أحمد أمين - قيمة الثقافة..

للثقافة قيمة مالية مقررة. فالليسانس والدكتوراه والدبلوم وما الى ذلك من الأسماء، هي عنوان للثقافة، أو بعبارة أخرى تتويج لمجهود سنين قضيت في تحصيل العلم، وتأتي (المالية) بعد فتقدر هذه الدرجات بالجنيه والمليم، وتجعل لكل منها قيمة مالية خاصة، ولها العذر في أن تخالف بين الدرجات، وتسوى بين حاملي الدرجة الواحدة وإن اختلفوا في مقدار الثقافة، لأنه لم يخترع الى الآن مقياس دقيق يوزن به الفكر ومقدار استعداده وزناً صحيحاً. ولو اختراع هذا الميزان لألغيت الدرجات، واكتفى بوزن الكفايات؛ ولكن من لنا بذلك وقد عجزت المدنية الحديثة عجزاً تاماً عن اختراع هذا الميزان.

وللثقافة كذلك قيمة اجتماعية، فالثقافة ترفع من كان من طبقة وضيعة، الى ان يكون أحياناً مساوياً لمن كان من طبقة رفيعة، فحامل الشهادة العليا يرى نفسه - وقد يرى الناس معه - أنه صالح لأن يتزوج من طبقة راقية، مهما كان منشؤه ومرباه. وقديماً قال الفقهاء في (باب الزواج): إن شرف العلم فوق شرف النسب - والمثقف الراقي له الحق أن يكون عضواً في الأندية الراقية من غير أن يسأل عن نسبه وحسبه - بل له أن يُدِلّ على أبناء الطبقة الأرستقراطية إذا نال درجة لم ينالوها، وعرف من أنواع الثقافة ما لم يعرفوا، وله من حرمة الناس في المجتمعات والأندية ما لا يناله غير المثقفين، وإن كانوا من بيت خير من بيته، وفي نسب خير من نسبه.

ولكن لا أريد أن أتحدث في شيء من هذا ولا ذاك، فليست تعنيني الآن الناحية المالية للثقافة، ولا الناحية الاجتماعية لها - وإنما أريد أن أتسأل: ما القيمة الذاتية للثقافة؟ إن المال واحترام الناس عرض خارجي، فما القيمة الثابتة التي تتصل بنفس المثقف ولا تفارقها في فقر أو غنى، وفي جاه وغير جاه؟ أهم قيمة - في نظري - لثقافة المثقف هي كيفية نظره الى هذا العالم. ذلك بأن عيون الناس في نظرها الى الأشياء وحكمها عليها ليست سواء، فعيونهم الحسية وإن اتفقت في الحكم على الألوان بالسواد والبياض والحمرة والصفرة، وإن اتفقت في الحكم على الأبعاد قرباً وبُعداً، وإن اتفقت في الحكم على الأحجام كبراً وصغراً، فان العيون النفسية لا تتفق في نظرها ولا حكمها، فالشيء في نظر الأبله غيره في نظر الفيلسوف، وبين هذين درجات لا حدّ لها، وليس للشيء الواحد معنى واحد، بل معان متعددة تتسلسل في الرقي، والناس يدركون من معانيه بحسب استعدادهم وثقافتهم وأذواقهم.

وقد حكموا أن عيسى عليه السلاام مرّ هو وأصحابه بجيفة فقالوا: ما أخبث رائحتها! وقال هو: ما أحسن رياض أسنانها! ونظر الرجل العادي الى حديقة مزهرة غير نظر الاديب الفنان، هذا ينظر اليها فيقرأ فيها من المعاني والجمال ما يمتزج بنفسه، ثم يسيل على قلمه كأنه قطع الرياض - وذاك ينظر اليها نظرة مبهمة، لا تُسفر عن معنى، ولا تُعْرف لها وجهة، نظرة بليدة جامدة، لا يسعفها ذوق ولا تخدمها قريحة.

ومثل هذا في كل شيء يعرض على العين، فكل شيء في السماء وفي الأرض لا يحمل معنى واحدا بل معاني متعددة، وقيمة الثقافة ان تنقل العين من أنظار سخيفة ومعان وضيعة الى أنظار بعيدة ومعان سامية. فالاديب اذا لم ينظر في المرأة الا الى حسن جسمها وتناسب أعضائها لم يكن أديباً مثقفاً وقلنا له كما قال المتنبي

وما الخيل الا كالصديق قليلة ... وان كثرت في عين من لا يُجرّب

اذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب

ففرق كبير بين ان تنظر الى المرأة كشيطان وان تنظر اليها كأنسان وان تنظر اليها كملك - وفرق كبير في كل شيء في الوجود يعرض على أنظار الناس

وكل انسان له نظراته في العالم من اسفل شيء إلى أرقى شيء، من مادة تحيط به ومال يعرض عليه وأعمال تتعاقب أمام نظره واله يعبده - هو في كل ذلك قد يكون سخيفا في نظراته، وضيعا في رأيه، وضيعا في حكمه وقد يبلغ في ذلك كله من السمو منزلة قل أن تنال. وعمل الثقافة ان تنتشله من تلك النظرات الوضيعة الى هذه النظرات السامية

وليست نظرات الانسان الى الحياة قوالب من طوب، كل قالب مستقل بنفسه، محدود بحدوده، انما هي كسائل لطيف اذا لوَنْتَ نقطة منه بلون مشع اللون في سائر السائل، واذ سخنت جزءا منه وزع حرارته على السائل كله حتى يتعادل - بل الرأي والنظرات ألطف من ذلك وأدق وأرق. فاذا رقى النظر الى شيء أثر ذلك رقيا في سائر النظرات. فكل نظرات الحياة متأثرة بنظرك الى نفسك والعكس، بل نظرك الى الله تعالى متأثر بنظركُ الى عالمك المحيط بك - وهذا ما يجعل الثقافة في أية ناحية من النواحي الأدبية والعلمية يؤثرا أثراً كبيراً في النواحي الأخرى حتى ما تظن أن ليست له صلة به. وقد أصاب صديقي يوما اذ كان يقول (ان رقى الامة في الموسيقى وتذوقها الصوت الجميل والغناء الجميل يجعلها تتعشق الحرية وتأنف الضيم وتأبى المذلة) فمحيط المخ والعقل والشعور محدود، كل ذرة فيه تتأثر بأقل شيء وتؤثر بما تأثرت - والفكرة الجديدة قد تدخل في الفكر فتقلبه رأساً على عقب وتجعل من صاحبه مخلوقاً جديداً يقل وجه الشبه بينه وبين ما كان من قبل، فتجعله في أعلى عليين أو أسفل سافلين.

ان كان هذا صحيحاً، وكانت قيمة الثقافة الذاتية في مقدار ما رفعته في المثقف من وجهة النظر الى الاشياء وتقويمها قيما جديدة اقرب الى الصحة، أسلمنا ذلك الى نتائج خطيرة - فدين خير من دين بمقدار ما تحاول تعاليمه من رفع مستوى النظر الى الله تعالى والى الحياة - وعلم خير من علم باعتبار ما يؤدي اليه من نظر راق صحيح - وثقافة الانسان لا تقدر بمقدار ما قرأ من الكتب وما تعلم من العلوم والآداب ولكن بمقدار ما أفاده العلم، وبمقدار علو المستوى الذي يشرف منه على العالم، وبمقدار ما اوحت اليه الفنون من سمو في الشعور وتذوق للجمال.


أحمد أمين

مجلة الرسالة - العدد 33
بتاريخ: 19 - 02 - 1934

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى