فاتن فاروق عبدالمنعم - الرواية: بهروئيل.. المؤلف: رفاعي سعد الله

الكاتب الكبير رفاعي سعد الله أراد تناول القضية الأم بشكل مختلف، تنوع السرد بين فلسطين وإنجلترا أكثر من غيرهما، حيث تبادل الإسراء بالقاريء بينهما، والمعراج أحيانا على نصوص توراتية أو نكبة الانتداب البريطاني ومن بعده الكيان الغاصب لفلسطين، لاقتفاء أثر مخطوطة قديمة تنفي أحقية اليهود في فلسطين، فخطى في تمهل كي يكسبنا التأمل عن عمه وربما يخاطب الغرب المؤازر للكيان الغاصب لفلسطين بصورة مختلفة، وأيا ما كان مقصده،

فالنص الأدبي باذخ اللغة والمعلومة، سيرما فنية منظومة بعناية من الكاتب الذي يمتلك أدواته معربا عنها في تميز لا تخطئه العين، والبناء متعدد الطبقات والتيمات المتناغمة، وهو كاتب مسرحي بالأساس، واستغل هذه المهارة في كتابة الرواية التي تحتمل أو تستوعب كل أنواع الأجناس الأدبية، فهي مقسمة إلى فصول معنونة بعناوين دالة لفظا ومعنى، واللغة بعامة منتقاة من الإرث الديني على تنوعه، والتاريخ، والأسطورة، حتى سارة أستاذة الكتاب المقدس التي جلست بين يدي عرافة لتفك لها شفرات رؤية منامية، فانسابت العرافة العمياء في كلام مبهم قوامه إيمانها المطلق بتناسخ الأرواح، كأنه ينزع عنها أي مصداقية لواحدة من “شعب الله المختار” ففي النهاية جلست بين يدي عرافة!

ليبهرنا في النهاية بنسيج متضام موشى بثقافته الموسعة ورحابة صدر احتوى بها الفرقاء لدرجة مدهشة، وبلغ تصوره لرؤية رومانسية تخص الكاتب، من الممكن أن يكون طرح يخاطبهم بها أنكم من الممكن أن تقيموا حياة آهلة لا تشوبها شائبة، كل طائفة تتمتع بخصوصيتها الدينية دون إثارة مشكلة مع الأطراف الأخرى، فالأرض تسع الجميع، والله يوزع البركات ولا يوزع الأراضي، مؤكدا على معنى الوطن الذي يستطيع أن يسع الجميع بغض النظر عن الدين، ومثل هذا المعنى تجلى في الحوار الجامع بين جملة من الفرقاء الذين جمعتهم رحلة البحث عن مخطوطة بهروئيل فكان

آدم يتحدث بشماته مع ماريام، وليليان، وجاسمين عن الأعداء الذين قتلوا آله في السابق وعدم تمكنهم من العثور على المخطوطة، فعبست ليليان لانحياز آدم لأصوله الفلسطينية، ثم دار سجال بينهما على أن ما حدث ومن يريد التعاطف معهم ومحكامتهم ماتوا من سنين ومن يريد طردهم الآن سيلاقون نفس مصير الفلسطينيين في السابق، أي أنه هولوكست جديد، فكيف ينعم الأبناء بما سرقه الآباء؟!

ينتهي بهم الحال أن مريام الأرثوذكسية ومارك الكاثوليكي وجاسمين البروتستانتينية وآدم المسلم وليليان اليهودية جميعهم يقفون بجانب الحق!

مما يجعلنا نتساءل فمن الذي يعاضد هذا الكيان الغاصب لفلسطين ليمد في عرقه دماء الحياة كي يحافظ ديمومته؟ وبفرض وجود هذا التنوع الذي يناصر الحق، فهل هم كتلة حقيقية وذات ثقل مؤثر؟ أم أنهم بعيدين عن دوائر صنع القرارات المصيرية التي أطاحت بملايين الفلسطينيين دون أن يطرف جفن للعالم الحر!!

تبدأ الرواية من بيت عائلة يهودية بكفر حاباد بفلسطين المحتلة، يتوازى سماع سارة خبر مقتل البروفيسور الانجليزي روبرت مارك أستاذ التاريخ بجامعة أكسفورد على أثر اكتشافه مخطوطات بعكا تنفي توراتية الأرض مطالبا المجتمع الدولي بدعمه في مهمته البحثية، ومع الخبر المذاع كانت تلميذته الباحثة السمراء تتهم حكومة بلدها بتقاعسها عن إعلان هوية القاتل مراعاة لظروف سياسية مما يدل على أن القاتل صهيوني آثر التخلص من الأستاذ الذي سيتعارض بحثه مع أهدافهم، يرافق ذلك سجال بلغ حد التدافع بين الخال الحاخام المتقاعد وخادمه، الخال عزرا وخادمه جدعون ينتميان لمجموعة الليوبافيتش (وهو اسم يشير إلى الأصول الروسية وهي طائفة دينية متشددة) التي تحرص على اتباع التعاليم التوراتية، ومن خلال السرد المتقن يتبين لنا التمييز العنصري الذي يعاني منه هذا الكيان الهش وأنه مجتمع طبقي بامتياز يحمل في جوهره أقوى دعائم انهياره، أم سارة من أصول روسية ووالدها من أصول عربية بيافا، قاوم الاحتلال الاسرائيلي في البداية مع الفلسطينيين مما جعل من مباركة زواجهما أمرا صعبا من الخال الروسي الذي يرفض الاختلاط بدماء عربية.

هذه هي حقيقة الوطن الذي يدعو الكاتب إلى الاحتماء بدعائمه والتي هي أهم عوامل انهياره وتداعيه، وهذا هو حال تركيبة سكان الكيان الغاصب لفلسطين، التراتيبية والدرجات المجتمعية الطبقية التي تميز هذا من ذاك طبقا للأصول التي ينحدر منها، وكأنه شركة متعددة الجنسيات، وهم أنفسهم لا يصدقون أن لديه القدرة على الاستمرار الطبيعي دون قبضة أمنية ظالمة باطشة، لدرجة أن خال سارة، الحاخام عزرا وهو على فراش الموت أوصى بدفنه في روسيا،

وهذه من اللحظات القليلة التي يصدق فيها أي محتال مع نفسه ومع الآخرين، فهو يريد أن يدفن بوطنه الحقيقي روسيا، معترفا بأن هذا الوطن المسروق لا يمكن أن يمدوه بأمصال الحياة مهما فعلوا وأن قدومهم إليه كان خطيئة ارتكبوها في حق أنفسهم، فهذه الدولة البتراء لا حدود لها بالأمم المتحدة، وشارون نفسه صرح بأن حدود هذه الدولة حيث ترسو قدم آخر جندي صهيوني.

سارة التي تعمل أستاذة للكتاب المقدس بالكلية التوراتية للتربية تقدمت للعمل التطوعي بالموساد، وهي من قابلت السيد كاترون رئيس قسم المعلومات بالجهاز، الذي ينتمي ليهود المجر، ومعروف بكرهه للنازيين الذين قتلوا أباه وهو طفل رضيع، هاجرت به أمه إلى فلسطين المغتصبة فور الإعلان عن كيان دولتهم وهو في الثامنة من عمره، انضم للعمل بالموساد وهو في العشرين من عمره وأول عملية شارك فيها كانت عملية خطف النازي المعروف أودلف أيخمن تحت قيادة أيسر هاريل رئيس الموساد وقتئذ، نجحوا في ترحيل أودلف إلى فلسطين وتم إعدامه وحرق جسده وإلقائه بالبحر.

الموساد معنية بالوعي الجمعي لدى كيانهم، فبمجرد أن صدق بعض اليهود أن حاخاماتهم يعجنون فطيرة عيد الفصح “بدماء بشرية” بما يعرف بفطيرة الدم قام كاترون بنفي الفعل من خلال مقال كتبه، وهي إشارة قوية من الكاتب إلى عنايتهم بتوجيه الرأي العام، فلا تفوتهم ثغرة ما يخترقهم آخرون من خلالها.

من خلال السرد المنساب أشار الكاتب إلى واحد من الأسئلة التي وجهت لسارة بالموساد

“هل توافقين على استخدام جسدك خدمة لإسرائيل”

إذا رفضت فعليها أن تختار مما هو مدرج عن أسباب الرفض (أسباب صحية أم نفسية) فشطبت الاثنين وكتبت لأسباب دينية.

لما اعترض كاترون على خيارها قائلا “كنت أتمنى أن يكون الدين لديك مجرد ثقافة” ما يدل على أن كيانهم الصهيوني علماني بصبغة دينية، أو أنهم حولوا دينهم إلى قومية يرفعون لوائها فقط، وفي توضيح أكثر تأطير لهذا الكيان يقول كاترون:

“جميع العرب تحت أعيننا، نعرف ما يفعلونه وما ينون فعله، فقد كرسنا كل جهودنا لمراقبتهم، ولكنهم ليسوا العدو الأوحد”

وهو ما يعني أن كل من يعوق شيء ما يخصهم هو عدو، يتضح ذلك من الرسالة اللامهملة والتي يلقيها آدم المسلم أثناء صلواتهم عند حائط البراق المسمى زورا وبهتانا بحائط المبكى، يلتقطها موسادهم ليقرأوا مابها من أجل أمن كيانهم، من هذه الرسائل تلك التي أعطاها كاترون لسارة وفيها:

“بهروئيل العظيم، توصلنا إلى مكان لفائفك، سوف نحرق بخور العنفريد حتى تحل علينا بركتك…..أتباعك المخلصون” الرسالة مختومة بخاتم بهروئيل باللغة السيريالية أسفله قطرة ماء.

بهروئيل إما نبي أو حكيم له اتباع كثر، وكانت مهمة سارة الوصول لهذه المخطوطات التي تهدد وحدة كيانهم، ومن جامعة أكسفورد بانجلترا يبرز إسم عالمة الآثار كاثلين كينون التي عثرت على مخطوطات تتناقض مع ما جاء في التوراة، من خلال حديث مريام مع والدها الذي فقد بصره منذ عشر سنوات (وهو من كان عميلا لحساب الموساد على بلده زنجبار) والذي حذرها من مرافقة دكتور روبرت نظرا لشعوره بالخطر الداهم الذي يرزح فيه، وفي إيجاز يوضح والد مريام لها طبيعة الصهاينة فيقول لها:

“ستواجهين عدوا لا يتورع عن فعل أي شيء، من أجل إخفاء الحقيقة”

نعم هم بارعون في إخفاء الحقائق، ولكن مما لا شك فيه أن براعتهم تأتي من إخفاق الأطراف الأخرى في تبيانها، وليس لأنهم خارقون أو سوبر.

حوار جاسمين مع زوجها البروفيسور روبرت بين لنا أن خطورة حمل هذه المخطوطات التي بعنوان (وصيتي) ليس من الصهاينة فقط ولكن من البروتوستانت الذين يشتركون مع الصهاينة في نفس الاعتقاد بوجوب عودتهم لأرض الميعاد كي يعود المسيح ويقيم الألفية السعيدة.

وبعذوبة مبطنة عتابها على زوجها الكاثوليكي الذي يتهم طائفتها بالانحياز للظلم قالت أنهم ليسوا جميعا يوقنون بذلك وإلا ما تزوجته، فهي تؤمن برب يوزع البركات وليس برب يوزع الأراضي.

ولكن ما لم تدركه أو تتغافل عنه جاسمين أن هذه العقيدة هي من حركت جيوش أمريكا كي تقتل الملايين تلو الملايين بالعراق وأفغانستان، فهم يحاربون استنادا لمعتقد ديني يملأ داخلهم، فدون أن تراق دماء المسلمين بحورا وأنهار لن يأتي مسيحهم!!!

مارك وليم، والد روبرت كان ضابطا بالجيش في الفترة (1945- 1983)، ولما علم جد روبرت أن دفعة ابنه مارك ستبعث إلى فلسطين انتابه القلق لإيمانه التام بهمجية وجهل العرب الذين يفضلون المحتل من أهل دينهم على من يريدون نشر الثقافة والرقي.

فمن هم الذين سينشرون الثقافة والرقي بيننا، الإنجليز أم الصهاينة؟!

ثم ينتهي الحال بروبرت أن قتله الصهاينة دون أن يمنحوه “رقي وثقافة” وإنما بارود، ولم يقتله العرب الهمج الجهلاء!!!

ترك مارك وصيته لابنه تحتوي على معلومات عن مخطوطات عكا، وصاه فيها أن يضعها مكانا آمنا حتى يعلنها على الملأ في الوقت الذي يراه مناسبا.

يعترف الضابط الراقي المثقف أنهم (الجيش الإنجليزي) قتلوا الكثير من سكان عكا أثناء احتلالهم لفلسطين، لذا كان بعض “الأشقياء” منهم على حد تعبيره يزرعون لهم الألغام في الطرق التي يسلكونها ردا على أفعالهم، وأراد على حد تعبيره أن يقترب من أولئك “المزعجين” فكان يراهم من بعيد مخلوقات بدائية غامضة، ربما أقرب للحيوان من الإنسان!!
Fatenfarouk
Fatenfarouk Abdel Moneem
ولما اكتشف جنديا عربيا في العقد الثالث من العمر نحيل وشاحب الوجه، ووجهه يفيض حزنا وقف يقول شعرا في الجفرة محبوبته، فأمر بإحضار مترجم كي ينقل له ما يقول فدهش الضابط الإنجليزي (الذين احتلوا مصر وفلسطين وغيرهم ليعلمونا الثقافة والرقي) بعذوبة وجمال ما قاله الجندي العربي الذي يراه أقرب للحيوان منه إلى الإنسان، رأى شعره لا يقل عن شعر “ألكسندر ميلين” حيث عبر قائلا :

“يا الله إنهم يشبهوننا، وما وصلني عنهم غير دقيق، وددت أن أطلق سراح الرجل في التو وأدعه يذهب إلى حاله، فهو مجرد راع مشتبه فيه، لم تثبت إدانته، ولكنني أبقيه لبعض الوقت لأسمع منه المزيد، تمنيت أن أرى الجفرة التي يتغنى بها هل هي في جمال حبيبتي ليزا”

(جفرة النابلسي طالبة بالجامعة، فلسطينية أحبها الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة وكتب فيها قصيدة من شعر التفعيلة الحر يصف مأساتها عندما استشهدت في الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976م بعد أن أوشك على إتمام زواجه بها)

ينتقل بنا الكاتب إلى بقعة جديدة أو معراج جديد ليكشف عن جديده من خلال

باحث بريطاني آخر يدعى آدم جوزيف أكد على وجود مخطوطة بهروئيل، وأوعز كاترون إلى سارة بالسفر إلى إنجلترا لمقابلة آدم جوزيف، وعلى حد تعبير كاترون سترافقها “صاروخ ناعم” من الصواريخ التي تقدم جسدها خدمة للوطن وتدعى نيفا، وتحفظت سارة الملتزمة دينيا على هذا الدور وخرجت من عنده تدعو الرب أن تنجح في مهمتها دون أن تحيد عن مبادئها ولكنها سرعان ما حادت عنها مع آدم .

في كويكات داخل عكا ما زال الضابط مارك مأخوذا بما سمعه من الشاعر الفلسطيني والذي أثار فضوله لمعرفة الفلسطينيين عن قرب دون الوقوع تحت طائلة القانون العسكري فأبلغ رؤسائه بأنه ينوي التعرف على أهالي القرى المجاورة متنكرا حتى يعلم ما يخططون له كي يحبط مخططاتهم، فهبط إلى قرية كويكات مسقط رأس شاعر الجفرة فأسره جمالها، ولكن شان هذا الجمال زائيف اليهودي من أصل هولندي صاحب حانة على الطريق تقدم المشروبات الكحولية ورحب بمارك الذي قدم نفسه على أنه يعمل بالجيولوجيا، وفي حوار استنكاري من قبل صاحب الحانة الذي قال لمارك تصور أن أهل هذه القرية لا يشربون النبيذ، أي دين هذا الذي ينهاهم عن شربه؟! فقال له مارك تعني أن شرب النبيذ لديكم مقدس؟

فقال: نعم إن شرب الكحول يزيد الحب عند اليهود.

ودون تقصد من الكاتب ضم نسيجه زائيف ممثل الصهيونية شكلا وموضوعا ليتحقق أمام القاريء ما قاله ربنا عز وجل في اليهود شارحا ما نحن فيه تفصيليا ولكننا بكل أسف استجبنا طواعية لمخططاتهم دون الانتباه لما حذرنا منه ربنا عز وجل

“وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا” 4 الإسراء

علوهم قرين إفسادهم في الأرض، مما يعني أنهم حريصون على إفسادنا، وهذا يعني أيضا أن القضية الأم هي سرقة فلسطين، فكل ما نعانيه بسبب وجود هذا الكيان اللقيط، فهم الأعلى تعليما وصحة وسياسة واقتصاد…..إلخ، في المقابل نحن الأدنى في كل شيء، وهذا مالا تخطئه العين.

اليهودي العربي هارون وهو من سكان القرية الذي وكّله أهلها بالحديث إلى زائيف بضرورة غلق حانته لأنها ضد عاداتهم وتقاليديهم فلا يمكن أن يقبلوا بوجود ماخور بينهم، فقابل زائيف طلبه بالصلف والغرور (فعله يقتضي إفساد الفلسطينيين) لأن هذا تعدي على ملكيته الشخصية وأن هارون أصبح يميل للعرب المسلمين ولا يؤازر أخيه اليهودي بينما هارون أخبره أن عشرتهم طيبة ولم يتعرضوا له بسوء يوما ما، حتى إذا انصرف مال زائيف على مارك قائلا أرأيت ياسيد مارك ما نلاقيه وسط هؤلاء الرعاع؟ ألا يعد منعهم هذه الأعمال تخلف.

هذا هو غرسهم بيننا الذين ابتدأوه منذ زمن بعيد وهاهو يأتي ثماره بيننا اليوم، فقلبت الأوضاع واختلفت المسميات وتداعت الأمور وأصبح السائرون على هدي أهل هذه القرية ينعتون بكل نقيصة، ونقيضهم تدبج لهم المبررات ويفسح لهم الطريق.

ثم شيئا فشيئا يسفر لنا الكاتب عن وجه الصهيونية ومبتغاها من خلال زائيف، الذي استاء من إلحاح هارون اليهودي الفلسطيني على ضرورة أن يغلق زائييف ماخوره الذي ترتكب فيه كل أنواع الموبقات والتي تسوء سكان القرية، ورفض العدول عن تغيير نشاطه، ثم على طريقة الإمساك بالعصى من المنتصف قبل بأن تقدم حانته فقط الخمور والنبيذ للرجال ولن يدخل ماخوره النساء، ولكنه لم يلبث أن مارس كامل نشاطه أكثر من ذي قبل، فقد مارس الخداع الممنهج ليمرر مخططه في إفسادهم، إن هذا أنموذج شارح لما يفعله الكيان الغاصب بنا جميعا وليست فلسطين وحدها.

اجتماع شارح دال من الحاكم العسكري البريطاني مع شيوخ القبائل في حضرة زائيف الذي رافق المنتدب البريطاني ليكون ممثلا عن اليهود الذين سيتقلدون الحكم عقب رحيل الانجليز، المنتدب البريطاني الذي كان فحوى حديثه أن لا أمام الفلسطينيين سوى الاستسلام وإلا سيتعرضون للهلاك المحقق (ديباجة وتيمة المحتل في كل زمان أنتم لن تقدروا علينا، حرب نفسية) ولكن شيوخ القبائل أعلنوا في عزة نفس أنهم لن يستسلموا، أما مارك الإنجليزي السارد للموقف قال:

“وددت لو صافحت رؤساء القبائل ولكنه خاف من ردة فعل قادته”

ثم يصوغ الكاتب مفردات الألم ليوخذنا بها مذكرا إيانا ربما نسينا وفي مشهد يحقن فينا وجعا سرمديا كأنها صاعقات كهربائية يصور الفلسطيني الذي طرد من بيته ثم عاد يستجديه من العدم، ليبكينا ويدمي قلوبنا ويجعل الألم يسري في أرجائنا على مهل:

سارة التي يقبض خالها يده على ميراثها حتى لا ينتقل إلى رجل غريب (زوج من طائفة أخرى) طرق بابها رجل عربي دخل بيتها دون استئذان وأخذ يتجول فيه ويتحسس حوائطه فاتصلت بالشرطة التي اعتقلته حتى مات من التعذيب، لأنه تجرأ ودخل الذي كان بيته!!

وبذكاء وحنكة الكاتب قص لنا مصاحبة خليل لمارك ليدخل قرية كويكات، ودون خليل كان لا يمكن لمارك أن يدخل القرية ويتجول فيها، وكانه إسقاط على فلسطين كلها فلولا نفر منا مثل خليل ما استطاع اليهود أن يدخلوها.

أما مارلين الطبيبة البروتوستاتية فهي تنتمي إلى جمعية دينية تساعد اليهود الراغبين في الهجرة إلى فلسطين بمدهم بالأموال التي يحتاجون إليها وتذليل الصعاب التي تحول دون ذلك وتتطلع في اليوم التي تعود فيه إلى اسكتلندا موطنها الأصلي، البروتوستانت من أكثر الطوائف التي تعاضد اليهود وإلى يومنا هذا.

الجانب الآخر من الموساد، نيفا التي اختارت حانة تشبه الماخور لتقابل فيها سارة الباحثة الملتزمة دينيا والتي هي على النقيض التام من نيفا ولكن الشيء ونقيضه جناحي الموساد، لا غنى عنهما.

قال زعيم طائفتنا:

“إن من اشترك من اليهود في الحرب له أجر وثواب أكثر من أولئك الذين يدرسون التوراة وإنه لايجوز لإسرائيل أن تعيد شبرا للعرب من الأرض المكتسبة، فهو مخالف للشريعة اليهودية”

هذا ما قاله جدعون خادم الحاخام عزرا لسارة والتي انفصل والديها دون أن تقف على الأسباب التي أدت إلى ذلك، أمها تؤمن بمباديء طائفتها والأب كان له أصدقاء من العرب ورفض الاشتراك في الجيش الصهيوني لقتال العرب، ولكن الجمع بين النقيضين يعد ضربا من المستحيل، فزوجته تحتقره لرفضه الاشتراك في جيش كيانهم، والعرب قطعوا علاقتهم به لأنه تزوج من وافدة جاءت على أنقاض دولتهم.

جمعية خيرية إسلامية في إنجلترا تتلقى دعما من البروتوستانت الداعمين للكيان الغاصب لفلسطين كي يكون لها أتباع في مصر يقومون بعمليات إرهابية، ولا استبعد هذا بالطبع ولكن هذا موضوع معقد وشائك وكان بحاجة إلى توضيح أكثر من الكاتب طالما أنه تطرق إليه.

الضابط مارك لديه نفسا سوية تأبى عليه الحيدة عن الحق الأبلج، قيادته العسكرية تطالبه بالاعتداء على أهل القرية المسالمين مؤازرة لليهودي الهولندي زائيف الذي افتتح ماخورا ترتكب فيه كل ما يخالف أي دين، ولكن إنجلترا التي جاءت للبلاد التي احتلتها لتعلمهم الثقافة والرقي، وثقافتهم ورقيهم يملي عليهم تعضيد زائيف الذي يمارس مهنة آبائه وأجداده منذ أصحاب الرايات الحمر، ونفس الثقافة والرقي هي من أملى عليهم توطين اليهود في فلسطين عنوة واقتدار!!

ما زالت سارة تقتفي أثر مخطوطة بهروئيل متتبعة ما حصلت عليه من معلومات من آدم، فذهبت إلى سوق يبع الحلي، به تجارعرب ويهود يدخنون النرجيلة معا ويسمعون أغاني لفيروز وأم كلثوم، وأغاني عبرية لزوهر أجروف وعوفر ليفي، وفي محل أسماك سيران قابلت زكريا طبقا لما قالته ليليان لأنه كان يعمل مع تاجر تحف سرياني إسمه غبريال والذي كان وطيد الصلة بجرار قمران التي كانت تحتوي على مخطوطات قديمة.

مارك الضابط البريطاني ذكر في مذكراته أنه ذهب للتاجر غبريال ليتحقق من وجود بعض المخطوطات التي عثر عليها في وادي قمران وأن عليه أن يسلم للسلطات البريطانية أي مخطوطات لهم وإلا عرض نفسه للمسائلة.

ولكنه في الوقت نفسه يؤكد على عدم معرفته إلى من آلت مخطوطة بهروئيل، وعلى غير المتوقع فقد علم مارك بانتهاء خدمته بفلسطين وضرورة العودة إلى بلده.

بعد عودة مارك إلى إنجلترا بعامين قرر الذهاب إلى فلسطين كسائح للحصول على مخطوطة بهروئيل، بعد أن علم استحواذ اليهود على كل قرى عكا، وألتقى بهارون اليهودي الفلسطيني الذي خرج مع الفلسطينين وكان متداعيا مما ألم بهم فواساه مارك بالقول الظلم له نهاية ولا يدوم.

والحق أن الكاتب ألح على رفض اليهود الفلسطينيون لللاحتلال الصهيوني من قبل هارون الذي كان معاصرا للحدث وهذا منطقي لدى قلة منهم بالطبع، لكن الذي لا يستقيم مع أي منطق هو أن يكون العطار داوود وابنته ليليان عام 2007 من الرافضين للاحتلال وهم لم يعاصرا عملية الإحلال والتبديل التي تمت في السابق من بني دينهم وإن كانوا من ثغور شتى جاءوا إلى فلسطين لفيفا.

فكرة وجود يهود رافضين احتلال فلسطين وعدم أحقيتهم في هذه الأرض قائمة بالفعل ولكنهم قلة قليلة لا حول لهم ولا قوة ولا يملكون من الأمر شيئا، ولا يمثلون قوة ضاغطة كما يلح الكاتب على ذلك، أو أنه يريد أن يقول أن الحياة ممكنة بين الفلسطينيين من كل الأديان.

الضابط مارك كان شفيفا رافضا لما فعله اليهود بحق الفلسطينين ويريد فضحهم ولكن بعد أن يتمكن من الحصول على مخطوطة بهروئيل، واليوم في أوروبا وأمريكا تلك البقعة المسماة فلسطين موجودة على خرائطهم بإسم إسرائيل، وهذه الصورة تعني أننا لا وجود لنا إعلاميا بالخارج، فلا نلومن إلا أنفسنا.

آدم وصل إلى فلسطين ورافقته سارة مندوبة الاحتلال وذهب إلى قرية كويكات بعكا ليرى بيوت الشيخ بدر التي استولى عليها زائييف صاحب الفضل الأكبر في قيام الكيان الصهيوني، وساء سارة رؤية اليهود الذين خرجوا بأطفالهم من بيوتهم ليقيموا في فنادق!!! بناء على طلب آدم بوجوب إخلاء هذه البيوت للتنقيب تحتها عن مخطوطة بهروئيل، بينما هذا الفعل حدث ويحدث مع الفلسطينيين بصفة دائمة دون أن يطرف لأحدهم جفن.

مارك اصطحب زوجته ليزا إلى لبنان لمقابلة زينب زوجة خليل ربما دلته على مخطوطة بهروئيل ولكن زينب كانت على فراش الموت وأوصتهم برعاية ابنها وإبقائه على دينه ولكنها ماتت وتبنته ناشطة حقوقية وزوجها وتحول إسمه من يوسف خليل بدر إلى جوزيف مايكل، والذي تزوج وأنجب آدم الذي أخذ يبحث مع سارة عن مخطوطة بهروئيل، وبمجرد بلوغه وسارة بيت جده الشيخ بدر والد أبيه خليل من خلال قراءته لمذكرات الضابط الإنجليزي مارك، حتى شعر بقشعريرة فهذا هو البيت الذي ولد به وهذا هو أصله، وهذه مبالغة في التناول لا تستقيم مع الواقع بأي حال من الأحوال، فكيف بزينب التي تعيش في مخيم للفلسطينيين يقتسمون مرارة كل شيء معا أن تعهد بابنها لأسرة إنجليزية، فهل لن يستطيع سكان المخيم احتواء من فقد والديه بينهم؟ وهل الأسرة مسيحية تورثه دين والديه والقضية اللذان ماتا من أجلها؟!

بيت والد محمد مزيان هو نفسه بيت سارة الذي اعتقل بسبببه محمد مزيان لأنه يحوم حوله فعبر الكاتب بصورة جميلة ودقيقة ربما معبرة عن فلسطين كلها، فعندما دخل آدم بيت سارة وجد شجرة جميز كبيرة ذات أوراق عريضة صارت مأوى للغربان، فالشجرة هي فلسطين التي صارت مأوى للغربان الذين حلوا فوقها من ثغور شتى.

عثرت سارة على الجرة ولكن بها رسالة عن مخطوطة بهروئيل وليست المخطوطة، فأصبحت بين أمرين أحلاهما مر، وهي إما أن تسلمها لآدم الذي أحبته ووثق فيها وهنا تصبح خائنة لبلدها فضلا عن ما يلحقها من تبعات ذلك أو أن تسلمها لمرؤوسيها وتقول لآدم أن بيت مزيان قد تهدم من سنوات حتى تقطع عنه أي أمل في البحث وبذلك تكون خائنة له وللإنسانية.

في النهاية قررت أن تفوز بالحب وتعيش كامرأة يهودية فحسب فقررت السفر إلى إنجلترا بعد الزواج من آدم.

وهذا القول يعني أن معنى الحق مطاط ويقبل التأويل الذي يختلف من شخص لآخر، إن كان هناك شخص لا يرى للحق إلا صورة واحدة فقط فهو مارك (الإنسان الجميل) الذي عاصر الحدث وحافظ على وصيته التي أكد فيها على أهمية المخطوطة الداعمة لعودة الحق لأصحابه، وآدم الذي رغم بُعد الشقة بينه وبين جذوره، فقد أقتفى أثر المخطوطة دون وجل حتى وإن كان القتل نهايته المحتومة على يد من لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة.

شكرا للكاتب على ما أفاض به علينا من إبداعه المعتنى به وننتظر منه الكثير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى