متضادين بلفظ واحد، ككلمة (الجون) تطلق على الأبيض والأسود، (والجلل تطلق على الحقير والعظيم.

وقد ورد التضاد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، ذكرها الأنباري في كتابه (الأضداد) (6)

ومن ذلك قوله تعالى:

(الذين يظنون أنهم ملاقو الله) سورة البقرة 249.


أراد: الذين يتيقنون ذلك، فلم يذهب وهم عاقل إلى أن الله عز وجل يمدح قوما بالشك في لقائه.

وقال في موضع آخر حاكيا عن فرعون في خطابه موسى (إني لأظنك يا موسى مسحورا) سورة الإسراء 101.

وقال الله عز وجل:

(وترجون من الله ما يرجون) سورة النساء 104.

قال الكلبي: معناه: وتخافون من الله ما لا يخافون.


وقال الفراء:

العرب لا تذهب بالرجاء مذهب الخوف إلا مع الجحد، كقولهم ما رجوت فلانا، أي ما خفته، قال الله عز وجل : ( ما لكم لا ترجون لله وقارا ) سورة نوح 13. فمعناه: لا تخافون لله عظمة.

قال تعالى:

(إنْ هم إلا يظنون) سورة الجاثية 24.

ومعناه: إن هم إلا يكذبون، ولو كان على معنى الشك لاستوفى منصوبيه، أو ما يقوم مقامهما، وأما معنى التهمة فهو أن تقول: ظننت فلانا، فتستغني عن الخبر، لأنك اتهمته، ولو كان بمعنى الشك المحض لم يُقتصر به على منصوب واحد.


وقال الله عز وجل:

(وما هو على الغيب بظنين) سورة التكوير 24.

فيجوز أن يكون معناه بمتهم ويجوز أن يكون معناه بضعيف، فيكون الأصل فيه وما هو على الغيب بظنون، فقلبوا الواو ياء، كما قالوا: ناقة طعوم وطعيم، للتي بين الغثة والسمينة.

قال تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) سورة البقرة 216.

وعسى هنا لها معنيان متضادان: أحدهما الشك والطمع، والآخر اليقين.


وقال بعض المفسرين: عسى في جميع كتاب الله عز وجل واجبه.

وفسر الناس قوله تعالى (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

سورة البقرة 22 على جهتين:

معناه فلا تجعلوا لله أعدالا، فالأعدال جمع عِدل والعِدل المثل.

وقال آخرون أضدادا.

ومن الأضداد عسعس يقال عسعس الليل إذا أدبر، وعسعس إذا أقبل وقال الفراء في قوله عز وجل (والليل إذا عسعس) سورة التكوير 17: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر وحكي عن بعضهم أنه قال: عسعس دنا من أوله وأظلم.


- وفسر الناس قوله عز وجل (فصرْهُنَّ إليك) سورة البقرة 260 على ضربين:

قطِّعهن وقال غيره معناه ضمهن إليك.

ومن الأضداد أسررت بمعنى كتمت ويكون بمعنى أظهرت، قال تعالى:

(وأسَروا النجوى ) سورة الأنبياء 3 يعني أسروا ها هنا كتموا .


والهاجد من الأضداد، يقال للنائم هاجد وللساهر هاجد قال تعالى:

(ومن الليل فتهجد به نافلة لك) سورة الإسراء 79، فمعناه فاسهر به،

والمسجور من الأضداد يقال: المسجور للمملوء، والمسجور للفارغ، قال عز وجل: (والبحر المسجور) سورة الطور 6 يريد المملوء.

وقسط من الأضداد يقال: قسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، والجوْر أغلب على قسط قال عز وجل : ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) سورة الجن 15 ، أراد الجائرون.


ومن الأضداد البرْد وله معنيان: النوم وقال بعض المفسرين: البرد برد الشراب.

قال تعالى: (لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا) سورة النبأ أي نوما.

وأخفيت من الأضداد يقال: أخفيت الشيء إذا سترته، وأخفيته إذا أظهرته.

قال عز وجل:

(إن الساعة آتية أكاد أخفيها) سورة طه 15. فمعناه أكاد أسترها وقيل أكاد أظهرها.


والعاصم من الأضداد يقال: الله عاصم لمن أطاعه ويقال رجل عاصم أي معصوم، إذا فهم المعنى، قال الله سبحانه وتعالى:

(لا عاصم اليوم من أمر الله) سورة هود 43، فمعناه لا معصوم اليوم من أمر الله إلا المرحوم، ويجوز أن يكون عاصم بمعنى فاعل وتكون مَن في موضع نصب أو رفع على الاستثناء المنقطع.

ومن الأضداد أيضا الغابر فيقال: غابر للماضي، وغابر للباقي، قال عز وجل

(إلا عجوزا في الغابرين) سورة الشعراء 171معناه في الباقين.

الخاتمة

من خلال دراستي للتضاد في القران الكريم من زاوية لغوية توصلت إلى ما يلي:

التضاد موجود في القرآن الكريم بكثرة وقد اختلف المفسرون في تفسير الكثير منه.

يعد كتاب الأضداد للأنباري من الكتب المستحسنة ومثال حَسَن للتضاد، فبالإضافة إلى التضاد في القرآن فقد استشهد لنا ابن الأنباري بالشعر والحديث وجاء بالعجيب من أراجيز العرب مع دقة التحليل والرؤية الثاقبة، فكان بحق الأوسع كلمات والأحفل بالشواهد والأشمل للعلل بتعبير واضح، وأسلوب سهل.


التضاد ظاهرة لغوية مهمة تكشف لنا سر من أسرار اللغة العربية إلا أن توظيفه في القرآن لم يكن عبثا فقد كان لتقوية المعنى، والحث على التفكير والتدبير.

وفي الختام أرجو أن أكون قد وفقت في كتابة بحثي هذا فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فلي أجر المحاولة.

مراجع البحث

1- اللغة ومعاجمها في المكتبة العربية. تأليف: د. عبد اللطيف الصوفي- دار طلاس- 1986- 34.


2- المصدر السابق – ص 35

3- المصدر نفسه - ص 38

4- المصدر نفسه – ص 67

5- ابن الأنباري (271- 328هـ= 884- 940م): محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري، من أعلم أهل زمانه في الأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظاً للشعر والأخبار. قيل: كان يحفظ ثلاثمئة ألف شاهد في القرآن. ولد في "الأنبار" على الفرات وتوفي ببغداد. وكان يتردد إلى أولاد الخليفة الراضي بالله يعلمهم. من كتبه (الزاهر) في اللغة و (شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات) و (إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل) و (الهاءات) و (عجائب علوم القرآن) و (شرح الألفات) -رسالة نشرت في مجلة المجمع بدمشق. و (خلق الإنسان) و (الأمثال) و (الأضداد) وأجل كتبه -في رأي الزركلي- (غريب الحديث) قيل إنه خمسة وأربعون ألف ورقة وله (الأمالي) عن "الأعلام" لخير الدين الزركلي -الطبعة الخامسة 1980 دار العلم للملايين -المجلد السادس- ص 334.

6- الألفاظ الكتابية -تأليف: عبد الرحمن عيسى الهمذاني- مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت 1899- الطبعة الثامنة- ص 296.

7- المصباح المنير -تأليف: أحمد محمد بن علي الفيومي المقري- المكتبة العصرية- صيدا- الطبعة الثانية 1997- ص 186

8- كتاب الأضداد، تأليف: محمد بن القاسم محمد بن بشار الأنباري النحوي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، المكتبة العصرية ، صيدا ، بيروت ، 1987م.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى