عباس محمود العقاد - فلسفة ابن رشد

لخَّص الأستاذ موريس دي ولف آراء ابن رشد في كتابه عن تاريخ فلسفة القرون الوسطى٢ فقال: «كانت إسبانيا في القرن العاشر ملتقى أجناس كثيرة مختلفة أشد اختلاف؛ فكان اليهود والمسيحيون في دول المسلمين يعيشون جنبًا إلى جنب مع العرب … وساعد هذا على جعل إسبانيا مركزًا لحركة فلسفية قوية إلى القرن الثالث عشر.
ويرجع أصل الفلسفة العربية الإسبانية إلى القرن التاسع حين جدَّد ابن مسرة آراء أمبدوقليس المزعومة، ونجد في القرن الحادي عشر اسمَي ابن حزم القرطبي وابن باجة السرقسطي … وكان الأخير مؤلف كتب في المنطق، ورسالة في النفس وشروح عدة لأرسطو، وكتاب عن هداية المتوحد يصور درجات الاتصال عند المتصوفة، ونجد كذلك اسم ابن الطفيل وعنده مثل هذه الميول الصوفية.
ولكن أحدًا من هؤلاء الفلاسفة لم يبلغ مبلغ ابن رشد في ذيوع الصيت … ولم يكن لإعجابه بأرسطو حد … ولكن لا يُفهَم من هذا أن فلسفته إنما هي نسخة من الفلسفة الأرسطية.
ويمكننا أن نقسِّم شروح أرسطو التي تركها ابن رشد إلى ثلاثة أقسام: الشروح الكبرى، والشروح الصغرى، والمختصرات أو المقتبسات، فالشروح الكبرى تتابع الأصل متابعة دقيقة ثم تشفعها بالتفسير المستفيض، والشروح الأخرى أكثر تركيزًا وتنظيمًا في معالجة الموضوعات وترتيبها، وتورد عليها مناقشات وإضافات شخصية لا يسهل استخراج الآراء المنسوبة إلى أرسطو من خلالها، وإنما يتبع ابن رشد فيلسوف استاجيرة بغاية الدقة في المنطق وحده.»
ثم استطرد المؤلف إلى تلخيص فلسفة ابن رشد بعد بيان كُتُبه التي كانت متداولة بين قرَّاء اللاتينية، فقال:
إن وجود الكائن الأعلى — الله — هو موضوع فلسفة ما بعد الطبيعة، وإثبات وجوده قائم بالبراهين الفعلية، وهو الذي تَصْدُر عنه العقول منذ الأزل، وكل موجود غير الله لا يفسر وجوده بغير عمل خالق، فليست العقول صادرة على التتابع واحدًا بعد الآخر على حسب مذهب ابن سينا، بل هي من خلق الله أصلًا، وإنما يأتي تعددها من أنها لا تتساوى في الكمال والصفاء، وهي في الخارج متصلة بالأفلاك، فالسماوات جملة من الأفلاك كلٌّ منها له صورة٣ من أحد العقول، والمحرك الأول يحرك الفلك الأول، وهذا يحرك الأفلاك الأخرى إلى القمر الذي يحركه العقل الإنساني؛ لأنه يتصل بمداركنا ومعقولاتنا وله عمل على اتصال بما فوق الطبيعة كما في مذهب ابن سينا.
والمادة قديمة مع الله؛ لأن العدم لا يتعلق به عمل خالق … وهي عاجزة عن العمل، ولكنها ليست خواء تناط به الصور كما في مذهب الأفلاطونية الحديثة، بل هي قابلية عامة تشتمل على الصور المحتلفة، ومع حضور هذه المادة القديمة يُخرِج منها الخالق قواها العاملة، وينشأ العالم المادي من أثر هذا الخلق الدائم، ولا بد من تتابع هذه الحركات بلا بداية ولا نهاية.
والعقل الإنساني — وهو آخِر سلسلة الأفلاك — هو صورة غير مادية، أبدية، منفصل من الآحاد، متحد في جملته، وهذا العقل هو العقل الفعَّال والعقل الهيولاني أو العقل الممكن معًا. والعقل الإنساني في أفراد النوع البشري جميعًا واحد لا ينفصل بانفصال الأشخاص، ولا يتغير بتغيُّر الذات Objective، وهو النور الذي يضيء النفوس البشرية ويكفل للبشر مشاركةً لا تتبدل في الحقائق الأبدية.
والمعرفة العقلية٤ في الإنسان الفرد تَجري على النحو الآتي: فالعقل بتأثيره في أشكال الحواس التي تخص كل إنسان يتصل بذلك الإنسان حسب استعداده من غير أن يلحقه نقص بهذه الصلات المتعددة، وأول درجة من درجات هذا التعقل تحدث في الإنسان ما يُسمَّى بالعقل المكتسب، وبه يشترك العقل الخاص المنفصل في مدركات العقل العام المتحد، وهناك اتصالات أخرى بين عقل الإنسان والعقل العام، وهي الاتصالات التي تأتي من إدراك الماهيات المفارقة، وأعلاها وأرفعها ما يأتي من المعرفة اللدنية ووحي النبوة.
ويستتبع هذا القول أن الحياة بعد الموت عامة غير شخصية، ويفنى كل شيء في الإنسان إلا عقله الذي ليس هو بجوهر مستقل، بل هو عقل النوع البشري كله، عام في جميع آحاده.
وكثير من آراء ابن رشد يخالف المعتقدات الإسلامية، والواقع أنه نُبِذ لأن الخليفة اتهمه بانحلال العقيدة … على أنه لم يكن جاحدًا منكرًا للدين، بل عنده أن الدين يصور الحقائق الفلسفية على أسلوب المجاز، وهو يميِّز بين التفسير الحرفي لنصوص القرآن وبين معانيها التي يدركها الحكماء ويرتفعون بها وحدها إلى الحقائق العليا، ومن واجب الفلسفة أن تنظر فيما هو من تقليد الدين، وما هو من القضايا التي تحتمل التفسير، وعلى أي وجه يكون تفسيرها. وقد تسنَّى لابن رشد على هذه القاعدة أن يوفِّق بين القول بحدوث العالم على مذهب الغزالي، والقول بقِدَمِه على مذهب المشَّائين، وله رسالة خاصة يحاول بها هذا التوفيق، وفيها أول إيحاء بمذهب الحقيقة المزدوجة التي توسَّعَ فيها الرُّشْدِيُّون اللاتين فأفرطوا في تطبيقه.
•••
وهذا تلخيص أمين لفلسفة ابن رشد كما فهمها الأوروبيون في القرون الوسطى، لخَّصه عالم بالمصادر من المخطوطات والمطبوعات، وجاء فيه بما شغل القوم من تلك الفلسفة عدة قرون، ولم يهمل فيه إلا مسألتين، هما: مسألة علم الله بالجزئيات، ومسألة صفات الله. أما مسألة علم الله بالجزئيات فلعله أهملها لأنها لم تكن أصيلة في فلسفة ابن رشد، وأما مسألة صفات الله، فلعل الأوروبيين في القرون الوسطى أهملوها لأن إيمان العالم المسيحي بالأقانيم الثلاثة في إله واحد لم يجعل تعدد الصفات مشكلة لاهوتية لها من الشأن ما كان لهذه المسألة عند المتكلمين والمعتزلة من المسلمين، وابن رشد لم يطَّلِع على كتب المعتزلة كما قال في كتابه عن منهاج الأدلة، فمن ثَمَّ لم يتوسع في هذا الموضوع.
وأصاب مؤلف تاريخ الفلسفة في القرون الوسطى حين قال: إن فلسفة ابن رشد كانت تخالف في بعض مسائلها ما عليه جمهرة الفقهاء من المسلمين، وقد حصر الإمام الغزالي في آخِر كتابه «تهافت الفلاسفة» أهم المسائل التي دار عليها الخلاف بين الفقهاء والفلاسفة وقيل فيها بتكفير هؤلاء، وهي ثلاث مسائل: إحداها مسألة قِدَم العالم وأن الجواهر كلها قديمة، وقولهم إن الله لا يحيط علمًا بالجزئيات الحادثة من الأشخاص، والثالثة إنكارهم بعث الأجساد وحشرها.
وقبل تلخيص مذهب ابن رشد في كل مسألة من هذه المسائل الثلاث نجمل آراء الفلاسفة الإلهيين فيها، ونعني بهم الفلاسفة الذين يؤمنون بوجود الإله تمييزًا لهم من الفلاسفة الماديين من الأقدمين والمحدثين.
فالفلاسفة الإلهيون الذين قالوا بقِدَم العالم — وعلى رأسهم أرسطو — لم يكن منهم أحد قَطُّ يقول بقِدَم العالم ويعني بذلك أن وجود العالم مساوٍ لوجود الله، وإنما يقولون إن وجود العالم متعلِّق بإرادة الله، وإرادة الله قديمة لا تراخي لما تريده، وإن العالم لم يسبقه زمان؛ لأن الزمان من حركته.
أما علم الله بالجزئيات، فلم يوجد فيلسوف إلهي قَطُّ ينكر إحاطة الله — سبحانه وتعالى — بالجزئيات أو الكليات، وإنما ينزهون علم الله أن يكون كعلم الإنسان؛ فإن علم الإنسان تابع للأشياء التي يعلمها، وهو يعلمها جزءًا جزءًا ثم يحكم عليها جملة، ويستخرج من علم الجزئيات علمه بالكليات.
والفلاسفة ينزهون علم الله أن يكون كهذا العلم، ويقولون إن الله محيط بالجزئيات قبل وقوعها، على نحوٍ أشرف وأكمل من العلم الذي يتاح للإنسان ويكون في كل حال تابعًا لما يعلمه متوقِّفًا عليه.
أما البعث، فإن الفلاسفة الماديين لا يؤمنون ببعث الأجساد ولا ببعث النفوس، وليس من الفلاسفة الإلهيين مَن ينكر بعث الأجساد إنكارًا منه لقدرة الله على بعثها، ولكنهم يقولون إن الأرواح المفارقة أشبه بالعالم الأعلى، ومَن آمَن بالله وآمَن بقدرة الله وآمَن بالبعث فما هو من الملحدين.
وأما مسألة الصفات التي لم يذكرها الغزالي مع تلك المسائل الثلاث، فلم تكن موضوع بحث عند الفلاسفة الإغريق، ولم يكن لها شأن كبير عند فلاسفة الأوروبيين في القرون الوسطى، ولكنها أثارت الجدل الطويل بين علماء الكلام والمعتزلة والفلاسفة من المسلمين، ومثار الجدل فيها أن بعض الفلاسفة يقولون: إن صفات الله هي غير ذاته، وإن الصفات ليست بزائدة على ذات الله؛ لأن ذاته — سبحانه وتعالى — كاملة لا تتعدد، وغير هؤلاء الفلاسفة يردون عليهم ليوافقوا بين تعدُّد الصفات ووحدانية الله.
وقد كانت لابن رشد آراء في كل مسألة من هذه المسائل، ليست مطابِقة كل المطابَقة لما فهمه الأوروبيون في القرون الوسطى، وليست مغايِرة لها كل المغايَرة، ولكنها آراء كان الفيلسوف حريصًا جد الحرص على أن يلتزم بها حدود دينه، ولا يخرج بها عما يجوز للمسلم أن يعتقده وأن يعلِّمه للمسلمين، وسنرى مبلغ ما أصابه من التوفيق في هذا المجال، وهذه هي خلاصة آرائه في هذه المسائل وفي غيرها من مسائل الحكمة والعقيدة، معتمدين فيها على نصوصه العربية التي بين أيدينا، غير معولين فيها على مصدر من المصادر الأجنبية.



(*) المصدر/ ابن رشد، عباس محمود العقاد.
أعلى