أحلام معمري - إشكالية الأدب النسوي بين المصطلح واللغة:

في تحديد المصطلح (الكتابة النسوية):

ينبغي في البداية أن نقف عند مصطلح الكتابة النسوية أو النسائية لتحديد ماهيته قبل الخوض في طرح إشكاليتة بين الرفض و القبول عند النقاد و الأدباء. فعلى الرغم من تداول هذا المصطلح تداولا كبيرا في اللقاءات و الملتقيات الأدبية فإنه لا يزال غامضا و مبهما و يتم تناوله في غياب تحديد مرجعيته النظرية. إن الكتابة النسوية عند البعض تشير إلى أن يكون النص الإبداعي مرتبطا بطرح قضية المرأة و الدفاع عن حقوقها دون ارتباط بكون الكاتبة امرأة.[1]

وهي عند فريق آخر "مصطلح يستشف منه افتراض جوهر محدد لتلك الكتابة بتمايز بينها و بين كتابة الرجل في الوقت الذي يرفض الكثيرون فيه احتمال وجود كتابة مغايرة تنجزها المرأة العربية استيحاء لذاتها و شروطها ووضعهاالمقهور"[2].

أما الفريق الثالث فيرى أنه "الأدب المرتبط بحركة تحرير المرأة و حرية المرأة و بصراع المرأة الطويل التاريخي للمساواة بالرجل".[3]

و الأدب النسوي عند فاكت، هو "الأدب الذي تكتبه المرأة مستسلمة فيه لجسدها، و الذي نلمح فيه الأكليشيهات الكتابية. "[4]

وقد ظهرت تسميات أخرى للأدب النسوي ابتكرها الغرب ووصلت إلينا، إذ ظهرت في السويد تسمية هذه الكتابات بأدب ((الملائكة و السكاكين))، و هو ما قلده أنيس منصور حين أطلق على ما كتبته المرأة ((أدب الأظافر الطويلة))، كما سماه إحسان عبد القدوس ((أدب الروج و المانكير)) إذ رأى فيه أدبا صوتيا و شكليا تعتني المرأة فيه بالتأثير الرنيني و التخيلي عن طريق اختيار الجملة و العبارة دون التدقيق في الموضوع.[5]

و يفضل محمد جلاء إدريس مصطلح ((الأدب الأنثوي)) و يعرفه بما تكتبه المرأة من أدب، في مقابل ما كتبه الرجل، دون أن يحوي هذا المصطلح أحكاما نقدية تعلي أو تحط من قدره و يرفض المسميات الأخرى ((كالنسوية))، أو ((النسوي)) و ذلك لأنها تربط هذا الأدب تلقائيا بالحركة النسوية الغربية بكل ما تحمله من سوءات رفضتها المرأة نفسها. كما أنه يوقع خلطا في المفهوم، إذ يوحي بأنه الأدب الذي يتناول قضايا المرأة على نحو ما نجده في (أدب الطفل).[6]

وفق هذا التحديد المعرفي لا نقر بمصطلح "النسائية" لأنه لا يحمل توجها فكريا محددا غير أن مفرزة خطابه امرأة، كما أن مصطلح "الأنوثة" له علاقة بالبيولوجي أي بالجنس (ذكر-أنثى) وهو ما لم نرتضه، فآثرنا مصطلح "النسوي" لأنه يتسق في توجهه مع أفكار النقد النسوي الهادف إلى خلخلة الفكر الذكوري بكشف زيفه ومحاولة بناء خطاب جديد، وهذا ما سعت إليه الكاتبات ولاسيما الحداثيات.

وتبقى كلمة "نسوي" أو "كتابة نسوية" مجرد مصطلحات جاءت من الغرب لتفرض هيمنتها على الذهنية العربية، وعلى الرغم من أن كل النظريات النقدية الأخرى جاءت من الغرب -أيضا-، يبقى تحفظ النخبة قائما تجاه النسوية.

I- الموقف الرافض لمصطلح الكتابة النسوية:

إن ممارسة النقاد العرب لمسألة خصوصية الكتابة النسائية تكشف عن اختلافات عميقة في وجهات النظر تتراوح بين النفي و الإثبات.

1- الرفض النقدي للمصطلح:

ما تزال "الكتابة النسائية أو الأدب النسائي" مصطلحا غير ثابت و لا مستقر بما يثيره من اعتراضات و ما يسجل حوله من تحفظات، فترفض الناقدة خالدة سعيد مصطلح "الإبداع النسائي" من منطلق كون التسمية تتضمن الهامشية مقابل مركزيةمفترضة، هي مركزية الأدب الذكوري فترى أنه "مصطلح شديد العمومية و شديد الغموض، و هو من التسميات الكثيرة التي تشيع بلا تدقيق...و إذا كانت عملية التسمية ترمي أساسا إلى التعريف و التصنيف و ربما إلى التقويم، فإن هذه التسمية على العكس، تبدأ بتغييب الدقة، و تشوش التصنيف و تستبعد التقويم، هذه التسمية تتضمن حكما بالهامشية مقابل مركزية مفترضة" [7] ، إن مواقف المرأة سواء كانت ناقدة أم مبدعة منحازة إلى تجاهل المصطلح برمته وعدم الاعتراف به، من منطلق أن الأدب النسائي هو أدب إنساني بالدرجة الأولى تماما كالأدب الذي يكتبه الرجل, يخاطب الرجل بنفس الدرجة التي يخاطب بها المرأة.

و تذهب الناقدة السورية ((سمية درويش)) إلى حد اعتبار "أن تعبير الكتابة النسائية أقرب ما يكون إلى الكلام الدارج أو الخطأ الشائع."[8]

أما الناقد "حسام الخطيب" فيتأرجح موقفه بين القبول المشروط و الرفض الزمني التاريخي. ذلك أن قبول هذا المصطلح قد ينسجم مع سياق معالجة الأشياء الخاصة بالمرأة. و بهذا فلا يتعلق الأمر -فقط – بالكاتبة كامرأة و منتجة إبداعيا لهذه الأشياء و إنما تصبح المسألة مرتبطة بكل كاتب و مبدع استطاع أن يعالج القضايا الخاصة بالمرأة في إنتاجه الإبداعي (رجل أو امرأة) و هذا التصور جعل الناقد"حسام الخطيب" يرى أن هناك أدباء كثيرين – و لاسيما من بين كتاب القصص السيكولوجية و الغرامية – أولو القضايا الخاصة بالمرأة اهتماما مركزيا.[9]

و بهذا المفهوم فإن "الأدب النسائي" لا يعني بالضرورة أن امرأة كتبته بل أن موضوعه نسائي. فطرح المفهوم لا يتم من باب الاهتمام بالمرأة باعتبارها موضوعا، و إنما يتخلل المسألة تأسيس و عي جديد من قبلها حول ذاتها و ذات الآخر و محاولة تصفية اللغة من سلطة الرموز القائمة في الثقافة السائدة.[10]فآراء النقاد الذكور لا تقر بوجود أدب نسائي خالص، لأنه لا توجد ملامح واضحة خاصة بأدب المرأة.

2- الرفض الأدبي للمصطلح:

ويظهر هذا الرفض للمصطلح عند طائفة من الأديبات، فترفض الأديبة المغربية "خناثة بنونة" التعامل مع تعبير الكتابة النسائية لأنه يؤدي إلى التصنيف داخل الإنتاج الأدبي[11].

أما القاصة الليبية "لطيفة القبائلي" فتقول: "بالرغم من أني لا أوافق على هذا التقسيم الذي يفصل الأدب إلى نوعين.. أدب نسائي و أدب رجالي.. لكن المرأة في كتابات المرأة ليست ذات حضور أحادي الجانب، و إنما هي عبارة عن وجوه اجتماعية متعددة في إطار رؤية فكرية ناضجة."[12]

و لا تؤمن الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي بالأدب النسائي و تقول في هذا: ((أنا لا أؤمن بالأدب النسائي و عندما أقرأ كتابا لا أسأل نفسي بالدرجة الأولى هل الذي كتبه رجل أو امرأة.))[13].

و تعتبر الأديبة السورية "غادة السمان" مجرد الخوض في المفهوم يعد حوارا عقيما فهي ترى أنه ((من حيث المبدأ ليس هناك تصنيف لأدبين نسائي و رجالي. ))[14].

بل إن بعض المبدعات يعتبرن إدراج المرأة ضمن مصطلح "الإبداع النسائي" خسارة كبيرة للأدب مثل "سهام بيومي" و تعلل ذلك بكون عزل كتابة المرأة في نوعية معينة يعد شبيها بعزل المرأة في نوعية خاصة من المشاكل.[15]

الملاحظ أن واقع التصنيف هو الذي يتحكم في التصريحات عند المبدعات، كما يشكل بعض مظاهر السؤال الذي ينطلق منه النقاد العرب في معاينة هذا المفهوم. فتم تغييب أهم مكون في سؤال "الإبداع النسائي" و هو المتعلق بهذا الموقع الذي أخذته المرأة حين بدأت تكتب فتحولت من مفعول بها إلى فاعلة في عملية الخلق و الإبداع و الإنتاج. إذ لا تتم عملية الرفض من النص الأدبي (موضوع السؤال)، و إنما من طروحات جاهزة ذات علاقة بواقع المرأة و كأن مصطلح "الإبداع النسائي" ليس شأنا نصيا و لغويا و إنما شأن خارج العملية الإبداعية.[16]

II- الموقف المؤيد للكتابة النسائية:

أما الموقف المؤيد للكتابة النسوية فيظهر لدى بعض الكاتبات؛فتعبر إحدى الكاتبات عن علاقتها بمصطلح الكتابة النسوية "يعني بشكل خاص كل مصطلح جديد يعبر عن مفهوم الكتابة النسوية، و إن كانت الكتابة نفسها ليست في حاجة للوفرة في استخدام المصطلحات، لأنها كتابة فارقة تعبر عن نفسها، و قادرة على الاستمرار و النمو و التفوق. "[17]

كما يتشكل هذا المصطلح نسويا في ضوء قيمته الإنسانية و الإبداعية التي لا تعني بأي حال دونية ما كما يعبر عنها البعض، و هو ما تعبر عنه حمدة خميس بقولها: ((إن أدب المرأة - واقعا و مصطلحا- ينبغي أن يكون مصدر اعتزاز المرأة و المجتمع و النقاد. إذ إنه يصحح مفهوم الأدب الإنساني الذي يؤكد على قيمة الإنسان و قدرته على تحقيق ذاته. كما إنه يضيف إلى الأدب السائد نكهة مغايرة و لغة و ليدة و يعنيه و يتكامل معه. و هو أيضا خطاب نهوض و تنوير)).[18]

و يجيء التأييد للكتابة النسوية مشروطا بضرورة القراءات التطبيقية لبناء نظرية ثقافية نسوية و تنفي كل ما يتبادر للأذهان من أن الكتابة النسوية صفة سلبية عموما، و هو ما تقر به الناقدات اللواتي يسعين إلى نفي هذا التوهم حيث تصف بثينة شعبان العمل الروائي النسوي بأنه ((يعبر عن مدى وعي المرأة لأبعاد العلاقات الاجتماعية و جذورها، و المغزى البعيد للحدث السياسي و نتائجه الممكنة (...) و فهم ما ساهمت به الحساسية النسائية من إغناء البعد الاجتماعي و السياسي و الموضوعي للعمل الأدبي، يجعل و لا شك من هذه الصفة "نسائي" صفة قيمة، يحق للكاتبات أن يفخرن بها بدلا من أن يخشينها و يتجنبنها)).[19] و تتابع حديثها قائلة: ((علينا أن نبدأ بتحديد سمات الأدب النسائي العربي من خلال دراسة هذا الأدب دراسة جادة و معمقة و هادفة و ليس من خلال ترديد مقولات مستهلكة و عميقة، حينئذ قد تشعر جل كاتباتنا بالفخر لإلحاق صفة نسائي بكتاباتهن، و قد نضيف الجديد و الغني إلى الأدب العربي من خلال رفده بأدب نسائي طال إهماله و تجاهله و تشويه منهجه و مغزاه)).[20]

و هكذا نتبين نوعا من اللبس و التذبذب طبع هذه المقاربات النقدية لمصطلح (الأدب النسائي) أو (أدب المرأة) يكشف عن قصور الخطاب النقدي العربي في التنظير لهذه الظاهرة الشيء الذي لا يعني نفيا لوجودها، و إنما هو تأكيد على و جود واقع لم يصل النقد العربي بعد إلى إدراكه. من الظاهرة عندما يشيرون إلى بعض الخصوصيات الحاضرة في الكتابة النسائية.

بهذا فإن المحاولات السابقة المؤيدة والمخالفة للتسمية، لا تعدو أن تكون خوضا في مسألة يغلب عليها كثير من الافتعال، فالأدب سواء أكتبه الرجل أم المرأة فالمهم فيه مدى تبنيه لقضايا الإنسان من حيث هو إنسان.

الهوامش :

[1][1]نزيه أبو نضال (تمرد الأنثى في الإبداع النسوي العربي) : ملخص أبحاث مؤتمر المرأة العربية والإبداع، المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة 26-30 أكتوبر 2002، ص276.

[2]ينظر: محمد برادة، المرأة العربية و الإبداع المكتوب، ملخص أبحاث مؤتمر المرأة العربية، مرجع سابق، ص:225

[3] ينظر: أشرف توفيق، اعترافات نساء أديبات، دار الأمين القاهرة، ط1، ت:1998، ص:10.

[4] فاكت: النساء الجديدات الجريئات، نقلا عن:أشرف توفيق، المرجع السابق، ص:10 .

[5] ينظر: المرجع السابق، نقلا عن أشرف توفيق: اعترافات نساء أديبات ص 11 .

[6] ينظر: محمد جلاء إدريس، الأنا والآخرفي الأدب الأنثوي، دراسة حول إبداع المرأة في الفن القصصي، مكتبة الآداب-القاهرة، ت:2003.

[7] حسين نجمي، شعرية الفضاء السردي المتخيل و الهوية في الرواية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب.ص 173.

[8] درويش (سمية): الطاقة المبدعة هوية، مجلة الكاتبة، العدد الثاني، كانون الثاني/يناير، السنة الأولى 1994 ص 34، نقلا عن: زهوركرام، السرد النسوي العربي.ص:93 .

[9] حسام الخطيب حول الرواية النسائية في سورية مجلة المعرفة، العدد: 166، السنة 1975 ص80.

[10] المرجع السابق، زهور كرام، ص 94.

[11] ينظر: زهور كرام، السرد النسائي العربي، مقاربة في مفهوم الخطاب، شركة النشر و التوزيع، المدارس، الدار البيضاء، ط 1 ، 2004، ص 94.

[12]ا القبائلي لطيفة، عن مجلة تايكي ثقافية تعنى بقضايا المرأة، نقلا عن:زهور كرام، المرجع السابق، ص: 94 .

[13] القدس العربي، السنة الرابعة، العدد، 1076، نقلا عن : زهور كرام ص:94 .

[14] حسام الخطيب، حول الرواية النسائية في سورية، مجلة المعرفة العدد 166 ص81.

[15] بيومي سهام، الأدب النسائي، حجاب لعزلة المرأة، مجلة: الكاتبة، العدد الثاني، كانون الثاني/ يناير، السنة الأولى 1994، ص 37.

[16]ينظر زهور كرام، السرد النسائي العربي ص 95.

[17] المرجع السابق المرأة و علاقتها بالآخر، نقلا عن المشهد النسائي الروائي العربي: ثورة سيطرة الرجل أم ثورة على خضوع المرأة، مجلة الجديد في عالم الكتب و المكتبات العدد 17، ربيع 1998 ص 38.

[18] المرجع نفسه. نقلا عن: حمدة خميس: في مفهوم الأدب النسائي جريدة الجزيرة، العدد 93 88، 2/2/1997. ص 264/265.

[19] بثينة شعبان: الرواية النسائية العربية، مجلة مواقف، ص 232- 233.نقلا عن حسين المناصرة المرأة و علاقتها بالآخر ص 265.

[20] المرجع نفسه ص نفسها.


Catégorie parente: Revue Makalid

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى